ذات مساء من العام الماضي, كنت قد فرغت من استذكار دروسي, وجلست في الشرفة أقرأ قصة شائقة وسط النباتات الجميلة. كان أبي وأمي في صالة الشقة يتشاوران في شئون البيت, وكل منهما يمسك ورقة وقلما. تذكرت أننا في أول الشهر, وأنهما يعدان الميزانية الشهرية للمنزل.
بعيد من يهدر البحر فرأت الشرفة من نظرت ثيابها تغير أن وقبل . المكان لتستكشف أرجاء البيت في تتحرك ) سارة ( وراحت , الشاطئ على صغير بيت في الصغيرة العائلة استقرت . لم أكن أشغل بالي بأمور البيت المالية, فأنا آخذ مصروفي من والدي يوما بيوم, فهو يعطيني ما أريد من نقود أثناء الشهر, لأشتري مجلة أو كتابا أو شجرة جديدة أضعها في الشرفة.
. كذلك كان , الأكبرُ الدبُّ , فجدُّهُ , عجبَ ولا , الدببةِ بين لغةٍ عالمٍ أكبرَ يكون يكاد أن شقيقَه يعتقد ) دُبَيْب ( كان بل , يجيدها كان شقيقَهُ لكنَّ , القراءةَ يجيدُ ) دُبَيْب ( يكن لم بعد انتهاء المناقشات والمداولات الطويلة, استدعاني أبي, وسلّمني مبلغا من المال. قال إنه مصروفي لهذا الشهر. تملكتني الدهشة, وأخبرتني أمي أنهما اتفقا على إعطائي مصروفي أول كل شهر دفعة واحدة, لأني صرت كبيرا وقادرا على تحمل المسئولية, ونبهتني إلى الاعتدال في الإنفاق دون تبذير أو تقتير, وتوزيع المصروف على أيام الشهر كلها, وادخار قدر منه ينفعني وقت الحاجة.
الآخرين وبين بينه الفروق بتخطي محاولاته في يستمر أن وقرر الأفيال مع إلا اللعب يستطيع لن أنه وتأكد , الصغير الفيل انزعج . البصر لمح في واختفى , يودعه أن دون تركه ثم ! ? افتراسي يتم لكي بي الإيقاع تحاول , القطط جواسيس أحد فلابد أنك , معي لعب حكاية الموضوع ليس , لا - : غاضبا يزمجر وهو عنه وابتعد , شديدة ريبة في الفيل إلى نظر الفأر ولكن , معه يلعب أن منه فطلب , حربية مناورة في وكأنه يتحرك وهو الفئران أحد الصغير الفيل لمح , ذلك بعد . سألني والدي إن كان المصروف الشهري الذي قدراه لي يناسبني, فأجبت فورا بنعم. ووعدني بزيادته في المستقبل إذا نجحت في هذه التجربة.
أمسيت أفكر بالنقود. لم أستطع قراءة القصة أو النوم, وظللت أخرج الأوراق المالية من جيبي وأعدها مرة بعد مرة, كانت تبدو لي ثروة هائلة.
استولى المال على كل تفكيري, في البيت, والشارع والفصل. كنت شارد العقل أثناء الحصص, حتى أنني لم أفهم شيئا من شرح المدرسين. وعقب انصرافي من المدرسة, أخذت أسير ببطء في الشوارع على غير عادتي, وأشاهد في انبهار ما تعرضه المتاجر من أشياء... ساعات وميداليات.. زجاجات عطور... لعب ودمى... أشرطة كاسيت... قمصان وأحذية.. شيكولاتة... أوامره إلى وأصغى , الإمبراطور عرش أمام تشين العامل ركع . الإمبراطور ضالة ومعهم , شهر بعد وعادوا , ويسألون يبحثون الحاشية أفراد انطلق . البلاد في عامل أفضل لي هاتوا - : حاشيته وكبار رجال مستشاريه إلى وأوعز , ثلاثا بيديه صفّق حتى , قصره إلى الإمبراطور عاد إن ما . الغرب إلى الشرق ومن , الشمال إلى الجنوب من - الأربع الجهات من بلادك حدود رنينه يبلغ لكي . آيس كريم, توقفت دقائق أمام ناد لألعاب الفيديو والبلياردو. .. العالية الشجرة إلى التفت . خاله و ، الكبير أخاه و ، أباه أمه ،و فشاهد ، بصعوبة عينيه فتح و ، وجهه على يرشّ الذي الماء من ارتعش كم مررت بهذه الأماكن, غير أني أراها الآن بعيون جديدة. عدد من أصدقائي يترددون إلى هذه النوادي ويستمتعون بألعابها الساحرة, أما أنا فأفضل عليها القراءة والزراعة.
لم أنفق في اليوم الأول أكثر من إنفاقي المعتاد, وإن ارتبكت أفكاري ارتباكا شديدا, كنت حائرا, أحاول المذاكرة فلا أستطيع, كانت كل الأشياء الجميلة التي رأيتها في الحوانيت تطوف بخيالي. بإمكاني شراء الكثير منها, وباستطاعتي الذهاب إلى النادي والاستمتاع بألعابه الرائعة, حذّرتني أمي بلطف من الإسراف, ونصحتني بالادخار, وحدثتني عن المسئولية, أبي يقول إن قرار تحويل مصروفي من يومي إلى شهري تجربة, اختبار, الواجبات والامتحانات والمسئوليات تلاحقني في المدرسة وفي البيت أيضا, كلمات أمي وأبي قيود ثقيلة تكبلني.
مللت المنزل, واستأذنت والدتي لأذاكر مع أحد أصدقائي. ذاكرنا قليلا, وبحت لصديقي برغبتي في الذهاب إلى النادي, وقلت له إن معي نقودا كثيرة, فوافق من فوره, وأمضينا هناك وقتا طويلا في اللعب.
قبل نهاية الأسبوع الأول, كانت نقودي قد نفدت تماما, ما كان يجب أن أصرفه في ثلاثين يوما أنفقته في بضعة أيام. أفرطت كثيرا في شراء المأكولات والمشروبات وشرائط الكاسيت الصاخبة, وأسرفت في اللعب إسرافا شديدا, ونسيت نصائح أبويّ. الحبوب تلك تحت الدبق ليس وهو , المنصوب الفخ في جميعا وقعنا لقد : وأضاف ! للعار يا ! للعار يا : كبيرهم , صرخ الشجار يتطور أن وقبل . الشراك في العالق صديقهم وينسون بالعراك يشترك الجميع وكاد أعصابه عصفور كل وفقد ضربه يريد رفيقه على هجم . لجأت إلى الاقتراض من بعض أصدقائي مختلقا الأسباب والذرائع لأثير عطفهم, وأنا أشعر بالخجل الشديد. وصرت مدينا للمرة الأولى في حياتي. ووعدتهم بتسديد نقودهم في أول الشهر, ولم أكن وحدي من ينتظر قدومه في لهفة, هم كذلك كانوا ينتظرون... أصدقائي الدائنون. وبمجرد أن تسلمت مصروفي الشهري, رددت إليهم نقودهم, ومرة أخرى ضعفت إرادتي أمام رغباتي, وجعلت أبدد ما تبقى في الأكل واللعب.
وتتابعت الأحداث المؤسفة, أعلنت المدرسة عن رحلة إلى المتحف الزراعي وحديقة الحيوان, عجزت عن الاشتراك فيها, فحزنت كثيرا, وظهرت نتيجة امتحان الشهر, وسُجلت بشهادتي أقل درجات حصلت عليها طوال سنوات دراستي, كانت مفاجأة للجميع, فقد كنت دائما من المتفوقين, وأردت زيارة ابن خالتي الذي أجريت له عملية جراحية, وتقديم هدية له بمناسبة شفائه. ولكن من أين لي بثمنها? كان عليّ أن أبوح لأمي بكل شيء, استجمعت شجاعي, واعترفت لها بالحقيقة, لم تلمني أو تعاتبني, أحسست من نظراتها أنها كانت تعرف ما فعلت وتنتظر مني أن أبادئها بطلب المساعدة, رفضت بإصرار أن تعطيني أي نقود ولو على سبيل القرض. وما حدث من أمي تكرر من أبي, كأنه كان يدري هو أيضا بما كان مني. وفي هذا اليوم أحضرت أمي الهدية بنفسها, وقدمناها إلى ابن خالتي في المستشفى باسم أفراد الأسرة جميعا.
عانيت من نقص النقود بقية الشهر, وكنت أشعر بالندم الشديد لإخفاقي في تحمل المسئولية, وانتظرت في قلق ما سيقرره أبواي بشأني حين يجتمعان لإعداد الميزانية, أتراهما فقدا الثقة بي? هل سينقصان المصروف أم سيعودان بي إلى نظام المصروف اليومي?
وكانت المفاجأة في اليوم الأول من الشهر, دعاني والداي إلى مائدة الحوار, فجلست متوجسا. قالت أمي: البيت يشبه في شئونه المالية شركة صغيرة, يديرها الزوج وتعاونه زوجته, ويجب أن يشاركهما الأبناء, لهذا رأينا أن ندعوك لتبادلنا الرأي ونحن نخطط لميزانية هذا الشهر.
وأخبرنا أبي أنه وجد عملا إضافيا في المساء سيزيد دخلنا في الشهور المقبلة.
بدأ بعد ذلك الحوار حول ميزانية المنزل, فتحدث أبي عن مجموع موارد الأسرة من راتبه الشهري والمكافأة التي نالها من عمله, مضافا إليهما نصيبه السنوي من بيع محصول أرض زراعية صغيرة ورثها عن جدي. وراحت والدتي تحدد نفقات المنزل الثابتة كإيجار الشقة, وحساب الكهرباء والمياه, ومصروفي الشهري, وتكاليف الطعام والشراب والدواء, والمصروفات الجديدة كفاتورة التليفون. وقسط مدرستي الأخير وملابس الشتاء.
بدأت الحسابات, ووجدتني أحس بخطورة الأمر وأشفق على أبي وأمي وهما يحاولان وضع الميزانية. ويجاهدان ليوفقا ما بين الإيرادات والمصروفات. خرجت عن صمتي وشاركتهما المناقشة. كانت مصروفات البيت لهذا الشهر تزيد عن الإيرادات, فعرضت عليهما أن يخفضا مصروفي الشهري, فرفضا ذلك, ولاقى اقتراحي بتأجيل شراء ملابس جديدة للشتاء قبولا من كليهما.
مضيت إلى حجرتي بعد انتهاء تلك المناقشات المضنية, وشرعت في إعداد ميزانيتي الخاصة, حسبت احتياجاتي الضرورية على مدار الشهر بالقلم والورقة. ووزعت مصروفي عليها, وأبقيت جزءا أدخره لأقيم به مشروعا صغيرا في إجازة الصيف, يزيد من دخل الأسرة, وعزمت على الاجتهاد في دراستي, والنجاح بتفوق كالأعوام السابقة.
منها القليل غير لتحليقه ينتبه لم بحيث جدا بعيدا كان .. الزرقاء في السماء يحلق كبيرا طائرا فيه رأت يوم جاء ،حتى بأمان تعيش كانت هكذا .. حققت في نهاية العام الدراسي ما أصبو إليه من تفوق, وجلست ذات يوم في الشرفة أفكر في مشروع مناسب. نظرت إلى أصص الزهور وأشجار الزينة من حولي, وخطرت لي فكرة. . علي شقيقه يحتضن وسعهما على ذراعيه يفتح وهو قالها ... لله الحمد ... لله الحمد - : وارتياح سعادة في يردد وهو عينيه من تنهمر الدموع وجد فقد مسعود أما , المجاهدين صفوف إلى الآن منذ الانضمام منه ويطلب ووطنيته إخلاصه ويحيي يشكره المجاهدين شيوخ أحد تقدم . والحراسة الاستطلاع تتولى التي المجاهدين مجموعة إلى اهتدى أن إلى الليل طوال يعدو وصار هاربا تسلل حتى الظلام حل إن فما , حدث ما وهذا . لهم أعدوه الذي بالكمين المجاهدين ويخبر الليل غطاء تحت يهرب أن يستطيع لكي الليلة هذه الحراسة يتولى لأن استعداده أبدى ولقد , الأعداء موقع إلى وصولهم لحظة قبل غفلة حين في المجاهدين على ينقضّوا لكي المعسكر إلى يؤدي الذي بالطريق تقع التي الأحراش خلف للاختفاء جنودهم ووزعوا أنفسهم أعدوا فقد ولذلك , للمجاهدين كمينا ينصبون الطليان أن عرف حتى الأخبار يتسقط وبدأ , الأعداء خطوط داخل من الجهاد حركة ويخدم لهم يكيد أن على صمم لالتحاقه الأول اليوم منذ ولكنه , الطليان بجند الالتحاق على فعلا أرغموه لقد , قصته للمجاهدين يسرد علي بدأ والاستفسارات الأسئلة زحمة وفي , الصباح من الأولى الساعات هذه في إليهم مجيئه سبب إلى يتعرّفون وبدأوا إليه الوصول من ومنعوه أوقفوه المجاهدين بقية ولكن البذلة هذه في يراه وهو النار عليه يطلق أن يريد كان , الطليان العساكر بدلة يرتدي علي شقيقه إلا ليس الجندي هذا أن عرف فقد , المجاهدين صفوف يخترق وذهب جواده فوق من قفز حتى يقترب رآه إن وما , الإيطالي الجندي ملامح البعد على يتبين أن يستطع لم , الأمر جلية يستطلع واستعداد تأهب حالة في ووقف جواده امتطى قد مسعود كان , الأعداء جنود من أمامه بجندي يدفع نحوهم قادما رأوه ثم , والحراسة بالاستطلاع المكلفين المجاهدين أحد أطلقها رصاصة صوت سمعوا رحيلهم يباشروا أن وقبل , السفر من يوم نصف بعد على يقع موقع إنه , العدو معسكر فيه سيواجهون الذي الموقع إلى يتوجهون حيث للرحيل والاستعداد الخيول سرج في المجاهدون بدأ . وأبيه أمه ابن شقيقه قتل إلى معه يضطر موقف في نفسه يجد وألا كربته يفرّج أن الله من وطلب بالهداية لشقيقه ودعا الجماعة مع والصلاة الوضوء إلى وقام العظيم الله واستغفر الرجيم الشيطان من بالله تعوّذ , للصلاة يقومون المجاهدين ورأى , الديكة صياح وسمع الفجر شعشع أن إلى ساهرا ظل , الخيانة جزاء هو فهذا , ويقتله كان أينما إليه سيذهب فإنه حقا الأمر كان ما إذا , المخزية الفعلة بهذه القيام من تمنعه أن تستطع ألم , الجهاد إلى أولادها بأكبر ترسل وهي تزغرد فخورة كانت التي أمه تقول وماذا , والمذلة العار نفسه على شقيقه ارتضى حقا هل , الجلل الأمر هذا في يفكر ساهرا مسعود ظل , عاشور نام حين وفي - . صعباً يوماً أمامنا فإن , قليلا تنام أن وحاول , المعركة بعد ما إلى الأمر دع إذن - ! ? العدو مع معاركنا أهم لإحدى الاستعداد أهبة على ونحن العمل ما ولكن , الأمر حقيقة لأستجلي اللحظة هذه بنفسي أذهب أن أستطيع لو أتمنى , ودرايـة عقــل صاحب الخبر إلينا نقل الذي الرجل أن عاشور يا تعلم ولكنك , إشاعة مجرد الأمر يكون أن أتمنى - ... إشاعة مجرد الأمر يكون قد - : قائلا , صاحبه قلب في الطمأنينة يبعث أن حاول ولكنه , والألم الغضب إلى يدعو فعلا فالأمر , يقول ماذا عاشور يدر لم أن لي شغفا بالزراعة وخبرة في تربية النباتات, فلماذا لا أقيم مشتلا صغيرا أبيع فيه الزهور وشتلات الأشجار? كل ما أحتاج إليه هو قطعة أرض صغيرة. تذكرت أن هناك مساحة خالية من الأرض أمام منزل جارة لنا تربطها بأمي صداقة طيبة, شرحت لها مشروعي, فسمحت لي باستخدام الأرض طوال شهور الإجازة دون مقابل.
اشتريت الأصص, وزرعت فيها الورد والياسمين والفــل والريحـــان وشجيرات الزينة, وشجعني أصدقائي وجيراني في البدايــة بالشـــراء مني. وذاعت شهــرة المشتل بمرور الأيام, وأقبل المشترون من حينا والأحياء المجاورة, وأخذت أرباحي تزيد يوما بعد يوم.
جاءتني فكرة جديدة, فأحضرت ما عندي من مجلات وكتب قديمة, وعرضتها في المشتل, ليستعيرها من يريد ويستمتع بقراءتها لقاء قروش قليلة. نجحت الفكرة, وكان يحلو للبعض قراءة الكتب وسط الأشجار والزهور.
قبل بدء الدراسة, جلسنا لإعداد الميزانية, طلبت إلى أبي وأمي أن يطرحا من جملة نفقات المنزل مصروفات المدرسة لأني دفعتها من نقودي الخاصة. حدثتهما أيضا عن مشروعاتي للإجازة الصيفية التالية بإذن الله, وتفكيري في بيع الجرائد والمجلات وبعض الحلوى والمشروبات إلى جانب الزهور والنباتات. تبادل الاثنان نظرات الدهشة وابتسمت أمي وصاحت: نحن نفكر لشهر واحد والولد يفكر لسنة قادمة!!
