هو صنف من الناس نحّى رغباته ومطالبه الذاتية وصعد ربوة عالية لينظر إلى حاجات مجتمعه ومتطلبات أمته.. ! عليه.. لترحمنا مسلما كان ولو نفسه-.. وصف كما ـ الشكّ يعتقد كان , الظلم ومكافحة النزاهة في مدرسة آثاره وبقيت , مقارب ولا , له بديل لا ثقافيا ومناضلا مفكرا الناس ودّع . مواجهته في فكّر من قل فقد لويس مع معركته حسم بعد أما , ومحاورا محاضرا , الحر العرب لسان كان لقد . الطريقتين فرق لرأيت بارسيمان؛ أجراها التي معه الطويلة المقابلة كتاب أو '' المثقف صور `` كتاب مثل أخرى كتب ترجمات مع الترجمات هذه قارنت ولو , بكتاباته ديب أبو كمال وأضر , أعجمه مترجمه فإن , جيدة عربية بترجمة '' الاستشراق `` العربي كتاب القارئ يجد أن وددت ولكم . العربية من وتمكن لبيروت عاد ثم , الفرنسية وأجاد , يبارى لا الإنجليزية أدب في عمقه . ومؤثرا اعتراضه في ومبدعا مجيدا للفكرة، وعارضا صيادا كان , الجدل حولها ينتهي لا , جديدة طبعات في معروضة دائما والحديثة القديمة كتبه . كتابته أسلوب حديثه أسلوب يفوق , آسرا ومتحدثا , فطنا ومعلقا للأحداث ومتابعا مطلعا وكان , الغرب في الفلسطينية بالمسألة التوعية في العربية الدول أثرت مما أكثر , مؤثرا ثقافيا إعلاميا جهازا كان ولكنه واحدا، رجلا كان لقد . فلسطين بقضية بارزا ومهتما , قضاياهم عن فصيحا مدافعا والعرب المسلمون خسر رسم طريقه ليكون جهادًا في خدمة هذا المجتمع ورفعة هذه الأمة، ودفاعًا عن هذه الأرض.. حول سنوات عمره إلى وقود يضيء للعوام من البشر طريقهم ويمنحهم جزءًا من عزتهم المفقودة.
المجاهد حافظ سلامة رجل من هذا الطراز؛ فها هو يبلغ من العمر 78 عامًا وما زالت قضايا الأمة وخدمة المجتمع هي هاجسه الأول والأخير، فلم يكتف بذكريات نصر حققه ورجال المقاومة في السويس حين تصدوا لمحاولات إسرائيل احتلال المدينة في حرب أكتوبر 1973 بل كانت حياته عطاء دائمًا ومتجددًا دون كلل أو ملل من أجل إضاءة شمعة في تلك الأيام والليالي من تاريخ الأمة التي اعتراها سواد كاحل.
وفي هذا الملف تلتقي والمناضل المصري حافظ سلامة قائد المقاومة الشعبية في مدينة السويس الباسلة إبان حرب أكتوبر؛ لنتعرف على جانب من حياته الثرية بالأحداث والمواقف الملتهبة.. ونشاهد فصول ملحمة المقاومة في السويس ( 28 رمضان).
حافظ سلامة.. روح الجهاد لا تنطفئ
ولد حافظ علي أحمد سلامة في الخامسة والعشرين من شهر ديسمبر عام 1925 بمدينة السويس، وكان الرابع بين أبناء الحاج علي سلامة تاجر الأقمشة، وكعادة معظم أهل مصر وقتها أرسله أبوه إلى أحد الكتاتيب وبعدها انتقل إلى المراحل التعليمية المختلفة إلى جانب عمله في محل الأقمشة الذي يملكه أبوه.
وأثناء الحرب العالمية الثانية التي دارت رحاها بين قوات الحلفاء والمحور كانت السويس -مدخل القناة- هدفًا لسلاح الطيران الألماني، وباعتبار أن مصر خاضعة للاحتلال الإنجليزي في هذه الظروف اضطر والد "حافظ" أن يهجر السويس بأسرته مع كثير من الذين هجروا المدينة مع تصاعد أحداث الحرب.
رفض حافظ سلامة وكان عمره وقتها 19 عامًا الهجرة إلى القاهرة وألح على والده البقاء في المدينة لكي يباشر العمل في محل الأقمشة بما يوفر نفقة المعيشة لأسرته في القاهرة، فبقي في السويس ليرى بعينه ويسمع بأذنه فصلاً من أحداث الحرب العالمية الثانية، ولم ينأ بنفسه عن المعركة بل اختار دورًا في عمليات الدفاع المدني لمساعدة الجرحى والمصابين وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الأهداف المدمرة.
بداية النضوج الوطني
أنضجت الحرب تصور حافظ سلامة للواقع السياسي ومنحته الجراءة في مواجهة المواقف الصعبة لينتقل بعد ذلك لدور أكثر أهمية وأشد خطورة.. ففي عام 1944 كانت مقاومة الشباب الفلسطيني للاحتلال تشتد بعد ما نكث الإنجليز وعدهم بالانسحاب بسبب ارتباطهم بوعد بلفور وكان حُجاج فلسطين يمرون على مدينة السويس أثناء ذهابهم إلى الأراضي المقدسة عن طريق خط السكة الحديد الذي كان يصل بين القدس وميناء السويس، وتعرف "حافظ" على أحد هؤلاء الفلسطينيين الذي طلب منه مده بكميات من حجارة الولاعات التي تستخدم في عمل القنابل. وفي إحدى المرات قبض على حافظ وبعض رفاقه أثناء قيامهم بهذه العمليات وحوكموا محاكمة عسكرية قضت بسجنهم لمدة 6 أشهر مع الأشغال.. وبعد توسط بعض أمراء الأسرة المالكة في مصر تم الإفراج عنهم بعد 59 يومًا من هذا الحكم.
جمعية شباب محمد
حافظ سلامة مع شيخ الاسلام د.عبد الحليم محمود     تعلم حافظ من هذه الأحداث أهمية العمل الجماعي المنظم لخدمة قضايا الأمة وكانت الساحة المصرية آنذاك مزدحمة بالاتجاهات الفكرية والأحزاب السياسية والجماعات الإسلامية، فكان هناك حزب الوفد والحزب الوطني والأحرار الدستوريين ومصر الفتاة وكانت جماعة الإخوان المسلمين إلى جانب الشيوعيين، كما وجدت جمعيات إسلامية، مثل الجمعية الشرعية وشباب محمد صلى الله عليه وسلم وأنصار السنة، وكذلك الجماعات الصوفية بطرقها وطوائفها المتعددة... لكن حافظ الذي كانت لديه نزعة دينية بتأثير نشأته وجد بغيته في جماعة شباب سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وهي جماعة أسسها منشقون عن الإخوان المسلمين ومصر الفتاة عام 1938.
ورغم أن غالبية المتدينين آنذاك كانوا تحت مظلة الإخوان انضم حافظ لجماعة شباب محمد عام 1948؛ لأنه كان يرى في أبنائها أنهم يجهرون بالحق ولا يخشون في الله لومة لائم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، لا فرق عندهم بين ملك وأمير عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة.. لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم". وقوله: "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله". وما إن انضم حافظ للجماعة حتى أصبح نقيبًا للوائها بمحافظة السويس.
تجربة حرب فلسطين
وفي نفس عام انضمامه للجماعة - 1948- أُعلن قيام دولة إسرائيل على أرض فلسطين وكانت الجيوش العربية تستعد لحربها مع العصابات الصهيونية؛ فحاول حافظ سلامة التطوع للقتال، لكن قيادة الجماعة أقنعته حينذاك بحاجتهم لجهوده من خلال مهاجمة قواعد الإنجليز في مدينة السويس والاستيلاء على الأسلحة والذخائر وتسليمها للمركز العام لجماعة شباب محمد بالقاهرة لتقديمها لدعم المجاهدين في فلسطين.
وانتهت الحرب بالهزيمة وصدمة كبيرة لحافظ سلامة لم يتوقف عندها كثيرا بل عاد لممارسة دوره الدعوي والخيري من خلال جماعة شباب محمد حتى ألقت السلطات المصرية القبض عليه في يناير من عام 1950 بسبب مقال كتبه في جريدة "النذير" لسان حال الجماعة انتقد فيه نساء الهلال الأحمر بسبب ارتدائهن أزياء اعتبرها مخالفة للزي الشرعي.
لم تعطِ الأحداث فرصة لحافظ سلامة لالتقاط أنفاسه فتقلب من أزمة لأخرى حتى جاء عام 1951 حيث بدأت الفصائل الوطنية المصرية في تنظيم عمليات مقاومة للقوات الإنجليزية المرابضة على أرض القنال، وهي العمليات التي تمكنت من إزعاج المحتل الإنجليزي وتدمير عدد من قواعده؛ وهو ما أسهم في جلاء الاحتلال بعد ذلك بعدة أعوام.
انقلاب 1952
في هذه الأثناء قام ضباط من الجيش المصري بثورة يوليو 1952 التي يعتبرها حافظ سلامة انقلابا ويراها من أهم أسباب الأزمات التي تعانيها مصر والأمة العربية إلى الآن. ولعل أحد أسباب رأيه هذا ما عاناه من كبت للحريات في العهد الناصري ومن بعده عهد السادات... فقد أصدر جمال عبد الناصر قرارًا بحل جماعة شباب محمد بعد نقد وجهته إحدى صحفها للنظام الماركسي نشرت بعده جريدة (برافدا) تقريرًا تحريضيا يتهم الجماعة بتعكير صفو العلاقات بين مصر والاتحاد السوفيتي، فصدر القرار بحل الجماعة وإغلاق صحفها!
الجهاد في المعتقل!
شموخا يسمو ولكنه أسى ينزف فهو فلسطين، لسان على الشاعر صاغه فقد الثاني الجزء أما السامية الأزل هبة ويا أرضه في الله حجة ويا الثانية العرب قبلة ويا الأنبيا مهد يا فلسطين القانية المغرب ثورة وفي حربنا في جرحك وأذكر الذَّارية قواصفها وبين العاتية الصرصر في أناديك : المواجد كل يثير موجع جياش بنداء القصيدة من الأول الجزء يفتتح وهو الانتماء، الأصيل الحس المرهف الموهوب الشاعر هذا به شدا الذي النغم حرارة وراء من كانا النكبة وفداحة الفلسطيني الجرح قسوة ولعل . ومضمونا صياغة الشعرية منجزاته أروع من وهي . فلسطين تقسيم من عاما 13 بعد والعرب وفلسطين الشاعر بين حوار وهي ، '' الصليب على فلسطين `` بقصيدته المكافحة شعوبها عن الدفاع إلى ودعوته العربية بالوحدة إيمانه من استوحاه الذي النضالي الشعر ملحمة تتوج فلسطين ملحمة في . له انفصام لا واحداً نسيجا والمغرب المشرق شعوب جعل الذي الإسلامي العربي بالتاريخ عميقة دراية وله عصره، في والأدباء العلماء طليعة في شاعرنا كان لقد يتزعزعا أن الإيمان مع فأبى تحريفه زوروا العقيدة وعن يُبلعا أن له عروبته فأبت إدماجه فدبروا واستدرجوه يخضعا أن له كرامته فأبت إذلاله فقرروا واستضعفوه يتصدعا أن التاريخ مع فأبى عناصرا المستعمرون وأراده مسرعا شمر التحرير إلى شعبا فأيقَظت الضمير حر بها غنى فتَدفّعا رَويَّها النجيع وسقى الوغى في الجماجم قوافيها نظمت مطلعا ) نفمبر ( لها كان حمراء أبياتها أزلية وقصيدة ووقعا الرصاص لحنها الكون في قدسية قطعة الجزائر إن الأروعا الحديث الدنيا به تقرأ مفصلا للأنام كتابك واقرأ الأربعا والسنين جهادك واذكر المدفعا وحي قم ) نفمبر ( هذا : بالقاهرة ) العرب صوت ( إذاعة في عنه نيابة القصيدة هذه ألقيت وقد '' كتابك اقرأ `` قصيدة ينشد وهو '' البرواقية بسجن 375 `` رقم الزنزانة قاع من صوته صدى إلى ولنستمع . وعروبته وطنه بحرية إيمانا والتعذيب الاضطهاد زاده بل عزيمته، أو تهن يجزع فلم سجن، إلى سجن من العدو به زج إذ حريته من الثمن دفع فلقد بفعله، قوله متوجا مبدئه، سبيل في وضحى بذل بما بل فحسب، الغرض هذا في قصائد من به شدا لما لا العربية، الوحدة عن الصلب بالمدافع نعته شرف ينال أن مفدى ويستحق كتابك اقرأ . الجزائرية الشخصية وطمس عليها للقضاء الوسائل كل الاستعمار استخدم التي العربية باللغة التعليم ونشرا للإسلام، الإنساني بالجانب وبشرا الفرنسيون، غرسها والتي للعروبة المعادية '' الإقليمية `` النزعة قاوما كما ، '' الطرقية `` باسم وعرفت والاستعمار، التخلف أشاعها التي والضلالات البدع وحاربا الحق، الدين جوهر استوعبا اللذان '' الإبراهيمي البشير محمد '' و '' باديس بن عبدالحميد `` الشيخان رأسهم وعلى بمقاصدها، الوعي وبث العقيدة بنشر للثورة الجزائريون المسلمون العلماء مهد أن بعد نوفمبر من الفاتح قادة حول الشعب والتفاف الهمم شحذ في الطويل الباع الحنيف الإسلامي للدين كان ثم ومن . العظمى والخيانة العمالة جريمة حقهم في ثبتت وأخوة وآباء أبناء في الإعدام حكم ـ نادرة حالات في ـ بعضهم تنفيذ والسنة الكتاب عليها نص التي والفداء التضحية بقدسية المجاهدين التزام من بلغ وقد . يتزعزع لا إيمانا رجالها به آمن مقدسا مبدأ والإسلام العروبة نهج إلى البلاد إعادة سبيل في الجهاد من جاعلة الشريعة، وروح الإسلامية الأصول من وسلوكها وأهدافها مبادئها مستلهمة للمستعمر التحرير جيش كتائب تصدت رايتهما فتحت والعروبة، الإسلام إلى الجزائر بانتماء شاعرنا ويتغنى بدء على عود نسق أمرنا حالي حالك ليل يا عجب من الأطواء في لك كم ليل يا الطرق به ضاقت شبح إلى يأوي شبحاً ظلمائه في يكتم والليل ونفترق حينا كالرؤى نلتقي إذ تحرسنا النجم وعين سهرنا وكم الشفق يغشيهما أن أشفق سَّرين ملاءتها في تطوي الشمس وتغرب ونعتنق الشاطئ في الرمل نفرش إذ يطربنا الروح ولحن تذكرين أم فنتفق؟ ) سلوى ( يا أهتف إليك حالفنا الحظ ما إذا تذكرين هل . حافظ مع أهالي السويس بجوار بئر الماء التي انفجرت بعد قطع المياه عن المدينة لمحاصرتها    بينما كان حافظ سلامة يقضي فترة اعتقال خلف جدران معتقل أبي زعبل القريب من القاهرة بتهمة تحفيظ القرآن الكريم؛ كانت مصر تتعرض لأكبر هزيمة عسكرية في تاريخها الحديث من خلال ما عرف باسم نكسة 1967 والتي انتهت وفي أيام محدودة إلى احتلال إسرائيل للضفة الغربية وشبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية...
! رخص كله وإنما تشدد فيه ما الدين هذا كأن `` : قائلا منطقه واستنكر الدين عن للتعبير والرأي للمنطق التيسير واستخدامه في الدائمة رغبته عن والحياة الشريعة برنامج في الله عبد ماهر استضافه عندما تليفونية مداخلة في سائل وسأله المهيمنة الثقافة '' كان حافظ وقتها وبالتحديد في العنبر رقم 12 والذي أطلق عليه عنبر "العتاولة" والذي أوصى الرئيس عبد الناصر –كما يقول حافظ – بأن يظل نزلاؤه به مدى الحياة، وألا يخرجوا منه إلا إلى مقابرهم، وكان من نزلاء هذا العنبر عدد من قيادات الإخوان المسلمين وآخرون.. القصيرة القصص كتابة إلى ولبنان، سوريا صحف في الصغيرة، والمقالات الأخبار كتابة من تدرّجت، وقد آغواتنا، وضد الفرنسي، الاحتلال وضد النازية، ضد وكنا الثانية، العالمية الحرب خلال ذلك كان أمثالنا، من المسحوقين وعن عنا، ونيابة باسمنا ) الناطقة الشعب صوت ( جريدة أبيع كنت اللاذقية، في حلاّق وأنا ذلك، بعد . السفلي العالم مخلوقات أصلاً، لأننا، عليه، نخاف ما لدينا يكن ولم العزاء، نلقى ذاك أو المطلب هذا تحقيق وفي اللقمة، نجد السجن في . وحين وقع العدوان تقدم حافظ سلامة ورفاقه في المعتقل بطلب رسمي إلى قائد المعتقل للسماح لهم بالمشاركة في صد العدوان الإسرائيلي مع التعهد بالرجوع إلى السجن فور انتهاء المعركة ولكن قوبل الطلب بالرفض. ذلك قصدت هل : وأسأل الصاخب، موجه بمياه مبللة أعمالي معظم إن حتى إلهامي، مصدر دائماً كان البحر إن يقال ! ! تأملوا ! للنشر إلا به أبوح فلا الكبير، نجاحي سر وهذا للقرّاء، والمعرفة المتعة توفير : لغايتين وكتبت ! والتشويق الايقاع : شيئين على دائماً حرصت لقد مجانية، تكن لم قرن، مدى نصف على عيوني، أكلت التي كلماتي لأن ما، حد إلى ناجح أنني وأحسب البائس، الواقع على عيونهم أفتح كي الناس، على الرؤى أوزع نوئيل بابا إنني ! شرارات؟ قصائدي تطلق حتى نيرودا أنا وهل ! زرقاء؟ أم حمراء أهي بشرارتها، أفكر لم لكنني ) الزرق المصابيح ( كانت كتبتها التي الأولى الرواية زرق مصابيح متعمّدا؟ وحين خرج حافظ سلامة من المعتقل وجد مدينته "السويس" وقد هجرها أهله بعد عدوان 1967 ولم يبق فيها إلا 1% ممن كانوا فيها.
النصر بالإيمان
كان حافظ سلامة على يقين بأن الأيدي التي لا تعرف الوضوء لا تستطيع حمل السلاح في مواجهة العدو، وكان مقتنعًا كذلك بأن النصر لن يأتي إلا بالإعداد الجيد لجيل يمتلئ قلبه بالإيمان والتضحية وحب الشهادة... ومن هذا المنطلق بدأ حافظ سلامة في بث جرعات إيمانية وروحية في قلوب المواطنين وفي نفوس أبناء القوات المسلحة، وذلك من خلال توجيه قوافل من كبار الدعاة في مصر لغرس مبادئ الإسلام في حب الشهادة وحتمية استعادة الأرض المسلوبة في نفوس أفراد القوات المسلحة وأبناء الأمة عامة، وكان لحافظ وعلماء الأزهر الذين كان يحضرهم لإلقاء الدروس والمحاضرات أكبر الأثر في رفع الروح المعنوية وتعبئة الطاقات القتالية لدى الجنود المرابطين على الضفة الغربية من قناة السويس.
وحين لمست قيادة القوات المسلحة أثر هذه القوافل والدروس زادت جرعاتها رأسيًا وأفقيًّا لتشمل جميع الوحدات.
أبان اسمه من أولاده بين أجد فلم عبدالملك بن الوليد أولاد عدد وقد , الزبيري للمصعب قريش نسب كتاب إلى فرجعت الواهم أنت محمود يا لعلك نفسي في قلت ذلك رأيت فلما انتظارا فيقول أربع إلى سنيك زكامن أو خساً لأدنى اتّغارا فيك بنت ولا عشراً ـك منـ العمر يبلغ ولم رجوك : وقبله مروان بن عبدالملك بن الوليد بن أبان بها يمدح , للكميت قصيدة من البيت وهذا عشارا خصالا الرجال فوق ـت رميـ حتى يستريثوك ولم : التالي للكتاب المصرية الهيئة طبعة المائة بعد والسبعين الواحدة الصفحة الأدب خزانة من الأول الجزء في البغدادي ذكر فقد صحيح بقوله وإذا الأدب خزانة إلى فرجعت عبدالملك بن الوليد عهد في يظهر لم زيد بن والكميت , يخطئ أن العربي التراث كتب في المراجع أعظم من تعد التي الأدب خزانة موسوعة صاحب الجليل لعالمنا أيمكن عقلي يذهب فكاد . للبغدادي الأدب خزانة عن نقلاً عبدالملك بن الوليد بن إبان مدح في إنها : قال ولكنه , الثلاثة بالأبيات وإذا , التراث كتب من جمعه تم الذي الكميت ديوان فأخذت , كتب من قرأت فيما ذكراً لها وجدت ما أبيات بثلاثة البجلي الوليد بن أبان مدح العراق إلى وعاد الكميت عن هشام عفا فلما : الآتي هو يهمني الذي ولكن , طويل الخبر وبقية , كميت يا أجرتك قد : قال ثم لحيته من الدموع وسقطت انتحب حتى هشام فبكى , بقبره استجار بمن تفضحنا ألا فانشدك , الدنيا من حظه معه ومات أبي مات لقد جدّاه يا : عبدالرحمن الغلام له قال هشام على معهم ادخل فلما , به يتعتعوا أن يقدروا لم الحال هذه على وهو أتوه فلما , بثوبه أثوابهم وربطوا الكميت إلى فركضوا , قريش صقر ولقّب بالأندلس الأموية الدولة مؤسس بعد فيما أصبح الذي عبدالرحمن رأسهم وعلى صغار غلمان وهم معاوية أولاد هشام بن مسلمة فأرسل , به فتعتعوا الكميت كان فإن به فأتوني , زيد بن الكميت يكون أن إلا بقبره استجار من أجرت قد فقال , معاوية بقبر استجار رجل لعله له فقيل ? هذا ما : فقال الفسطاط فشاهد القبر إلى هشام نظر الصباح ففي ففعل , ليمنعوك معاوية أولاد إليك فسأرسل أخذوك فإذا , عليه فسطاطك واضرب بر إلى فأخرج , يوم كل صباح في إليه لينظر القصر أمام فقبره العهد لولاية يخلفه وكان قريب منذ مات قد هاشم بن معاوية فإن , لك أحتال ولكن المؤمنين أمير على أجير لا : له فقال , عبدالملك بن هاشم بن بمسلمة واستجار بالشام لحق حتى فخرج عنه الطلب نام أن إلى أسد بني في واستخفى له يؤبه ولم فخرج جاريتها واتبعته الله بركة على اخرج : وقالت - المشي في النساء تتخلع كما تخلّع يعني , كتفيك في يُبسا إلا منك أنكر شيئا لا والله فقال , ففعل , وأدبر أقبل : له وقالت ثيابها وألبسته بخمارها وخمّرته فقامت , الخبر عليها فقص جاريتها ومعها الحبس إلى وافته حتى امرأته الكميت فدعا , الرسالة وأبلغه الغلام فلحقه , أسد بنو قومها فسيمنعه لها تعرض وإن , للنساء يتعرض لا خالدا فإن , واخرج ثيابها والبس بخمارها وتخمّر امرأتك فادع , القتل إلا لك أرى لا فوالله إليه صرت ما بلغني : إليه وكتب , يقتل أن قبل الكميت لحقت إذا لك والبغل حر أنت : له وقال بغلا وأعطاه له غلاما فدعا , للكميت حميما صديقا وكان الوليد بن أبان الخبر وبلغ , الحبس في ووضعه الكميت الشاعر خالد فأخذ , ورجليه ويديه زيد بن الكميت لسان يقطع أن عبدالله بن خالد العراق على عامله إلى هشام المؤمنين أمير كتب , أمية بني وهجا هاشم بني فيها ومدح الهاشميات قصائده الأسدي زيد بن الكميت الشاعر قال ولما , القسري ثم البجلي عبدالله بن خالد , المؤمنين أمير عبدالملك بن هشام عهد في , العراق والي عمه لابن واسط على عاملاً البجلي الوليد بن أبان كان النسب علم . الكتاب عن ملخصاً يأخذ فهارسك يقرأ الذي إن محمود يا والله : أحدهم لي قال حتى , الفهارس في بغيته فيلقى ما إنسان عن محدّداً خبراً يعرف أن أراد إذا والباحث القارئ على تسهيلا وذلك , الصفحة رقم ثم , أجله من اسمه ذكر الذي السبب علم اسم كل بجانب فجعلت , الحديثة الطريقة على ولكن , فهرسته الذي فأنا بعد وما الرابع من وبدءا , الثالث وحتى الأول الجزء فهرسوا فقد المفهرسين من الأمرين لاقيت وقد , الأربعين الجزء إلى سيصل أنه وأظن , القحطانيين نسب وهو عشر الساس من وبدءا , الطبع تحت هي الثلاثة والأجزاء عشر والثامن عشر والسابع عشر بالسادس وبدأت , العظم الفردوس محمود تأليف من ) للبلاذري الأشراف أنساب على المستدرك ( : وسميته البلاذري طريقة نفس على وذلك العدنانيين نسب كمل وفيه , عشر والخامس عشر الرابع أصدرت ثم ) مضر ( فيه وأكملت عشر الثالث الجزء فأصدرت , جميعهم صعصعة بن عامر وبني ثقيف من بطنا فأسقط ) مضر ( يكمل ولم المنية فأدركته , الله رحمه البلاذري تصنيف من الأجزاء آخر وكان عشر الثاني الجزء إلى وهكذا , اسطنبول ونسخة الرباط في الملكية الخزانة نسخة وبمساعدة , المغربية العامة المكتبة في الموجودة المخطوطة نسخة عن الأول الجزء تحقيق أعدت لرغبتهم ولتلبية , الله حميد د.محمد بتحقيق قديم من صدر بأنه فأجيب , الأول الجزء عن يسألونني الناس بدأ حتى الأسواق في ظهر إن وما وأصدرته وبنوه علي : وسميته منه الثاني بالجزء وبدأت للبلاذري الأشراف أنساب كتاب من تصدر لم التي الأجزاء في أعمل أن رده على أقوى لا صديق إليّ طلب ثم ولذلك فقد اعتبر قادة الجيش أن حافظ سلامة كان أبرز من ساهموا في عملية الشحن المعنوي للجنود بعد هزيمة 1967 والاستعداد لحرب عام 1973؛ فقال عنه اللواء عبد المنعم واصل قائد الجيش الثالث الميداني بأنه صاحب الفضل الأول في رفع الروح الدينية للقوات المسلحة، وكان يعده أبا روحيا لهؤلاء الجنود، كما أكد اللواء أركان حرب يوسف عفيفي قائد الفرقة 19 مشاة "أن النداءات الأولى للجهاد المقدس والكفاح المخلص تنطلق من الحنجرة المؤمنة بالله والوطن.. من المناضل حافظ سلامة".
زعيم شعبي منذ 24 أكتوبر
ويمكن أن يعد الدور الذي لعبه حافظ سلامة أثناء حرب أكتوبر عام 1973 من أهم أدوار حياته لما كان له من أهمية في تاريخ مصر والأمة العربية.. يصف سعد الدين الشاذلي رئيس أركان حرب القوات المسلحة وقت الحرب هذا الدور قائلاً: "إن الشيخ حافظ سلامة رئيس جمعية الهداية الإسلامية، إمام وخطيب مسجد الشهداء، اختارته الأقدار ليؤدي دورًا رئيسيًّا خلال الفترة من 23– 28 أكتوبر عام 1973 عندما نجحت قوات المقاومة الشعبية بالتعاون مع عناصر من القوات المسلحة في صد هجمات العدو الإسرائيلي وإفشال خططه من أجل احتلال المدينة الباسلة". كما سنرى.
لا للسلطان الجائر
وخلال ثلاثين عامًا بعد نهاية الحرب لم تفتر همة الرجل الذي ظل وفيًّا لأمته وقضاياها، فها هو ينتقل من دور مقاومة العدو المحتل إلى دور المشاركة الإيجابية في مجتمعه من خلال أنماط دعوية أو سياسية أو اجتماعية، وإن اصطدم فيها كثيرا مع القيادة السياسية المصرية التي كان قد سبق أن كرمته لدوره في الجهاد.
! والمرأة الخمر : شيئين أمام الخور درجة إلى رخواً كان فقط، المجال هذا في منه، أفدت وقد شائقة، حكاية مشهد أي من يصنع بالفطرة، وقاص بالفطرة، بوهيمي إنه طبعاً، جواب لا يسعى؟ كان هدف أي وراء : تساءلت ولطالما والجوع، والظلمة للخوف الأرياف، وفي الأحيان، أغلب العائلة، تاركاً المجهول، لنداء تلبية الرحيل أراد كلها، برحلاته ينتفع ولم ينفع لم خاص، طراز من رحّالة الله، رحمه أبي، كان ، ) يذرعه الله بفضاء موكل ( كأنه الترحال، في سيرته وأثناءها، الأعمال هذه كل بين عاود، ثم القز، لدود ومربيّاً التوت، أشجار من إلا قاحل بستان في مرابعاً وللمرطبات، للحلوى، بائعاً المرفأ، في حمّالاً ونواياه، أعماله كل في الخائب مينه، حنا سليم الوالد، عمل كذلك أجيراً، الناحل، الوحيد، الصبي أنا عملت خادمات، عملن الثلاث، وأخواتي أمي ! يندفع فلم إرادة، من نملك ما بكل تدافعناه، شقاء حفرة في الاختناق، حتى الغارق، العائلي وضعي تعرفون ومنها الذاتية، سيرتي في العليل الصحي وضعي صوّرت لقد . سنوات قبل ارتحل لأنه وجهاً، له أر ولم ترفة، حياة عاشوا الذين الأغنياء من وهو ) فيتالي جول ( كان الرضاعة في أخي إن يُقال عندها، تعمل كانت ثرية عائلة ابن إلى الآخر النصف وبيع حليبها، نصف من حرماني إلى أمي اضطرت وقد غرفها، فقيرة عائلات تتقاسم دار وفي اللاذقية، مدينة في بائس فقير حيّ في ولدت أنني لقرّائي أقوله فما مقاربتها، إلى اضطرني قد الحديث أن رغم معها، أنسجم لا فإنني الكبيرة، الكلمات ولندع . الحياة عن وتالياً الكتابة، عن توقفي يوم سيكون بهم، يربطني الذي السرّة حبل ينقطع أو ظهري، لهم أدير أو ناسي، فيه أنسى الذي اليوم أن أعرف فأنا للمنطق، الأمانة عدم أو الماضي، نسيان ذلك يعني أن دون كذلك، وسأبقى تخصيصاً، وللرواية للأدب، حياتي وكرّست الستينيات، منتصف منذ الحزبي، الانتماء تركت لذلك مبكّر، وقت ومنذ كثيرة، حقائق أكتشف جعلني قد الكفاح، كرم من فيها وما الثقافية، الجبهة على كفاحي، أن الراهن، غير الوقت إلى ذلك وبعد بقليل، ذلك وقبل اللاذقية، إلى ) الاسكندرونة ( العربي اللواء من عائلتي هجرة منذ رجاله، أبرز من قريباً كنت رافقته، عرفته، : أقول السياسي المحيط عن الكلام أختصر وكي . الآن الخمسين قاربت التي الأدبية حياتي امتداد على بالقلم كفاحي في منها أفدت تُنسى، لا تجارب أعطاني والشباب، واليفاعة الطفولة في المجتمع، هذا إرشاداتهم، خلال من وشرفها الكلمة حقيقة إلى والتعرّف إليهم، الانتماء وشرف المشاعل، الحاملين هؤلاء على التعرف حظ - عمري من عشرة الثانية في فتى وأنا - لي وكان والإقطاع، الفرنسي الانتداب ضد الأول، المناضلين كانوا ذلك في ساعدوهم والذين النور، إلى سبيلهم الظلمة في يتلمّسون اسكندرونة، مدينة في الأخرى الفقيرة والأحياء الحي، هذا سكان كان ويكتب، يقرأ مَن كله، المستنقع حيّ في يكن لم تصدّق، لا درجة إلى متخلّفاً، أميّاً، الكلمة، بتمام فيه، نشأت الذي الاجتماعي المحيط وكان . يكون أن له يُراد ما إلى لا يكون، أن يريد ما إلى توّاقاً إنساناً داخلي، في الإنسان فكان النفس، بها توسوس التي البليدة، الراحة إغراءات وكل الأنانية، رذيلة على وأنتصر ذاتي، أنكر وكيف العام، الألم إلى الخاص الألم أصعّد كيف مبكّراً، فتعلمت، الألم، بمنقاش أظفاري على صورتها نقشت السياسة فإن الأولى، البراءة مباهج كل من محروماً، جائعاً، عارياً، حافياً، فعشت المجتمع، قبل من علي فُرض قد الشقاء كان ولئن السياسة، في وشبابي الشقاء، في طفولتي أنفقت الناس، إنسانية تحقيق خلال من إنسانيتي، تحقيق هو : لدي جوهري بشيء المتتابعة، حلقاته في العمر، تقضى لقد الإنسانية تحقيق . الأفضل الغد نحو ) الكبرى المسيرة ( في الأولى الخطوة هي التي هذه المعرفة، نحو ومعهم بهم والسير الجهل، حمأة من الخلاص على لمساعدتهم للناس، الرؤية لمنح كلها منذورة بينهما، ما الكفاح تجربة ومثل الدنيا، هذه عن أرحل حين الأخيرة، التجربة مثل اسكندرونة، في فيه نشأت الذي ) المستنقع ( حي في الأولى التجربة وكانت وعي، إلى التجربة تحويل مع ترافق عندي، الوجود وعي إن فبالرغم من حل جماعة شباب محمد صلى الله عليه وسلم فإن أفكارها ظلت في عقل حافظ سلامة وخاصة ما يتعلق منها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول الحق في وجه السلطان الجائر؛ فوقف أكثر من مرة ليقول لا، خاصة بعد زيارة الرئيس السادات للقدس عام 1977 ومعاهدة كامب ديفيد عام 1979، وهو ما دفع بالسادات لوضعه في القائمة التي كان يعتبرها خارجة عن العائلة المصرية! وحين جاءت اعتقالات سبتمبر1981 الشهيرة لتشمل قائمة من كافة القوى السياسية والدينية كان حافظ سلامة على رأس عشرة أسماء في تلك القائمة، ولم يفرج عنه إلا بعد اغتيال السادات.
المسيرة الخضراء
وبعدها بـأعوام يمر على حافظ سلامة يوم يعتبره الأعصب -كما قال لي- في حياته بعد يوم 24 أكتوبر الملحمي، وذلك حينما قرر حافظ سلامة خروج مسيرة تنطلق من مسجد النور بميدان العباسية -الذي كان تابعًا لجمعية الهداية ثم ضمته وزارة الأوقاف المصرية إليها- لمطالبة رئيس الجمهورية بتطبيق الشريعة الإسلامية. واحتشدت الجماهير الغفيرة للمشاركة في هذه المسيرة التي سماها حافظ سلامة "المسيرة الخضراء" فقررت الحكومة المصرية منعها بكل السبل ليصدر حافظ سلامة خطابًا بإلغاء المسيرة خوفا من تحويل لونها الأخضر إلى أحمر.
وخلال الثلاثين عاماً الماضية كان لحافظ سلامة دور مهم على المستويين الدعوي والاجتماعي من خلال جمعية الهداية الإسلامية التي تتبنى كافة صنوف الأنشطة الخيرية والاجتماعية في مقارها المنتشرة في جمهورية مصر العربية، من كفالة ورعاية الأيتام ومستوصفات طبية وإعانات اجتماعية لذوي الحاجة، وبناء مدارس إسلامية لتربية النشء على مبادئ الدين الحنيف، إضافة إلى الدروس والمحاضرات التي تعقد بمساجدها والتي تقوم بتوعية المسلمين بأحكام وأمور دينهم ودنياهم.
حافظ سلامة.. الرجل والملحمة
بين الحين والآخر يطرح هذا السؤال في أروقة السياسيين والمثقفين والعوام على السواء: هل يستطيع شعب مدينة ما بإمكانياته المحدودة ومعتمدًا على سلاح الإيمان وروح الصمود أن يقف في مواجهة جيش مسلح مجهز بكل أنواع الأسلحة في عالم تكدست فيه كل أنواع أسلحة الدمار الشامل؟
يبدو السؤال صعبًا... وتكون الإجابة الأقرب إلى اللسان أن زمن المعجزات انتهى وأن نظرية حرب العصابات والمقاومة الشعبية آخذة في الانقراض، لكن تمر أيام العام يومًا بعد يوم حتى يأتي يوم 24 أكتوبر/ 28 رمضان ليرفع عنا عبء الإجابة، ويقول بأعلى صوته: إن سلاح الصمود والمقاومة أفتك أنواع الأسلحة في مواجهة أعتى الجيوش متى كان من يقاوم مؤمنا بقضيته محبًا لأرضه ووطنه...
فمنذ ثلاثين عامًا وتحديدا في 24 أكتوبر عام 1973 استطاع شعب السويس أن يلقن الجيش الإسرائيلي درسًا قاسيًا... نحتاج في هذه الأيام إلى تذكر هذا اليوم الخالد واستحضار معانيه.
ونترك المجاهد "حافظ سلامة" ليتحدث بنفسه عن الملحمة في كتابه "ملحمة السويس حقائق ووثائق.. للتاريخ والعبرة".
6 أكتوبر/ 10 رمضان
كنت بالقاهرة في ذلك اليوم لقضاء بعض الأعمال الخاصة بمسجد النور ولأحجز للسفر إلى بيروت يوم 20 أكتوبر... وأثناء سيري في الشارع سمعت بعض المارة يقول المعركة مستمرة بالطيران والمدفعية والصواريخ.... ظننت في بادئ الأمر أنها غارة صهيونية جديدة فتوجهت لسماع المذياع عند كشك يبيع المرطبات لأسمع مذيعًا يذيع البيان الثاني للقيادة العامة للقوات المسلحة.
لا أستطيع أن أعبر تمامًا عما اعتراني جسدًا وروحًا وجريت مهرولاً باتجاه محطة القطار فإذا بي أجد قرارًا بوقف جميع المواصلات المتجهة إلى مدن القناة، فاستقليت سيارة خاصة باتجاه السويس واستطعت من خلال بعض الاتصالات من أخذ الإذن بالسماح لي بالتوجه إلى هناك حيث كانوا يمنعون كل السيارات المدنية (غير العسكرية) من الذهاب إلى مدن الجبهة.. وسار الموكب... وكم كنت أتمنى أن يكون معنا كل مؤمن حتى يشاهد الأنوار الإلهية التي غمرت تلك المنطقة؛ فأنت ترى السماء وكأنها قد أضيئت وترى النور على وجود جنودنا الأبطال وهم يهتفون "الله أكبر" وهم فرحون مستبشرون كأنهم يزفون إلى عُرس! ولم أملك نفسي وأنا أهتف بأعلى صوتي "الله أكبر.. الله أكبر... الله أكبر" فأسمع صداها يقترب ويقترب حتى رأيت قواتنا كأنهم جند السماء يكبرون ويهللون وهم يقتحمون أمنع الحصون وأعتاها.
7 أكتوبر – 15 أكتوبر
حافظ مع الإمام الأكبر د. محمد الفحام في مكتبة مسجد الشهداء    أقبلت نسمات الفجر من صبيحة اليوم الثاني للمعركة وأذن المؤذن للصلاة فازدحم مسجد الشهداء برجالنا وشبابنا، وقضيت الصلاة وألقيت كلمة جامعة عن الجهاد في سبيل الله، وما أعده الله للمؤمنين الصادقين في البلاء من إحدى الحسنيين إما النصر أو الشهادة في سبيل الله والفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، ولم يكن أمام المقاومة في بدء عملها إلا أعمال الخدمات الطبية والمعنوية، ولعمري إن هذه المهمة لا تقل في خطورتها وأثرها عن خدمة الميدان وهي من أقوى أسلحة المعركة حينما تدار لتجعل من أبطالنا الجرحى والشهداء، معين قوة لغيرهم ليستعذبوا البلاء والابتلاء في سبيل الله والوطن.
وعلى الرغم من توجه بعض أعضاء الجمعية برفقتي غاضبين إلى مكتب المخابرات يشتكون من عدم وجودهم في عملية العبور فإن العقيد فتحي عباس رد عليهم قائلاً: إن هذا هو دور القوات المسلحة، وهم في حاجة إلى من ينقل جرحاهم ويضمد جراحاتهم ويدفن شهداءهم؛ فهذا الدور لا يقل عن دور المقاتل على الجبهة.
ولم أملك نفسي إلا أن أكبر وأهلل عندما اطلعت على شهداء العبور الأول... إنهم لم يتعدوا الاثنين وعشرين شهيداً...
ولقد كان دور العلماء كبيرا عندما كان يجلس أحدهم إلى جوار الجريح يطعمه ويسقيه بيديه ويمسح عنه أثر الدماء مربتًا على صدره ويمسك قلمه ومفكرته ليقول له: هل لك من حاجة توصلها إلى أهلك؟ هل أنت بحاجة إلى شيء؟
وأقولها للتاريخ: إنهم كانوا جميعًا يريدون فقط الاطمئنان على تقدم إخوانهم... يريدون أن نرجعهم إلى إخوانهم على أرض المعركة.
قد يعجب الناس حينما رأيت أن تعمل محلات الحلوى في السويس بلا توقف لتشارك في أعياد النصر وتشاورت مع الدكتور محمد أيوب مدير المنطقة الطبية عن أنسب الهدايا التي أقدمها للجرحى فاختار البسكويت والنعناع والحلوى، وعلل اختياره لهذه الأصناف بمصلحة الجريح وتوجهت من فوري إلى محل محمد جمعة للحلويات واشتريت كميات من هذه الأصناف، ثم ذهبت إلى مسجد الشهداء وطلبت من العلماء والمقرئين وجميع الإخوة التوجه إلى الدور العلوي للمسجد وذلك لغرض إعداد علب الحلوى، ثم توجهنا بها إلى المستشفى العام وكم كان لهذه الزيارة أثر كبير في نفوس الجرحى.
16 أكتوبر – 23 رمضان
لحظة هروب الجنود الاسرائيليين من دباباتهم أمام قسم شرطة الأربعين    ما أطل صباح يوم الثلاثاء العشرين من رمضان حتى بدأنا نشعر أن دورنا في المعركة قد اقترب واقترب، لقد علم شعبنا أن ثغرة قد فتحت بين الجيشين الثاني والثالث عند منطقة الدفرسوار... وكان من الطبيعي أن يواجه جيشنا هذه المشكلة وأن يعمل على وأدها في مهدها ولكننا كرجال للمقاومة كان لا بد أن نقدر أسوأ الاحتمالات الممكنة... بحيث نتعرف على ما الهدف الذي يريد أن يحققه من هذه الخطوة ومن ثم نعمل على عدم تمكينه من تنفيذ رغبته هذه، وكانت غاية العدو هو أنه يريد أن يحتل مدن القناة بأي ثمن وفي مقدمة هذه المدن مدينة السويس، إن الحرب إذا امتدت إلى المدن كان القتال فرضًا، ويكون تسليم السويس وفيها رجل واحد ينبض بالحياة إنما هو الكفر بعينه، كانت هذه هي عقيدة رجالنا، إن الاحتلال اليهودي لمدينة السويس يعني في نظر الإعلام الإسرائيلي التأثير في العالم بأن الحرب قد انتهت لصالح الصهيونية.
الثغرة تلقي الرعب في السويس
ونتوقف مع ذكريات المجاهد حافظ سلامة عن أيام العبور الأولى حتى يوم 16 أكتوبر لنفسح المجال للآخرين ممن استشهد بأقوالهم في كتابه. حيث كانت كل ساعة تمر بعد هذا التاريخ تحمل إلى أهالي مدينة السويس أنباء جديدة، وكل نبأ يشعر في ظاهره بأن ميزان المعركة قد تغير... غارات مكثفة... أصوات مدفعية... والصواريخ تهز المنطقة هزًّا... عدد الجرحى والشهداء يتضاعف حتى جاء يوم 22 أكتوبر، وبدأت فلول قواتنا المسلحة المنسحبة تفد إلى مدينة السويس، نتيجة تسرب بعض قوات العدو إلى الضفة الغربية للقنال عن طريق الثغرة وأخذت أعدادها في الزيادة بصورة مضطردة، وقد أشاعت القوات المنسحبة حالة من الذعر والخوف بين المواطنين لما تردد عن تقدم القوات الإسرائيلية نحو المدينة مما حدا ببعض المواطنين إلى مغادرة المدينة إلى القاهرة سيرًا على الأقدام، وتعرض البعض منهم لنيران العدو وغاراته الجوية على الطريق الصحراوي المؤدي للقاهرة كما تعرض بعضهم للأسر يوم 23 أكتوبر 1973.
درهم.. ألف مائتا عليه وجب ضياعها، على يشرف كان رجلاً مرّة ذات وكيلها حبس والندى.. السماحة على لتقف النجيبة.. السيدة هذه كرم لطيف من الآبدة هذه وإليك عظُمت.. وإن حاجة تردّ لا الكرم.. شديدة للنَّدى.. محبّةً سخيَّةً.. الـمصُونة هذه كانت ولقد ! لها النفس حبّ مع الشهوات وترك العزائم.. بحبّ وَلِعَ ممن همَّة أعلى ولا ! يلهُو أن قادر وهو اللَّهو عن صدف ممن همَّة أعلى لا إنَّه حقاً ! القرآن لقراءة النَّحل.. كدّويّ منه يُسمع السيدة؛ هذه قصر فكان القرآن.. عُشْر منهنَّ واحدة كلّ ووِرْد ! يحفظن القرآن جارية مئة لزبيدة كان ! الزَّاكية القرآن لنفحات محطاً قصرها كان حتى ومسائها.. صباحها في تعالى ربّها لكتاب التَّالية فهي معادها.. ليوم الـمتزوِّدة الصالحة.. السيدة فيه كانت بل القصر.. ذاك ببحبوحة تنشغل لم النجيبة.. لهذه وأعجب . والنَّاهية الآمرة وسيدته الكبير.. القصر ذاك ربَّة كانت ولقد الصَّالحين.. سُنن على وشَبَّت الدين.. بأدب تأدبت الـخَلْق.. جمال بعد الـخُلُق.. بجميل والـمتجمِّلة الحسب.. زينة بعد الخصال.. برفيع المتزيِّنة كانت بل الـهمَّة؛ واهنة الرَّأي.. ضعيفة الـمرأة بتلك زبيدة تكن ولم فضائلها.. وأبصر شمائلها.. خَبِر أن بعد عروسه الرَّشيد هارون اختار لقد 24 أكتوبر وقلوب واجفة
لوحة شرف تضم أسماء شهداء معركة السويس    لم ينم أهالي السويس ليلة الرابع والعشرين من أكتوبر في انتظار مفاجآت العدو الغادر... وفي صبيحة ذلك اليوم قام العدو بغارة مركزة على السويس تمهيدًا لدخول قواته المدرعة إلى المدينة حيث تقدمت القوات بعد انتهاء الغارة إلى المدينة التي كانت في ذلك الوقت خالية من أي وسائل للدفاع عنها، وكانت الروح المعنوية منهارة في صفوف القوات المسلحة النظامية، وعلى الجانب الآخر كان الشيخ حافظ سلامة يحشد رجال المقاومة في مسجد الشهداء استعدادًا لمواجهة شرسة مع العدو.
واقتحمت قوة من أفراد العدو مبنى قسم شرطة الأربعين وحاصرته بدباباتها ومدرعاتها إلا أن رجال المقاومة تصدوا لمجموعة من المدرعات، وبهذا أطلقت الشرارة الأولى للمقاومة الشعبية، اندفع بعدها شعب السويس وما تبقى من رجال القوات المسلحة في معركة دامية مع قوات العدو كانت نتيجتها تدمير جميع دبابات العدو ومدرعاته وسياراته التي اقتحمت المدينة بالإضافة إلى القضاء على معظم أفراد العدو.
كما سقط عدد من رجال المقاومة شهداء بعد يوم حافل بالمواجهات الصعبة، إلا أن الخسائر التي لحقت في هذا اليوم كسرت طموحاته في احتلال المدينة، وظل هذا اليوم يومًا خالدًا في تاريخ شعب السويس وجعلوه عيدًا قوميًا لهم يحتفلون به كل عام.
25 أكتوبر والحرب النفسية
في يوم 25 أكتوبر بدأ العدو في استخدام سلاح مختلف وهو سلاح الحرب النفسية فما زال متمكنًا إلى الآن من تطويق المدينة... وأرسل العدو تهديدًا إلى محافظ السويس آنذاك بتدمير المدينة بالكامل بالطائرات إن لم تستسلم خلال نصف ساعة وأن عليه الحضور ومن معه من المواطنين رافعين الرايات البيضاء.
أصابت هذه التهديدات بعض المواطنين وكذلك بعض المسئولين بحالة من الفزع وكان المسئولون وعلى رأسهم المحافظ أميل إلى التسليم اعتقادًا منه أن ذلك أفضل جدا من تدمير المدينة على من فيها... وأيده في ذلك البعض حتى ذهب بعضهم إلى أخذ أكفان مسجد الشهداء البيضاء ورفعها على أيدي المكانس (المقشات) استعدادًا للتسليم، وعندما ذهب قائد القوات المسلحة بالمدينة العميد "عادل إسلام" لاستطلاع رأي الشيخ حافظ سلامة ومن معه من رجال المقاومة رد عليه الشيخ حافظ بثبات ورباطة جأش: إن معنى التسليم يا سيادة العميد هو أن أسلم لليهود أكثر من 10 آلاف جندي وضابط من قواتنا المسلحة، بل إني بذلك سوف أكشف الجيش الثالث بالضفة الشرقية من القناة وأسلم كل أرواح هؤلاء لأعدائنا وأعداء الإنسانية، وتصير نكسة أشد من نكسة 67 لمصر والعرب والمسلمين... إن الطيران الإسرائيلي قد مضى عليه 6 سنوات وهو يضرب المدينة فلتكن 6 سنوات وأياما.
إننا إما أن نعيش أحرارًا أو نقضي كما قضى غيرنا وصدق الله العظيم إذ يقول: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً}، وهنا قال العميد عادل إسلام: اعتبرني من الآن فردًا من أفراد المقاومة الشعبية...
واستمر الشيخ حافظ ورجاله في المقاومة وقام الشيخ حافظ سلامة بتعبئة نفسية مضادة للإسرائيليين، حينما قام بإذاعة نداء من مسجد الشهداء كرد على الإنذار الإسرائيلي، وتوالت انتصارات المقاومة على العدو الإسرائيلي حتى تدخلت قوات الطوارئ الدولية التي دخلت المدينة يوم 28، ورغم استمرار العدو في غاراته فإن ثبات رجال المقاومة أرغم العدو على مغادرة المدينة دون تحقيق انتصار يذكر.
خوارق الملحمة
بطولات رائعة شهدتها ملحمة السويس تحتاج لمؤلفات عدة ترويها وتوثقها ولا يتسع المقام لذكرها كلها، لكن مما يروى أنهم أرادوا نقل جثمان الشهيد إبراهيم سليمان إلى مكان آخر فوجدوا الجثمان كما هو بعد ما تصوروا أنهم سينقلون رفاتًا وعظامًا، وذلك بعد مرور 90 يومًا من استشهاده، وكذلك قصة البئر المعطلة من 80 عامًا التي أرشد إليها عم مبارك، وإذا بالبئر تعطي لا ينفد ماؤها فكانت مدداً إلهيا لأهل السويس وللقوات المسلحة شرق القناة... وغيرها العديد من قصص الشهداء والأبطال الذين تخرجوا في جامعة مسجد الشهداء التي علمتهم وفهمتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم "من مات دون أرضه فهو شهيد، ومن مات دون عرضه فهو شهيد، ومن مات دون ماله فهو شهيد".
