ليست بطون الكتب وحدها التي تمتلئ بسير العظماء والشرفاء؛ فظهر الأرض يحمل الكثير منهم، يعيشون بيننا، وربما لا نشعر بهم لتواضعهم، أو لأننا ـ ياللأسف ـ تعودنا ألا ندرك قيمة الأشياء إلا بعد أن ترحل عنا أو نرحل عنها!
حق لنا أن نفخر ونزهو؛ لأننا عشنا في زمن ظهر فيه أبطال أعادوا لنا أزماناً جميلة قهرت فيها قوى الحق ضجيج الباطل وأرهقته.. أبطال أرونا أياماً ناصعات تتوالد وتتنفس ونحن نشاهدها على مدار الساعة عبر منافذها الكثيرة. حق لنا أن نفخر ونرفع رؤوسنا عالياً، لأننا عشنا في زمن ظهرت فيه نساء تمثلن الصبر والجهاد ضد العدو الغاصب، كـ"أمية جحا" وغيرها الكثيرات من نساء فلسطين، وفتيات فلسطين.
البداية
ولدت "أمية جحا" بمدينة "غزة" في  2/2/1972م، وتخرجت في  قسم الرياضيات بجامعة الأزهر عام 1995م بتقدير امتياز، وكانت  الأولى على الجامعة. عملت معلمة للرياضيات لمدة ثلاث سنوات ثم استقالت عام 1999م لتتفرغ للعمل الفني في مجال رسوم الكاريكاتير، حيث فازت بالمرتبة الأولى على محافظات فلسطين  في مسابقة الإبداع النسوي التي أقامتها وزارة الثقافة الفلسطينية في مارس 1999م، شاركت في العديد من المعارض المحلية.
كانت متزوجة من الشهيد القائد الميداني بكتائب "عزّ الدِّين القسَّام" الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس "رامي سعد" الذي اغتالته يد الغدر في يوم الخميس 1/5/2003، خلال التصدي لاجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لحي "الشجاعية" شرق مدينة غزة.
كانت بداية أمية الحقيقية  منذ العام 1948م عندما رُحل أهلها رغماً عنهم من بلدة "المحرقة"، التي تبعد حوالي 13 كيلومترا عن مدينة غزة؛ وقد حولها الاحتلال إلى  مستوطنة تدعى "تيقوما". تأثرت أمية مثلما تأثر باقي أطفال فلسطين وشبابها بالتهجير ورحلة العذاب التي عاناها الفلسطينيون، وانعكس هذا التأثر على رسوماتها، حيث عُرفت من خلال رسوماتها بالمفتاح المصاحب لأعمالها، فكما كان ناجي العلي معروفا بين الجمهور بشخصية "حنظلة" في رسوماته عُرفت أمية بـ "المفتاح"، ما جعلها هدفاً لبعض المتطرفين اليهود الذين استحدثوا منذ بداية الانتفاضة موقعاً على شبكة الإنترنت في إطار حملة التحريض ضد المصورين الصحافيين الفلسطينيين، وتضمن الموقع قائمة سوداء بأسماء مصورين فلسطينيين في دعوة مفتوحة لقتلهم بسبب تغطيتهم للأحداث الجارية ولانتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وقد تلقت أكثر من 216 رسالة تهديد بالقتل وتفجير منزلها في غزة من قبل منظمات أمريكية ويهودية متطرفة.
المرأة الفلسطينية جبارة
أهم ما يميز نساء فلسطين ـ وأمية منهن ـ هو الهمة العالية والمعنويات المرتفعة دائماً، المتعالية على كل المحن والأحداث، فهن جميعاً في شغل دائم لترتيب أمور الحياة التي يضربها إعصار الاحتلال من وقت لآخر، ولا تجد منهن من تجيد ندب الحظ أو الشكوى، إنهن يقهرن الدموع في المآقي، ولا نظن أنهن يفعلن هذا وهن بمعزل عن  الإيمان بموعود رب السموات والأرض، وإلا فما تفسير تميزهن عن باقي النساء في هذا العالم الفسيح؟!
وليس لي أحد بعد الله عز وجل. وأطفالي يتامى. وألقوه في بئر. وأصبحت أرملة.إن زوجي مسلم أخذوه النصارى.والرسالة من امرأة تقول فيها: . فقلت: لمن أكتب له في هذه الأرض لكي يساعدني؟ حرصت أمية على مكافحة المحتل وإيلامه أسوة بإخوانها المجاهدين من الرجال.. اقتحمت فن الكاريكاتير وأجادت فيه وتفوقت على الكثيرين من ممارسيه، وقد تميز فنها ببساطته وجماله وعمق دلالته، هذا إضافة إلى ما في فن الكاريكاتير من ميزات لا توجد في فن غيره كسرعة وصوله للجميع؛ فهو لا يحتاج إلى لغات أو ألسن، يفهمه كل ذي عينين أينما كان، وأينما كان لسانه أو جنسه.
ولأن أمية وعت أهمية ما أقدمت عليه من اتخاذ الكاريكاتير سلاحاً كالمدفع والرشاش فهي تقول في أحد اللقاءات الصحفية التي أجريت معها: "إن المرأة هي صاحبة القرار؛ فحين أقدمت بموهبتي لم يسخر مني أحد.. بل رحبوا بي وبقدراتي، وبت فخراً للجميع؛ فالمرأة هي التي يجب أن تفرض نفسها وموهبتها، لا أن تنتظر الآخرين. لقد عملت في صحيفة القدس، وكانت قد أعلنت عن حاجتها لرسام، فتقدم العديد من الرسامين من داخل فلسطين ومن خارجها، ورغم أنني فتاة قاموا باختياري، وذلك بناء على كفاءتي وموهبتي في الرسم، وليس لكوني فتاة أو شاباً، وبالتالي يجب المبادرة دائما والتأكيد على قدراتنا.
. مقاومة بلا عنف كانت الأوضاع تنذر برد فعل عنيف يمكن أن يفجر أنهار الدماء لولا مارتن لوثر كينج اختط للمقاومة طريقا آخر غير الدم. فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال البوليس الذين ألقوا القبض عليها بتهمة مخالفة القوانين؛ فكانت البداية. حيث رفضت إحدى السيدات وهي حائكة زنجية أن تخلي مقعدها لراكب أبيض. ويقودون سياراتهم ليتركوا الركاب الزنوج في منتصف الطريق! واستمر الحال إلى أن جاء يوم الخميس أول ديسمبر 1955. ويعاودون الركوب من الباب الخلفي فكان بعض السائقين يستغلون الفرصة. ثم يهبطون من السيارة.! وكان على الركاب الزنوج دفع أجرة الركوب عند الباب الأمامي.النسانيس السوداء. وكان الأمر لا يخلو من السخرية من هؤلاء . وعليه كان من حق السائق أن يأمر الركاب الزنوج بترك مقاعدهم لنظرائهم البيض. حيث كانت تخصص لهم المقاعد الخلفية في حين لا تسمح لغير البيض بالمقاعد الأمامية. خاصة فيما يلقونه من شركة خطوط أتوبيسات المدينة التي اشتهرت بإهانة عملائها من الزنوج. كان السود يعانون العديد من مظاهر الاضطهاد والاحتقار. نقطة تحول في سبتمبر سنة 1954 قدم مارتن وزوجته إلى مدينة مونتجمري التي كانت ميدانا لنضال مارتن. ثم حصل على الدكتوراة في الفلسفة من جامعة بوسطن.. وتم زفافهما عام 1953.كوريتاسكوت. وحينها التقى بفتاة زنجية تدعى . ولم يكن عمره يزيد على 19 عاما. ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب في سنة 1948. وفي سنة 1947 تم تعيينه كمساعد في كنيسة أبيه. حيث درس بكلية مورهاوس التي ساعدت على توسيع إدراك كينج لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم. وكان تفوقه على أقرانه سببا لالتحاقه بالجامعة في آخر عام 1942..بوكر واشنطن. ومنها إلى مدرسة المعمل الخاص بجامعة أتلانتا ثم التحق بمدرسة . ومضت السنوات ودخل كينج المدارس العامة في سنة 1935..لا تدع هذا يؤثر عليك بل لا تدع هذا يجعلك تشعر أنك أقل من البيض فأنت لا تقل عن أي شخص آخر. ومع ذلك كان دائما يتذكر قول أمه . ويعرف سبب هذه الأفعال.ولكن الصبي بدأ يفهم الحياة فالمرأة الفلسطينية جبارة، ولولا قوتها ونضالها ما وصل شعبنا الفلسطيني لذلك، فهي رمز للعطاء والفداء؛ هي أم الشهيد والجريح والمعتقل. فالمرأة الفلسطينية من خلال رسوماتي هي المرأة الصابرة الأسيرة والمقدامة، ورغم حياتها الصعبة فإنها قوية، وتقف جانب الرجل الفلسطيني حتى يكتمل الحلم بالعودة".
أفراح مسروقة
لحظات الفرح والسعادة في حياة الفلسطينيين لحظات مسروقة ومختلسة من دوامة الصراع والمطاردات وملاحقات الصهيونيين الذين لا ترتاحون إلا على أصوات قعقعة المدافع وروائح الموت!
لم تدم الزيجة المباركة السعيدة بين رامي وأمية أكثر من عامين فقط، رزقا خلالها بطفلة أسمياها "نور".
كانت الأيام الأولى على رحيل الشهيد "رامي سعد" ثقيلة ثقيلة على قلب أمية الملقبة بـ "أم المهدي"، فقد كان رامي يمثل لها الشيء الكثير.. فهو المنظم لحياتها، وكان يتمنى أن يضع كافة أعمالها الفنية رسومات الكاريكاتير على اسطوانات (C.D) خوفاً من ضياعها أو تعرض المنزل لقصف صهيوني غادر.
لكن أمية  كانت تحس بأن سعادتهما وحياتهما الزوجية لن تطول، وكانت تشعر بأن شيئا ما سيحدث معها وقالت إنه قبل شهر من استشهاد رامي كانت تشعر بالضيق وكانت تطلب منه أن يعرفها على المزيد من الناس،  وقالت في حوار معها: "كنت أعلم أنني سأفجع بزوجي "رامي".. ، وتعاطف القوى الوطنية مع نضال الأبطال الجزائريين في بلد المليون شهيد، وكان ذلك في السياق الذي اشتعل فيه الوجدان القومي بالغضب على الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وكسرت ساقه، فأهداه الجزائريون وساما رفيعا تقديرا لإسهامه بالكلمة والفعل في تحرير الجزائر، وأنه بقى مع المقاتلين في الجبال لستة أشهر إلى أن أصيب، واشترك معهم في بعض العمليات العسكرية لمعارك الاستقلال،أولها ما عرفته من أنه انضم إلى المناضلين الجزائريين في الجبال لكن هذا قدر الله، الدموع ستكون أكثر في القريب العاجل، لكنني راضية بما كتبه الله لي، ولي الفخر بأنني زوجة شهيد في الدنيا وإن شاء الله زوجته في الآخرة".
أمية ترثي "رامي"
وبعد أن رزق رامي  الشهادة التي طالما تمناها وطمح إليها، سالت عبرات أمية بهذه الكلمات التي تقطر حباً وحناناً، ورضاً بقضاء الله تعالى وأملاً في موعوده، في حزن رصين يحوطه الشعور بالانتصار والأمل في لقاء الحبيب في اليوم الآخر فقالت:
سألني: لماذا تبكي المقل؟!
قلت له: رامي حبيبي قد قتل
أجابني:
وهل يُبكَى البطل؟
عاش ما عاش
وانتهى به الأجل
ليست الرصاصة
من أنهت حياته
بل هو للرصاصة من قتل
قلت: لقد كان لي
البسمة والأمل
قال: وهكذا هو سيبقى ويظل
إنه يرقبك
في البيت
في الشارع
في العمل
ويحضن نوراً ويداعبها
بلا ملل
ويطبع على جبينها
ووجنتيها القبل
قلت له: وأنّى لك أن تعرف؟
ومن أنت الذي علا
صوته وسط السكوت؟
قال: أنا رامي يا أمية
أنا رامي يا أمية
ألم اقل لك:
إن الشهيد حي لا يموت!
