وداعا للعدسات.. ومرحبا بالليزر
سري سبع العيش
كان اكتشاف الحسن بن الهيثم الطبيب الفيزيائى العربي المسلم منذ ألف عام للعدسات نصرا عظيما ونقلة نوعية كبرى في علم البصريات وتصحيح أسواء الانكسار, منذ ذلك التاريخ نحتت مئات الأشكال من العدسات وصحح البصر لملايين من الناس ولولاها لكانت الحياة قاتمة محدودة غائمة للكثيرين الذين يعانون من قصر البصر ومد البصر وحرج البصر (استجمتزم) ولولاها لما تقدم العلم, ولما اخترعت أعداد هائلة من الأجهزة التي تعتمد على العدسات كالمناظير, والمجاهر الضوئىة والإلكترونية, والتلسكوبات والمراصد الفلكية, وآلات التصوير ولولاها لما تقدم علم الفضاء, ولما ازدهر الطب التشخيصي, ولما تقدمت الجراحة الدقيقة, ولولاها لما أبدع العلماء الذين يعتمدون على النظارة إما للرؤية البعيدة أو للقراءة ورؤية الأشياء القريبة بوضوح.
تساقط العدسات والمشارط
مع تقدم الحياة وتطورها أصبح لبس النظارات عائقا أمام الكثيرين, وبخاصة عندما تكون العدسات عالية الدرجة سميكة مفرطة التقعر فتضفي تغيرا على الوجه وتشويها للمنظر, إضافة لتحدد الساحة البصرية, ورؤية الأشياء أصغر من حقيقتها وأبعد, وقد تعيق بعض الأعمال لدى الطيارين والغطاسين, ورجال المطافي, والطباخين, والممثلين, والمحاربين, والجراحين, والرياضيين, وكل الذين يعملون في ظروف رطبة يتكاثف فيها بخار الماء, وهي لاتنسجم مع جمال وجه الكثيرات من النساء اللواتي يفضلن إزاحتها عن الوجه واستبدالها بوسيلة أخرى تحسن البصر دون أن تشوه المنظر, وهنالك فئة من الناس لايستطيعون وضعها على الوجه وإركازها على الأنف والأذنين بسبب عائق شكلي في الأذنين وجسر الأنف, وقد كان اكتشاف العدسات اللاصقة وتطورها ورواجها سببا في التخلي عن النظارة من قبل الكثيرين الذين يعانون من أسواء انكسار البصر, فالعدسات اللاصقة تصحح بصر المريض دون أن تظهر سر مرضه, ومع أن العدسات اللاصقة قد تطورت وتحسنت كثيرا, فإنها بحاجة ماسة إلى الرعاية والعناية والتنظيف والتعقيم, وكثيرا ما أدى الإخلال بنظام تعقيمها وحفظها إلى اختلاطات مزعجة من الالتهابات والتقرحات, مما يتطلب استبدالها إضافة إلى احتمال انكسارها وفقدها وما يترتب عليه من إعاقة وإرباك في العمل.
في عقدي السبعينيات والثمانينيات راجت عملية قطع القرنية الشعاعي التي ابتكرها وطورها العلماء الروس لتصحيح قصر البصر. وفيها تقطع على القرنية ـ بسكين ماسي مايكروني ـ حزوز نصف قطرية غير نافذة تتشعع عن منطقة مركزية في القرنية لاتنالها القطوع, فيصبح سطح القرنية أقل تحدبا وأكثر استواء, فيتصحح حسر البصر, ومع أن العديد ممن خضعوا لهذه العملية تحسنوا وصححت أسواء الانكسار البصري لديهم فإن العملية سقطت في اختبار الزمن لأنه حدث مع الزمن شطط وإفراط في التصحيح, فالذي كان يعاني قبل العملية من حسر البصر أضحى بعد العملية بسنوات مديد البصر يعاني من صعوبة المطابقة ولايستطيع الرؤية الجيدة ولا القراءة إلا بالنظارات المقربة.
لذلك كان اختراع أجهزة الليزر المصححة للبصر منذ أوائل التسعينيات فتحا طبيا بصريا رائعا, فشعاع الليزر القوي الناتج عن تسخير مزيج من غاز الأرجون والفلور والموجه بإشعاعات ذات أمواج قصيرة (فوق البنفسجية) يستطيع أن يذيب الأنسجة المعرضة لفترة من الزمن مدروسة ومحسوبة, فهو يستطيع أن يبدد ويبخر وينحت ما يشبه العدسة في القرنية وحسب ما يريده الجراح, فيصحح البصر لدى المصابين بدرجات خفيفة أو متوسطة من قصر البصر, وهو كذلك يستطيع أن يصحح الاستجمتزم المنتظم وهو اختلاف قوة الانكسار في اتجاه قطرين متعامدين في القرنية, نتيجة اختلاف في درجة تحدب القرنية على هذين الاتجاهين.
سكاكين ضوئية
لقد كان نجاح التصحيح بالليزر والمسمى PRK ـ أي تصحيح البصر بقطع القرنية الضوئي ـ مقدرا بالاستغناء الكلي عن التصحيح بالنظارات والعدسات اللاصقة قد وصل إلى 98% ولكن تتطلب العملية هذه مرور بضعة أيام قبل أن يستعيد المريض بصره, إضافة إلى ما قد يعانيه من آلام عينية نتيجة الحرق بالليزر, فالعملية هي في الحقيقة ـ حرق منظم مدروس مبدد لسطح القرنية.
أما في حالات قصر البصر العالي فلابد من إجراء جراحي إلى جانب التصحيح بالليزر, وهي العملية المسماة ليزك Lasik أي التصحيح بالليزر المرافق لعملية تحوير القرنية, وفي هذه الحالة لاتطبق أشعة الليزر على الطبقات السطحية بل على الطبقات الوسطى من السدى القرني, إذ تشطر القرنية بسكين دقيقة مايكرونية أوتوماتيكية بشكل قرص رقيق شفاف لايزيد سمكه على 160 ميكرون (مايكرون = واحد من ألف من المليمتر), يبقى عالقا على القرنية في بعض أطرافه وهنا يقلب القرص وينحى جانبا ثم تطلق أشعة الليزر المدروسة المصححة للبصر فتنحت وتبخر من القرنية ما احتسب في ذاكرة البرمجة في جهاز الليزر حسب الدرجة المراد تصحيحها من قصر البصر أو مد البصر أو الاستجمتزم, والتصحيح هذا قد لايستغرق إلا ثواني معدودات وقد يصل إلى الدقيقة أو يتجاوزها قليلا وذلك حسب قوة سوء الانكسار المراد تصحيحها, وبعد ذلك يعاد القرص ليغطي السطح الذي عولج بأشعة الليزر, فيلتئم دون خياطة, هذه العملية لاتسبب آلاما شديدة للمريض كالأولى والمريض يستعيد البصر الجيد بشكل أسرع من العملية الأولى.
لننتظر قليلاً.. ونترقب
لقد غدا التصحيح بأشعة الليزر علاجا جيدا فعالا أمينا ونصرا كبيرا للذين ابتلوا بقصر البصر العالي, ولكن أشعة الليـزر لاتزال عاجزة للآن عن تصحيح حرج البصـر غير المنتظم والذي يسمى (القرنية المخـروطية) Keratoconus, وفي هذه الحالة لابد من العدسات اللاصقة الأكسجينية أو إجراء عملية ترقيع القرنية.
وبالرغم مما حققه الليزر حتى الآن من انتصارات ونجاحات باهرة معتمدة, وبالرغم من حماس جراحي العيون وانبهار المرضي بالنـتائج المعـطاة, فإن العملية مازالت في طورالحداثة ويتطلب الأمر مرور سنوات طويلة حتى نقول إن التصحيح يقف على أرضية صلبة لاجدال فيها, وأن البصر لم يتراجع وأنه لم تطرأ اختلاطات ولا تأثيرات سلبية على العين مع مرور الزمن نتيجة تلك العملية.
ونحن إذ نقف على أبواب انتهاء القـرن العشريني وانغـلاق الألف الثاني للميلاد, نعلم جيدا أن مئات الألوف مـن المرضي الذين اسـتردوا البصر الجيد بواسطة أشعة الليزر يلوحون وهم بثقة يهتفون: وداعا للنظارات التي ابتدعت منذ ألف عام.
. المرضى هؤلاء تضر كيماويات على المحتوية العطور على علامة لوضع الأمثل الأسلوب الآن ونناقش , الأكزيما لمرضى ننظر بدأنا قد فإننا , للعطور بالنسبة أما , الحساسية مسببات الحساسية ذوو ليتفادى , التجميل ومستحضرات الشخصية العناية منتجات من جانب تركيبات عن تعلن بدأت قد الشركات بعض إن فيقول , الأطراف كل يرضي حل إلى يصل أن للعطور المنتجة الشركات كبريات من واحدة باسم متحدث ويحاول . صناعتها في الداخلة الكيميائية المركبات لبعض المحتملة أو المتوقعة المضاعفات من وتحذيرات , الكيميائي تركيبها على تشتمل إرشادية ورقة بمنتجاتها فترفق , الأدوية مصانع حذو تحذو أن العطور مصانع من نطلب أن يمكننا فلا , والغموض السحر من كثيفة أغطية تحت بأسرارها تحتفظ أن تستوجب الصناعة لهذه الخاصة فالطبيعة , صنّاع العطور معالجتها في يشاركنا وأن , بجديّة نعالجها أن ينبغي , حقيقية مشكلة إنها ! كابوس أنه والحقيقة , حلماً اشتريت أنك حاسباً , صديقاً لتهديها أو , بنفسك لتستعملها , شرائها إلى فتسارع , القلب بهيئة زجاجة منظر ويبهرك , للعطور متجر واجهة أمام تقف قد فإنك , ذلك كل من وبالرغم , بالربو له المتعرضين ويصيب , العصبي الجهاز على ومؤثر , مسرطن كيميائي مركب وهو , العالم في المنتشرة العطور من كبيرة أعداد تركيب في يشارك الذي , ) التولوين ( أمام , خاصة بصفة , التقرير ويتوقف . العصبي بالجهاز ضارة أخرى مركبات تسعة إلى بالإضافة , الميثايلين وكلوريد , والليمونين , البنزايل خلات : مركبا العشرين قائمة في وردت التي المسرطنة الكيماويات ومن رحلة عجيبة في جسد الإنسان
إيهاب عبدالرحيم
مجرم محكوم عليه بالإعدام تبرع بجسده لخدمة العلم وأطباء ومصورون فنيون تآزروا جميعا وباستخدام آخر تقنيات العصر ، أمكنهم القيام برحلة هي الأحدث والأدق والعجب داخل أجسام البشر.
يتميز الجسم البشري بكونه قطعة فنية غاية في الروعة والإتقان. وبالإضافة إلى الجمال, ظل غموضه يداعب خيال جميع محبي الجنس البشري, فقام الفنانون برسم ونحت أعداد لا تحصى من الرسوم والتماثيل التي تصور الجسم البشري, كما عكف العلماء على سبر أغوار تلك الآلية السحرية التي تنظم عمله. وتعرض الجسم البشري للتصوير الفوتوغرافي والإشعاعي, كما خضع للمراقبة والتشريح.. ولكن حتى وقت قريب لم يكن قد تم ترجمة جسد فعلي ـ من دم ولحم ـ إلى بيانات إلكترونية تجعله صالحا للاستخدام كموضوع فني وكمثال طبي في الوقت نفسه.
وفي هذا المقال, سأصحبك ـ عزيزي القارئ ـ في رحلة عجيبة داخل الجسم البشري.. نبدؤها بالتعرف على مضيفنا, وهو الدكتور ألكسندر تسياراس (Tsiaras), والذي استخدم أحدث تقنيات التصوير الطبي في تحويل الصور الفوتوغرافية إلى أشكال حاسوبية يمكن النظر إليها من أي زاوية وأي عمق ـ بمعنى أنها تماثيل افتراضية (Virtual Sculptures). . جنسيًّا تتكاثر التي النوع أحادية الفصائل هناك و ، لاجنسيًّا تتكاثر الخنثى التي الفصائل فهناك الفصيلة؛ حسب المرجانية الشعاب تكاثر عملية تختلف المرجانية الشعاب تكاثر وسيؤدي هذا الأسلوب الجديد ـ بالإضافة إلى التقنيات والأساليب التي يعكف على تطويرها حاليا فنانون وعلماء من جميع أنحاء العالم ـ إلى تغيير الصورة التي ننظر بها إلى أنفسنا ـ والطريقة التي يعالجنا بها الأطباء ـ إلى الأبد.
. زرقاء جانبية بقع وفي , الأحمر الواسعتين العينين لون في مشكلتها ولكن , الأخضر , الأشجار لون معظمه يصبغ جسماً تمتلك إنها . شديدة بيئية ضغوطاً تعاني التي الكائنات من - بالمناسبة - وهي , الوسطى أمريكا غابات في تعيش التي , العينين حمراء , ) الأشجار ضفدعة ( وهذه . براعتها درجة إلى تصل لا أنها غير , الدفاعي أسلوبها في الحرباء تحاكي , أخرى كائنات وثمة . الحيّة الكائنات بين , الذات عن الدفاع سلوكيات عن الحديث يكون عندما الذاكرة تستدعيه الذي , ) المثال النموذج ( هي الحرباء إن . الميدان من وينسحب , البال كاسف فيستدير , به له حاجة ولا , القرنيّة الحلقات ذا , الذيل إلا أمامه يجد فلا , الخائب المفترس أما . الأنظار عن وتختفي , الموقع ألوان جسمها فيأخذ - المرّة هذه بإحكام - اللونية لحيلها عادت أو , شق بأقرب وتحصّنت , فرّت قد - ذيلها ناقصة - الحرباء تكون , الخديعة أبعاد أمامه تتبدّى , وعندما الحقيقة ليدرك , قليلة ثواني منه الأمر ويستغرق , والارتباك التشوّش فيصيبه , وذيلها , الحرباء : يتحرّكان ) كائنين ( أمامه يجد الذي , المفترس للحيوان المفاجأة فتصدّر , ذيلها من التخلص إلى تلجأ , جسمها ملامح وتحديد اكتشاف في مترصّد عدوّ ينجح أن بعد , محقق وهلاك , داهم لخطر تعرّضت إن , فهي , كثيرون يعرفها لا , أخرى سلبية دفاعية وسيلة في , نفسها على الحرباء وتتفوّق . بها لها المشهود , نفسها العالية الكفاءة بدرجة إتقانها عن عجزنا وإن , التمويه فنون جيوشنا تعلّمت ومنها , الحرباء , البرية في , شهرة وأكثرهم , السلبي الدفاع ) جنرالات ( أبرز ولعل . الانقراض ظلام طواها قد وأقوى أضخم , أخرى كائنات بينما , السنين من الملايين ومئات لعشرات , الأرض سطح على الحياة خريطة في بمواقعها الاحتفاظ في , لها أسلوباً السلبية الدفاعات ترتضي التي الحيوانات هذه من , الأنواع آلاف بل , مئات ينجح أن - إذن - عجب لا الرجل المرئي والمرأة المرئية
تضم المكتبة الوطنية الأمريكية للطب في ولاية ماريلاند, أكبر مجموعة من المعارف الطبية في العالم. الصحي بالصرف الملوّثة السطحية المياه قنوات عن عوضا عليه الاعتماد يمكن الشرب لمياه كمصدر لها الترويج في الدولية الإغاثة وكالات عندما بدأت , مضت سنة عشرين حتى الارتوازية الآبار على تعتمد التي هي السكان من قلة كانت , المناطق هذه معظم وفي . لكن المسئولين فيها اكتشفوا في عام 1988 أن المكتبة على ضخامتها تفتقر إلى أداة مرجعية رئيسية: نموذج حاسوبي للجسم البشري. أقدام تسعة جناحيه اتساع ويبلغ , الأوربية القارة طيور أضخم الذي يعد الطائر هذا استرداد في البيئة علماء جهود أفلحت , أخيراً . وبرغم توافر عدد من البرامج الحاسوبية التي تعلم طلاب الطب تشريح الأجزاء المختلفة للجسم ـ الركبة, والمخ, والكلية على سبيل المثال ـ فإن أحدها لا يوفر (جثة) افتراضية كاملة. وهكذا ولد مشروع الإنسان المرئي Visible Human Project.
وخلال الأشهر القليلة التالية, تنافست مائة من كليات الطب الأمريكية على الفوز بالمنحة المخصصة لبناء هذا النموذج الحاسوبي الجديد. وقد أسندت إلى الكليات الثلاث التي وصلت إلى التصفيات النهائية, مهمة تصوير بطن خنزير غيني (Guinea pig). وذلك لتحديد الكلية الفائزة بالمنحة في نهاية المطاف, وقد كانت الصور الفائزة من إنتاج كل من فيكتور سبيتزر وديفيد ويتلوك, وهما أستاذان في قسم البيولوجيا الخلوية والبنيوية بجامعة كولورادو, وبذلك حصلا على المنحة التي تبلغ 1.4 مليون دولار في عام 1989, وكانت الفترة التقديرية للانتهاء من العمل هي نحو خمس سنوات.كان أول متطلبات العمل هو الحصول على جسم بشري, وفي واقع الأمر, كان المشروع بحاجة الى أجساد ثلاثة رجال وثلاث نساء, بحيث تقوم لجنة متخصصة باختيار أفضل الممثلين عن كل من الجنسين, بحيث تكون الأجساد المعروضة على اللجنة لرجال ونساء أصحاء بين الحادية والعشرين والستين من العمر, إضافة إلى أن الطول المطلوب هو أقل من ستة أقدام, حتى يمكن الاستفادة من أجهزة المسح (التفريس Scanning) المقطعية في تصوير الجسم إلى الحد الأقصى.
كانت المعضلة تتمثل في الحصول على جثة (طبيعية), والمشكلة هنا في أن الجثة لو ظلت طبيعية لما مات صاحبها!, كما أن أجساد ضحايا الحوادث تتعرض للتلف الجسيم, وأجساد مدمني المخدرات الذين يتوفون نتيجة لجرعة زائدة من المخدر لسوء التغذية, أما قلوب من يتوفون بفعل النوبات القلبية فتكون شديدة الاعتلال.. وإذا حدث أن توفي أحد الأشخاص وهو يتمتع بصحة أقرب ما تكون إلى الطبيعة, فهناك نحو 50.000 أمريكي يعانون من فشل مزمن في أحد الأعضاء القابلة للزرع ـ وهم في انتظار تلك الأعضاء على أحر من الجمر!
وقد حلت المشكلة من تلقاء نفسها في نهاية المطاف, فنتيجة لدعوة أحد رجال الدين العاملين في سجون ولاية تكساس, تبرع العديد من المحكوم عليهم بالإعدام في الولاية, والذين ينتظرون تنفيذ أحكام الإعدام, بأجسادهم لخدمة العلم.. . المنشودة الأهداف لتحقيق الحواسب من المعلومات تدفق على تعتمد , عالمية إدارة فنون وجود إلى بالضرورة سيؤدي الذي الأمر , ضخمة تصنيع لعملية مساندة , الضوء بسرعة , العلماء على ستنهال ) السريع المعلومات طريق ( معطيات أن ذلك , عالمية مقاييس لنا ستعطي , المعلومات نقل سرعة عصر في , دول عدة من الدولية المحطة تجميع عملية إن العالمية الإدارة إلى الانطلاق . داخلها طعامهم في للرواد الذاتي الاكتفاء لتحقيق , الدولية المحطة في بارزا دورا ستأخذ والتي , الجديدة البحوث قائمة رأس على ستكون , تربة دون الزراعة بحوث فإن وقطعا . كذلك جديدة وسائل لديهم ستكون , المدن عن البعيدة المعسكرت أو , المنائر أو , الجزر مثل العمران عن والمعزولة النائية الأماكن في يعيشون من بعض أن فيه لاشك والذي , الجديدة الوسائل هذه عنه ستتمخض ما على بناء أساليبها تتطور أن يمكن , الطائرات وكبائن , التلوث مكافحة ووحدات , المياه تكرير وحدات مثل المرافق بعض أن كما , كبيرة استفادة التطبيقات هذه نتائج من تستفيد سوف , الهواء المكيفة والمكاتب والغواصات الطائرات مثل , مغلق حيز داحل فيها العاملون يعيش التي من كبيرة أرضية مجتمعات أن ولاشك , الكواكب لاستكشاف الطويلة الفضاء لرحلات استعدادا , وبيولوجية وكيماوية طبيعية بين , مختلفة تخصصات في العلماء من جيل لتنشئة التمهيد يستلزم وهذا , الفضاء في البقاء طول لتحقيق اللازمة القيادة وكابينة الأجهزة وتنفيذ تصميم على القادرين , والمهندسين العلماء من جيل على ذلك تحقيق في الاعتماد سيكون ولذلك , الأرض من الإمداد على معتمدين غير , والفضلات العرق وإفرازات البول باستغلال الفضلات تدوير إعادة بأسلوب , ولوازم وشراب طعام من , حياتهم على للإبقاء يلزم بما المحطة لإمداد جديدة أساليب واستغلال , طويلة مددا الدولية المحطة في الفضاء رواد لبقاء الروس محاكاة في , ) ناسا ( وكالة علماء ويأمل . وتحليلها دراستها لهم يمكن التي النتائج إليهم لترسل , الدولية المحطة متن على أخرى بوحدات تتصل والتي , الأرضية ) بعد من الاستشعار ( أجهزة من مجموعة في الأطفال تحكم فكرة على يقوم وهو , ) الطفل قمر ( أي ) Kidsat ( ) كيدسات ( اسم عليه أطلقوا التصميم تحت مشروع , ) ناسا ( وكالة علماء ولدى . التجارب هـذه نتائج على قياسا , معلومات من لديهم ما وتقـييم , من بعـد الدولية المحطة داخل تجارب إجراء , حواسبهم لتكليف ثمينة فرص لهم وستتاح , أسرار من الفضاء عالم في ما تفهم لهم تبسط فعلية عملية تجارب إلى مستندة , الدولية المحطة من عليهم تلقى تطبيقية دروسا تلاميذهم يلقنوا لكي لهم سانحة الفرص المدرسون يجد وسوف , به المتعلقة والتكنولوجيا الفضاء وخاصة العلوم مجالات جميع في العلمي البحث دولاب يقودوا أن يمكن وهؤلاء , الحديثة والتكنولوجيا والرياضيات العلوم قوامها حديثة مناهج على دراساتهم تقوم الذين , الأكفاء والرواد والإداريين والمهندسين العلماء من جيل وجود إلى سيؤدي ذلك أن ولاشك , جديدة علوم على ينفتحون الذين والدارسين المدرسين من جيل وجود إلى ذلك سيؤدي , بالفضاء يتعلق ما وبكل بالعلم يهتم جديد جيل تنشئة على الدولية المحطة وجود سيشجع لأولادنا مشرق مستقبل . الواحدة السنة في دولار بليون 7.9 قدره بما سيعود مردودها فإن , % 2 بنسبة تمت لو الزيادة هذه أن العلماء ويقدر , الاحتراق بغازات البيئة تلوث أسباب من والتقليل , الطاقة توليد معدلات زيادة تستهدف لأبحاث محلا الدولية المحطة ستكون ولذلك , للاحتراق المصاحبة الحارة الغازات لتصاعد منها كبير قدر فقد يسبـب الأرضية الجاذبية ووجـود , الأرض على الطاقة توليد عمليات من ) % 85 ( تمثل الاحتراق عمليات أن إلى الصناعية الإحصائيات تشير إذ , المدارية والمحطات الفضاء وسفن الصناعية الأقمار تصيب التي الأعطال لإصلاح , الفضاء في الصيانة وسائل وتعديل , ومكوناتها أجزائها وتحسين , الصاروخية والدفع الاحتراق ومواد وسائل تحسين مثل : الفضائية بالعمليات الخاصة الأبحاث ـ 3 . البترول مستودعات وحماية , الأفلام وصنـاعة , الطلاء وسائل تطور أن يمكن والتـي , الفضاء في السوائل سلوك هو , دراسة محل سيكون آخر مجال وهناك . مستحدثة صناعات في لإدخالها , الدولية المحطة في , لها جديدة معالجات العلماء ويتوقع , السرية من نطاق وتحت , بحذر تستغل مازالت ولكنها , ) والانديوم , والارسنايد , الجاليوم ( مثل بالفعل تخليقها تم جديدة مواد وهناك , النقاء من عالية درجة على تكون أن يلزم حيث , الإلكترونية الصناعات في تستخدم التي , الجوامد وأشباه , ) Conductors Semi ( الموصلات لأنصاف مواد تصنيع سبق فقد , الصناعة مستلزمات من كثير على للتغلب , مميزة خواص لها سبائك أو , جديدة مواد تخليق , الدولية المحطة في العلماء سيواصل : الجديدة المواد أبحاث ـ 2 Servers - الخادمة الكمبيوتر أجهزة , ) الحمراء الشيفرة ( الذكر سابق الفيروس لوائها تحت ينضوي التي , الدودة هذه تصيب إذ , بأذى الكمبيوتر الشخصية أجهزة يصيب لا أنه في الفيروس عن يختلف ولكنه , أيضا كمبيوتر برنامج وهو ) الدودة ( هو , العائلة هذه في الجديد العضو . كان أولئك المحكومون صغار السن وأصحاء, ونظرا لأن قوانين تلك الولاية توجب تنفيذ حكم الإعدام بالحقن بمادة سامة, لا تصلح أجساد المحكوم عليهم بالإعدام لعمليات زراعة الأعضاء. كان المرشح المثالي رجلا يدعى جوزيف جيرنيجان (Jernigan), وقد اختلفت الآراء حول دافعه من التبرع بجسده للعلم, فمن قائل لأنه (أراد أن يفعل شيئا نافعا)إلى القول بأن أسرته لم تكن راغبة في دفع تكاليف دفنه, وفي جميع الأحوال, لم يكن جيرنيجان على علم ـ بطبيعة الحال ـ بأن جسده سيتحول إلى كتاب دراسي طبي.
أما المصاعب التي اكتنفت بداية المشروع, فتمثلت في وجوب الحصول على الجثة بعد الوفاة بوقت قصير, ثم القيام بتصوير كامل الجسم بالأشعة المقطعية قبل تجميد الجثة, وذلك لأن التجميد يغير بصورة كبيرة من معالم الجسم البشري. بدأ فريق العمل المكون من خمسة عشر فردا في تجربة ملء شرايين جثث التجارب بمحلول أحمر, وأوردتها بمحلول أزرق اللون, بحيث تظهر في الصور المقطعية, لكن السوائل المستخدمة تسربت من الأوعية الدموية المهترئة. وكان تخزين الجثة يمثل مشكلة أخرى, كان مجمد الجثث النقال الذي تم شراؤه من كتالوج إحدى شركات تجهيز ودفن الموتى لا يكفى إلا لجثتين فقط, فاضطر رئيس الفريق لشراء خزانة لتجميد اللحوم من سوق مجاور, ثم قام بتفكيكها وإعادة تركيبها في المختبر, انتظارا لوصول ضيوفها من الجثث.
عندما حانت لحظة تنفيذ الإعدام في جيرنيجان ـ وهو المتطوع الثالث ـ قررت أسرته أن تبقى بضع ساعات مع جثته بعد تنفيذ الحكم, وبعدها تم شحن الجثة جوا من تكساس إلى كولورادو, فوصلت إلى المختبر في أقل من ثماني ساعات. كان طول الرجل خمسة أقدام و11 بوصة, ويزن 199 رطلا, لذا فقد انحشر جسده بصعوبة داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي (Magnetic Resonance Imaging), ولذلك لم يظهر مرفقاه في الصور. تم إرسال الصور المقطعية لجثث الرجال الثلاثة إلى المكتبة لاختيار أنسبها, وعلى الرغم من أن جثته كانت تنقصها إحدى الأسنان, وإحدى الخصيتين, بالإضافة إلى الزائدة الدودية, فقد تم اختيار جثة جيرنيجان لتكون النموذج الرقمي (Digital model) لجميع الرجال.
وعند هذه المرحلة, يبدأ الجزء الأصعب من رحلتنا, فقد كان من الضروري تقطيع الجثة إلى أجزاء, ثم تشريحها إلى شرائح رقيقة مستوية حتى يمكن تصويرها في صورة قطاعات عرضية. وحتى يمكن المحافظة على الجثة في نفس الوضع طوال عملية التشريح والتصوير, لجأ الفريق إلى تغطية كامل الجثة بأنبوب مطاطي ثم تثبيته بمسامير سائلة تم شراؤها من متجر قريب. وحتى يمكن تقطيع الجثة في صورة شرائح مستوية, جمدت الأنسجة لتصبح في مثل صلابة العظام ـ عند 94 فهرنهايت ـ لمدة يومين كاملين. وبمجرد تقسيم الجثة إلى أربعة أجزاء, تم وضعها في كتل من الجيلاتين صبغت باللون الازرق باستخدام أحد الأصباغ المستخدمة في صناعة الأغذية, كما مُلئت تجاويف الجسم باللاتكس الأزرق من أجل المحافظة على شكلها الأصلي, وفي نهاية الأمر  بدأت عملية تقطيع الجثة إلى شرائح في فبراير 1994.
بدأ العمل على أقل أجزاء الجسم أهمية ـ وهي القوالب التي تحتوي على القدمين, وذلك حتى يكتسب أفراد الفريق الخبرة الكافية. وباستخدام منشار كهربائي دائري مثبت في سقف الغرفة, وجهاز يسمى الكريوماكروتوم Cryomacrotome, (في اللاتينية بمعنى جهاز تقطيع الشرائح الكبيرة), عكف اثنان من أفراد الفريق على تقطيع شرائح بسمك ملليمتر واحد من القالب, كما قاما بفحص الشرائح بحثا عن الأنسجة التي لم يتم تقطيعها بصورة شرائح ملساء, ثم نثر الكحول بين كل قطاع عرضي والذي يليه, ولصق علامات لتحديد الألوان خوفا من تغير اللون عند تحميض الأفلام, وأخيرا التقاط الصور باستخدام ثلاثة أجهزة تصوير. وبعد تقطيع كل شريحة, كان المساعدان يقومان بتجميد الكتلة مرة أخرى باستخدام الثلج الجاف. كانت الفترة الزمنية التي تفصل بين تقطيع كل من الشرائح تتراوح بين أربع وعشر دقائق, كما كان أعضاء الفريق يعملون في نوبات متتالية لمدة 12 ساعة يوميا.
كان حجم العمل هائلا, لذلك كانت هناك مشكلات يومية تتمثل في تعطل الأجهزة المستخدمة عن العمل, المنشار, والحاسوب, وأجهزة التصوير. وعندما وصل أفراد الفريق إلى الرأس, كان الصيف قد حل, ولما كان المختبر غير مجهز بالمكيفات, فقد كانت الكتلة التي يعمل عليها الفريق تذوب سريعاً, لذا اقتصر العمل على ست ساعات يوميا, وفي نهاية الأمر استغرق العمل نحو تسعة أشهر لالتقاط الصور المطـلوبة لجميع الشرائح البالغ عددها 1878 شريحة.
احتلت البيانات الخام ـ أي الصور الفوتوغرافية, والصور المقطعية, وصور الرنين المغناطيسي ـ نحو 15 جيجا بايت من الذاكرة الحاسوبية. وعندما بدأ مشروع الإنسان المرئي, كانت هذه البيانات كافية لملء نحو15.000 قرص مرن (Floppy discs), أما اليوم, فهي كافية لملء 23 قرصا مكتنزا للقراءة فقط (CD-ROM). وبحلول نوفمبر من عام 1994, بدأ ظهور جيرنيجان على شبكة الإنترنت. ويستغرق الأمر أسبوعين لتحميل البيانات من الإنترنت, كما تقدم أكثر من 700 شخص وهيئة علمية بطلبات للاستخدام المجاني لتلك البيانات, وتباينت الأغراض التي ستستخدم فيها بين تصميم الخوذات الواقية من الصدمات, إلى تصميم العمليات الجراحية, أما أغلبها فسيستخدم في تخليق صور للجسم البشري. واستغرق العمل 18 شهرا لمعالجة المعطيات الحاسوبية وتحويلها إلى الصور التي نرى بعضها على صفحات هذا المقال, إذ كان من الضروري تكديس (Stacking) الصور الثنائية الأبعاد المأخوذة للشرائح فوق بعضها البعض, وذلك حتى يتمكن الرائي من الحصول على صور ثلاثية الأبعاد لأي قطاع من الجسم, وفي أي اتجاه, ويعد هذا مفيدا بصورة خاصة لطلاب الطب الذين سيتمكنون من (تشريح) جثة لرجل صحيح البدن, في أي وقت وفي جميع الاتجاهات, ثم البدء مجددا من أي نقطة شاءوا, وباختصار.. يتيح لنا البرنامج النهائي استكشاف جسد بشري حقيقي.عندما تم الانتهاء من مشروع الرجل المرئي, بدأ أعضاء الفريق مشروع المرأة المرئية, وهي امرأة في التاسعة والخمسين توفيت في سبتمبر 1993 نتيجة لإصابتها بأزمة قلبية لم تؤثر على الشكل العام للجسم, وتمكن الفريق من تشريح جسدها إلى عدد يبلغ نحو ثلاثة أضعاف العدد الذي حصلوا عليه من جيرنيجان, أي 5189 شريحة. ويأمل رئيس الفريق ـ الدكتور سبيتزر ـ في أن يأتي اليوم الذي يتمكن فيه الأطباء بفضل هذا الإنجاز من فحص (مرضى افتراضيين) (Virtual patients) من أي عمر, أو جنس, أو عرق, أو نمط جسدي.
أسرار التشريح
كان الفن يسبق العلم في عصر النهضة, فالسلطات الدينية كانت تتغاضى عن تشريح الجثث, مشيرة إلى أن التصميم الذكي للجنس البشري (corpus humanum) يعد دليلا عمليا على عظمة الله تعالى ـ وتذكيرا واضحا بسرعة زوال الحياة.
أجرى ليوناردو دافنشي دراسات على العظام, والعضلات, والعيون في المستشفيات الملحقة بالأديرة, وذلك لاقتناعه بأن المرء لكي يرسم الجسم البشري, عليه أن يتعرف على ما يخفيه الجلد عن العيان. للهواء تحتها الرسوبيات طبقة فتعرضت ينخفض، مستواها جعل المنطقة في الجوفية المياه على الناس إقبال شدة إن تقول نظرية أو رأي فثمة بنجلاديش، آبار مياه في الزرنيخ مصدر حول آخر خلاف وثمة . كبدي وفشل جلد، وسرطان التنفسي، بالجهاز أمراض صورة في القرى، سكان على تظهر بالزرنيخ التسمم أعراض بدأت حتى الآدمي، للاستخدام صلاحيتها من للتأكد الآبار، مياه تحليل ضرورة إلى للمياه، بديل مصدر عن البحث حومة في أحد، يلتفت ولم الآبار، مياه إلى البنجلاديش أهل وتحوّل الجانج، نهر دلتا في آبار حفر واقترحت اليونيسيف، مثل العالمية، والمنظمات الهيئات بعض وتدخلت سنوياً، منهم الآلاف فيموت الهضمي، الجهاز بأمراض تصيبهم كانت التي الصحي، الصرف بمخلفات الملوّثة والبرك الأنهار مياه من يشربون بنجلاديش في السكان معظم كان سنة، عشرين وقبل . الزرنيخ إليها يتسرب آبار لا لحفر جديدة مواقع إلى يرشدهم مَن يجدون لا حائرون، الناس بينما الفريقين، بين مستمراً الجدل ولايزال عنهم، الآخر الفريق فحجبها دراستها، في للمشاركة العينات هذه تحليل نتائج الجامعة علماء طلب حين الفريقين بين الخلاف بدأ وقد . الواحد اللتر في ميكروجرامات 10 وهو العالمية، الكيميائية الجداول في به المسموح الأقصى الحد على المرات عشرات يزيد فوجدوه فيها، الزرنيخ مستوى عن للكشف بتحليلها قاموا الآبار، من مياه عينة 2000 من أكثر على وحصلوا بنجلاديش، من متفرقة أماكن في النطاق واسعة مسح بعملية العمل،وقاموا في الأول الفريق سبقوا قد كانوا الذين البريطانية المساحة هيئة في جيولوجيين من مكوّن والآخر لندن، جامعة من علماء يضم أحدهما : مختلفين فريقين إلى انقسموا حتى العمل بدأوا إن فما الإنجليز، والجيولوجيين الجوفية المياه خبراء عون بنجلاديش طلبت أخيراً، . وسرعان ما تبعه الأطباء في اهتمامه بالتشريح, فقد نشر أندرياس فيزاليوس (Vesalius) وهو جراح عسكري, ومدرس وطبيب لأمراء أوربا, كتابه الكلاسيكي المكون من سبعة أجزاء بعنوان (عن صناعة الجسم البشري) (De humani corporis fabrica), وذلك وهو في التاسعة والعشرين من عمره. كانت لوحاته الملونة, والتي كانت تمثل طبقات متتالية لتشريح الجسم, مثل الشرائح الشفافة التي نراها في الموسوعات المصورة اليوم, مبنية على عمليات التشريح العلنية ودروس التشريح التي كان يلقيها في بادوا. وفي مرات قليلة خلال اشهر الشتاء الباردة, كان النبلاء والقساوسة والمارة يتجمعون في بولونيا ليشاهدوا عمليات التشريح التي كان يقوم بها في مدرج مضاء بالمشاعل. كما توافد الناس على كلية الطب بباريس ليشاهدوا عمليات التشريح, وكانت السيدات يحملن باقات الزهور وسلال البرتقال لكي يتمكّن من احتمال الرائحة الكريهة المنبعثة من الجثث. وظهرت سوق سوداء للاتجار في جثث الغرباء, والمشردين, والفقراء, كما كان طلبة الطب يسرقون الجثث من القبور, وحتى من المواكب الجنائزية.
وعندما بدأ عصر التنوير, ساد تطبيق (الطريقة العلمية). كان المشرحون يحفظون جثثهم بغمرها في النبيذ أو بصب الشمع السائل عليها, ولذلك تمكنوا من دراسة أعضاء الجسم المنفردة, وكذلك الشبكات المنتشرة في جميع أجزاء الجسم, مثل الجهاز العصبي والجهاز التناسي.
وفي عام 1677 كان العالم الهولندي أنطون فان ليفنهوك (Van Leeuwenhoek) هو أول من رأى الحيوانات المنوية عبر المجهر الذي صنعه بنفسه, غير أن هناك من علماء عصره من ادعى رؤية إنسان مصغر لدى الفحص المجهري الدقيق لعينة من السائل المنوي!.
الخرسانة.. بكتلة مقارنةً , البامبو كتلة صغر إلى راجعاً ذلك وكان . الشديدة الأرضية الهزة منها تنل لم , البامبو بيوت إلاَّ , بالمنطقة البنايات كل الدمار فأصاب , كوستاريكا في , البامبو بيوت شيدت فيها التي المنطقة , ريختر بمقياس , درجة ونصف درجات سبع شدته زلزال ضرب عندما وذلك , المرة هذه , الطبيعة من اختبار وهو , وتميزه قوته يثبت اختبار على يحصل أن للبامبو تهيأ وقد وبحلول عام 1845 تمكن ألفريد دون (Donne) من إنجاز صور دغرية (Daguerrotypes: طريقة قديمة للتصوير الفوتوغرافي على ألواح فضية), لعينات من الأنسجة حسبما ترى من خلال المجهر ـ ومن خلال لوحات الحفر التي كان يرسمها بنفسه, كان يُري الآخرين أشكال خلايا الجسم المختلفة. وأتاح التصوير الفوتوغرافي, وهو أحدث تقنيات التصوير المتاحة وقتئذ, فرصة تسجيل الصور باستخدام الضوء بدلا من الاعتماد على العين واليد البشرية المدربة, وهكذا تمكن العلماء من تصوير شبكية العين (1865), وداخل المعدة باستخدام منظار جوف البطن (Endoscope) في عام 1898.
وفي عام 1895, اكتشف العالم الألماني فلهلم كونراد رونتجن (Roentgen) شعاعا من الطاقة ذا طول موجي أقصر من الضوء, والذي يمكنه اختراق أنسجة الجسم ومن ثم الاحتفاظ به على فيلم. ومع بداية القرن العشرين, كانت (أشعة إكس) تستخدم في تشخيص الكسور ـ وفي دعاوى سوء التصرف المهني ضد الأطباء والجراحين.
لم يكن بوسع أحد أن يفكر بإمكان تصوير أنسجة الجسم الحية قبل حلول العصر الحديث. وقد بدأ عصر الأشعة المقطعية المحوسبة (CAT-Scanning) في عام 1973, وهي تقنية تعتمد على استخدام صور الأشعة السينية المأخوذة من زوايا مختلفة, ثم يقوم حاسوب بمعالجتها بحيث يمكن رؤيتها كصورة واحدة, فأتاحت للأطباء فرصة تحديد مواضع الأورام أو الأنسجة الميتة في الدماغ نتيجة للسكتات المخية (Strokes). وبعد ذلك اكتشف الأطباء أنه عند حقن الماء المشع في مجرى الدم, يمكن باستخدام آلات تصوير معينة التقاط صور للعمليات الاستقلابية (Metabolic) المختلفة الدائرة في الدماغ, وهي تقنية تعرف بالتصوير المقطعي بانبعاث البوزيترونات (PET), مما مكننا من اقتفاء الأنشطة العصبية في الدماغ ـ فأصبح بوسعنا تحديد تلك المناطق الدماغية التي تتحكم في عمليات الحديث أو الحركة أو الإحساس.وفي الثمانينيات, شاع استخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI), وذلك لأنها لا تشتمل على استخدام مواد مشعة قد تضر بالجسم.
أما اليوم, فنحن نستخدم مزيجا من جميع تقنيات التصوير المتاحة ـ بداية من صور المجهر الألكتروني, إلى تصوير الجينات ـ من أجل أن نرى, وأن نعرف, ومن ثم أن نعالج أنفسنا بطرق لم يكن بالإمكان تخيلها منذ قرن واحد من الزمان.
جاك إيف كوستو
سعيد شيمي
ورحل عاشق الأعماق
كعادتي في الصباح, أصنع قهوتي وأجلس أمام شاشة التلفزيون, وتنقل لي الأقمار الصناعية الأخبار الجديدة, وهي دائما مؤلمة, خاصة مع الطقس الحار, وفي السابع والعشرين من شهر يونية حملت الأخبار نبأ مؤلما لي بشكل خاص هو وفاة رائد الأعماق الفرنسي العالمي (جاك إيف كوستو) عن عمر يناهز 87 عاماً حيث ولد عام 1910.
أحببت الأعماق والعالم التحت مائي من خلال أفلامه وكتبه وبرامجه.
فمنذ سنوات عديدة, عندما كنت هاوياً أبحث عن المعرفة وأحب مشاهدة الأفلام الثقافية والتسجيلية في المحافل المختلفة, شاهدت في صالة (جمعية الفيلم بالقاهرة) الفيلم الذي صنعه كوستو باسم (عالم الصمت)   Le Monde du Silence وكان هذا الفيلم سبب انبهاري وحبي المتزايد للعالم الغريب المثير الغامض للأعماق, وبعد تخصصي في التصوير السينمائى التحت مائي وتصوير أكثر من أحد عشر فيلما سينمائىا تحت الماء أهمها (جحيم تحت الماء) 1989, (جزيرة الشيطان) 1990, (الطريق إلى إيلات) 1994 ونشر لي كتاب متخصص في هذا المجال العام الماضي, وجدت أنه من الواجب التعريف بهذا الرائد العظيم, وخاصة أنه حتى الآن لم يترجم له أي كتاب إلى اللغة العربية وقد تجاوزت 35 كتاباً, ولقد أمضى كوستو من عمره خمسين عاماً باحثا عن المعرفة مسجلا مايرى ويكتشف فيما يسمى (عالم الصمت) أي عالم الأعماق.
البحّار
ولد كوستو في مدينة صغيرة تدعى (سان أندريه كيويزا) في أسرة مترابطة وفي ظروف معيشية ميسرة, وبعد إنهاء دراسته الثانوية التحق بالأكاديمية البحرية الفرنسية ليتخرج بتفوق, حيث كان ترتيبه الثاني على الدفعة, ويلتحق ضابطا في السلاح البحري.
فاندثرت الأرض تلك أخفتها قد باهرة حضارة على رائعة شواهد إن إذ , وقتها بالألم الشعور كان وكم ) بالآثار عادة تحتفظ لا التربة من النوعية وهذه , سبخة طبيعة ذات بنغازي أرض من كبيرة أجزاء ( أن عرفنا حين تعجبنا بطل , السبب عن سألنا وعندما , العربي المغرب بلدان إلى الإسلامية الفتوحات طريقه عن وصلت الذي الشرق إلى الأقرب أنها من الرغم على إسلامية آثاراً فيها نجد لم , الرائعة بزرقته المتوسط بهاء على المطلة الجميلة الحديثة ومبانيها أسواقها وجسنا , وأزقتها شوارعها في وجلنا عدة أياما فيها قضينا التي بنغازي أن الغريب لكن , ليبيا مدن من العديد بين تتوزع وجدناها وقد , بازغة مازالت الإسلامية الحضارة عظمة على الشواهد فإن , تلتها التي والقرون المسيح السيد ميلاد سبقت التي العصور وكذلك , الأول الإنسان فيها عاش التي الأزمنة تلك إلى يعود ليبيا تحتويها التي الآثار في الأعم الغالب أن ومع سبخة أراض . الإسلام لسيطرة خضعت قد تكن لم التي المناطق من عدداً دخل حين نافع بن عقبة استكمله ثم , 642م العام في العاص بن عمرو يد على إليها جاء الذي الإسلامي الفتح أيام إلى منها عدد ويعود , وعرضها الجماهيرية بطول تنتشر فهي المساجد أما , سنة آلاف ثلاثة إلى تعود الصخور في محفورة ورسوم نقوش ) فزان ( في الواقعة ) غدامس ( واحة في لاتزال فيما , المتوسط شاطئ على ) سوسة ( مدينة جوارهما وإلى , القديمة الآثار من هائلة بأعداد وتكتنزان , أيضا بنغازي شمال تقعان مدينتان وهما ) شحات ( و ) طبرق ( و , البطالمة عصر إلى تعود والتي بنغازي من القريبة ) طلميثة ( مدينة إلى بالإضافة , طرابلس من بالسيارة ساعة نصف مسافة على تقع أيضا وهي شهير أثري مسرح على تحتوي التي ) سبراطة ( مدينة أيضا تضم كما , طرابلس العاصمة من واحدة ساعة بعد على تقع وهي ) القديمة تدمر ( بـ أيضا تسمى التي ) الكبرى لبدة ( كمدينة , الأثرية العالم مدن أجمل بعض فيه توجد الذي الوقت في , والإسلامية العربية الحضارة جانب إلى والرومانية والإغريقية الفينقية منها متعاقبة حضارات إلى تنتمي شواهد من أراضيها تحتويه الذي التنوع ذلك في الغنى شديدة إنها بل , فقط القديمة الآثار في هائل ثراء لديها دولة مجرد ليست وليبيا ثري تنوع . طرابلس في ) دوفان بئر ( و بنغازي قرب الواقع ) الطيرة حقفة كهف ( في الأدوات هذه مثل أيضا بها وجدت كما , ) المقرنات كهف ( في التاريخ قبل ما منذ حجرية أدوات بها وجدت , 2002 عام مارس شهر في الصادر ) 520 ( العدد في ) العربي ( مجلة تناولتها التي , ) شحات ( منطقة أن كما , ذلك حول كتابا العالم هذا أصدر وقد , الميلاد قبل سنة ألف 95 منذ فيه وجد الأول الإنسان أن أثبت ) برني ماك ( يدعى بريطانيا عالما فإن سوسة قرب يقع الذي ) افتيح كهف ( أما , ) الجمل رقبة كهف ( صخور فوق محفورة الإنسان نقوش ذلك توجد ) كارسة ( عليه يطلق مكان وفي , فيه موجودة الأول الإنسان أدوات مازالت ) كريم الحاج حقفة ( عليه يطلق كهفا ) درنة وادي ( في تضم فليبيا , ذلك إلى يشير شلوف عبدالسلام الدكتور الآثار في المتخصص الجامعي الأستاذ لنا ذكره ما ولعل . ومصر تونس مع بينياً تكاملا تتطلب ) النخبة سياحة ( عليه يطلق ما أو ) الثقافية السياحة ( أن يرى فإنه , ذلك على دليلاً وشحات سبراطة تعد وحيث , وغيرها واليونانية والفينيقية الرومانية الحضارات ليبيا على مرت حيث والدينية , ) الرملية ( منها السياحة من أخرى أنواع على يؤكد وفيما . سنة 80 منذ غارقة باخرة عن بالبحث الحالي الوقت في فرنسيون غواصون فيها يقوم مثلا ) سوسة ( منطقة أن إلى مشيراً , العمق في كامنة مازالت التي بالآثار مزدحم قاعه فيما , الخلجان ومناطق , للغوص الصالحة بالأماكن فيه يحفل الذي الوقت في , مستغل غير لايزال المتوسط الأبيض البحر ساحل على الممتد الشاطئ إن إذ , جداً واعد سياحي بلد هي محايدة عالمية دراسات خلال من ليبيا أن لنا أكّد السياحة عن المسئول . ) جات ( و ) غدامس ( مثل العالمي التراث سجل في تسجيلها تم والتي جدا القديمة الواحات إلى إضافة ) وداوادة عون قبر ( منطقتي في كما النخيل من غابات حولها تدور مائية بحيرات الرملية الجبلية المناطق وسط المرء يجد وفيها ) الصحراوية السياحة ( فكرة ابتداع , فيها الرملية الجبال أتاحت وقد , المتوسط البحر منطقة صحراوات أكبر هي الليبية فالصحراء هذا عند يتوقف لا الأمر لكن . الأفريقية القارة في المفتوحة المحميات أكبر بأنها اليونسكو منظمة وصفتها طبيعية محمية باتت منطقة وهي , السحيق زمنه في الإنسان يستعملها كان آلات من بها يوجد ما إلى إضافة , الانقراض إلى الحال بها آل وحيوانات وغزلان لفيلة الملوّنة وغير الملوّنة بالنقوش تعج الأول الإنسان مناطق حيث ) أكاكوس ( في خصوصا لليبيا الواعدة الإمكانات وعن , فقط 1995 عام منذ بدأت التي السياحي التخطيط عملية عن كثيراً حدّثنا حين جودة سالم البخاري المهندس الجماهيرية في للسياحة العامة الهيئة عام لأمين تحديداً نقلته ما هذا لعل . التاريخ وعظمة الحضارة عن والباحثين الصحراوية الرحلات هواة إليه يجتذب مزاراً , التعرية عوامل وجه في دهوراً والشامخ غموضه في الساحر المكان هذا من تجعل أن , للسياحة الأساسية البنية ترتيب استطاعت لو , لليبيا يمكن الذي الأمر , الإنسانية عرفته طبيعي متحف أكبر وتشكل , التاريخ قبل ما عصور إلى تعود الصخور فوق المحفورة البديعة ونقوشاتها المنطقة هذه تاريخ أن رغم , معدومة شبه الأحيان غالب وفي , للغاية شحيحة الساحرة أكاكوس جبال منطقة عن معلوماتهم كانت , وأسواقها ومقاهيها الليبية المدن شوارع في ودّهم صافحنا الذين العاديين والبشر , الإعلامية والوسائل الثقافية المنتديات في , الليبي الشعب أبناء من قابلناهم من معظم أن اكتشاف هو , حقا مفاجئا كان ما لكن , بعشق عنها الكتابة في الكوني إبراهيم الليبي الروائي برع التي الأماكن تلك برؤية يغوي ولع عن الطرف لغض آسفا دفعني ما هذا كان . وبخروج فرنسا السريع من الحرب العالمية الثانية بعد هزيمتها من دول المحور, قبع الأسطول الفرنسي المتبقي في ميناءى مرسيليا وطولون المطلين على البحر الأبيض المتوسط في الجنوب, والتابعين لحكومة فيشي المهادنة للنازي.
انخرط الضابط الشاب كوستو في ذلك الوقت في حبه للمغامرة والبحث والتطوير التحت مائي حيث بدأ ونجح في تصميم بدلة من المطاط تصلح للغوص, وتمنع البلل وتحافظ للغواص على درجة حرارته (37ْ) الطبيعية تحت الماء, بل إنه صنع وكيف للأرجل زعانف (Fins) يرتديها الغواص فتزيد من سرعته ومرونة حركته مثل الأسماك تماماً. ولكن مشكلة الزمن البسيط والعمق القليل الذي يرتاد به الإنسان الأعماق ظلت معلقة بمثل هذه المعدات, حتى تمكن في عام 1934 مع زميله الضابط المهندس البحري (أميل جاجان) من تطوير أجهزة الغوض الذاتية الحرة (Scuba) والتي يكون بها الغواص حراً تحت الماء ينتقل كما يحلو له, ويتم ذلك عن طريق أسطوانة مملوءة بالهواء الجوي المضغوط تصاحب الغواص تحت الماء وترتبط به كالحبل السري, إذ يخرج من الاسطوانة خرطوم في نهايته قطعة مجهزة لتوضع بالفم يمكن للغواص بواسطتها أن يتنفس كمية الهواء المناسبة له لبقائه حيا تحت الماء, حيث إن حجم رئة الإنسان ينكمش كلما زاد الضغط عليها بعمق (الغوصة), ولذا كان اختراع قطعة الفم التي هي منظم يناسب كمية الهواء المستعمل مع حجم رئة الغواص في العمق المتجدد إنجازاً دعم حرية الغوص.
أحدث هذا الاختراع ثورة في تكنولوجيا الغوص, وبرهن على ذلك كوستو وجاجان عندما قهرا الأعماق حتى بلغا 63 مترا تحت الماء بهذا الجهاز, وإحقاقاً للحق والتاريخ فإن الإرهاصات الأولى لهذا الجهاز المرتبط بالاسطوانة والهواء المضغوط قد اخترعها الضابط الفرنسي كذلك (إيف لي بريير) عام 1933, ولكنها كانت تعطي هواء مستمراً بضغط متساو باستمرار دون اعتبارات للعمق وحجم الرئة, مما يسبب انفجار رئة الإنسان وموته تحت الماء في بعض الظروف.
لم يكن الإنسان قد تمكن بهذه الأجهزة والتجهيزات البسيطة من ارتياد الأعماق حتى 63 مترا, فقد وصل الإنسان إلى أعماق أكبر من ذلك بكثير ولكن ببدلة الغوص التقليدية الثقيلة ذات غطاء الرأس النحاسي الضخم والأحذية المملوءة بأثقال الرصاص والتي تثبت الغواص على القاع بينما يزود بالهواء بمضخات على ظهر زورق فوق سطح الماء تجعل حركته محدودة للغاية وخطرة إذا انقطع خرطوم الهواء المغذي له.
لقد أثبت كوستو أن الإنسان تحت الماء يصير جزءاً من عالم الماء إذا تمكن من التحكم في هواء التنفس, حيث إن جسد الإنسان به 75% ماء فإذن هو وسط مائي يتآلف مع أعماق الماء وضغوطها, وللعلم فإن كل عشرة أمتار عمقا تزيد الضغط الجوي على جسم الإنسان وتجعل الرئة تنكمش بنسبة العمق, ولك أن تستنتج أن الثلاثة وستين مترا التي غاصها كوستو وجاجان جعلت ضغط الماء عليهما يساوي أكثر من سبعة ضغط جوي, بينما نحن نعيش ونتنفس علـى سطح الأرض بضغط جوي واحد.
وفتحت اكتشافات وإضافات كوستو آفاقا واسعة بكل معنى الكلمة لريادة الأعماق بحرية وأمان, وهذا ما جعل رياضة الغوص الآن منتشرة في جميع بقاع العالم, ويرجع الفضل كله لهذا المنظم الصغير الذي يضعه الغواص على فمه.
لم يكتف كوستو بالريادة في الغوص بهذه التجهيزات بل أخذ ينقب عن أسرار وغموض الحياة البحرية للكائنات المائية, وأقام في جزيرة مواجهة لميناء مرسيليا معمل أبحاث تحت مائي سماه (كونشلف) وأخذت أخباره وأبحاثه الجديدة عن غزو الإنسان لأعماق الماء تنشر في جميع الصحف والمجلات المتخصصة ويذيع صيته, إلا أن ما مرت به فرنسا بعدالحرب العالمية الثانية من كساد اقتصادي و إعادة البناء والتعمير الشاقة أثر كثيرا في استمرار كوستو في أبحاثه, حتى قابل في مدينة (كان) الساحلية الملياردير الإنجليزي (نويل جينس) الذي كان معجبا بهذا العالم المكافح, فقام بإهدائه كاسحة ألغام بريطانية خرجت من الحرب, وجهزها له كسفينة أبحاث عائمة باسم (لاكليبسو) وتعهد (نويل) بتبني مشروعات كوستو البحثية التحت مائية مالياً, ومن هنا بدأت رحلة كوستو العظيمة في فتح أسرار الأعماق.
أسرار البحر الأحمر
في عام 1949 اتجه عالم الحيوان النمساوي (هانز هاس) إلى أعماق البحر الأحمر في منطقة قريبة من ميناء بورسودان, ولقد غامر (هاس) بكل ما ادخر من مال في تمويل هذا المشروع البحثي بعد إفلاسه أثناء الحكم النازي للنمسا, ونجح بمعدات قام بتصنيعها في تصوير حوالي 1500 صورة فوتوغرافية (أبيض و أسود) للحياة البكر المتنوعة تحت الماء في البحر الأحمر, وأقام بعد ذلك عدة معارض متنقلة في أوربا لما صور ورأى خاصة الحياة الأسرية لسمكة القرش التي هاجمته في إحدى المرات, وقد جعله نجاح هذه المعارض يعوض خسارته ويفتح معمله مرة أخرى وتستمر أبحاثه.
ويلتقط كوستو الخيط ويبحر بسفينته إلى منطقة في شمال بورسودان في حوالي منتصف عام 1954، ليبقى في المنطقة شهورا ويقيم معملاً بحثياً تحت المياه هناك باسم (كونشلف 2) ويصل إلى اكتشافات ونتائج مذهلة للحياة تحت مياه البحر الأحمر, ويسجل بعدساته أهم فيلم ظهر حتى حينه لعالم الأعماق باسم (عالم الصمت).. الفيلم بهرنا بما يحمل من معلومات ومخلوقات أبدع الله عز وجل في خلقها وألوان يعجز أي فنان عن خلطها, ويكشف أسراراً غامضة تظهر لأول مرة للبشرية, ولن أنسى أبدا تلك اللقطات الساحرة للكائنات المائىة الرخوية التي لاتظهر إلا ليلاً, حيث أطلق على إحداها اسم (الراقصة الإسبانية) فهي ذات لون أحمر قان وأطرافها المتعرجة بيضاء, تتحرك في الماء كالرداء (الجونلة) للراقصة الإسبانية حين تحتدم مع إيقاع الموسيقى الحار وتحرك أطراف ردائها بكل قوة, ومما لا أنسى في ذلك الفيلم ذلك المرجان الهلامي اللاسع والذي تعيش في كنفه في حب وسكون الأسماك المهرجة في تعاون مشترك للحياة, وعشرات المشاهد واللقطات للكائنات الصغيرة والدقيقة والقشريات والمرجانيات والجوفمعويات والصدفيات النادرة والأسماك السابحة. إن الفيلم به لقطات ومعلومات موسوعية كانت فتحا عظيما على العالم التحت مائي, فالبحر الأحمر هو في حقيقته أخدود انكساري بين قارتي آسيا وإفريقيا مليء بمياه بحر الشمال (الأبيض المتوسط) في أزمنة سحيقة, ثم تبخر جزء كبير من مائه بارتداد بحر الشمال إلى حوضه مرة أخرى, ليفتح من جديد على المحيط الهندي ليملأه بمائه وينقل له الحياة البحرية التي ترعرعت ونمت بشكل مذهل في رحاب المناخ القاري الحار لهذا البحر, وعدم تلوثه بمصبات الأنهار ومخلفات المدن والمصانع, كل هذه العوامل مجتمعة جعلت من هذا البحر كما قال كوستو معلنا (إنه أفضل مكان للغوص في العالم), وكان الفضل لهذا الرجل في التعريف بهذه الجنة التحت مائية للعالم, والتي يرتادها الآن الآلاف من محبي رياضة الغوص الآمن كما اخترعه ومهد له جاك إيف كوستو.
حين عرض فيلم (عالم الصمت) في مهرجان كان السينمائي عام 1956 حصل في مسابقة الأفلام التسجيلية على الجائزة الأولى (السعفة الذهبية) وكرمت الأكاديمية الفرنسية للعلوم كوستو بمنحه عضويتها وتحول الفيلم إلى كتاب مصور طبع منه حتى الآن 7 ملايين نسخة.
الماء واليابسة والبشر
استمر كوستو بعد ذلك يجوب البحار ويقوم بالأبحاث ويصنع سلسلة من الأفلام هدفها كشف أسرار البحار وجمال عالمها, ولم يقتصر نشاطه على ذلك فقط بل إن البيئة البحرية بكل جوانبها أصبحت مجالاً لرصده وأبحاثه سواء كان ذلك على الشاطئ أو في الجزر النائية أو حتى حياة الناس الاجتماعية حولها, وعمل كوستو على تأصيل ذلك بشكل مستمر لايعرف الكلل أو الملل وتجول بسفينته في بحار شتى من الشرق إلى الغرب ومن خط الاستواء إلى الأقطاب الباردة, ونشر 35 كتابا مصورا وصنع 80 فيلما سينمائيا ملأت شاشات تلفزيونات العالم, وفي سبيل ذلك طور باستمرار أدوات بحثه وعمله سواء كانت كاميرات للتصوير الثابت الفوتوغرافي أو المتحرك السينمائي, وكذلك الغواصات الصغيرة التي تحمل شخصاً أو شخصين أو الغواصات المصورة التي تجول في أعماق لايستطيع الإنسان المغامر النزول إليها بأدوات الغوص المعتادة حتى المتطـور منها.
وكان لهذا الرائد موقف مشرف ومستمر ضد التفجيرات النووية تحت الماء في المحيط الهادي والتي تقوم بها بلده, وهاجم الرؤساء الفرنسيين من ديجول حتى شيراك لتأييدهم الاستمرار في هذه التجارب التي تدمر الحياة البحرية في مساحات شاسعة في المحيط وظل يطالب ويدافع وينادي باستمرار بصون حق الأجيال القادمة في تسلم كوكبنا نظيفا نقيا بعيدا عن التلوث والدمار البيئي والمحافظة على الكائنات الحية مهما صغر شأنها.
إن ذلك الفرنسي النحيف ذا (الطاقية) الحمراء فوق الرأس دائما, جعل الإنسان في منتصف القرن العشرين يغوص حرا كسمكة في البحار, ويكشف أسرارها بفضل اختراعاته ودأبه المستمر في نشر كتبه وأفلامه, وتتلمذ على يد كوستو مجموعة كبيرة من الباحثين والعلماء وهم يكملون الآن مشواره من بعده, وكان لايبخل عليهم بعلم يعرفه أو خبرة اكتسبها, وحين تقدم به العمر وأصبح الغوص مجهودا كبيرا عليه, كان يشرف بنفسه على أبنائه وتلامذته أثناء غوصهم ونزولهم ورجوعهم من الأعماق, واستعانت به إمارة موناكو في إنشاء متحف بحري يعتبر من أهم متاحف الأحياء المائية في العالم واستمر كوستو مديرا له ومشرفا عليه حتى عام 1988.
وعند زيارتي في شهر أغسطس الماضي  للمتحف البحري بباريس, استقبلني في ركن قريب من المدخل, وفي إضاءة خافتة مؤثرة تعبر عن الحزن, نموذج مصغر لسفينة أبحاث كوستو (لاكليبسو) وبجوارها حامل معدني يحمل ملصقاً يكلله شريط أسود وبالملصق صور كوستو وتعليق ذو معنى ومغزى, يلخص أمجاده ويخلد جهده, إذ يقول: انتقل إلى عالم الصمت, عالم جليل أثرى البشرية والأجيال القادمة بمعارف, وعلم, وحب عالم الصمت.
