لا أدري لماذا تبحر بي الذاكرة دائماً إلى ذاك المرفأ هناك حيث كان بيتنا على الطرف الجنوبي من مدينة صيدا القديمة، حيث ولدت وأمضيت سنوات طفولتي، قريباً من البحر.
كلما سئلت عن أمر يتعلق بحياتي، بما هو ناتئ في سيرتي وحاضر في ذاكرتي، يتقدم عالم ذاك المكان القديم، تتشكل صوره بسرعة فائقة، كما الخطوط والحروف على شاشة الكمبيوتر، كما الشريط المنفلت من آلية ضوابطه. تعود إليَّ معالم سكان دارتنا الكبيرة: وجوههم وما انحفر عليها من تعابير، تحركاتهم وهم يدفنون في زوايا الأمكنة حكاياتهم.
• لماذا اخترت الكتابة في مجال النقد الأدبي سئلت في أكثر من مناسبة.
ـ (بحثا عن المعرفة). أقول.
ولا أقول كي أكسر الصمت الذي كان يغلف وجوه الكثيرين من سكان تلك الدار القديمة، ولا أود لهذا الصمت أن يستمر.
ولا أقول كي لا يبقى الكلام ـ كما بقي كلامهم ـ في العتمة. . ومخططاتها الفرقة هذه عقائد عن بإيجاز فيها وكشف ، '' القاديانية المسألة `` رسالة المودودي وكتب الآلاف، ضحيتها راح والقاديانيين المسلمين بين عنيفة اضطرابات البنجاب مقاطعة في حدثت 1952 عام وفي . الرئيسية غايته تحقيق نحو سيره ومتابعة الشبهات، هذه على بالرد الانشغال عدم منهجه وكان للحكم.. الساعين من وأنه ديني، معهد في يتخرج لم لأنه الفتوى؛ له يجوز لا وأنه أمريكا، أو للهند عميل أنه : مثل حوله، الشبهات إثارة إلى بمعارضيه حدا ما وهو وأهميتها؛ الإسلامية الدولة أطر شارحًا البلاد أنحاء المودودي طاف السجن من خروجه عقب . ومرضه كليته اعتلال رغم وذلك ، '' القرآن تفهيم `` الكريم للقرآن تفسيره من الأول المجلد أكمل كما ، '' الإسلام في الأرض ملكية مسألة `` وكتاب '' الربا `` الشهير كتابه خلالها أنجز شهرًا عشرين لمدة وسُجن 1948، أكتوبر في عليه القبض إلى أدى ما وهو بذلك؛ السلطات ضاقت فقد المخالفة القوانين تلغى وأن الشريعة، من نابعة الباكستان في القوانين تكون بأن الدعوة على إصراره ومع العصرية.. للدولة كنظام الإسلام صلاحية لشبهة التغريبيين وإثارة البلاد، في ترويجها التي يتم الغربية النظريات لمواجهة كبير بجهد المودودي قام الباكستان قيام وعقب '' المبدأ على الثبات `` في الخامس الدرس الملفقة.. التهم مواجهة في . '' ... الأوساخ من لأطهرها فدخلتها أوحالا، أصبحت السياسية فإن الرئيس سيادة يا تفضلت كما `` : ولطف هدوء بكل المودودي عليه فرد السياسة؛ أوحال في التورط دون '' والتبليغ الدعوة `` فكر ينتهج أن عليه واقترح عليه، أثنى 1960 في '' خان أيوب `` الرئيس قابله فحين جدالا؛ فيه يقبل لم الذي الدولة عن الدين فصل أسطورة على القضاء نستطيع حتى عصرية؛ ثقافة المثقف والعنصر أصيلة، إسلامية ثقافة المثقف العنصر : عنصرين على واحد آن في الداعية يشتمل أن 3- . الدعوات انهيار أسباب من النظام وتخلخل والوهن التساهل لأن ذلك قويًا؛ مَحكًّا الداخلي النظام يكون أن 2- . '' السيرة مستقيمي غير رجال انضمام هو والدعوات الحركات النهاية في ضرب الذي الشيء إن `` : يقول الفردي، سلوكهم في وموثوقين العقيدة، في أقوياء الدعوة في زملاؤه يكون أن 1- : أمور ثلاثة على بالتركيز حركته قواعد وتوطيد تقوية إلى المودودي اتجه الرحلة هذه وفي عتمة تغيب فيها الأسباب فترد ظواهرها إلى المجهول، إلى الطلسم، إلى ما لا يعرف، وتقبل المصائب دون السؤال عن أسبابها، ويغرق الكلام في صمتٍ تموت معه المعرفة.
اخترتُ النقد بحثاً عن المعرفة. أقول. أختزل الكلام بمقتضى المناسبة، فلا أشير إلى تلك المطارح من الذاكرة، ذاكرتي المشحونة بصور عالم طفولتي، صور تلح وتفتح حاضر زمني.
كنت لا أحكي عنها.
ولكن ها أنا اليوم أتوقف عند ذاك المرفأ لكلامٍ يخص الذاكرة، ولا يخص مجال النقد والدراسة.
***
وتعبرني الصور، أتوقف عند بعضها، أحيل بحثي عن المعرفة إلى بعض أسبابه.
• صورة فاطمة وهاجر تجلسان عند عتبة غرفتهما، تراقبان بصمت، بلا سؤال، ما يجري في فناء الدار الواسعة،  الفناء المفتوح على رحابة السماء.
• تراقبان، أو تتطلعان ولا تبصران! فالوجهان يبدوان لي، اليوم أشبه بمنحوتتين تشهدان على زمن خانته المعرفة فخانهما الكلام.
• صورة أحمد يعبر تحت قنطرة الباب، نحيلاً، شاحباً، مطبق الشفتين على لسانه، لا أسمع صوته إلا تمتمة، أو كلاما مرتجفا، كأنما مس صوته تيار كهربائي ضعيف، فتلعثم النطق وخان صاحبه التدفق الفصيح.
• صورة الحاج عبدالقادر يداوي ابنه الصغير من آلام ضربة على بطنه. مغطس ماء ساخن يشفيه. يظن.. ولا يعرف أنه بذلك سيبكيه، وأمه، بدل الدموع دماء.
لقد التهبت أحشاء الطفل ومات في الصمت.
هي صور تنهض في ذاكراتي شاهداً على غياب هذه العلاقة بين الأسباب وظواهرها، بين العوامل ونتائجها فيعالج المريض بما يُفضي بحياته إلى الموت. وتعجز فاطمة وهاجر، ويعجز من حولهما، عن فهم سبب تحديقهما الساهي، والدائم في الفراغ. ولا يدري أحمد لماذا ترتجف شفتاه كلما همَّ بالكلام!
كانت الحياة تمر بلا أسئلة تدق جدران المعرفة المغلقة. كأن هؤلاء الناس كانوا يأتون إلى الدنيا، فقط لينتظروا رحيلهم عنها.
***
يوم هدموا حينا، وفيه دارنا الكبيرة، كنا مثل قبيلة عصفت بمضاربها الرياح فتفرقنا أيدي سبأ. وكنت شخصياً، كمن يخرج من مغارة باحثاً عن خيوطٍ من الضوء تعينه على قراءةالعالم.
وكانت بداية الطريق نحو الاختلاف.
لا أريد أن أكون مثلهم. رفضت التماهي بهم. لكني كنت أحملهم داخلي.
مصر.. في والشعراء والفنانين الكتاب مع مقابلات لنا أرسل : أودعه وأنا بدمشق الجندي مجلة لتحرير رئيساً وكان التغلبي نشأت لي وقال القاهرة إلى السفر هاجسي وأصبح يكبر حلمي وبدأ , العامة الثانوية في ونجحت . 1952 لعام الرسم هواة معرض في بعنوان بدمشق الميادين جريدة في مقالاً جفان أحمد وكتب عنا رجائي.. الأصغر وأخي لوقا واسكندر نبعة نذير فيه شاركني الثالث ومعرضي الحريقة في بيتنا في معرضاً عام كل أقيم وصرت ونجحت.. وتعلمت . دراستي في أنجح أن علي أيضاً هو واشترط الزيتية.. بالألوان الرسم يعلمني أن وعدني عندما فرحتي وزادت وألوانه ومرسمه لوحاته أرى وأنا السعادة من يخفق وقلبي وعقلي الإمارات السعودية، مصر، قطر، من كل في بُعْد عن والاستشعار الفضائي التصوير تدرس مراكز إنشاء على عمل وقد منها، شيئًا يمتلك لا الذي الغرب من الصحراوية أراضينا بدراسة الناس أولى ولكوننا النباتي، الغطاء لدراسة تكون إنما بها المعمول الفضائية الصور كل لأن ؛ '' للصحراء متخصص خاص بقمر `` - ينادي زال وما - نادى . الناضبة البحيرات مسارات ودراسة لدراستها الفضائية التكنولوجيا وطبَّق استخدام، دون والمحيطات البحار في الكثير منها يهدر والتي الجوفية، المياه دراسة أهمية إلى دعا . مصر لبلده الطبيعية الموارد من الاستفادة كيفية دقيقة علمية بطريقة شرح وقد جديدة . عمرانية مشروعات لإقامة تصلح صحراوية أماكن اختيار بمهمة وكلَّفه –1981م، 1978م عام لحكومته علميًّا مستشارًا السادات أنور المصري الرئيس اختاره . للأرض المناخية للتغيرات طبيعي تطور أنها وأثبت الإنسان، فعل نتائج من كانت الصحراء أن السابقة المعلومات أبحاثه فنَّدت وقد . وغيرها الإمارات، قطر، الكويت، صحراء ثم بمصر، الغربية الصحراء في أولاً استخدمها حيث الصحراء؛ دراسة في الحديثة التقنيات استخدامه الباز . د يميز مما كان . AAAS العلوم لتقدم الأمريكي للمعهد زميلاً انتخب أبحاثه وبسبب 1979م.. عام أمريكا مع العلاقات تطبيع بعد الصين، في الغربية الشمالية للصحراء زيارته تميزًا أكثرها كان . ألهذا تعود بي الذاكرة، اليوم، إليهم، إلى ذاك المرفأ، الأول، القديم؟
ألهذا عادت حـجارة دارنا تبـني ـ بعد أن هدمت ـ صورة لها في الذاكرة لا تنـهدم، ولا تهدم؟
في المدرسة كرهت مسطرة المعلمة، ورفضت درس الاستظهار، كرهت أن نطيع دائماً، أن نحفظ دون أن نفهم، أن نسمع دون أن نعبر، دون أن يتاح لنطقنا البري أن يتفجر، دون أن نسأل، دون أن نسأل لنرد ونناقش، لنقول ونحاور.
السؤال هو المدخل إلى المعرفة.
والمعرفة هي مسافة للاختلاف.
***
وكنا نتشابه.
يشتري والدي نصف (توب) (لفة كبيرة) من القماش الواحد، وتقصه أمي أمتاراً متساوية، وتوزعه على بنات خالتي وأعمامي (كان لي خالة واحدة وأكثر من عم). وكن يلبسن أثواباً لا تختلف، لا تتمايز، كان على الأثواب أن تتشابه كي تعدل وترضي، كي لا تعرف وتثير الغيرة أو الحسد.
كانت الأثواب تمحو الرغبة في الاختلاف.
وعندما كان يزورنا بعض الأقارب القادمين من بيروت، أو من خارج البلد، كان ما يشغلني هو التأمل بشكل الفتيات اللواتي كن من عمري. كنت أبحث في هيئاتهن وفي ما يلبسن عن المختلف.
المختلف يلفتني، يجذبني، يحزنني التشابه. يحزنني أن لا أرى لي وجها خاصا في المرآة، وجها هو وجهي أنا لا وجوه الآخرين.
كيف أكون أنا؟
الكبيرات: الأم، الأخت الكبيرة، الخالة، مثال نموذج. والمثال إذا دام وتكرس، إذا لم تترك العلاقة به مسافة للتنفس، لنمو الذاتي المختلف، يصبح مثل عباءة سوداء تلف المشهد أمام العيون الباحثة عن الضوء.
وكانت صور الكبيرات تحتل مرايانا، وتقيد حريتنا، وتلج قدراتنا على صوغ ذواتنا المتميزة.
كيف لنا أن نتبرع، ونحلم؟
كيف لطاقاتنا أن تبدع صورا لأمنياتنا، ورغباتنا، وأحلامنا؟
***
المعلمة ناديا التي كانت تدرسنا اللغة العربية أتاحت لي فرصة السؤال عن معنى المفعول لأجله، والمنصوب على الحالية. وكان جوابها بداية الطريق نحو المنطق استناداً إلى تفسيرها الذي عللت به المفعولية، أو قواعد التركيب للغة وللكلام.
المنطق الخاص بقواعد التركيب اللغوي فتح باب التفكير أبعد من اللغة، التفكير في السبب، أو الأسباب.. وصولاً إلى المعرفة.
***
أذكر، عندما دخلت سـلك التعليم الجامعي سألتني إحدى الطالبات والدموع في عينيها:
(أستاذة. ومتباعدة طويلة لفترات تشغلني اللوحات وهذه عديدة.. واسكتشات , وكروكيات مسبقة.. ودراسة , تأليف إلى تحتاج فكرية موضوعات ذات الطلق , بالهواء أرسمه عما تماماً مختلف طابع ذات , المرسم في أرسمها التي لوحاتي تكون دائما بل يكون ما فغالباً أحياناً.. كيف يمكنني أن أكتب أو أن أبحث في موضوع دون أن تكون كتابتي مجرد جواب على سؤال، يطرحه علينا بعض الأساتذة ويريدون عليه جواباً هو عبارة عن حفظ وتكرار لمادة المحاضرات التي كانوا قد أملوها علينا)؟.
كانت هذه الطالبة برعم كاتبة، باحثة، أو أديبة، تريد التحرر من قيود الحفظ والمحاكاة لتكتب ما تفكر فيه، وتعبر عما تشعر به. لم يكن بإمكانها أن تتجاوز واجبات الدراسة كما يطلبها الأستاذ، أو كما يحددها كشرط للنجاح. كانت بحاجة إلى النجاح لنيل شهادة هي سبيلها إلى العمل وتأمين مصدر رزق لها ولعائلتها.
***
كيف نكوِّن ذواتنا؟
المشوار، مشوار بناء الذات بعيدا عن التقليد والمحاكاة، يبدأ من ذاك المرفأ الذي تعود إليه ـ دائماً ـ ذاكرتي: البيت بيت الطفولة بكل ما يعنيه من علاقات وأجواء يتأثر بها الطفل وتشكل اندفاعاته للأولى نحو الحياة.
بيتنا القديم أعود إليه ناقدة. لكنه يبقى مرفأ جميلاً، أحنُّ إليه حنيناً غير وردي: فلـقد كان حقاً جميلا بقنـاطره وأقواسـه التي هدمت ،أزالوها، وكانت معنى من معـاني هويتي وانتمائي.
القصيدة وتبدأ ) اهلنه وين جا أحا يمة صحت مالي ( : تقول بقيتها أتذكر أعد لم وأغنية ورق الطاولة وعلى المنفى ليل من آخر ومساء البغدادي زريق لابن قصيدة من بيتان أودعه لا وأني الحياة صفو يودعني لو وبودي , ودعته مطلعه الأزرار فلك من بالكرخ قمرا لي بغداد في الله استودع ( المجهول الجندي .. ) حوافها على سالت التي والانطباعات الذكريات من الكنز هذا الملكي , الغنى هذا , الثمينة هذه , طفولتك دائما لك تبقى أفلا , العالم ضجيج كل جدرانه تخنق سجن في كنت لو فحتى , لها دلالة لا , فقيرة أماكن ثمة ليس كما , المبدع أمام فقيرا شيء لا ( : شاب لشاعر كتبها التي رسائله إحدى في ريلكه وأستذكر ) بارتوتشيل أنطونين التشيكي الشاعر - الثلج غطاها لو ماذا ولكن , الشجر كأغصان تنمو الأفكار لندع ( ... وكان حقا جميلاً بتلك الأماسي أماسي الصيف فوق السطوح المتقاربة ننتقل بينها بقفزة صغيرة فوق جدار مشترك. لم نكن نعرف الهوة التي أبعدت بعضنا عن بعضنا وحوَّلت السطوح إلى متاريس.
نلتقي، كنا، فوق السطوح المتقاربة المفروشة أرضها الباطونية بحصر عكاوية. الوقت بُعيد غروب الشمس، مازالت آثار الأشعة الراحلة في قلوبنا وأبصارنا. نتأمل زهرة (ليلة القدر) التي لا تشبه أي زهرة أخرى، تتفتح لليلة واحدة، وتطبق أوراقها على ذاتها، تنتهي في الصباح، دون أن تستعيد شكلها في الليلة التالية.
ترحل زهرة (ليلة القدر) الفريدة، لكن رائحة الفل والياسمين تبقى، تصر على أن تسكن فضاءنا.
مرفأ للذاكرة، أعود إليه، أمر بذاك المكان. لا أجد بيتنا القديم. لقد هدم. إني أسكن اليوم بيتاً مختلفاً، لكن رائحة الفل والياسمين تفوح من تحت القناطر والأقواس التي كانت، تفوح من روحي.. روحي المحلقة فوق مرافئها.
