تأخرت عن حفل تكريمي الذي أقيم بمناسبة نيلي درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1985, لأنني كنت في المطبعة أنتظر النسخة الأولى من كتابي الجديد (مغارة الكنز) الذي صدر في اليوم ذاته, إذ اعتبرتُ ولادة كتاب جديد لي أكثر أهمية من حفل تكريمي لنيل هذه الشهادة العليا التي توّجت اختصاصي كمهندسة في الاقتصاد الزراعي.
-أمل حياتي- و--أنت الحب- و--على باب مصر- و--انت عمري- كما لحن لأم كلثوم والذي وصف لقاءاته بها بلقاء السحاب في أغنية - ولحن لمعظم المطربين وبعض المطربين العرب أكثر من 700 لحن- وولدا- وأنجب منها أربع بنات- الحياة والفن تزوج عبد الوهاب من نهلة القدسي--من غير ليه- وكان آخر أغانيه هي - وأيضا بعض الأناشيد الدينية بصوته- كما غنى عبد الوهاب للملك فاروق--يا قلبي مالك محتار- و--الخطايا- وقصيدة --انسى الدنيا- و--حنانك بي يا ربي- و--حكيم عيون- و--مشغول بغيري- و--المية تروي العطشان- --أوبريت مجنون ليلى- و--يا وبور قولي- و--ما أحلاها عيشة الفلاح- و --النيل نجاشي إجري إجري- ومن أشهر أغاني عبد الوهاب في أفلامه: - وتوالت بعد ذلك الأفلام- ونجح الفيلم نجاحا كبيرا--وردة الحب الصافي- بتأليف أغاني الفيلم من ضمنها أغنية يا -أحمد رامي- وقام الشاعر - وشارك أيضا عبد الوهاب بأفكاره-توفيق البردنلس- و--محمد كريم- و--سليمان بك نجيب- 450 جنيها وقصة الفيلم قد اشترك فيها كل من -الوردة البيضاء- وكان أجر عبد الوهاب في فيلم - وتم إخراج الفيلم في باريس؛ لأن مصر لم يكن فيها استديو للأفلام الناطقة- وتم اللقاء الذي أثمر أول فيلم غنائي للمطرب الأول في مصر--اللي انكتب على الجبين-- و-خايف أقول اللي في قلبي- و--على غصن البان- --يا جارة الوادي- و--كلنا نحب القمر- وكانت أغاني عبد الوهاب في تلك الفترة هي - مخرج جميع أفلامه-محمد كريم- وذهبا معا إلى المخرج - صديقه الاشتغال بالسينما-توفيق المردلي- وذات ليلة عرض عليه - وفي عام 32 كان عبد الوهاب قد نضج واشتهر في كل أرجاء المعمورة والأقطار العربية--سيد درويش- امتدادا للعملاق الأول -عبد الوهاب- أصبح عملاق النغم الجديد --منيرة المهدية- لفرقة -يونس القاضي- و--سليم نمله- التي اقتبسها للمسرح -كليوباترا- وبعد أن أكمل عبد الوهاب تلحين رواية - فوقفوا يتهامسون بأنه أمل الموسيقى الجديد- وسمعوا عبد الوهاب وهو يغني- وكبار الأدباء والعلماء والساسة--سعد زغلول- وحضر الحفل الزعيم -عليّ- بمناسبة زفاف ابنه الأكبر -كرمة ابن هانئ- أقام الشاعر الكبير أحمد شوقي حفلة في منزله - ويساعده في تنمية معارفه الموسيقية والأدبية- ويقدمه إلى كل أصدقائه- لكنه أيضا يتبناه ويصحبه في كل مكان- لا يكتفي معها أمير الشعراء بصياغة الأغاني للمطرب الناشئ فحسب- وتنمو بين الاثنين صداقة متينة- وتوطدت العلاقة بين شوقي بك أمير الشعراء وعبد الوهاب- لكن تأكد أني لم أمنعك من الغناء إلا من أجل مصلحتك- أنا عارف أنك متضايق- أهلا أهلا بالكروان- فاستقبله مرحبا- وبعد تردد ذهب عبد الوهاب إلى شوقي بك- تصميم حتى النهاية وعندما انتهى وجد زميلا له يصعد إلى غرفته ويخبره بأن أحمد شوقي بك يريد مقابلته- وتعتبر هذه الحفلة هي أول حفلة غنائية حقيقية يشترك فيها بعدما كان يغني على المسارح بين الفصول فقط- بالإسكندرية-سان ستيفانو- وخلال العطلة الصيفية للمدرسة اشترك عبد الوهاب في حفلة غنائية كان معهد الموسيقى قد أقامها في كازينو - فأصبح مدرسا للأناشيد بمدرسة الخازندار- ووجد عبد الوهاب عملا- إذن لا بد من البحث عن عمل لدفع المصروفات- لكن الالتحاق بالمعهد يحتاج إلى مصروفات- ولما عاد من رحلته قرر دخول معهد الموسيقى العربية- وفي عام 1922 سافر عبد الوهاب في رحلة فنية إلى فلسطين وسوريا ولبنان مع فرقة نجيب الريحاني- حكمدار القاهرة يطلب فيها منع عبد الوهاب من الغناء بسبب صغر سنه-لان رسل باشا- ولكن كانت المفاجأة أن شوقي بك في اليوم التالي بعث بشكوى إلى - وأراد عبد الوهاب أن يلفت نظر شوقي بك إليه فشدا في تلك الليلة- والتي كانت تقدمها الفرقة--الشمس المشرقة- جاء خصيصا لمشاهدة مسرحية -أحمد شوقي بيك- وفي يوم علم أن أمير الشعراء -وكان عبد الوهاب يغني في فرقة عبد الرحمن رشدي بين الفصول- واليوم وقد تجاوز عدد كتبي التي وضعتها عن الأطفال ولهم الستين كتابا, مازلت أنتظر كل كتاب جديد منها, باللهفة نفسها التي ترقبت فيها صدور كتابي الأول, فهذا هو عالمي الحقيقي الذي أتواصل فيه مع الأطفال في كل مكان من خلال تجربتي مع أدب الأطفال, هذه التجربة التي بدأتها عام 1977, وأعلنت عنها في كتابي الأول عام 1979 وكان بعنوان (العصافير لا تحب الزجاج) وتوالى إصدار الكتب بعده عن عدة دور نشر في سوريا وخارجها مثل اتحاد الكتاب العرب, ودار الجليل, ووزارة الثقافة السورية, ودار قوس قزح, ودار طلاس, واليونسيف... وفي مصر: دار الأهرام ودار المعارف, والهيئة المصرية للكتاب, وفي الكويت: الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية.
أمي... المعلمة الأولى
وإذا كان بعض الذين يكتبون لباب (مرفأ الذاكرة) الذي ابتكرته (العربي) مشكورة, يعودون بنوع من أسلوب أدب السيرة إلى مراحل الطفولة والنشوء واليفاع والشباب فالرجولة, وحتى الكهولة بنوع من التفصيل, فأنا أحب أن أخالف هذا التوجه وأقف عند حال مهمة عشتها في طفولتي, ولم أزل. وهي حال المناخ الفكري والأدبي الذي عاشته أمي, الأديبة قمر كيلاني, وهي من الأديبات والمربيات الرائدات في سوريا والوطن العربي, حيث كانت دارنا تتحول إلى منتدى أدبي ومحفل فكري يضم نخبة مميزة من رجال ونساء الأدب والفكر والثقافة, وقد هيّأني هذا المناخ ذهنياً للتوجه نحو الكتابة على الرغم من دراستي في مجال العلوم الزراعية, كما أن توجيهات أمي ورعايتها كانت السبب المباشر لاختصار الكثير من العراقيل والمتاعب, بل واختيار اللون الأكثر صعوبة من الكتابة الأدبية, وهو أدب الأطفال, وخاصة التربية العلمية في القصة والرواية, ولعل دراستي في مجال العلوم ساعدتني على اعتماد هذا النوع من القصّ الذي أضمنه المعلومة العلمية دون الجنوح الكبير والتطرف إلى ما يسمى القصة العلمية, أو قصة الخيال العلمي, وأحب أن أستدرك لأقول إنني في ذروة حماسي وانطلاقي في الكتابة للأطفال وعنهم, كتبت عدة روايات (للكبار)... وقد أسعدتني ترجمة عدد من قصصي ورواياتي إلى عدة لغات عالمية وإدراج اسمي في أكثر من عشر موسوعات عالمية في أوربا وأمريكا, وقد سئلت أكثر من مرة عن هذه التجربة وكنت أفضل دائماً ألا أتحدث عنها بل أترك الرأي للقارئ وللناقد... وأنا أستأنس بآراء الأطفال الذين يقرأون كتبي ويوجهون ملاحظاتهم وأحاول الإفادة منها, كما أحترم آراء النقاد الذين استقبلوا هذه التجربة بحفاوة, وأجد أن أقرب الآراء إلى تقييم هذه التجربة ما جاء مرة على قلم أحد النقاد حين كتب يقول: (استطاعت هذه الكاتبة الدخول إلى نفوس الأطفال, ودواخلهم ببساطة, وبالبساطة ذاتها حوّلت أسئلتهم المدهشة إلى فضول أسرج الجماح المعرفي لمخيلتهم, وأطلقت لها العنان في عالم فسيح ورحب من المعلومات الشائقة, حاملة شفافية الطرح, وتوظيف الحدث, رصدت الإحساس وروعة القيمة من خلال ذوق جمالي رفيع).
مثل هذا الرأي لا يسعدني بقدر ما يحملني من مسئولية لأكون جديرة به, وأحاول دائماً تطوير أدواتي ومحاولة ترسيخ نوع من القصة والرواية للأطفال بعيداً عن الارتجال والافتعال والأنسنة غير المدروسة.
أدب الأطفال العربي
عندما نحاول أن ندرس واقع أدب الأطفال في الوطن العربي, نجد أننا لانزال نفتقر إلى طرح نوع من أدب الأطفال الحقيقي والمتكامل على الرغم من وجود عدد لا بأس به من الذين يكتبون للأطفال.
وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء يصرحون بأن مسئولية الكتابة للأطفال أكثر صعوبة من مسئولية الكتابة للكبار, فإننا نراهم يتعاملون بلامبالاة مع هذا الأدب من خلال تكرار النماذج النمطية للقصص المستهلكة كقصة الثعلب والدجاجة حتى في عصر الإنترنت, فالطفل ليس مخلوقاً ساذجاً, ولهذا يجب أن نفرّق بين توجيه الطفل والتوجه إليه, إذ لا يكفي أن نصوّر الحياة السعيدة للأطفال في كتبنا أو على شاشات التلفزيون دون أن نوفرها لهم على أرض الواقع.
تربية الطفل علمياً
أحب أن أستدرك مرة ثانية حول الطرح المحدد لتعريف (القصة العلمية) للأطفال, فأنا أرفض هذا التحديد المؤطر على الرغم من أنني من أوائل الذين كتبوا هذا النوع من القصة بحكم اختصاصي.
ومن هنا أقول: هناك ما يمكن أن نسمّيه تربية الطفل علمياً من خلال تقديم المعلومات العلمية بصورة مبسّطة وبقالب جميل بطرح مفهوم مقبول للأنسنة مثلاً, وأكرر أن اختصاصي في العلوم الزراعية حقق لي دراسة العلاقة بين الإنسان والبيئة, فالدودة مثلاً حشرة مكروهة في رؤية الطفل من خلال حديث الكبار المقزز عنها, ولكنها في الحقيقة مفيدة في تفتيت التربة الزراعية مثلاً.
وهذا ما ضمنته إحدى القصص, حتى موضوع الأنسنة بالنسبة للحيوانات يجب أن يكون من خلال منطق مدروس, وليس فقط من خلال نماذج نمطية موروثة للثعلب الماكر, والحمار الغبي, والحمل الوديع, حتى نباح الكلب يجب ألا يكون الحديث عنه كسبب للإزعاج فقط, بل يمكن أن ينظر إليه كمنبه لوجود لصوص أو دخلاء.
كما أحب أن أضيف شيئاً آخر وهو أن مفهوم (الأنسنة) يجب ألا يقتصر على الحيوان فحسب, بل يمكن أن ينسحب على النبات, أو حتى على الجماد, وصولاً إلى الآلة التي أصبح لها وجود شامل في حياتنا العصرية, فالكمبيوتر مثلا, ومثله (الأتاري) وغير ذلك من الآلات أصبح (لعبة) بين يدي الطفل, وفي الوقت نفسه هناك نوع من الخطر الناجم عن استخدامه بطريقة غير موجهة, وفي مقدمة ذلك خطره على أذهان الأطفال, وطريقة تفكيرهم, وطبيعة حياتهم, ونموّهم العقلي والجسدي.
وما أقوله عن (القصة العلمية) إذا اتفقنا على التسمية, أقوله عن قصص (الخيال العلمي), وكم من خطر لا ننتبه إليه يؤثر في أطفالنا من خلال قصص الخيال العلمي المختلفة, خاصة عندما تجسّدها الشاشة الصغيرة, ومنها قصص الفضاء التي تختلف كل الاختلاف عن المفهوم العلمي للفضاء وارتياده, وهذا ما خلق نوعاً من التشويش في ذهن ابن جيراننا الصغير من خلال المعلومات التي قرأها في القصص عن هبوط إنسان على المريخ. ومن خلال الحديث أخيراً في الصحافة وأجهزة الإعلام أن الإنسان لن يستطيع الوصول إلى المريخ والهبوط على سطحه قبل عام 2014.
ولدي مفهوم خاص لنموذج البطل التاريخي في قصص الأطفال, فأنا أرفض أن يقدم البطل من خلال نظرة أحادية الجانب, كتقديم القائد العربي طارق بن زياد على أنه حارق السفن فحسب دون طرح بقية أبعاد مهمته في الأندلس, بالإضافة إلى الأبعاد الإنسانية لشخصيته.
- قصره الزيات على بيان السمات المثلى للأسلوب العربي- سنة (1364 هـ= 1945م) وهو كتاب في النقد الأسلوبي-دفاع عن البلاعة- و- سنة (1352هـ= 1934م)-في أصول الأدب- ثم أصدر - وصدر سنة (1335 هـ= 1916م)--تاريخ الأدب العربي- أقدمها: كتابه - وقد أخرج الزيات للمكتبة العربية عددًا من الكتب- ولكنه في بعضها الآخر بلادة كصبر الحمار-- والصبر في بعض الأحيان عبادة كصبر أيوب- وصبرنا حتى مللنا الصبر- لقد حَمَلنا حتى فدحنا الحمل- وإذا وقع لا يُدْفَع- إذا هاج لا يُقْدَع- فإن غضب الشعوب كغضب الطبيعة- أو تلقوا الماء في فم البركان- أو تضعوا القيود في رِجل الأسد- وإياكم أن تقيموا السدود في وجه السيل- فدعوا الشعب يا أولياء أمره يعبّر للعدو عن غضبه بهذه اللغة- وكلماتها من نار-إن اللغة التي يفهمها طغام الاستعمار جعل الله حروفها من حديد-يقول الزيات: خصائص الكتابة للطفل
للطفل العربي بيئته الخاصة وعلينا أن ننطلق من هذه البيئة, لا أن نحدثه عن عوالم بعيدة عنه وعن عقليته هذا أولاً.
وثانياً أن نوقف الترجمات والمستوردات لأنها تفسد عقول صغارنا.
ثالثاً اللغة: يجب أن نجد لغة مبسطة وقريبة من الطفل.
ليس اللغة الفصحى المغرقة بفصاحتها, وليس اللغة العامية المغرقة في عاميتها حتى يفهمها جميع الأطفال العرب في أقطارهم وبلدانهم. وعلى كاتب الطفل أن يركز على القيم وهي ثابتة وإن تغيرت مدلولات القيم والمفاهيم.
فمثلاً في البادية هناك الكرم العربي, أو إذا تاه أحدهم في الصحراء ووجده أحد سكانها فمن واجبه استضافته ثلاثة أيام وتزويده بالمؤن والماء.
الآن في بيوتنا العصرية المدنية لا نستطيع فعل ذلك نكتفي ربما بفنجان قهوة ولكن تبقى القيمة ذاتها هي قيمة الكرم ولكن طريقة الممارسة اختلفت لذلك يجب أن تتماشى هذه القيم مع العصر القائم.
أما عن واقع إعلام الطفل فأعتقد أننا لم نقم بمحاولات جادة فعلا في نشر أدب الطفل إعلاميا رغم أن لدينا عددا كبيرا من الكتّاب الجيدين والمتميزين في مجال الطفل.
وهنا أتساءل لماذا نجح برنامج افتح يا سمسم? اتكأنا على برنامج غربي ولكن وضعنا نصوصا عربية. وكان يمكن أن ننتج ما هو أفضل من هذا البرنامج. ربما المحاولات لم تكن جادة. عموما أدب الأطفال فن جديد نسبيا ودعم المؤسسات له مازال قليلاً نسبيا.
ويلاحظ حاليا التوجه في البلدان العربية نحو الاهتمام به, ولكن يبقى هناك كم من الأفلام المستوردة ما يضغط بحيث لا يدع حيّزا للإنتاج المحلي.
وكذلك في مجال الكتب إضافة إلى أننا بحاجة إلى اختصاصيين في علم نفس الطفل وفي ثقافته وتربيته. كل هذا الكادر يجب أن يتعاون معا ليقدم شيئا جادا وحقيقيا للطفل.
وهناك سؤال مهم: نحن نعيش حاليا عصر الإنترنت الذي يغزو كل بلدان العالم, فكيف نقنع الطفل العربي بأعمال محلية ساذجة وبسيطة وهو يشاهد أعمالا متفوقة في الغرب? إذن نحن بحاجة إلى تقديم البديل.
فالبديل يمكن أن يكون من تراثنا, الذي ينهبه الغرب تحت أعيننا وبصرنا, ففيلم علاء الدين الذي حصد ملايين الدولارات في أمريكا, وهو من تراثنا, تصوّر أنهم وضعوا لشخصية علاء الدين أكثر من 300 نموذج ولم يتمكنوا من الحصول على الشخصية الحقيقية إلا عندما أسقطوها على شخصية توم كروز. خذ مثلا (الجني) اشترك 50 رساما لتقديم نموذج لشخصية الجني. فأظهروا الجني على أنه المارد الذي يبحث عن متعته. , الشهير في إستانبول,متريس, فإنه كان يقضي عدة أشهر بسجن ,خير النساء,, وبينما كان في الأيام الأولى لزواجه من ,السنجق, وفقا لتعليمات الجنرال كنعان إيفرن بتهمة الانتماء لمجموعة , لكنه ما لبث في 1980 أن ألقي القبض عليه من قبل الشرطة العسكرية, عيّن مدرسا للاقتصاد بقسم الهندسة الصناعية بجامعة سقاريا بتركيا,وفور عودته من إنجلترا وحصوله على درجة الدكتوراة في موضوع: تطور العلاقات الاقتصادية بين تركيا والعالم الإسلامي لم يكن المارد الذي يقدم مقابل انعتاقه وهذا يدل على أن مفهوم المارد كما قدمه التراث العربي لم يفهمه الغرب ومع ذلك استفادوا منه.
خذ الفتاة ياسمين مثلا وما إلى ذلك, نحن قادرون على فهم التراث بشكل عميق وتقديمه بالشكل الحقيقي والصحيح للأطفال ومع كل ذلك فنحن مقصرون في ذلك ونترك الغرب يتولى هذه المهمة ويشوّه تراثنا.
حكايات الجدات
قد يجدني قارئ آرائي في مرفأ الذاكرة أبدو رافضة للقصة النمطية للأطفال, وهذا يعني أنني أرفض الحكايات التي يستمع إليها الأطفال عادة في سن معينة من الجدات وأحب أن أوضح هنا أنني لا أرفض حكايات الجدات, بل أريدها بإسقاطاتها المعاصرة وبكثير من الصدق وعدم المبالغة والابتعاد عن الخرافات مادام هذا الطفل يستمع إلى الجدة وهو الذي كان قبل قليل يدير أزرار التلفزيون أو الكمبيوتر أو الإنترنت, ثم علينا ألا ننسى أن الفضائيات العربية لايزال قسم كبير من برامجها للأطفال مشغولاً بأعمال الكرتون الأجنبية المشحونة بالاتجاهات العدوانية وتمجيد الذات, والقوة الغاشمة, وبالتوجهات التي لا تتلاءم مع مجتمعنا, ولا مع الدين والأخلاق والتراث والعادات والتقاليد والطموحات.
وإذا كان الإعلام الفضائي وسيلة مهمة من وسائل التوصيل للأطفال, فإن الكتاب أيضاً لايزال يلعب دوراً مهماً, بل إنه يستهوي الطفل كثيراً إذا عرفنا كيف نتوجه له, وكيف نقدم له الكتاب في المضمون والشكل, وكيف نجعله يصل إليه بأيسر السبل, ولي رأي في هذا الموضوع طرحته أكثر من مرة في أحاديثي الصحفية حول الحلول التي يجب اعتمادها لإيصال الكتاب للطفل العربي. وقلت يجب أن يكون ذلك عن طريق المدارس وغيرها, وذلك بتوجيه الأطفال وربطهم بالكتاب, وكذلك للأسرة دور في هذا المجال من خلال وعيها, الأهل لا يهتمون بكتاب الطفل والأب لا يقرأ الكتاب الذي يقدمه لابنه. ولكن عندما تكون الأسرة واعية ومثقفة وتطلع باستمرار على ما ينشر من كتب تستطيع أن تقدم لأطفالها التوجيه ويجب أن نقدم ما يجذب الطفل, صحيح أنهم قسموا الأطفال لمرحلتين عمريتين: أولى وثانية. ولكني أعتقد أنه لا يوجد مثل هذه الفواصل فعلاً, الأطفال الأذكياء في المرحلة العمرية الأولى يستطيعون أن يقرأوا لأطفال المرحلة الثانية, فأنا إذا لم أقدم المادة الغنية والمقنعة للطفل يعزف عن الكتاب مهما كانت ألوانه جميلة, ونحن ككتّاب مطالبون بتطوير أنفسنا.
مَن يكتب للأطفال?
يحضرني بمناسبة الوقفة في مرفأ الذاكرة سؤال يقول: هل صحيح أن الأديب إذا (بهت) إبداعه, فإنه يتوجه للكتابة للأطفال?
هذا بالطبع غير صحيح, فهذا شاعرنا الكبير سليمان العيسى, كتب شعراً عظيماً للطفل لأن الطفل بحاجة إلى أشعار العيسى التي تتميز بأنها مقنعة للطفل وتتسلل إليه من حيث لا يدري, فالطفل يحفظ هذه الأشعار ويفهمها بشكل تلقائي وعفوي, هناك البعض ظن أنه يكتب للأطفال, لكنه فشل لأن منهم من كان يكتب عن الأطفال. وهنا فرق كبير أن أكتب للطفل أو أكتب عن الطفل, فالطفل عندما يأخذ كتاباً ما يتدرج بفهمه مع مراحل عمره, وعندما يصبح شاباً ويعود لهذا الكتاب يجد فيه مضامين أخرى.
ولذلك على الكاتب أن يكتب بعقلية الطفل, بأسلوب الطفل مع مراعاة العمق في المضامين والبعد الإنساني, هكذا فعل كتاب الغرب, لذلك أصبحت كتبهم خالدة وذات مضمون فلسفي أحيانا يعود إليها الإنسان في أي مرحلة من العمر وليس فقط في مرحلة الطفولة.
رواية المستقبل
يبدو أن أفكاراً كثيرة تتدفق على الذاكرة في هذا المرفأ الذي يشبه الركون إليه استراحة المحارب, فيخطر على الذاكرة مثلاً موضوع الجدل الذي أثارته روايتي الثلاثية (المستقبل), وعمّا إذا كان الأديب, يستطيع خارج محاولات التنبؤ التقليدي, استشفاف أبعاد وحالات وتطورات مستقبلية, وقد تبدو غريبة أمام الإنسان المعاصر, ولكنها في النهاية رؤية مستقبلية تستند إلى استقراء آفاق علوم ومعطيات عدة, وإذا كان نزول إنسان على القمر في فترة من الفترات ضرباً من الخيال, كما جاء في الروايات المتخيلة عن هذا الإنجاز فإنه اليوم, ومنذ وضع رائد الفضاء الأمريكي أرمسترونج قدمه على ترابه أصبح حكاية عادية وتكاد تكون منسية.
صحيح أن رواية المستقبل رواية علمية ولكن لا يعني أنها تقرير علمي هي ضمن الأسس الروائية والمبادئ الروائية, فأقول في مقدمتها إن هذه الرواية ترصد ما تتنبأ به الكشوف العلمية التي تنزع الإعجاب حتى الذهول - بل حتى الفزع - اعتمدت على الجانب العلمي كمنطق لهذه الرواية, ولعلي استفدت من تجربتي في أدب الأطفال لأن أكون دقيقة في إيصال المعلومة التي أريدها والكلمة في مكانها تماماً حيث الكلمة مشحونة بالطقس الذي أريده فأخذت هذه المعلومات أو لعل عندي (هوسا) بشيء اسمه هندسة الجينات وبنيت عليه روايتي وكذلك عن الاستنساخ الحيوي والإنسان المصنع أريد أن أقول في هذه الرواية وأتساءل إلى أين يسير العالم وما هو المارد أو الشيطان الذي انفلت من القمقم, إلى أين سيصل بنا هذا العلم, هناك مقولات للخير والشر وما إلى ذلك في الجزء الأول تناولت تفوق العلم ومنجزاته وما قدمه علم الوراثة من خدمات للبشرية, وفي الجزء الثاني تناولت أخطاء هذا العلم, وماذا يمكن أن يجلب هذا العلم من كوارث للإنسانية, والجزء الثالث هو الانفجار أو الاغتيال, ففيه الإجابة إلى أين سيصل هذا العالم إن استمر في اندفاعه نحو العلم بهذه الطريقة.
من الكتاب إلى الشاشة
أحب أن أشير بعد هذا إلى أن الكاتب, أي كاتب, مطالب في هذا العصر المتسارع بتطوير أدواته التي يحقق من خلالها التواصل مع قرّائه أو مشاهديه, خاصة بعد ثورة الاتصالات ووجود أكثر من خمسين فضائية عربية وتحول النص الأدبي المكتوب من ورق لا يطلع عليه سوى عدد محدود من الناس إلى الشاشة التي يشاهدها الملايين, وقد حاولت أن أحقق في الفترة الأخيرة تجربة جديدة في التعامل مع هذه الأدوات من خلال إعداد نصوص إلى الشاشة وإخراجها بطرق حديثة ومبتكرة وتقديمها للكبار والصغار, كما في تجربتي قصة الأنبياء مثلاً, وقد أسعدني أن هذه التجربة التي أتابع تطويرها قد حققت نتائج إيجابية على الصعيدين العربي والعالمي.
وفي الإجابة عن سؤال يقول: كيف نتوجه إلى الطفل اليوم أقول:
إن توجهنا إلى الطفل يجب ألا يقف عند حدود الإبداع الأدبي فحسب, بل يتجاوزها إلى آفاق المعرفة أيضاً, إذ إن المعطيات والمتطلبات الراهنة أصبحت تفرض منطقاً جديداً هو منطق العصر, ولهذا نحن ملزمون بأن نقدم لأطفالنا الأدب مع المعرفة بالصيغة التي يفهمونها وبالمفردات اللغوية والعلمية التي يستطيعون استيعابها, وأمامنا مصادر عدة لاستجلاء جميع جذور وأصول ومعطيات ومصادر المعرفة في سعينا لتحقيق نوع من التطوير والتكامل في عطائنا.
أذكر بهذه المناسبة درساً مفيداً أخذته عن والدتي الأديبة قمر كيلاني التي كانت, ولاتزال, تعتبر الكتابة الأدبية مسئولية وليست ترفاً, فهي تتابع - مثلاً - من الصحف والمجلات والإذاعات ومحطات التلفزيون مستجدات العصر المتتالية في ميادين مختلفة إلى جانب ميدان الأدب والفكر والثقافة, وخاصة في مجال العلوم, ثم أراها تهرع إلى القرآن الكريم لتجد في سوره وآياته مدلولات معمّقة وإشارات ثابتة في تفسير ما يفاجئنا أو يدهشنا من مستجدات العصر, وتظل تبحث عن المزيد من التفسير والمعرفة والاستطلاع حتى تلم بالموضوع من جوانبه كافة, وهناك الكثيرون من رجال الفكر والأدب والمعرفة الذين يحضرون مجلسها ويستمعون باهتمام إلى آرائها, يحاولون الاقتداء بها في تعقب مصادر المعرفة دون التزمّت الضيق لرأي أو مأثور, وهذا ما أدركته بدوري منذ أن تفتح وعيي على الدنيا لأعتبر الكتابة والتأليف - وخاصة للأطفال - مسئولية كبيرة, وليست لممارسة هواية الكتابة أو للاسترزاق الرخيص
