في ظهيرة يوم حار, اقتحم مجلس القاضي أعرابيّ, وهو يصرخ:
- بعيري... سرقوا بعيري... أيها القاضي...
تأمل القاضي الأعرابي الغاضب... كان هذا يلهث, وهو يحاول, دون جدوى, مسح العرق عن شفتيه وأنفه وعينيه, بطرف كوفيّته وهو يردد:
- بعيري... سرقـوا بعيري... وعليه حمل عسل.
كما كانت الرمال تمتص الماء سريعا، كانت (سارة) كلما نزحت بعض الماء تعود لتنظر إلى البحر فتجد أنه لم ينقص شيئا، ظلت (سارة) فترة طويلة تنزح الماء بالجاروف وتملأ دلوها الأحمر وتذهب لتسكبه على رمل الشاطئ، كانت (سارة) تريد أن تنزح ماء البحر، كانت أم (سارة) تبحث عن ابنتها في أرجاء البيت وحين نظرت من الشرفة وجدت سارة وقد أتت بدلوها البلاستيكي الأحمر والجاروف وراحت تملأ الجاروف من ماء البحر وتسكبه في الدلو، ثم تذهب بعيدا لتسكب الدلو على الرمال وتعود لتملأ الدلو من جديد،،، لابد أن أفعل شيئا،بعد وقت عادت إلى البيت مسرعة وهي تقول لنفسها: ، شغل الأعرابي بعطسة قوية فاجأته, فاغتنم القاضي الفرصة, وقال:
- إهدأ, يا رجل, وارتح, في غد ننظر في قضيتك.
صاح الأعرابي: لا... لا, يا سيّدي.
سأل القاضي: ألا تنتظر حتى نحضر المتهمين?!
قال الأعرابي: المتهمون في الخارج ينتظرون الإذن بالدخول.
سأل القاضي: من أحضرهم?!
قال الأعرابي: أتوا من تلقاء أنفسهم.
فكّر القاضي لحظات, ثم قال للحاجب: أدخل الرجال المنتظرين في الخارج.
دخل رجال أربعة. حيّوا, ووقفوا في زاوية غير بعيدة عن القاضي.
تأملهم هذا وفكّر:
- (يبدون من علية القوم, يتصرّفون بأدب... أتوا إلى مجلس القاضي من تلقاء أنفسهم.. .هل يسرق هؤلاء بعيرا)?!
ثم خاطب الأعرابي: ما دليلك, يا أخ العرب, على أن هؤلاء سرقوا بعيرك?
فصرخ الأعرابي: دليلي واضح... شرد بعيري... لحقت به... اختفى في ديار هؤلاء الرجال... ولما التقيت بهم, وسألتهم عنه, وصفوه لي وصفا دقيقا, ثم أنكروا رؤيتهم له.
سأل القاضي الرجال: هل ما قاله هذا الأعرابي صحيح?
ابتسم الرجال, وتبادلوا النظرات.
فصرخ الأعرابي: لا تصدّقهم, يا سيدي, مهما قالوا... قالوا لي:
- بعيرك أعور بالعين اليسرى, يعرج... . ليس هناك أيسر من ذلك. وفاجأ جدو عبدو بقوله: . لم يفكر يوسف طويلا... أكثر ما يزعجني يا يوسف أثناء سفري أن يفكر اللصوص في اقتحام البيت عندما يتنبهون إلى غيابنا. ما علاقتي بالأمر؟! . . وعلى فكرة دعوتك إلى هنا لهذا السبب. أنت لا شيء يفوتك. نعم. هل تبدأ يا جدو رحلة سفرك الصيفية مع جدتي؟ . . فلمح حقائب سفر. رمى يوسف ببصره إلى جانب من الغرفة. وأيضا عليهم أن يتطوروا ويطوّروا من حياتهم. لكن الناس يتطورون. وأنت تعرف أني مؤمن بالله إيمانا عميقا. لكن ملاحظته الخاصة بالتطور جديرة بالاحترام. بالضبط. ويقول: لم يقل الرجل هذا الكلام.. يضحك يوسف ويقول: اللهم إلا في حالتي الخاصة جدا! يقهقه الجد.. كما لا أوافق على ما يتناقله الناس عن أنه قال إن الإنسان أصله قرد... نعم. أنك لا توافقه في الكثير مما جاء به في نظريته؟ ... أعرف. ... جميل أن تنبهت لهذا. ما السر؟ . أراك يا جدو وضعت صورة (دارون) بجانب صورة (أينشتين) و(مصطفى مشرفة). . إذ أنه ما من مرة إلا ورأى جديدا. وكان يدهشه ذلك. الذي قام كالمعتاد بالتجول في أرجاء البيت ليرى ما أحدثه جدو من تغييرات. مرحّبا بالعبقري الصغير. استقبله في حفاوة.وعندما وصل يوسف إلى بيت جدو ذنبه مبتور, يحمل عسلا, وهو كما وصفوه تماما, ثم أنكروا رؤيتهم له, بعيري يحمل عسلا, ياسيدي, هو كل ما أملك...
عاد القاضي يسأل الرجال: هل ما قاله هذا الرجل صحيح?
قال كبير الرجال: صحيح.
فقال القاضي بسرعة: كيف تصفون البعير وصفا دقيقا ولا تقرون برؤيته?!
فقال الرجل الأول: لاحظت أن البعير لم يرع من العشب سوى القائم على يمين الطريق, فعرفت أنه لا يرى بعينه اليسرى.
وقال الرجل الثاني: ولاحظت أن آثار إحدى قوائمه أكثر عمقا, فعرفت أنه كان يشد عليها أكثر فتغوص في الرمال...
وقال الرجل الثالث: ولاحظت أنه عندما برك ترك خطا قصيرا مستقيما, فعرفت أن ذنبه مقطوع.
وقال الرجل الرابع: أما أنا فلاحظت أن صفّا من النحل يمتد طوال الطريق, فعرفت أن البعير يحمل عسلا, وتقطر من الحمل قطرات يتجمّع عليها النحل...
نظر القاضي إلى الرجال بإعجاب, وقال: فراسة تكافأون عليها وتُحمدون.
فصرخ الأعرابي: وأنا ما شأني بفراستكم?! أريد بعيري وحمل العسل...
فخاطب القاضي الرجال: وما دمتم تملكون هذه الفراسة فلِم لم تساعدوا الرجل في العثور على بعيره?
فقال كبير الرجال: لم يترك لنا فرصة.
فقال القاضي: وإن أعطيناكم هذه الفرصة?
فقال الرجل الرابع, وهو يضحك: نقول للأعرابي: اتبع خط صف النحل تجد بعيرك في نهايته...
قفز الأعرابي, وعانق الرجل, وهو يقول: ليتك قلت هذا الكلام من الأول...!
ثم قفز إلى الخارج, وراح يعدو صوب البادية...
