1
يلتهب بداخلها قلق شديد حين يعتم الوقت•• وتدق الساعة•• ويجلجل رأسها بصوت غريب •• مبهم •• لا تعرف مصدره لكنها تحس به كالمطارق المدوّية أحياناً •• وتحس به كحفيف يتخلل النافذة من الخارج أحياناً أخرى •• بل إنها تحس به كنقيق الحشرات •• يستفزها من بعيد •• إحساس جديد تُميِّز فيه جانباً من اللذة •• وتُميِّز فيه شعوراً بالذنب •• بل إنها تُميِّز فيه مخاوف واحتمالات كثيرة لا تعرف مداها •• تشع زوايا غرفتها بظلام حالك •• لكن يلمع نور غريب من مرايا •• مرايا الخزانة الكبيرة في الغرفة • تنهض من فراشها متوترة ، وتتجه صوب المرايا •• وتنظر إلى وجهها في الظلام •• ماذا كانت ترى في تلك الساعة ؟!•• كأن شيئاً يتسلل من ذاكرتها في صفحة المرآة •• تستسلم لهذا النور الآتي من رأسها •• احتفال صاخب يتهيأ له هذا الرأس •• عازفون وراقصون •• كيف لها أن تقاوم هذا المشهد ؟•• ! وراءه.. الباب صافِقاً .. وخرج .. ذلك قال . خانقة بحرارةٍ أشعر الآن لكنني .. الباردة الليالي في الدفء على يبعث شيء .. التمر من شوالٍ مُجرَّد لازلتِ .. الشوال عُقدة من تتخلَّصي لم أنتِ .. وحلَّقت .. شرنقتها حطَّمت .. دودة كانت أنها نسيت الفراشة حتى .. شيء فيكِ يتغيَّر لم ..؟ نفسكِ تظنِّين مَن .. ثرثرتكِ سئمتُ ـ : صرخ تتركني..؟ مَن إلى ـ . لكِ شأنَ لا ـ أين..؟ إلى ـ الباب.. ناحية استدار ... . الصباح يُدركنا حتى جوارحي بكل لكِ وسأُنصت مثلها كوني .. ) شهريار ( نفس إلى والتوازن الثقة تُعيد أن استطاعت التي الوحيدة المرأة إنها .. تُثرثر تكن لم ) شهرزاد ( .. أسمائها بغير الأشياء تُسمِّي لا ـ . وليلة ليلةٍ ألفَ امرأة ثرثرة احتمل فقد .. ) شهريار ( بصبر تتحلَّى أن عليك ـ ! والصمت.. .. الحلاوة .. غيره في تجتمعان لا .. حسنتين يجمع التمر ـ لماذا..؟ ـ . كنتِ كما تمراً بقيتِ ليتَكِ ـ ! مولاي.. يا الخَطَابة تُجيد إنك ـ : صفَّقت .. ابتسمت . النخلة كشموخ شامخة تكوني أن يجب فكان .. التراب عن بعيداً .. النخلة قمة في .. فوق .. التمر من مخلوقة أنتِ .. اللهجة هذه أُحبُّ لا لكِ قلتُ ـ الخاص..؟ مزاجك صَنيعة ..؟ يدك صَنيعةَ ألستُ .. لي حِيلة لا ـ : انحنت كهذا..؟ أمرٍ في العبودية تحشرين فلماذا .. مولاكِ لستُ أنا .. النغمة هذه أكره أنا ـ سيدي..؟ يا : لك أقول هل ـ . الكلمة هذه ترديد عن كُفِّي ـ . مولاي يا أرهقتَني لقد ـ : عنقها حول شَعرها تلفُّ وهي قالت بُعد.. عن إليها ينظر أخذ .. أفاق ... ) 3 ( . الاكتشاف دهشة استغرقتْه .. العذراء التخوم تلك تجوبان .. جسدها مساحات كل تَذْرَعان يداه بدأت .. ذراعيه بين تذوب بأنها أَحسَّ .. احتواها .. ضَمَّها .. نحوها اتَّجه . مولاي ـ . البَضّ الجسد يتملَّى .. ببطء نظره صَعَّد .. الناعمة الحصيرة فوق الصغيرتين القدمين إلى .. الأسفل إلى نظر .. الجاذب السحر .. الغنج .. التوتر .. اللمعان .. الجمال .. والدهشة الخوف من عيناه اتسعت .. فجأة استدار . رَبَّتك ولستُ .. مولاي يا عبدتُك أنا ـ النافذة.. نحو اتَّجه .. جسده في بالحرارة تشتعل أَحسَّ ! الخوف.. درجة إلى بالسعادة إحساس يجتاحنا الأحيان بعض في .. مُخيفة بسعادة أشعر .. حلاوة تقطر فهي هذه آلهتي أمَّا .. مالحة أنها شكَّ لا .. البحر زَبَد من خُلِقت فينوس .. لا .. فينوس .. الجمال رَبَّة .. التمر رَبَّة إنها .. الحلاوة اللمعان بين يجمع جسد .. أشتهي كما .. أُريد كما .. مُدهِش ـ أخيرة.. دورةً حولها دار . التناسق تُفسِد المُكتظَّة فالخلفيات .. منها لنأخذ المُؤخّرة سوى أمامنا ليس .. الاستدارة من شيءٍ إلى حاجةٍ في الساقين لكنَّ .. بأس لا ـ . الصدر إلى الخصر من أخذ ... . البَلُّوطة كجذع خصراً أُطيق لا أنني كما .. الممسوحَين النهدين أُحبُّ لا فأنا .. الصدر عند البروز من شيء إلى حاجةٍ في أنتِ ـ . مخلوقته على فاحصة نظرةً ألقَى .. المصباح أشعل . المساء حلول حتى .. يدور .. يدور .. الأسفل في ويجعلها الوسط من قطعةً ينزع .. حولها يدور .. الخلف في ويُلصِق الأمام من يقطع .. الأطراف في ويضع الأسفل من يأخذ .. الكُتلة يُشكِّل شرع ثم .. ابتسم .. مُتأمِّلاً إليها يتطلَّع أخذ .. قليلاً الكَومة عن ابتعد . التمر من هَرَم إنه ـ . الشوال فوقها أفرغ ثم .. الغرفة أرضية على طرحها .. ناعمة حصيرة أحضر ... التمر..؟ من بشوالٍ يفعل أن للمرء يُمكن ماذا ـ رأسه.. يحكُّ أخذ . فيه الرغبة بعدم يُشعرُكَ .. ينبغي مما أكثر الشيء توفُّر ـ الجدار.. على المتكئ الشوال إلى ينظر كان ... ) 2 ( . التمر من أكثر الدفء على يبعث شيء لا .. صدقت ـ . واحدة نواةً فيه تجد أن يُمكنك لا .. معجون إنه .. عادياً تمراً ليس وهذا .. الباردة الليالي في يؤكل ما أفضل هو فالتمر .. الأبواب على الشتاء أنَّ تَنسَ ولا .. كاملة لسنةٍ يكفيك هذا ـ . كبيرة الكمية أنَّ قصدتُ لكنني .. كثيراً التمر أُحب بأنني تعلم إنك ـ . مراسيل غير من يأتيك الأيام هذه في التمر أنَّ ربَّك فاحمد .. ) مراسيل يجِيْبَنّه ما التمر ( قالوا حتى .. ) سِيْوَة ( من تمر حفنة على للحصول كاملة شهوراً يستغرقون القوافل أيام كانوا ـ . أقصد لم ـ هديتي..؟ تَستقبل أهكذا ـ التمر..؟ من بشوالٍ أفعل ماذا ـ ) 1 ( عملي لأكمل اتركيني `` بحماس أكمل ثم أمه إلى نظر `` الشمس عباد حتى أو .. تين شجرة أو .. مثمرة نخلة عنها عوضا وأزرع .. وأرميها سأقلعها .. منها فائدة لا أمي يا .. لأثمرت ثمر بها كان إن `` انتصار معلنا شبه علي يقول `` ما يوما تثمر قد يابني اتركها .. والدك المرحوم ذكرى من ولكنها `` استسلام شبه في الأم قالت `` إذن الفائدة ما .. ثمر هناك يكن لم إذا النوع مهما ليس `` علي قال `` الفصائل أحسن من ولكنها .. الغوص رحلة يدخل أن قبل منه سمعها التي أبيه كلمات الصبي بال في وتخطر . وقوة رجولة يكسبه ما والتجلد الصبر من عليه يفيض أبيه وصوت ، السقوط على كلما أوشك تسنده خاطره في أبيه صورة ولكن ، تحرقه المشتعلة والأرض تلهبه المتوهجة والشمس ، ثانية ويتوقف مرة يخطو ، وتخاذل بطء في الصغيرتين قدميه ويجرجر الطرقات يذرع الصبي عاد .. كيف لها ألاّ تنخرط في فضائه ؟!•• أليست هي من رتب كل شيء ؟!•• وهيأ المقاعد للجميع !•• عليها أن تضع كل شيء جانباً •• ثم تحدّق في خيوط الضوء •• إنها تدلها على جميع المقاعد •• هنا ستجلس أمها •• وهناك والدها وأخواتها •• وهنا مديرة المدرسة •• وهنا ستجلس تلك المرأة المميّزة ذات النقطة السوداء •• كلما حدّقت في المرايا ابتكرت لنفسها مشاهد جديدة •• ومقاعد إضافية لأشخاص آخرين •• أي ذكاء وأي جرأة يهديانها ؟؟•• كل ما فعلته تحتفظ له بنسخة مماثلة في رأسها •• وفي صفحة هذه المرايا •• وكل ما تنوي تمثيله تطلع مشاهده في خطوط الضوء المشع وسط ظلام الغرفة المغلقة •• مع استثناء شيء من الوخز •• كان يداعبها ثم يذهب •• ويؤرقها قليلاً ثم لا يلبث أن يتلاشى •• تعود إلى الفراش وتحاول النوم •• تغفو ساعة ثم تنهض في كامل يقظتها ووعيها •• تطلّ من النافذة فلا يثيرها هدوء الليل وإنما يثيرها خيالها في المرايا •• بمجرد أن يطوف جسدها أمام مرايا الخزانة تلمح أشباحاً تتحرك معها •• صارت غرفتها مأوى للخيالات والرؤى •• لم تعد تنام بمفردها •• تلك المرأة ذات النقطة السوداء ترافق كل حركة تصدر منها •• إنها تعيش معها •• تهمس لها •• وتلمسها •• وتعانقها •• وكل شيء في غرفتها يحفز ما تفكر فيه •• اللون الأصفر الهادئ الذي يغطي الجدران ، والمفارش الزرقاء المطرزة بالأبيض والأصفر •• كل قطعة من أثاث الغرفة وُضعت في مكانها بشكل منسق وجميل •• وحين تمتد يدها لتعديل قطعة تشعر بأنها تلمس جسداً حياً•• وأكثر ما يزعجها هذا الضوء الكهربائي •• إنها تطفئوه وتفضل العتمة وضوء النافذة وشعاع المرايا •• تشعر بأن للمكان روحاً بمجرد أن يحيطها بالظلام •• نظرت إلى نفسها مرات ثم خلدت إلى سريرها•• وتقرفصت تحت الغطاء •• لم تكن خائفة ولكنه وخز الاحتمال •• وارتجاف القناع•• ورعدة الممثلة قبل أن تتقمص دورها بشكل نهائي••
2
مضت الساعة التاسعة صباحاً وهي مازالت بين اليقظة والنوم •• سمعت طرقات خفيفة ثم انفتح الباب برفق •• فزعت من مرقدها وركضت إلى مجموعة أوراق تُخبئها بين دفاتر وكتب •• لقد فوجئت بدخول أمها •• فنظرت إليها مرتبكة •• - أما زلت نائمة •• انهضي •• أريد أن أتحدث معكِ •• - تتحدثين معي ••!! - ألا تعلمين الأزمة التي نحن فيها بسببك ! ثم ، الأوراق ثم ، السجاد ثم ، بالأثاث يبدأ . منعه أستطيع ولا هنا شيء كل على يتمم إنه . وعي دون ما شيء عن يبحث إنه . جوفه في يرميها ثم ويلويها ، الحديدية القضبان ينتزع . الذخيرة يلتهم . والأسلحة البنادق يأكل الآن إنه . الأحوال دفتر في يدقق المكتب في هنا الغامض الرجل . المفتش سيدي `` : الأخيرة الصرخة جاءته . المحمومة التساؤلات عنه ليزيح يتظاهر هكذا أو ، عميق تفكير في المطرق للمفتش ينظر صامت المرتعب الحشد . الناري الشريط لولا ليلا الوقت يكون أن المفترض من كان . كبيرة بيوت أربعة حجم إلي وصل حجمك أن قال الساحة إلي وصل من آخر . يبالغ وكأنه له وقع ما عن يتحدث الكل . الخلفية المكتب ساحة في بالتجمع الصوت مكبرات عبر للأهالي عاجلا نداء المفتش أصدر الحال وفي . حظهم لحسن ساكنيه وتتجشأ برمته البيت تأكل كنت . فظاعة أشد تصله بل ، تتغير لم المشاهدات . بيت لكل شرطيا . والمتقاعدين ، الاحتياط فرقة حتى ، الخدمة في العاملين رجاله كل ونشر مكتبه المفتش أغلق . بشهية الآن عليها تقبل التي القاذورات نفسك تعاف عندما البشر لحم تأكل أن يستبعدوا ولم . النهم ، الأعمى بالأكل والانتقام ، الحورية عن البحث في الثمين وقتك تستثمر . تتكلم أحد يسمعك لم . بهم المفاجئ اصطدامك على اتفقوا كلهم . ومشاغب أخرق طفل إلا يفعلها لا والتي ، المدمرة آثارك بوضوح ويرى . المدهشة جولته في الغريب لرجل ا عن بحثا المدينة بيوت بين ينتقل وهو للمفتش يقال كان هكذا `` هنا. يعبث كان قليل منذ `` حورية عن بحثا مخجلة أوضاع في نومهم سرير على الأغلبية فاجأ - جسده دمامل بها ليحك اليافعة المزروعات يقتلع ، منازلهم حدائق في يعبث وهو البعض صدم - الحادة الأدوات من أمامه وما الباردة الأطعمة يلتهم المطابخ في رأوه - تقزز بدون برازه ويأكل ، الكريهة جسده لزوجة عن يستحم الحمام في وجدوه - . نهايته على يقارب الآن هو وها ، طويلة سنوات واحدة صفحة منه تمتلئ لم الذي الأحوال اليومي دفتر يديه بين . جواب بغير يتوالد وتركه صغيرا سؤالا عقله في رسم . الأحلام مدن في إلا تحدث لا خرافية وقائع من لسيل يستمع وهو آخرهما على وعينيه فمه المفتش فتح . والطيور ، الريح مع تنتقل . استئذان بدون البيوت بين متنقلا بهوس تنتقم عدت . الثائر الصعلوك أيها منك رعبهم يشكون المدينة سكان المفتش مكتب على هطل عندما الأوقات كل في ذلك كان `` نساندك. ورائك من ونحن سر `` : تردد دون المفتش قول المدينة وأيدت `` والاحتمال. الصبر هو أطلبه ما ولكن ، صعبا سيكون الحال أن أعلم . بينكم وجدوا إن الخونة على تتستروا لا أن أرجوه ما كل . القفر من بالاقتراب فكر لو بالمرصاد له والموت قبره، الخندق في له وزرعنا ، المستحيل منه تعجب شركا تخفي والبساتين ، أمامه من مسدود البحر . مدينتنا إلي للنفاذ ثغرة للغريب ليس والآن `` : الحشد في يخطب وقف عندما وقدراته نفسه من واثقاً الضابط كان . الأمتار مئات بعد على حتى منها الاقتراب المرء يستطيع لا رهيبة حرارة . المنطقة تلك من المرور يتحاشون الجميع أصبح . ظهرا الوقت ينقلب حيث ، ليلا المراقبة مهمة تسهيل في كبير حد إلي ساهمت فقد الخارجي العالم عن المدينة عزل الذي الأخير الحاجز كونها إلي فبالإضافة ، المفتش من ذكية طريقة كانت . واحدة ثانية تخبو لا التي العظيمة بالنار ويوقدونه ، المدينة من الجرداء المسافة طول على أمتار عشرة بعرض شريطا يقيموا أن الخارقين رجاله أمر . خارقة جهنمية لفكرة اهتدى حتى الزائلة سمعته ينقذ حل في يفكر ساهما رجاله مع المفتش بقى . الفرصة ضياع يبكون خائبا الجمع انفض `` . الغبار وسط اختفى حتى ظهره على مستلق وهو بيديه جدف ثم . المناسب الوقت في تراجعت أن لولا يبتلعني كاد ، الأخيرة المحطة له فكنت يشبع لم أظنه . المتناثرة والأوساخ القاذورات عن يغفل ولم . مذهلة ثوان في الخشبية الأعمدة على تمم ثم ، حيوانية بشهوانية تقيده التي الشباك البداية في التهم . التأوه عن وكف عينيه الغريب فتح الأخيرة خطواتكم تلاشي بعد `` .. - أمي •• هل هو نفس الموضوع•• أرجوك أنا لم أنم البارحة•• - أنا حائرة وقلقة وأنت لا تعبئين بشيء •• ما الذي حلّ بكِ؟•• أنت حتى الآن لم تذهبي المدرسة •• أجيبي •• هل أنت ابنتي أم أنت أخرى لا أعرفها •• هل يُعقل أنك تهملين الذهاب إلى المدرسة بينما العام الدراسي على وشك الانتهاء؟! . الشهيرة جملته البائس المفتش قال وهنا . التاريخ كتب ذكره أغفلت عظيم سور بناء من الأهالي من سخية وبمساعدة ، البناءون انتهى المتواصل العمل من أسابيع عدة بعد . المدينة عن البساتين يحجز عال سور تشييد على وأرغمهم المهرة المدينة بنائي المفتش استدعى الفور وعلى . المدينة صدقته `` . يسقط أن قبل بجنون ما شيء عن يبحث كان . أهذي ولا الحقيقة أقول `` : الغريب صاح . شافية إجابة يجد ولم . الأرض على المنبوذة العجوز والثمرات ، المآتة خيال مع مرارا حاول . النتنة البهائم وفضلات ، الحقول وسماد ، النخيل وبلح ، الضفادع وشيوخ ، الوليدة العصافير المفتش استجوب الجداول . عورات ويكشفون ، الشجر حرمات ويستبيحون ، الماء أواني يحملون الجميع انتشر . دليل ذلك بان الجزم بالإمكان يكن لم . للخمود آيلة وحرارة ، رماد بقايا بالبساتين كان . الغريب الرجل خطى تتبع المدينة هبت `` جسده. يحترق أن دون يشتعل وتركته ، بدنه ازرق الصباح شمس لامسته وعندما ، الفجر حتى مضيئا ظل . الهرمة القمر وشظايا السقيمة للنجوم رحبا منزلا فمه فتح ثم ، النخيل بين ظهره على يسقط يافعة كشجرة لونه ، الجثة ضخم رجلا رأيت `` : تابع ثم ، مؤخراً المدينة إلى قدم غريب رجل قالها `` البساتين. جهة من مدينتكم دخلت عندما البارحة ليلة ذلك كان `` •• - أوه •• أمي •• أنت لا تقدّرين تعبي النفسي •• ولا تعرفين ما أشعر به •• - أنا أعرفك جيداً •• حاولي أن تساعديني ولا تتهربي •• لماذا هذا التراجع •• والدك غاضب عليك وقد هدّأته بصعوبة شديدة وأقنعته أن يترك لي مسألة تدبير أمورك وإقناعك بالعودة إلى حياتك العادية •• - أي حياة عادية يا أمي •• اتركيني الآن •• - ألا يعنيك موقفنا •• أبوك وما هو عليه من قلق وتوتر •• وأنا وما أعانيه •• ابنتي •• أرجوك •• إنني وأنت في غرفة واحدة ووالدك ينتظر أن أخبره بأي تفسير لما أنت عليه •• أخبريني ما الذي يشغلك •• هل تعانين من مشكلة •• لقد تراجعت كثيراً في دراستك •• مديرة المدرسة - بنفسها - أخبرت والدك بكل شيء •• - ماذا ؟•• أخبرته بكل شيء !! - نعم كل شيء •• درجاتك •• وسلوكك السيّئ •• وتغيّبك المتكرر •• كنت تغيبين عن المدرسة دون أن نعرف •• تصوري الأمر جيداً يا ابنتي •• ماذا يمكن أن تقولي لوالدك كي يقتنع بأن هذه المشكلة عادية وطارئة •• أرجوك فكري جيداً•• وصارحيني •• وسأتفهم كل ما ستقولينه لي •• استدارت ناحية المرايا •• ونظرت إلى قامتها •• اقتربت أكثر حتى كادت تلاصق سطح المرايا •• كانت أمها تنتظر منها جواباً أو رداً •• لكنها كانت تفكر في شيء آخر •• تراءى لها وجه تلك المرأة المميّزة •• واستدارت نحو أمها بسرعة •• وقالت : - آه يا أمي لو كانت لي نقطة سوداء هنا على خدي •• لما كانت هناك مشكلة أبداً •• أخذت تضحك •• وتضحك بهستيريا •• وتضغط برأس إصبعها على وجنة خدها الأيمن •• بينما أمها تنظر إليها في استغراب شديد •• وفجأة صرخت في وجهها : - اسكتي •• كفى •• ألا تخجلين •• تضحكين وأنا أحترق •• وساد صمت •• ثم بكت أمها •• جلست على طرف السرير وبكت بمرارة •• واختلط بكاؤها بحديثها : - لم نتعوَّد منك كل ذلك •• كنت متفوِّقة •• الأولى دائماً في كل شيء •• ولم تكوني تتنازلين عن المركز الأول في المدرسة •• وإذا حدث أن نافستك إحدى البنات تقوم القيامة •• أما الآن فأنت تقيمين الأحزان والقلق والمخاوف في حياتي وحياة أبيك •• - أمي •• اهدئي •• سأخبر أبي بكل شيء •• اهدئي الآن •• وتقدمت نحو النافذة •• تنظر إلى فراغ بعيد وتفكر •• بينما خرجت أمها وهي تمسح دموعها ••
3
تنامى لديها شيء من الخوف لكنه ليس الخوف على أبيها وأمها وإنما على أحاسيسها الجديدة من أن تنكشف أمام والديها ، وتسبِّب لهما صدمة مضاعفة •• لم تعد الدراسة تشكّل هماً بالنسبة لها •• ويبدو أن حديث أمها لم يحرك ساكناً لديها •• أما أبوها فعليها أن تختار طريقة محددة في مواجهته •• لقد أقنعت نفسها الآن بأن الصورة المؤقتة التي أشعّت في حياتها منذ أيام ليست شيئاً طارئاً ، لقد ابتكرت لها قناعاً بثمن فادح تراه في وجه أمها وأبيها ، وتراه كل يوم في حديث المدرسة والإشاعات من حولها •• شيء جديد •• لذيذ •• ممتع •• الناس - في حياتها - يسمونه زيفاً وخروجاً على الأخلاق والعادات ، لكنه بالنسبة لها لعبة واسعة •• ابتكرتها في لحظة هي مزيج من الحلم واليأس •• الصدق والكذب •• الواقع والخيال •• ولأول مرة تشعر بأن الإنسان يمكن أن يكون مجموعة أشخاص في وقت واحد •• وأنها تستطيع أن تتحلى بكل الصفات التي يريدها كل البشر •• - "آه ما أفظع ذلك" •• ردّد ذلك صوتٌ بعيد في أعماقها •• ثم تجهّم وجهها أمام المرآة وقالت في نفسها : "هذا وجهي على كل حال •• وهذا قناعي •• مهما فعلت فأنا لا يمكن أن أخرج إلا من هذه المرايا •• لن أظل ثاوية في غرفتي تحت وطأة التفكير المميت بأني مجرد مراهقة تذهب إلى المدرسة وتؤدي واجباتها بالتزام •• لقد اكتشفت إلى أي مدى يبدو ذلك مملاً •• بمجرد أن باغتتني بوجهها ونظرتها ونقطتها السوداء ولمستها الرقيقة لوجهي ولشفتي أعادت إليّ حياة جديدة" •• كانت تتذكر تلك المرأة ثم تجلس على كرسي أمام مكتبها الصغير •• تحاول أن تقرأ لكنها لا تقاوم التذكّر •• المرايا تفجر شرايين الذكرى الجديدة في حياتها منذ ذلك اليوم الذي كادت أن تكون فيه تحت عجلات سيارة المرسيدس المسرعة •• لقد دوّى صوت العجلات بقوة وترنحت هي على مقدمة السيارة دون أن تصيبها بسوء •• نزلت تلك المرأة من سيارتها •• وامتلأ المكان برائحة زكية •• اقتربت منها •• واحتضنتها •• واطمأنت عليها وفتحت لها باب السيارة وحملتها معها إلى منزلها •• وقبل أن تنزل اقتربت منها كثيراً ولمست وجهها بيديها الناعمتين •• وتدفق عطرها فملأ أنفها •• وأحست بشيء من الخدر •• واقتربت أكثر فلمست شفتيها وقبلتهما برفق •• فسرت بداخلها حرارة غريبة•• كانت مغمضة العينين ثم فتحتهما بعد لحظات وإذا هي ترى النقطة السوداء في وجنتها•• ارتعش جسدها•• وركضت مسرعة إلى بيتها وكأنها قد فزعت من حلم يقظ•• تستعيد هذا الحادث كل يوم مرات عديدة دون أن تملّ •• فمنه تبدأ خيوط نسجت منها شبكة لعالم جديد •• ونظرة جديدة •• "هل يستطيع الآخرون أن يكونوا مؤثرين بهذه القوة ؟•• كيف لم اكتشف في حياتي الصغيرة سوى أمي وأبي والمدرسات والطالبات ؟•• هل هناك مساحة لوجوه أخرى تقبع في داخلي دون أن أعي لذلك ؟؟" ... داخلها في التي كتلك الصافية السماء في داكنة سوداء بقعة لتكون أمامها من السوداء الطيور تتلاحق .. إليهما ينضم وآخر به يلحق آخر طائر ها هو .. جدا بعيدة عنه الأرض إن ... أتى أين من ... تتساءل . ... محلقا ويبتعد بجناحيه يخفق اللون أسود طائرا أمامها فتشاهد رأسها ترفع . •• ومرة أخرى رددت في داخلها : "ما أفظع ذلك •• هل يبدأ الصعود أو السقوط والكارثة من مثل هذا الشيء الفظيع ؟؟" . قاعها في المتكوم ذلك ثقل من عجلاتها تئن حقيبته ورائه من القاعة، بوابة من يقترب بتوجس، يمشي . رآه الذي ذلك أمام وحيدا ويبقى غامضة نظرة في يواجه عينين الحقيبة، تغلق الثياب، الجهاز على تهيل الضابط يد أن إلا أخيرا، والتوسل والنفي الإنكار وعبارات اللامجدية الحجج كل ويلتمس نفسه يهيئ الجهاز، عن الضابط يستجوبه أن ينتظر هو •• نفضت رأسها وتذكرت بأن تلك المرأة هي التي ستأخذها من المدرسة هذا اليوم •• وأن عليها أن تذهب الآن وتبتكر للمديرة أي عذر •• أو تنتظر عند باب المدرسة ريثما تمرّ عليها وتصحبها إلى بيتها عند البحر •• وقبل أن تعد نفسها لذلك التفتت إلى الأوراق على مكتبها وانهمكت في وضع بعض منها في مظاريف •• ثم كتبت عليها اسمها •• وأدخلتها في حقيبتها واستعدت للخروج ••
4
وجه متغضن ببعض التجاعيد ،وجرح قديم في العنق •• كان ذلك أول ما تلمحه في وجه أبيها •• تكره هذه التجاعيد •• أما الجرح فيثير لديها شيئاً غامضاً •• كانت وهي صغيرة كثيراً ما تمتد يدها نحو هذا الجرح لتنكأه بأسئلة بريئة •• تُضحك أبيها تارة وتستفزه تارة أخرى •• ومع مرور الوقت أدركت أنها لا ينبغي أن تسأله •• أما الآن فهي مضطرة لأن تنظر في المرايا قبل أن تتهيأ لمواجهة أبيها •• عادت من المدرسة •• أو من عند رفيقتها المميّزة متعبة •• لكنها سعيدة ومنتشية لا تتذكر شيئاً سوى قُبلها الطويلة •• وجسدها الجميل الذي تفوح منه رائحة لا مثيل لها •• وأكثر ما كان يصعد برغبتها إلى الهواء شفتاها الغليظتان الناعمتان •• إنها لم تشاهد امرأة بمثل هاتين الشفتين •• أما النقطة السوداء فكانت تشعر بأنها أشبه ما تكون بقارّة•• كيف تستطيع نقطة •• مجرد نقطة أن تكون بهذا التميّز والجمال في وجه امرأة ؟•• كان ذلك يثيرها إلى حدّ الدهشة •• وكانت تقبّل تلك النقطة دون وعي منها في مرات كثيرة •• وشيئاً فشيئاً تكتشف تلك المرأة ما يثير هذه الفتاة الصغيرة فتشحذ ما لديها من أنوثة •• ويزداد تعلقها بها •• وتزداد دهشتها بما هي عليه من حياة وأسرار حتى أصبحت الآن متلبّسة بها •• خاضعة تماماً لتأثيرها ولرغباتها •• أحبت وحدتها وعالمها •• أحبت ذلك بجنون لم تقدّر مداه •• حين دخلت منزلها خفَّت مسرعة إلى غرفتها وهي تعرف الآن أن أبيها ينتظر عودتها •• وتعرف أن أمها حدثته بكل شيء •• غيّرت ملابسها وأزالت رائحة اللقاء الذي تم بينها وبين المرأة •• ووقفت عدة مرات أمام المرايا الكبيرة •• وبدت وكأنها تحدّق أمام جمهور •• ثم أخذت مجموعة أوراق في يدها وخرجت من الغرفة •• لمحت التجاعيد والجرح القديم منذ هبطت صالة المنزل ، كان والدها يتكئ على مرفقه في وجوم شديد ، يتراخى الحزن من عينيه ووجهه ، ويبدو مثقلاً بالهموم لكنها لم تكن ترى إلى ذلك كله •• تكاد ترى صورتها الجديدة في عينيه لكنها تكذبها •• من أين له أن يعرف حياتها وهي تقف أمام ستار كثيف ، وترتدي أقنعة يومية •• انحدرت دمعة فاحتجزتها التجاعيد •• ميّزت سخونتها فاقتربت منه محتفظة بتوازنها وشجاعتها •• - أبي •• جئت أعتذر لأنني خيّبت ظنك •• وخنت ثقتك •• أرجوك سامحني •• - ابنتي أنا أعلم بأن هناك شيئاً ما يربك حياتك •• وقد يدفعكِ مزيداً إلى الوراء ، ويحطم فينا كل الأمنيات الجميلة التي بنيناها عليك •• أخبريني عن مخاوفك •• صارحيني بمشاكلك •• عليك أن تثقي بأني الشخص الوحيد الذي سيساعدك لتجتازي هذه المحنة •• - لا•• لا•• ليست محنة •• إنها ليست بهذا الحجم الذي يجعلك تحزن هكذا •• هناك مشكلة واحدة فقط •• مشكلة سببت مشاكل •• نعم •• نعم •• أنا أعاني من مشاكل •• وهذا عادي جداً •• - قوليها وأنا مستعد لأن أبذل كل ما أستطيع من أجل حلّها•• - في الحقيقة •• هناك شيء يخيفني •• يخيفني ويحطم توازني •• ويسبب ما أنا عليه من تراجع •• - ولماذا لا تخبريني الآن •• وبسرعة •• - انظر •• انظر هذه الأوراق والرسائل •• لقد أُرسلت إليّ من مجهول في الأيام التي مضت •• إقرأها لترى ما فيها من تهديد • أخذ الرسائل وراح يقرأ أمامها بصوت مسموع •• "أنت فتاة متعجرفة •• إحذري مني •• أنا عدوتك اللدودة •• أتعلمين لماذا أكرهك ؟ لأنك مغرورة ، وتظنين بأنك أجمل الطالبات في المدرسة •• وأكثرهن تفوقاً •• لكنك مخطئة سأكون لك بالمرصاد •• سأحطمك وأحطم أحلامك" ••
"مجهول"
"هل تعرفين بأني الوحيدة التي تعرف كل أسرارك الخاصة •• وأستطيع أن أفضحك •• سأظل أراقبك كظلك حتى يأتي يوم أنتقم فيه منك •• نعم •• سأنتقم •• سأنتقم" ••
"مجهول"
"بعد شهر واحد •• وربما أيام ستطردين من المدرسة•• تذكري ذلك" ••
"مجهول"
- ما هذا ؟!•• من الذي بعثها لك ؟•• - لا أدري •• لا أدري •• أنا خائفة أن يكون ذلك حقيقياً •• - حقيقي ؟!•• من قال ذلك •• هل نحن في فوضى ؟•• !! - مؤكد هناك من يكرهني وينوي تحطيمي •• - لا تخافي •• غداً أطلع مديرة المدرسة على هذه الرسائل وهي تتصرف •• إن ذلك من صميم مسئوليتها •• من يدري ربما كانت طالبة من فصلك •• فعلت ذلك بدافع الغيرة •• كم رسالة بعثت لك غير هذه ؟•• - لا أدري •• كثيرة •• كل يوم أعثر على واحدة في درجي أو حقيبتي •• وبنفس الأسلوب والتهديد ونفس الخط أيضاً •• - إنها طالبة حاقدة بدون شك •• غداً هاتي كل الرسائل وسأذهب معك إلى مديرة المدرسة •• توقفت قليلاً وهي تستمع إلى صدى كلمات أبيها •• وحدّقت في الجرح القديم في عنقه •• ثم ابتعدت بهدوء •• لا ضجيج لما هي عليه ولا أصوات •• ولا مشاعر •• ثم دفعت بقدميها الطريق إلى غرفتها وكأن كل شيء قد توقف •• لمحتها أمها وهي تصعد فأدركت ما حدث •• لكن لم تستوقفها •• ولو استوقفتها لما استجابت لها •• كانت لحظات غريبة •• ترى كل ما حولها كالمرايا•• وترى نفسها خيالات وسط خيالات•• هل كانت بحاجة إليها جميعاً عندما أطلعت أبيها على تلك الرسائل ؟•• وهل تستطيع الآن أن تستجمع كل تلك الخيالات؟•• أم أنها انطلقت أمامها من تلك المرايا كما ينطلق قطيع من الخيول غير المروضة •• دخلت الغرفة وأغلقت عليها الباب ، وأحست بنشوة لا مثيل لها •• وهي تنطلق إلى الماء وتغتسل ثم تخرج أمام المرايا شبه عارية ، وتقف تنثر شعرها إلى الوراء •• وتتناول قلم المكياج الأسود •• تضع نقطة صغيرة أسفل وجنتها اليمنى ثم تستلقي على سريرها وتغفو بلذة ••
5
مضت ثلاثة أيام منذ أن رفع الأب رسائل التهديد إلى مديرة المدرسة ، وقد شكلت لجنة تحقيق من المدرسة والوزارة ، وتم استدعاء عدد كبير من الطالبات اللاتي يدرسن معها في ذات الفصل •• أو اللاتي يعرفنها معرفة حميمة•• وثار لغط كبير•• دوّت إشاعات•• مرة عن إرهاب•• وأخرى عن شبكة دعارة وشذوذ •• وأخرى عن عصابات •• وقد تلقت هي كل ذلك بأعصاب باردة •• وظن الأب •• وظنت الأم •• أن مشكلة ابنتهما قد انتهت •• لكنها كانت تبدأ فصولاً جديدة •• جاء اليوم الثالث بأخبار صدم لها الأب •• وتروعت لها الأم •• فقد واصلت ابنتهما التغيّب عن المدرسة •• وتصنُّع الأعذار كي تتمكن من الهروب إلى تلك المرأة المميّزة •• لم يتمالك الأب أعصابه فاقتحم غرفتها وهو في حالة عصبية: - ماذا تريدين أن تصنعي بنا ؟•• قلتِ هناك رسائل تهديد فصدقناكِ •• لقد فَصَلتْ المدرسة ثلاث طالبات حتى الآن بتهمة هذه الرسائل •• والآن •• ماذا أفعل معك ؟ ! •• - إهدأ يا أبي •• إهدأ •• تقول فُصلتْ ثلاث طالبات ؟•• - نعم فصلن •• ويتم التحقيق مع غيرهن •• لقد اعترفن بأنهن قد أرسلن رسائل تهديد للطالبات بالفعل •• - لكن هذه رسائلي أنا •• أنا •• أنا كتبتها •• - ماذا تقولين •• أنت كتبتيها ؟؟ !! •• - لا •• أقصد •• أقصد رسائل وجهت لي أنا •• وطالما هناك اعترافات إذن هناك رسائل تهديد بالفعل •• لكن ربما كانت الاعترافات كاذبة •• هل تريدني أن أذهب إلى المدرسة وسط أجواء مشحونة بالإشاعات والاعترافات الكاذبة •• مَنْ يصدق مَنْ الآن ؟؟•• المديرة تصدق ما نقول •• أم تصدق الإشاعات •• أم اعترافات الطالبات ؟•• مرايا الصدق والكذب كثيرة يا أبي •• أليس من الأفضل أن أبتعد فترة من الوقت عن هذه الأجواء •• ثم أعـود ثانية بعد أن ينـسى الجميع آثـــار هذه المشكلة ؟؟•• - ماذا تقولين ؟•• أنت تتحدثين بلغة غريبة •• هذه أول مرة أسمع منك هذا الكلام •• سأتركك •• سأتركك لأمك •• إني أكاد أختنق منك •• خرج الأب غاضباً •• واستدارت هي أمام المرايا ، وأطلت بوجهها أمام وجهها ، وحدثت نفسها: "رسائل تهديد كتبتها بنفسي وتعترف الطالبات بأنهن كتبنها !!•• كيف يحدث ذلك ؟•• هل هناك واحدة أخرى مثلي •• مثلي أرسلت لها خطابات تهديد•• أم هناك أخريات من الضفة الأخرى؟•• هذا ممكن •• فالمرايا تتسع لنا جميعاً•• وتيار الصدق والكذب واحد•• ومن الممكن أن أصنع صدقاً من لا صدق •• حقيقة من لا حقيقة•• طالما هناك صدفة تجمعني مع من هن مثلي أمام مرايا واحدة" ••• ابتسمت لأفكارها ، واقتربت من المرايا ، وضعت يدها على خصرها وشدت قميصها إلى الوراء ، برزت أنوثتها •• واقتربت أكثر حتى كادت تلاصق سطح زجاج المرايا •• تناولت قلم المكياج الأسود ، وأقامت وجهها ثانية أمام المرايا وضعت نقطة سوداء أسفل وجنتها ونظرت •• اقتربت ثم وضعت نقطة أخرى في ذات الموقع على سطح زجاج المرايا •• قبّلت فمها في المرايا •• ثم ابتعدت وتنحّت قليلاً •• عاودت النظر إلى المرايا فبدت لها النقطة السوداء كبيرة الحجم •• وبدت الشفتان المنطبعتان غليظتين كبيرتين•• كبرت المرايا أمامها•• كبر وجهها•• اشمأزت •• وركضت إلى الماء •• حاولت أن تغسل وجهها وتزيل النقطة السوداء فلم تستطع•• خرجت مذعورة وتناولت تحفة من الزجاج وقذفت وجهها في المرايا فتهشمت •• وانهمرت في البكاء ..
