أزاح الغطاء عن وجهه .. رآها كما يراها كل يوم .. تقف بغضب عند رأسه .. تنظر إليه بعتاب ولوم وتأنيب .. و .. " هيا .. استيقظ أيها الكسول .. هيا إلى الشجرة .. حاول اليوم مرة أخرى "
أجابها مالاً من الموضوع وراغبا في المزيد من النوم " تعبت من المحاولة "
سحبت عنه الغطاء وقالت له بلهجة آمرة " قلت لك هيا .. هيا .. أمامي ولا داعي لتضييع الوقت .. فهي فرصة وقد تفوت .. ؟.. تشمين ما أتعرفين '' الأخرى فتكمل سمعت ما بترجمة مشغول فعقلها .. تجيب لا `` الآن تشمين ما قولي هيا . ذلك ... عن يعمون ولكنهم .. الآن تريني كما أكون .. المظلمة الأزقة في يرونني حين . أنا كما وليس يريد كما يراني الكل قد يأخذها غيرك ولن تجد أمامك فرصة أخرى "
حاول الاعتراض قائلا " ولكن .. " لم تدعه يكمل إذ أنها قالت بحزم وهي تسحب الغطاء " قلت لك هيا .."
في الطريق يهرول حافيا .. يحاول تفادي الأحجار الصغيرة التي تخزه .. كلب أسود يجري خلفه .. يدب الخوف في نفسه ولولا بقية من شجاعة كانت في نفسه لعاد جريا إلى المنزل .
يقف .. ويتناول حجرا من الأرض .. يرميه محاولا إخافة الكلب .. ولكن .. " لا فائدة .. حتى الكلب يعرف أني ضعيف "
تتراءى له الشجرة .. لا تزال بعيدة .. وهذا الطريق المؤلم الذي لابد أن يقطعه ليصل إليها " حتى وأنا تحت الشجرة .. تكون بعيدة عني "
ينظر إليها .. الصراع اليومي الذي يدور تحتها .. الكل يحاول الوصول وانتزاع الكيس المعلق بأحد أغصانها .. قد يحوي كنزا .. أو ذهبا .. أو حتى نقودا .. هو لا يعرف ما يحويه هذا الكيس ولا غيره من المزدحمين يعرف ... ولكن لا يهم ذلك .. المهم أن يحصل على الكيس أولا .. ثم بعد ذلك يكتشف ما بداخله .. هكذا تكون الأمور منطقية بالنسبة له .. تباطأت خطواته وهو يقترب من الصراع الدموي .. رأى أحدهم قادما من تلك الناحية " يبدو مصابا .. إذ أنه يعرج في مشيته .. صراع .. الكل يدوس على الكل .. لا يهم أين يضع قدميه .. قد تكون على قدم أحدهم .. أو رأسه .. أو بطنه .. أو رقبته .. الجميع يدوس .. لا وقت لأحد لينظر إلى موقع قدمه .. .. أبي يا `` متضايقا أجابه `` احتراما لك أقف أن نسيت إن اعذرني `` متهكما العجوز فقال '' الفيلم بمتابعة تتجاهلني .. بي مكترث غير وأنت ساعة من أكثر منذ .. لزيارتك أتيت تحدثني.. أن أريدك `` الابن أجاب '' ؟ أفعله ولم فعله .. مني المطلوب وما `` أجابه صمت فترة بعد '' ؟ أبي يا هكذا ستظل متى إلى `` فقال .. الضيق تملكه .. والده يراقب وهو عيناه زاغت . انتهى الفيلم أن إشارة فهي .. بوجوم الفراغ إلى ونظر المقعد ظهر إلى استند إن أما أو أن يساعد من وقع ..لا وقت ليدير بصره عن الكيس المعلق .
يدفع بكتفه .. هذا وذاك .. ليدخل في الازدحام .. تمتد يداه إلى الأعلى كغيرها من الأيادي .. يقفز .. يدق بقدميه الأرض ويقفز فقد يمسك بالكيس .. يكرر قفزاته .. وتتكرر دقات قدميه على الأرض ..
" ولكن .. ما هذا الذي تحت قدمي ؟؟؟ شيء لين .. وسادة .. أو قربة ماء .. أو " يسمع أنينا مؤلما ..
يردد في نفسه " أوه .. لابد أن أحدهم وقع .. وأنني كنت اقفز على بطنه "
لا وقت لديه لينظر إلى الرجل .. أو يحاول مساعدته .. فهو إن نظر إلى موقع قدمه فلن يستطيع أن يرفع رأسه ليعاود النظر إلى الكيس .. وهو إن تمسك بالنظر إلى الكيس فلن يستطيع أن يميز موقع قدمه .. قد يضعها كما فعل قبل قليل على بطن أحدهم " ولكن .. ما هم .. لست أنا الوحيد الذي داسه .. غيري الكثير ممن داسوا ويدوسون "
كل الذي فعله هو أنه دفع الرجل المجاور له بكتفه وبتلك الطريقة ابتعد عن ذلك الملقى أرضا .. عاود القفز ولكن .. لا فائدة .. لاتصل يداه إلى الكيس .. أحس بالتعب وزاغت عيناه فالشمس بحرارتها تحرق رأسه .. وعيناه تعبتا من التركيز على الكيس .. أحيانا يحاول أن يضيف القليل من التغيير فيحول بصره إلى الغراب الذي يقف على نفس الغصن .. الدولة هيبة أضاع قد الطريقة بهذه العقيد هيكل بقاء أن العسكرية السلطات قالت . الأوامر تنفيذ زوجته رفضت و . نجومه و بسيفه الاحتفاظ و عظامه بدفن يطالبها عسكري بأمر العقيد زوجة فوجئت . الأيام مع الرطوبة بفعل يصدأ السيف كان و ، الصديد و الدود و النجوم و التيجان عليها و الكبيرة عظامه ، العقيد زيارة عن ينقطع لم الذي الجمهور شاهد و . أبيض صغير التالي الصباح في الصندوق كان . يتلاشى يكاد و الزجاج و المطر خلف يختفي العقيد وجه كان و . بهدوء المطر يستقبل الزجاجي الصندوق كان . الورق سقط و ، الحديقة في الأشجار اهتزت آخر مطير يوم في . قتلاه جثث على ينام كان انشغاله لفرط و . خصره تفارق لا المصقولة العصا كانت و . مغلقة سوداء ستائر تغطيها مغلقة سوداء سيارة في يشاهد كان حيث محكمة حياة له صاغ قد و . بنفسه إلا يؤمن لا العقيد كان . الثوار قتل و النساء و الشراب في أفرط و الخاصة حياته في انغمس و ذريته نسي و لشعبه أبوته تجاهل فقد الكثيرة ذنوبه عن يعفو أن الله إلى الكبار النساء و الرجال يبتهل و صامتة تمضي الطوابير كانت . الأخيرة النظرة عليه يلقوا أن حقهم من و .. أحفاده و أبنائه من الجمهور أن يعتقد كان و بأكمله شعبا أنجب و . الأرض خمور نصف شرب و زوجة ألف أربعين تزوج و . عام الخمسمائة على يربو ما العقيد عاش . تحت جثته يسقط ثم لحسه و الزجاج اختراق يحاول و أهدابه و عينه يغطي الدود و . يتفحم كان الوجه . الجثة إلى النظر على قادرة زوجته تعد لم أيام بعد . جسده اخترقت التي الرصاصات و الجاف الدم بقع . بالأضلاع علق الذي اللحم . الممتدة عظامه . الطويلة سيقانه : جديدة هيئة في تبدو العقيد جثة كانت . الدود من الذباب بعض خرج ثم . الزجاج على يتقيأ و يكبر الدود كان . الرأس حجم صغر أسابيع بعد و . يتثاءب و الزجاج جدران على أصفر يسير الدود كان ، النتنة الرائحة مع .. حرج موقف في نفسها زوجته وجدت فقد الزمن أو ، الحرارة بفعل بنفسه الزجاجي الصندوق ينكسر أن أوصى قد العقيد لأن و . الهدوء التزام تطلب زوجته كانت و ، العقيد لمشاهدة طويلة طوابير في يحضر الجمهور كان . رأسه تحت الدود بعض سرح أيام بعد و . الزجاجي الصندوق و السيف و النجوم و الجثة جلال لتناسب القوية الرائحة تكن لم . الجميل الزجاج مخترقة نفاذة رائحة خرجت و ، هالكة عجينة أصبح و البياض إلى تحول و العقيد وجه ذوى أيام بعد . الشخصية قوة و الوسامة من كاف قدر على كان و . النساء و الموت في برع فقد قتلاه أو العقيد خليلات عد يستطيع أحد لا . السرية أوقاته فيه يقضي خاص بستان له كان . الحديقة خلف الطلق الهواء في ينام . الطلق الهواء في حياته كل يعيش العقيد كان . غراب أسود كبير ينظر إلى المتصارعين ببرود ولا يخشاهم .. فقد تعود وجودهم .. من قبل صراع آبائهم وأجدادهم .. والآن صراعهم .. ومن بعد صراع أبنائهم وأحفادهم .. أنفاسه تتسارع .. والعرق يتصبب من جسده بعد أن تمكن منه الإنهاك .. يحاول الانسحاب مقنعا نفسه " نعم .. لم لا أنسحب .. وأقنع بما لدي .. ألا يقولون أن القناعة كنز لا يفنى .. نعم .. سأترك الصراع واللهاث خلف هذا الكيس الذي يحوي المجهول "
يتسلل إلى خارج التجمع .. يجلس بعيدا عنهم .. يدس يده في جيبه ولكنه يخشى تناول قطعة الخبز التي يخفيها .. فالكلب الأسود يقف غير بعيد ينظر إليه نظرة لا يعرف كنهها .. ولكنها تخيفه .. الشمس تتحرك من مكانها وتميل إلى المغيب .. والصراع يخف رويدا رويدا .. فالمتعب ينسحب للراحة .. أو ربما للعودة في الغد .. وقد يجر أحدهم مصابا أو قد يتركه على الأرض حتى يأتي أهله مستغربين تأخره ليجدوه على حاله .. ويحملوه إلى البيت ليعالجوه .. أو.. ليدفنوه .
يمعن النظر بهم حين يمرون من أمامه .." ليسوا رجالا فقط .." يرى النسوة .. الكثير منهن فيردد في نفسه ساخرا " ويقولون جنس ناعم "
بعد غروب الشمس كان الجميع قد انسحب ولا أحد في المكان سواه .. الغراب ترك الغصن وطار إلى جهة غير معلومة .. الكلب الأسود لم يعد له أثر .. ضحك من نفسه ساخرا " حتى الحيوانات عرفت أن الصراع قد انتهى .. فرحلت لتعود في الصباح "
تناول قطعة الخبز وأخذ يقضمها متجها إلى المنزل .. مصمما على عدم العودة إلى هذه الشجرة فهو لا يجني منها إلا التعب والإجهاد " سأنام ليلتي وغدا أحمل حاجياتي وأرحل عن هذا المكان .. أرض الله واسعة .. سأبحث عن رزقي في مكان آخر .. لا صراع ولا قفزات في الهواء "
وفي الصباح الباكر .. كان يقف في منتصف الطريق إلى الشجرة .. يحمل حجرا صغيرا ليرميه على الكلب الأسود محاولا إخافته .
