عندما يستعرض المرء شريط حياته، يعجب كيف أن الظروف البيئية تتدخل في تحديد مسار حياته، مما يدفعه أحيانا الى اتخاذ قرارات لها تأثيرها المباشر في مسار مستقبله. مازلت أتذكر أنني في عصر يوم من الأيام، وأنا في مقتبل العمر، ربما كنت في الثالثة عشرة أو نحوها، لا أدري على وجه التحديد، ولكن الذي أدريه هو أنني كنت أتصفح كتاب (العبرات) لمصطفى لطفي المنفلوطي، في إيوان مدرسة الوالد في سكة بن دعيج الكائنة في مدينة الكويت. وخلفت الاسطر القليلة التي قرأتها انقلاباً جذرياً داخل نفسي. بل إنها قررت مصير مستقبلي منذ تلك اللحظة. سحرني أسلوب المنفلوطي الجميل، بفصاحته، وعذوبته، وعباراته المنتقاة، وحسن معانيه، فصرت أتقصى كتبه لأشبع نهمي، مستمتعا بقراءتها متأملا أحداثها، متأثرا بها أيما تأثر. فقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتبه. - والحية الزعراء التي قتلته وطارت تزغرد- عم أمه- يتذكر قدورة---) أشعل عود ثقاب وعاد صوب الدير--- بهذا الحزن والطفولية والشعور الماورائي--- ولكن ليس لضبع (صوت بهذه الرقة- ظنه ضبعا--- يتبعه للحقل الأول فيبدو الصوت من الحقل الثاني- يتركه فيتبعه الصوت- يتبع الصوت فيهرب- أو صوت كائن لا يرى في هذا البر الواسع- يسمع بكاء طفل-- وبين خرائب (دير) قديم ومهدم- وقف هناك يتأمل في البدايات والنهايات- وفي زيارته للقرية-)--- رجعة غير محكمة الحبكة--- وعودتي بالتالي نهاية غير متقنة- وليس النهايات- لذا كان عليه أن يبدأ من هذه المحطة الصعبة (أنا ممن يتقنون البدايات- كما قال عنه كيركجارد (مرعب إلى حد لا يمكنني عنده أن أصفه إلا بالقول إنه مرعب إلى درجة مملة)- والملل- ووجع في أسفل الظهر مستمر حد الملل- وقد أكّد السارد أن ما أرجعه إلى القرية هو إصابته بالسرطان--- فزرت جبال طفولتي ليلا)- ثم يعود إلى ما قبل العودة (كنت أخطط لعودة منذ زمن- إلى هذا الجمال الذي تمت خيانته)- يقول (أعود للسكن في ريف رام الله- فيبدأ نص (سأكون بين اللوز) بعودة المؤلف/السارد إلى قريته كوبر بعد ثلاثين عاما من الغياب عنها-أما البداية النصيّة واقتنعت وقتها بأنني أمتلك المؤهلات اللازمة التي يحتاج إليها الأديب من حس صادق مرهف، وفهم للنفس البشرية، وإدراك أن ما نراه من مظاهر التصرفات الخارجية للإنسان، ما هو الا ردود فعل في الواقع لانفعالاته الداخلية. وكرست منذ ذلك الوقت حياتي للأدب، ولم أحد عن هذا الاتجاه في تحديد مستقبلي فيما بعد في دراساتي الأكاديمية.
وعندما وقع علي الاختيار لأكون أحد طلاب البعثة عام 1943، وبعد ان استقر بي المقام في القاهرة، اتسعت دائرة اهتماماتي الأدبية لتشمل النجوم البارزة آنذاك في سماء الأدب، طه حسين، وتوفيق الحكيم، والزيات، والمازني، ونجيب محفوظ وغيرهم من الأدباء المرموقين.
كما استهوتني كتابات الدكتور محمد حسين هيكل، والدكتور أحمد أمين، وبعض كتب العقاد، وخصوصا عبقرياته، وعلى الأخص عبقرية عمر. كما كنت أترقب مجلتي الرسالة والثقافة كل أسبوع لألتهم ما تشتملان عليه من مقالات أدبية. وشاطئها سرّ          وكيف أخفي النزعة المجونية الظريفة التي استهوتني لدى أبي فراس فيما كتبته آنذاك بكثير من السذاجة: ثلاث كؤوس على المائدة  تراق على معد واحدة  وحول الخوان ثلاث رجال  من السكر كالجثث الهامدة           مع أنني كنت في ذلك العهد لم أحضر إطلاقاً مجلساً للسكارى كي أصفه. ولا الصد والهجر تمور بألوان الإباء كأنما عوالمها بحر. وهي تغطي هذه الأبيات التي نظمها الطالب الإعدادي أو الثانوي الذي كنتُه ذات يوم: ولي همّة شمّاء يشعلها الدهر فلا هو يطفيها. أو المتنبي إذا أردتم . وإلا فكيف أستطيع نكران عباءة أبي فراس الحمداني . فلقد كانت البدايات مثقلة بأصوات الأوصياء الكبار الذين حفظنا أشعارهم عن ظهر قلب بكثير من المتعة. فبالرغم من أنني بدأت أكتب في الثانية أو الثالثة عشرة ما يمكن تسميته بالشعر بالنسبة لتلك السن المبكّرة. ومن هن يكتمل القول بأن تجربتي الإبداعية كشاعر كانت صورة نموذجية لهذه المسيرة محتدمة الصراع. وفقدان النكهة. واليباس. إن طغيان (الذاتي) على (الموضوعي) يهدد بالغموض المجّاني والميوعة العاطفية أو الفكرية والتسيّب. بقدر ما يهدد طغيان الموضوعي على الذاتي بالنمطيّة. وصولاً إلى إبداع حقيقي أصيل. وأين وكيف تتوازن المعادلة بين الطرفين في أن لا يطغى أحدهما على الآخر. إن خير ما يقال في تلخيص السيرة الإبداعية لأي مبدع موهوب هو أنها المحصلة للصراع الأبدي والمتوارث بين (الذات) و (الموضوع) أو بين (الأنا) و (الآخر). و (سعاد) هي (سعاد) ذاتها وليس أيّ شخص آخر. ولكي يغدو (عدنان) هو (عدنان) ذاته فعلاً. كي يمارس حقه الطبيعي في خصوصيته المتفرّدة. أنه قد غدا صعباً عليه إعلان عصيانه وتمرّده على السلطة الخارقة للنظام السائد. عادة . سيجد .وحين ينتبه أحدهم إلى لعبة التماثل الرهيبة هذه. وفي خضم تلك التجربة طرأت على بالي فكرة جديدة، فقد أيقنت في داخلي، أنني حتى أصبح أديبا يشار إليه بالبنان، فإنه لابد من الاطلاع على الآداب العالمية. وهذا لا يتيسر لي إلا إذا أجدت لغة أجنبية، بجانب لغتي العربية، التي لاشك أنها كانت الوسيلة للاطلاع على الآثار الأدبية العربية، سواء أكانت شعراً أم نثراً، منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الراهن. ولذلك فإنني حينما أنهيت المرحلة الثانوية في المدرسة السعيدية بالقاهرة، التحقت بكلية الآداب ـ قسم اللغة الإنجليزية، إيمانا مني بأن هذه اللغة ستكون مفتاحي للاطلاع على آداب اللغات الأخرى. هذا إلى جانب اطلاعي على عالم الأدب الإنجليزي، وهو غني بأفكاره، واتجاهاته.
لا أدري كيف. فإنه في هذه الفترة من عمري استولت على اهتماماتي الأدبية كتب إبراهيم عبدالقادر المازني، أكثر من غيره من الأدباء. كنت مأخوذا بأسلوبه الفذ العميق، الذي تستوقفك عباراته، وتلزمك بالتأمل لإدراك  أبعادها ومغازيها.
، كما تعلم الإنجليزية في أربعة أشهر، وحصل قراءات فاحصة للآداب الإنجليزية والفلسفة والعلوم الاجتماعية؛ الأمر الذي مكنه من إجراء المقارنة بين ما تنطوي عليه الثقافة الإسلامية وما تتضمنه الثقافية الغربية،وخلال إقامته في دهلي تعمق المودودي في العلوم الإسلامية والآداب العربية كما كنت متأثرا بنظرته الفلسفية الواقعية لحياتنا، وتفاهة الكثير مما نتظاهر بالاحتفال به، باعتباره خلقاً أو إبداعاً. إن المتأمل في أعماله الأدبية لاشك يدرك هذا الاتجاه الذي يعكس صفحة نفسه المجبولة على التواضع الجم، وأن جل ما يبذله الإنسان في دنياه الطارئة لا يعدو أن يكون قبضا للريح، أو حصاداً للهشيم. ولعل العبارات التالية تلخص مجمل رؤاه في الحياة:(الفرق بيني وبين هملت، أنه معني بالحياة والموت، وبأن يكون أو لا يكون، وبأن يبقي على نفسه أو يبخعها، أما أنا فلا يعنيني شيء من هذا، ولست أراني أحفل لا بالحياة، ولا الموت، ولا الوجود ولا العدم، أو لعل الأصح والأشبه بالواقع أن أقول أني لا أرى وقتي يتسع للتفكير في هذا).
وتأمل في عناوين كتبه: صندوق الدنيا، من النافذة، ميدو وشركاه، عود على بدء، إبرهيم الكاتب، إبرهيم التاني. ولاحظ أنه لم يعن حتى بإضافة الألف إلى اسمه، فكان يكتبه (إبرهيم) وليس (إبراهيم).
بل إن ديوانه الشعـري لم يعن به، ولم يُعد طبـعه إلا قريبا، ذلك لأنه يعتقد في قرارته أنه لم يكن شاعراً مجيداً، مع نقده اللاذع لأشعار شاعرين كبيرين هما: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم.
استعداد فطري
وفي القاهرة، وأنا في خضم هذه الاهتمامات الأدبية، قرر بعض طلاب بيت الكويت الذي أسسه المرحوم الأستاذ عبدالعزيز حسين، تلقي دروس خصوصية في الموسيقى على يد أستاذ مصري. وعُرضت علي الفكرة، فقبلتها على الفور، لاستعدادي الفطري لإشباع هذه الهواية القابعة في الأعماق.
وإن امتد زمن عطاء السنباطي وعبدالوهاب حتى الثمانينيات للأول والتسعينيات للثاني, وقد انطلق الزخم الفني الكبير لهؤلاء بين العشرينيات والخمسينيات, وهو الجيل الذي تكوّن من محمد القصبجي ومحمد عبدالوهاب وزكريا أحمد ورياض السنباطي, أو أوائل العقد الأول من القرن العشرين, فإننا سنلاحظ تعاقب ثلاثة أجيال: • الجيل الأول من الموسيقيين الكبار الذين وُلدوا في العقد الأخير من القرن التاسع عشر, في قطرها العربي المركزي (مصر) والأكثر تأثيرا في الوجدان العربي العام, وهو ما كان يعبر عنه الموسيقار رياض السنباطي بشيء من المبالغة والتواضع بعبارة: (نحن لا نفعل سوى ترديد ما أنجزه سيد درويش), فإذا انطلقنا إلى تأريخ منجزات الموسيقى العربية المعاصرة بعد سيد درويش, بما أفاد منه وانطلق منه بعد ذلك كل من عمل في حقل الموسيقى العربية في القرن العشرين, تجاوزا لها وتوسيعا لآفاقها في التعبير الفني, تأسيسا على النهضة الأولى للموسيقى العربية المعاصرة في القرن التاسع عشر,1923) هو إقامة قواعد مدرسة القرن العشرين في الموسيقى العربية المتقنة المعاصرة, كان قد حقق إنجازًا فنيًا عملاقًا في سنواته الست الأخيرة التي عاشها في القاهرة (1917,عندما رحل الموسيقار العظيم سيد درويش باكرا في الربع الأول من مطلع القرن العشرين ( 1923), ولاحظت بعد فترة قصيرة من الزمن، أن حلقة الطلاب الملتحقين بهذه الدورة الموسيقية أخذت تتقلص شيئا فشيئا، حتى وجد أستاذ الموسيقى أن من الأجدى عدم الحضور كلية. إلا أنني وبعد أن اشتريت عودا من شارع محمد علي كلفني آنذاك ثلاثة جنيهات مصرية، واصلت طريقي من غير أستاذ، ودون الاعتماد على النوتة الموسيقية. واكتفيت بالاستماع إلى الأغاني الشائعة ثم تقليدها عزفا على العود. وتأكدت هوايتي للموسيقى، ولكنها لم تغير من تصميمي على الاستمرار في تخطيطي الأدبي. وهكذا كان الأمر معي حينما تخرجت من كلية الآداب بالقاهرة، والتحقت بجامعة (اكستر) في المملكة المتحدة عام 1952، حيث قضيت سنتين فزت بعدهما بدبلوم عال بعد أن كللت رسالتي بالنجاح، والتي كنت قد كتبتها عن (جين اوستن) الكاتبة الإنجليزية المشهورة، والتي عاشت في القرن التاسع عشر. كنت مفتونا بأسلوبها الرشيق، المقنن، والمتزن.
وعدت بعد هذه التجربة إلى الكويت لأبدأ حياتي العملية، فمن أستاذ للغة الإنجليزية، إلى وكيل لمدرسة ثانوية إلى مفتش للغة الإنجليزية، ثم إلى ملحق ثقافي في لندن.
, أبكي من الحزن, قبل ذلك, بينما كنت, الذي بكيت فيه من الفرح, وأنت لم تأت إلا في الحمل الرابع, أنا التي كنت أسألها الصبي, أسألها أنت, فأرزق ببنت, كانت السماء تعاقبني, وفي كل مرة كنت أحمل فيها, منذ تزوجت أباك, فقد شحدتك من السماء,أنت ابن الشحادة وفي هذه الفترة التي امتدت من عام 1954 إلى عام 1959 في الكويت التقيت الأستاذ عبدالرؤوف اسماعيل، الذين كان أستاذا لمادة الموسيقى في مدارسها. شاقني عزفه المتميز والمعبر على العود، فتعلقت به أيما تعلق. فالسياسة ما دخلت شيئا إلا أفسدته). فإذا ما أسقط في يد هؤلاء كانوا يتوجهون بخفر إلى الجانب الآخر من المقهى لطلب رأي أحد الأساتذة الذين كانوا يطالعون الصحف أو يقرأون المجلات أو يتجادلون في مصير الأمة العربية. * * * (إياكم والسياسة يا أبنائي.كان الصغار يطرحون على الكبار الأسئلة لحل ما أشكل عليهم من مسائل ونظريات. واستطاع بتمكنه من الموسيقى العربية، واطلاعه الواسع على مقاماتها، وصوته الجميل، أن يبعث في نفسي من جديد هذه الهواية، وأن يبصرني أكثر بمواقع الجمال فيها، وأن يعمق حبي لها. واتفقنا على أن نلتقي يوم الجمعة من كل أسبوع في سكني. كنت أسجل المقطوعات الموسيقية المقررة بعوده، ثم أعيد عزفها على مسامعه في الأسبوع القادم.
وكانت بيروت هي محطتي الأولى في وزارة الخارجية، حيث كنت وزيراً مفوضاً ومساعداً للسفير. وهناك تعرفت على عازف العود الشهير منير بشير. كنت أعجب بعزفه الدقيق، وتحكمه بالريشة، وقدراته الفنية المتعددة، التي تنتقل بك من أجواء هادئة حالمة، إلى أجواء مشحونة بالإثارة، حتى يتحول العود بين يديه إلى ما يشبه الأوركسترا الهادرة والمعبرة عن أشد الانفعالات قوة.
وعندما تم نقلي إلى جنيف في أواخر عام 1969 مندوبا دائما في مكتب الأمم المتحدة، وبعد أن استقر بي المقام، تعرفت البروفيسور سيمون جارجي أستاذ الأدب العربي والدراسات الإسلامية في جامعة جنيف، وعلى مدى الأيام توثقت هذه العلاقة وصارت صداقة متينة واستمرت حتى اليوم، نظرا لتشابه اهتماماتنا الأدبية والموسيقية. والحق يقال، أنني استفدت كثيراً من علمه الغزير في الموسيقى العربية. - وخدمة الأدب- وتربية المجتمع- فيما يتعلق بالتثقيف العام- من شأنها أن تثمر ثمرات مُرة- إن هو إلا بضاعة مغشوشة- فصح عندي أن أي تخفّ وراء الدرجة العلمية أو الوظيفة الرسمية- كثير منها يحكمه التعجرف والغرور- وما كنت خلفته ورائي من آراء- والانغماس في العمل- بغية الوصول بفكرهم الأدبي إلى أنقى صيغة ممكنة- شبه التعبّدي- وقارنت بين عملهم الجاد- وفُتنت بآراء جماعة (بلومسبري) التقدمية- ومن إيمان بمستقبل الشباب- ومن مواقف سياسية- وبالإضافة إلى هذا راقني أيام دراستي في لندن ما كان يدعو له برتراند رسل من أفكار فلسفية- وكلما راودتني نفسي بأن أغازل المناهج الأخرى يردّني إليها قول مأثور آخر هو (ما فائدة أن يخسر الإنسان نفسه ويربح الآخرين)- وتحقق عندي القول المأثور (قيمة كل امرئ ما يحسن)-وهي تبقى غرامي الأول والأخير وكان يجيد اللغة العربية كأحد أبنائها، بالإضافة إلى اللغة الأم (الفرنسية)، كما أنه يجيد الإنجليزية. وقد أصدر كتابه المعروف (الموسيقى العربية) عام 1971 باللغة الفرنسية. وكان الناشرون الغربيون يعتمدون كثيراً على معلوماته وآرائه في مجال الموسيقى العربية في دورياتهم ومجلاتهم ومراجعهم العامة باللغتين الفرنسية والإنجليزية.
وفي أحد الأيام اقترح علي أن نقوم برحلة استطلاعية عن أحوال الموسيقى الإسلامية، وتسجيل الممكن منها لتثبيت مختلف اتجاهاتها. فوافقت على اقتراحه فوراً. وفي أبريل من عام 1973 قمنا برحلتنا الأولى بالسيارة، ابتداء من جنيف وانتهاء بلبنان، مروراً بالأصقاع التركية والسورية. والحقيقة أننا كنا نقصد بشكل خاص مدينة (قونيا) لزيارة متحف المتصوف الإسلامي المعروف جلال الدين الرومي، للاطلاع على ما خلفه من مخطوطات شعرية ومن آلات موسيقية.
وبينما كنت والبروفيسور جارجي منهمكين في الاطلاع على مخطوطاته الشعرية، وعلى الأخص مثنويته، وكذلك الآلات الموسيقية التي يستخدمها، فوجئنا بعزف منفرد على الناي، صادر من ضريح جلال الدين الرومي، القائم في وسط المتحف، عن طريق سماعات مثبتة على جانبي القبر، غير ظاهرة للعيان. كان العزف شجياً، حزيناً ومؤثراً هزنا من الأعماق، كما لو كان مرثية لشخص مات تواً. وأصخنا بكل جوارحنا إلى عزف الناي حتى نهايته. ومعروف أن جسد جلال الدين الرومي قائم في قبره، وليس مسجى كما هي العادة. ومن فرط إعجابنا بعزف الناي الشجي، توجهنا إلى مدير المتحف، لمعرفة المزيد عن العازف. واستطعنا عن طريقة تعرف اسم العازف، وعنوانه. واتضح أنه كان صيدلانيا اسمه حسين أوكسوس. ودعوناه إلى الفندق، فلبى الدعوة، واخترنا غرفة هادئة، منعزلة لتسجيل عزف الناي المعبر على آلة الناجرا التي لا تفارقني في رحلاتي.
أغاني شعبية
أما في رحلتنا الثانية فقد توجهنا إلى البحرين بالطائرة في شتاء 1975، وتمكنا من تسجيل بعض الأصوات والأغاني الشعبية للمرحوم يوسف القوني، المغني البحريني المعروف، وكذلك للمغني آدم عبدالوهاب.
ثم قمنا بعد ذلك بزيارة (دار جناح) في المحرق، حيث كان في استقبالنا عدد كبير من البحارة المتقاعدين وعلى رأسهم النهامون: سالم العلان (الكفيف)، وهلال بوخالد وأحمد بوطبنية. وسجلنا لهم   (فن زمية وفن مخموس وفن مجيلس وعدساني وحدادي). وأذكر أنني دعوت الموسيقار السوفييتي المعروف خاتشادوريان إلى حفلة عشاء في منزلي بموسكو. وأدرت التسجيل أمامه، فقام من مقعده وتوجه إلى جهاز التسجيل وكله آذان صاغية. وقال بعد أن استمع : إنه تأثر بغناء النهمة، وبجمال الإيقاعات الغريبة عليه، والمصحوبة أحيانا بالتصفيق، وبتناسق أصوات المجموعة التي تشكل خلفية رائعة.
وإنما أيضاً في تنابذنا وصراعاتنا. ليس في تجمّعنا وتكاتفنا فقط. كي نتحوّل إلى أعضاء نظاميين مدجّنين حسب الأصول والتقاليد والأعراف السائدة في ظل النظام الاجتماعي الذي ننتمي إليه بالولادة. وهكذا سوف نتشابه ونتماثل إلى حد بعيد. وبكثير من حسن النيّة.وهو تدريب يتطوّع لإخضاعنا له جميع من حولنا دونما استثناء تقريباً. وغادرنا بعد ذلك إلى أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي منزل السفير الكويتي ـ وقتها ـ سليمان ماجد الشاهين، الذي عرف غايتنا من الزيارة، وأكرم وفادتنا، أقام لنا مأدبة عشاء دعا إليها المغني المعروف محمد زويد مع عازف المرواس راشد بن سند، وحضر مع زويد المغني السيد خالد، الذي أشجانا بصوته الرخيم، ومن بعض الأغاني التي استمعنا إليها وسجلناها تلك الليلة: لمع البرق اليماني (صوت شامي)، وحشاشة نفس (صوت عربي).
أما رحلتنا الثالثة فكانت عام 1976 طرنا فيها إلى عاصمة اليمن (صنعاء)، وكانت غاية زيارتنا تسجيل الأغاني الشعبية اليمنية، ذات الايقاعات المتعددة، وكان السفير الكويتي إبراهيم البحوه كريماً معنا، فدعانا إلى وليمة عشاء، وكان من ضمن المدعوين اليمنيين المغنيان علي أحمد الخضر ومحمد الحارثي، فتمكنت من تسجيل بعض الأغاني اليمنية ذات الإيقاعات المميزة ومنها: الصوت الصنعاني، وايقاع السارع والمطول والوسطي. كما اطلعنا على العود الصنعاني المشهور في زيارة أخرى في دار الشيخ عبدالله شايف زهرة، حيث حضرنا جلسة (قات) عند العصر. واستمعنا في هذه الدار إلى أغاني صنعانية قديمة الإيقاع، من قبل المغني اليمني محمد الحارثي.
وفي عام 1973 ألقت بي مقادير العمل إلى موسكو، عاصمة الاتحاد السوفييتي آنذاك. وهنا يجب التوقف قليلاً، لأن السنين الخمس التي قضيتها في موسكو، أحدثت انقلابا جذريا آخر في حياتي، وأحيت ناحية مهمة  قابعة في أعماق الروح، وهي تعلقي بالموسيقى. ولكن أي نوع من الموسيقى أستمع إليه هنا? إنها من النوع الراقي الذي يجمع بين الفن والعلم والتجربة. وأتيحت لي الفرص لمشاهدة الأعمال الأوركسترالية العظيمة في مسارح البولشوي والكرملين وتشايكوفسكي وغيرها. بهرني بالذات، هذا التعاون التام بين أعضاء الأوركسترا، واستجابتهم لإشارات المايسترو بانتباه ووعي ونظام. هذا إلى جانب ما أسمعه من تراكيب موسيقية مركبة لم أتعودها، والتي أبدع فيها المؤلف الموسيقي، بما بذله من جهد عظيم في اختيار نسيجها الموسيقي، المبني على قواعد، وعلى ذوق، وعلى خبرة واسعة. وبهرني أيضا هذا الاستثمار الذكي للمساحة الفسيحة المتيسرة في الآلات الموسيقية في الأوركسترا، فمن آلات حادة، يرتفع مداها إلى الأعلى، كاليكولو والفلوت، إلى آلات ينخفض صوتها كالتيوبا والكاونترباص. هذا إلى جانب توظيف آلات الإيقاع وهي متعددة لخدمة الأفكار الموسيقية.
تراث وتقنيات
وطرأت على بالي فكرة، وألحت علي مع الأيام، حتى ترسخت في الذهن. هل من الممكن أن ننقل إلى الغرب في المستقبل، موسيقانا المطورة، عن طريق أوركسترا عربية قادرة على نقل روح موسيقانا، ذات الشفافية الروحية، بشكل متقن وراق? ولكن كيف الطريق? وما الوسائل? واقتنعت في داخلي بأن أبدأ بنفسي رغم تقدم السن، وعدم وجود خلفية موسيقية لدي. إنها تكفيني إنها حياتي الداخلية، نعم لقد عشت خُمس الحياة، لبقي لي أقلُّ من خمسها، ولو طرحت الآن ساعات النوم والطعام والكسل والعمل الذي لا أرغب فيه من مدة هذه الحياة، ولعلّني لست نوتيّ هذه الرحلة، واتجاهات الرياح أيضاً، والحقيقة أنّ الماء يتقدم به، يقول إنه يتقدم، والذي يراه من بعيد، ويحمل معه عائلة وعلماً واسماً ودواوين، في مقدمته رجل يمسك بمجدافين، ويتقدم، مائل، فثمة مركب ما، ومع ذلك، فالأيام من البعيد، تتشابه كموج البحر، سوف يكون من الصعب الوقوف على محطات راسخة في ظاهر حياة سرديّة لايفصل الليل عن النهار فيها سوى حجاب مستور، أو ليشير إلى وجودها في القاع، لا شيء منها على السطح ليطفو، وفي غالب الأحيان، أو أخشاب قليلة، سوى بقع من زيت، ولا يطفو على سطح الماء منها، والأمر شبيه بالغوص على الأجسام الضخمة لسفن غارقة في المحيط، وقد تلتقيان، ما يستلزم سبراً مزدوجاً لأعماق هذه وتلك، وللكلمات حياة، لعلّني لستُ نوتيّ هذه السفينة أخيراً: للذات حياة، ولا أنسى الرماد أيضاً أو العدم: (يأتي من جهة البحر ومن جهة الصحراء/ طفل بدم أبيض/ بقنابل ضوء فوسفورية/ بحمام أو بطباشير/ ويدوّن فوق اللاشيء هواجسه: لا شيء)، والوصول إلى قصائد الصمت أو الرماد وأخيراً إلى قصائد الوجد العرفاني: (يا مولاي/ أمرتني شفتاكْ/ حين أهاجر نحوك في موكب أسراري بالصمت/ ولهذا فأنا أكتب أشعاري بدم أبيض)،ما قادني إلى مغالبة الحال، وقد تعودت دائما أن أسبح ضد التيار إذا ما تملكني الشعور بسلامة رأيي، يؤيدني في ذلك استعداد فطري، وحب للموسيقى، وعزيمة صادقة. وقررت أن أبدأ من الصفر. وأن أتعلم النوتة الموسيقية، وأن أكتب بها، وأن أغتنم فرصة وجودي في موسكو حيث تتوافر الإمكانات لدراسة الهارموني والبولوفوني والتأليف الموسيقي وما يتطلبه من تقنيات لابد منها في العمل السيمفوني. كنت أصحو والناس نيام، لأؤدي واجباتي الموسيقية، كأي طالب مجد قبل أن أتوجه إلى مكتبي لمزاولة أعمالي الدبلوماسية. وقد عاهدت نفسي منذ البداية على ألا تؤثر هوايتي الموسيقية المتمكنة في قلبي على عملي الرسمي. وقد وفيت بهذا العهد والحمد لله. وعلى مدى السنوات الخمس التي قضيتها في موسكو، تعرفت خاتشا دوريان المؤلف الموسيقي الكبير، والمعروف عالميا. بل إنني حضرت بعض دروسه. كان ديكتاتورا في مهنته الموسيقية. لا يجامل، أو يتنازل عندما يكتشف خطأ ما عند طلابه. وكان طلابه يحسبون له ألف حساب. وقد تمخضت جهودي الأولى في تأليف موسيقى وطنية قائمة على المقطوعة الشعرية للمرحوم أحمد مشاري العدواني (يا دارنا يا دار)، والتي لحنها الموسيقار رياض السنباطي.
وقد ساعدني البروفيسور ميخائيلوف في التوزيع الموسيقي، وتم تسجيلها في استديو الإذاعة والتلفزيون في موسكو بتاريخ 13/9/1977 من قبل الأوركسترا السيمفوني للراديو والتلفزيون بقيادة المايسترو فلاديمير فيدوسييف.
إلى البرازيل
وعندما تم نقل خدماتي من الاتحاد السوفييتي إلى البرازيل عام 1978، كانت الأسس السليمة قد ترسخت في ذهني، مما ساعدني على مواصلة مهمتي الموسيقية، فعندما استقر المقام بي في برازيليا، عاصمة الاتحاد الفيدرالي للبرازيل، اتفقت مع أستاذ من أصل إنجليزي، كان يدرس في كلية الموسيقى في برازيليا. وعن طريقه استطعت أن أواصل ما سبق وأن بدأت به من هارموني وألحان معارضة وتقنيات موسيقية أخرى تعينني في التأليف الموسيقي. وكالعادة، اخترت مساء الجمعة من كل أسبوع، لتلقي الدروس، وذلك لكي أستفيد من يومي السبت والأحد في القيام بواجباتي الموسيقية، إضافة إلى استلهام أفكار جديدة وكتابتها بالنوتة، ثم التخطيط لتنظيمها في إطار ما تعلمته من مهارات فنية في جمل موسيقية مركبة ومتناغمة.
وأذكر أننا دعينا إلى افتتاح مسجد في بونتاجروسا، وهي ثاني أكبر مدينة في ولاية بارانا، ويقطنها الكثير من المهاجرين العرب، وكنت ضمن وفد من السفراء العرب. وفي إحدى الأماسي في بونتاجروسا، دعانا رئيس البلدية إلى حفل موسيقي، وصادف وجودي بجانب مقعد مدير الأوركسترا وهو جوزيف القنواتي، من أصل عربي سوري. وفي مجرى الحديث العام عن الموسيقى، ذكرت له أن لدي محاولات في التأليف الموسيقي، فانشرح صدره وقال: إننا في شوق لعزف موسيقى عربية مطورة، وطلب مني إرسال النص الموسيقي، وإن لم تخني الذاكرة، كان ذلك في أبريل من عام 1981، وواصل حديثه قائلاً: إننا في نوفمبر القادم سنقيم حفلاً موسيقيا، فإذا أرسلت ما لديك من موسيقى، كان لدينا الوقت الكافي للاطلاع عليها وتنفيذها، ويمكن أن تحضر هذه المناسبة. وبعد عودتي إلى مقر عملي في برازيليا، أرسلت إليه النص، وكان تحت عنوان (عود على بدء) وقد غيرته فيما بعد ليصبح (الخضوع للقدر). واطلع عليه المايسترو (هاس) وكان من أصل ألماني، وقبله. إلا أنني راجعت القطعة الموسيقية فيما بعد مع أستاذي الإنجليزي، وأضفت إليها آلات أخرى، وبعض اللمسات الفنية التي رأيت من المناسب إضافتها، ثم جعلتها الحركة الأولى لعمل سيمفوني مكون من ثلاث حركات سميته (رحلة حياة)، في ذكرى صديق عزيز قريب، اختطفته أيدي المنون وهو في مقتبل العمر.
وعندما أتيحت لي فرصة إعادة تسجيل هذا العمل السيمفوني في لندن خلال مارس 1998، كنت قد راجعته بحكم ما اكتسبته من خبرة في العمل الأوركسترالي، كما أضفت إليه حركة رابعة، وأصبح بذلك متكاملا حسب رأيي الخاص.
وتجمع لدي، بعد فترة من الزمن، عدد من الأعمال السيمفونية التي كتبتها بتأن، ومراجعة مستمرة من قبلي، ومن قبل أستاذي الإنجليزي الذي كان خبيرا في التحليل الموسيقي. كان يطلعني على أخطائي الفنية، فأبادر إلى تصحيحها، كما أنه يوجه مسيرتي بالذات في الألحان المصاحبة، وفي الهارموني، ويبصرني بعمليات الإبداع في بعض الأعمال الموسيقية العظيمة، وبالذات لبتهوفن وتشايكوفسكي.
ودفعني النجاح إلى أن أقوم بعمل سيمفوني أكثر طموحا ولأوركسترا متكاملة. وبدأت بهذا العمل المحفوف بالمخاطر، والذي استغرق مني أكثر من ثلاث سنوات، في عمل متواصل ساعات الصباح الأولى، وأيام العطل والإجازات وأحيانا في المساء حينما يخلو برنامجي من أي ارتباطات رسمية. كنت مدفوعا بقوة خفية، أبتدع اللحن ثم أعيد النظر فيه بعد فترة، مبدلا، مغيرا حتى ترتاح نفسي لترتيبه المنطقي، فأبدأ في توزيعه على آلات الأوركسترا، ثم أعرضه على أستاذي الإنجليزي، فيبدي ملاحظاته الفنية التي آخذها بعين الاعتبار. ويساعدني في كثير من الأحيان في تنظيم الخلفية الموسيقية، وأحيانا يتفتق ذهني عن لحن جديد مناسب، أثناء بلورة اللحن الأساسي، ومحاولة كسائه، فأسجله بالنوتة قبل أن أنساه، وأثمرت هذه الجهود، بعد صبر وعناء عملا سيمفونيا من ثلاث حركات أطلقت عليه (السباحة ضد التيار). وعرضت ما لدي على المايسترو دي كارفاليو. وبعد أن درس العمل، أقره، وأبدى استعداده لتنفيذه. ولكن لابد في هذه الحالة من موافقة المؤسسة الثقافية للراديو والتلفزيون في البرازيل، ومقرها سان باولو. وبعد مراسلات مع المسئولين في هذه المؤسسة الحكومية، وعلى رأسهم (لويس)، المدير المالي للمؤسسة، وهو نفسه شاعر معروف، وافقت المؤسسة على تنفيذ العملين السيمفونيين، (رحلة حياة)، و(السباحة ضد التيار) بحركاتهما الثلاث، في أبريل عام 1985، وأبدت المؤسسة استعدادها لعرض هذه الأعمال في محطات الراديو والتلفزيون التابعة لها في البرازيل. أما بالنسبة لتكاليف تسجيل هذه الأعمال على فيديو كبير فتبلغ (5000 ORTN)، وهو ما يعادل في لغة الأرقام 800،37 دولار أمريكي. وكتبت بهذا العرض إلى وزير الإعلام آنذاك معالي الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح، الذي أجاب مشكورا بالموافقة. وفي 7 أكتوبر من عام 1985 تم تسجيل (رحلة حياة) بحركاتها الثلاث، في حفل حي بمسرح الفن والثقافة في مدينة (سان باولو)، وقوبلت الموسيقى باستحسان كبير، وقالت لي شخصية بارزة في المجتمع البرازيلي من أصل عربي إنه اهتز تأثرا عند سماع هذه الموسيقى، التي تذكره بانتمائه العربي. أما العمل السيمفوني الآخر (السباحة ضد التيار)، فقد تم تسجيله في استديو المؤسسة الثقافية في شهر يونيو 1985 من دون جمهور، وبقيادة المايسترو دي كارفاليو. ووصلتني رسائل فيما بعد تمتدح هذه الأعمال السيمفونية، ومنها قصيدة للشاعرة البرازيلية (تريزي دي جودوي).
وبينما كنت أعد نفسي للانتقال من البرازيل إلى الهند عام 1986 حيث تقرر نقل أعمالي إليها، تسلمت رسالة من ابني معن، في الولايات المتحدة الامريكية، والذي يعرف عشقي للموسيقى، ذكر لي فيها أن هنالك اختراعا جديدا في عالم الموسيقى، يتيح لك كتابة النوتة على الكمبيوتر، لأي آلات موسيقية تراها، وأنه عن طريق (الميدي) أو (الواسطة) التي توصل بين الكمبيوتر والأورج أو (Synthesizer)، فإن الكمبيوتر يستطيع التمييز بين الآلات الموسيقية التي تحمل كل منها رقماً يشير إليه، ويحوله إلى أصوات مسموعة عن طريق السماعات. ولم أصدق بادىء ذي بدء، وبدا لي الأمر كالسحر، وطلبت من ابني تفاصيل أكثر مطبوعة، مع العناوين اللازمة. وجاءني الرد بأن المصنع موجود في بوسطن، وأنه سيكون هناك في التاريخ الذي أحدده، إذا توافرت لدي الرغبة. وهكذا قررت أن ازور بوسطن قبل توجهي إلى الهند، لرؤية المصنع عن كثب، ودراسة إمكان تشغيلي لهذه الآلات الإلكترونية واستعدادي لدفع الثمن مهما كان باهظا. وسكنت في أحد الفنادق القريبة من المصنع في بوسطن، مع ابني معن، الذي سبق أن عاش أيام دراسته في أمريكا. وكان قد استأجر سيارة، مما سهل لنا مهمة تنقلاتنا إلى المصنع، وإلى غيره. وعندما شاهد المسئولون في المصنع رغبتي الأكيدة في امتلاك هذه الآلات الإلكترونية، قرر تزويدي بها في غرفتي بالفندق، وأرسل بعض خبرائهم لتلقيني الدروس الأساسية في تركيب وتشغيل هذه الآلات. وبعد قضاء حوالي عشرة أيام، بدأت فهم المبادىء الأولى في كيفية استخدامها. وقررت شراءها. وكانت فعلا باهظة الثمن. ولكن هذا يهون في سبيل امتلاك ما يشبه الأوركسترا في سكني.
احتفاء بالفن
أما في الهند التي قضيت فيها خمسة أعوام، فكانت لي تجربة أخرى مع الموسيقى، وهي مختلفة تماما عن تجاربي السابقة.
والحقيقة هي أن الموسيقى الهندية، ترتكز على أسس سليمة يتوارثها الأبناء عن الأجداد. إن عازف أي آلة موسيقية هندية متوارثة يعكف على التدريب ساعات وساعات، ليعود أصابعه العزف السليم لكي يتمكن بالتالي من نقل أحاسيسه على الآلة الموسيقية التي اختارها. وهذا ما دفعني إلى محاولة فهم الموسيقى الهندية، على الأخص الراج الهندي، الذي يتميز بقالب موسيقي معروف لدى الهنود. فاتفقت مع عازف سيتار بارز هو (بيدي سنج)، على أن أتلقى دروسا في الموسيقى الهندية مساء كل جمعة. وقد لاحظت تشقق أصابع (سينج) وتصلب أطرافها من فرط التدريب الذي قد يمتد إلى خمس ساعات أو أكثر كما قال لي. كنت أصغي إلى ما يعزفه، ثم أكتبه بالنوتة الغربية التي تعلمتها. وأحاول عزف ما أكتبه على العود للدرس القادم. وكان أغلب تركيزي منصبا على موسيقى (الراج الهندي).
وحينما حان وقت التقاعد عن العمل الرسمي عام 1994 وآن الأوان لعودتي إلى الكويت، وصار الوقت ملك يدي، عاد شوقي إلى الكتابة الأوركسترالية وبادرت إلى شراء آلات موسيقية أكثر تطورا مما سبق، وباشرت العمل، وبعد دروس قليلة بدأت معالم الطريق تتضح شيئا فشيئا، واستطعت بعد زمن قصير أن أواصل الأمور بنفسي، وبدأت في مراجعة العملين القديمين السابقين (رحلة حياة) و(السباحة ضد التيار)، وكتبتهما على الكمبيوتر من جديد، مصححا أحيانا، مضيفا أحيانا أخرى، وكتبت الحركة الرابعة لكل من هذين العملين السيمفونيين.
, بعد أن عرف أننا في بلاء ونحن مسلمون!, وإذا بسماحته قد أرسل لها بمساعدة عشرة آلاف ريال, فهذا الرجل كان له فضل بعد الله في ذلك, ولكن فجأة إذا بالسفارة السعودية تتصل بي وتطلبني بمراجعتها,فكتبت إليه وكنت لا أتوقع وصول الرسالة وفي عام 1995 وبمناسبة الاحتفالات بمهرجان القرين الثاني الذي ينظمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت دعيت الأوركسترا السيمفوني لأكاديمية شوبان في بولندا إلى الكويت للمشاركة في هذه الاحتفالات، وكان من ضمن ما قدمته أوركسترا الأكاديمية، عملان سيمفونيان هما: (الطموحات المبكرة) و(السراب). وفي عام 1998، وبمناسبة العيد الوطني لدولة الكويت، وبالتعاون مع الأمين العام للمجلس الوطني الدكتور سليمان العسكري تقرر إقامة حفل موسيقي في لندن في القاعة الموسيقية لسان جون. وكان من ضمن الأعمال السيمفونية التي قام بأدائها الاوركسترا السيمفوني لفريق موزارت اللندني المعروف، (رحلة حياة) بحركاتها الاربع، وكذلك (نبض حالم)، والتي كان العود فيها الآلة الرئيسية، وقام بأدائها ابراهيم طامي، المدرس في المعهد العالي للموسيقى بالكويت وكنت قد عرضت على البروفيسور ستانلي جلاسر هذه الأعمال السيمفونية، قبل إرسالها إلى أعضاء أوركسترا فريق موزارت اللندني، الذي أبدى ملاحظات فنية قيمة، أخذتها بعين الاعتبار. وقام المجلس الوطني بإصدار أسطوانتي ليزر. وكانت الأسطوانة الأولى تشتمل على: (1) رحلة حياة بحركاتهـا الأربع، (2) نـبـض حالم، (3) سيمفونية التحرير بحركاتها الثلاث والسبق أن قدمتها الأوركسترا السيمفوني للأكاديمية الملكية للموسيقى في قاعتها في حفل عام في يناير .1994 أما أسطوانة الليزر الثانية فقد اشتملت على (السباحة ضد التيار) بحركاتها الأربع، والتي استغرقت 53 دقيقة، وسجلت في قاعة سان جون من دون جمهور. وكان قائد الأوركسترا السيمفوني لفريق موزارت اللندني هو سيمون ماكفيه، رئيس قسم الموسيقى في كلية جولد سميث التابعة لجامعة لندن، وهو أستاذ محاضر في الكلية، وعازف كمان من الدرجة الأولى.
أعمال سيمفونية
وفي عام 2000 كان قد تجمع لدي أعمال سيمفونية أخرى كتبتها على الكمبيوتر وهي: (1) انعتاق، (2) تساؤلات في الداخل، (3) دوافع خفية، (4) لحظات سكينة، بالإضافة إلى عملين تراثيين للموسيقار الموهوب المرحوم عبدالله الفرج وهما: (الحمد لمن قدر خيراً وجمالاً)، و(ملك الغرام عنا ليَّ). وقد رأيت تقديمها بأداء سيمفوني جديد إحياء لذكرى هذا الفنان المبدع. وصادف أن قابلت السفير البولندي في إحدى الحفلات الروتينية، وجرى الحديث عن الموسيقى، وعرضت عليه فكرة تسجيل هذه الأعمال السيمفونية من قبل الأوركسترا السيمفوني لأكاديمية شوبان. فوعدني بالكتابة إلى رئيس الأكاديمية ريتشارد جيماك ليرى رأيه. وبعد فترة من الزمن جاء رد البروفيسور جيماك، طالبا النوت الموسيقية للاطلاع عليها. وقد سبق للبروفيسور جيماك أن رافق الأوركسترا السيمفوني لأكاديمية شوبان عند حضورها إلى الكويت عام 1985، وكانت لديه فكرة عامة عن إمكانياتي الموسيقية. وبعد أن اطلع على النصوص الموسيقية، واستمع إلى التسجيل من الكمبيوتر الذي أرسلته إليه، جاءني الرد بالقبول، وتطوع أن يقود الاوركسترا بنفسه. وبعد مراسلات معه، تم تحديد الموعد في شهر يوليو من عام 2000، وطرت إلى وارسو، وحضرت التدريبات والتسجيل. ووعدت شركة (DUX) التي تولت التسجيل بتزويدي بأسطوانات الليزر حالما تنتهي إجراءات الدبلجة، وإتمام طبع التعليقات على الموسيقى باللغتين: العربية والإنجليزية.
أما الخطوة التالية، التي اعتبرها أكثر جرأة وتطورا، فهي تأليف مقطوعات موسيقية عربية استخدمت فيها ربع التون، من مقامات عربية معروفة من رصد وبيات وهزام وصبا.. إلخ.. . لا تحدي سلطة النهي في النص. وما يفعله دائمًا هو إعادة الاحترام للنص المقدس ونزع القداسة عن صنم الثقافة المهيمنة وتحطيم هذا الصنم.فالكبيسي يريد تحدي سلطة الثقافة المهيمنة والتي يعتقد الناس أنها مقدسة وقد سهل لي هذه المهمة الأورج الشرقي الذي اخترعته اليابان. وعلى مدى حوالي السنوات الثلاث الأخيرة، تجمع لدي مقطوعات موسيقية ألفتها من مقامات عربية، لأوركسترا سيمفوني عربي ليست موجودة أصلا. وهي: (1) لمسات عاطفية، (2) عطر من الماضي، (3) في هوى بدري وزيني، مستوحاة من أغنية قديمة للموسيقار والشاعر الموهوب المرحوم عبدالله الفرج، (4) رؤى تصوفية. كما ضمت هذه المجموعة عملاً سيمفونيا تحت عنوان (ذكريات مبكرة) مكون من أربع حركات هي: الحركة الأولى: انفعالات غامضة، الحركة الثانية: صراع في الداخل، الحركة الثالثة: احتجاجات مكبوتة، الحركة الرابعة: آمال.
إن كل أملي أن تتمكن هذه الموسيقى، ذات المذاق العربي الصرف، من أن ترى النور قريبا، لأنني بصدد محاولة تنفيذها في القاهرة، ويمكن اعتبارها استمرارا لعملية تطوير الموسيقى العربية، على أسس علمية سليمة، تاركة المجال لجيل الشباب القادم من الموسيقيين الموهوبين، الطموحين، للمضي في الطريق إلى نهايته القصوى. حتى تصبح لدينا موسيقى عربية عالمية، بأداء سيمفوني سليم.
