توفّر لنا مدننا - بدرجة أو بأخرى - الخدمات الأربع, التي نصّ عليها مؤتمر أثينا الدولي الرابع لفن العمارة الحديثة, في العام 1933, وهي: السكنى, والترويح, والعمل, والانتقال. ونحن, من جانبنا, وبالقدر الذي تنجح به مدننا في التوافق معنا, نرضى عنها, فالمدينة (رغم كل شيء, هي كل شيء, لأنه لا شيء نجد أنفسنا فيه سواها), كما يقول الشاعر الفرنسي المعاصر (أوجين جيفيك), في قصيدته: (المدينة رغم كل شيء), فإذا كان رصيدنا من الرضا منقوصاً, ندّدنا بها - كما فعل ويفعل الرومانتيكيون - وهربنا منها بأرواحنا, أو بأرواحنا وأجسادنا, معاً, إلى (مدن أخرى), مادية أو خيالية, أو - إذا اشتدّت بنا العواطف - ارتحلنا إلى الريف, والبحيرات, والغابات.
والذين أتيح لهم أن يعيشوا بدايات حياتهم في (المدن القديمة), يستطيعون أن يتحدّثوا إليك, في حنين - أو غالباً - في أسى واضح, عن الحياة التي كانت أمورها تجري بأيسر مما تجري به اليوم. فقد كانت مظاهرها, في تلك المدن, أبسط, وأواصر التضامن بين الناس أشد متانة, أما اليوم, فقد اختفت الساحات الصغيرة, التي كان يلتقي فيها الجميع, والأزقة الضيقة, ذات الأسواق الغاصّة بالناس, والأحياء السكنية التي تظلّها الأشجار المثمرة, وتنتشر فيها الخضرة. لقد غطى على كل ذلك, تدريجياً, مدّ المنشآت التجارية, التي قامت لتلبية حاجات يومية متزايدة, واستُبدلت بالمنازل, التي كانت تستقل بها الأسر, مبان ضخمة, يتسع كل منها لمئات الأشخاص, واجتاحت السيارات والمارة الشوارع, وتزايدت الكثافة السكانية في معظم المراكز الحضرية, على نحو لا ضابط له, فبدأت المدن تعاني الأمرّين, من مشكلات المرور والضوضاء, وأيضاً من تدهور الأوضاع الأمنية. ويضيف عبقري العمارة العربية, المهندس حسن فتحي, صاحب (عمارة الفقراء), بعدا آخر يتصل بالتصميم المعماري والتخطيط الحضري للمدينة العربية الحديثة, فيقول إن اغترابا قد حل بالمدينة العربية الحديثة ومعمار مبانيها, إذ جاء الأسلوب (الانبساطي), بدلاً من (الانطوائي), وفي الأول, تنفتح غرف الجلوس - وربما حجرات النوم أيضاً - على الشارع, بأرضيته الأسفلتية السوداء, وما ينتشر فيه من ضجيج وأدخنة, أما الثاني, فهو يقضي بأن تنفتح هذه الغرف على الفناء الداخلي للمبنى, بنافورته الرخامية, وأزهاره العبقة, التي تلطف الجو, وتصون الحياة الخاصة, وهو ما تحرص عليه الأسرة العربية.
فكيف ترى مدينتك?
قد تكتشف, مثلي, أنك - بحكم الاعتياد - تعيش في المدينة دون أن تتوقف كثيراً لتفكر بها. وفي ديسمبر عام 1993, حدث تحول جذري لفكرة المشروع, فقد أعلن نائب الرئيس الأمريكي (ألبرت جور), موافقة الكونجرس على إقامة محطة مدارية بتصميم معدل سيجري تنفيذه بالتعاون مع روسيا, ووقتئذ كان هذا يمثل منعطفا في السياسة الدولية الأمريكية, وتحولا عن أسلوب الحرب الباردة التي ظلت سجالا بين عملاقي السياسة الدولية, ردحاً كبيراً, وفي نفس الوقت فإن هذا التعاون يتماشى مع المناخ السياسي الذي ساد العلاقات بين الدولتين بعد أن انفرط عقد الاتحاد السوفييتي. ولقد اتفق علماء الدولتين على التدرج بخطوات التعاون الفضائي بينهما بزيارات متبادلة لمراكز الرواد, ومراكز البحوث وقواعد الإطلاق, ثم الاتفاق على مواعيد القيام بسبع رحلات فضاء مشتركة بين عامي 1994و1997, برواد من كلتا الدولتين للتدريب على العمل معا في المحطة المدارية الروسية (مير), وقد كانت مير بتصميمها محل اهتمام العلماء الأمريكيين, إذ كانت تدور في الفضاء منذ عام 1986, وسجل عليها الرواد الروس رحلات طويلة تجاوزت العام, وأجروا خلالها تجارب متقدمة لفتت الأنظار. هذه الخطوات كانت مقدمة للتعاون بين أمريكا وروسيا, لبناء محطة مدارية, تستغل فيها الخبرة الروسية في هذا المجال إذ سبق لهم إطلاق سبع محطات من طراز (ساليوت) منذ عام 1971, ومحطة من طراز (مير) في عام 1986. لكن أمريكا خطت خطوة إيجابية لتوسيع دائرة التعاون, إذ عقدت العزم على جعله دوليا وليس مقصورا على عملاقي الصناعات الفضائىة, ونجحت في ضم اليابان وكندا ووكالة الفضاء الأوربية (إيسا) ليشارك كل منها بإسهامات مالية مختلفة, وبجهود تتناسب مع ما سبق إنجازه في الفضاء.ولقد كان اتفاق وكالة (ناسا) الأمريكية مع السلطات الروسية على التعاون لبناء المحطة الدولية, فرصة ثمينة لاستحواذ العلماء الأمريكيين على التكنولوجيا الفضائية المتقدمة لدى الروس, نظير ثمن زهيد لم يتجاوز (400) مليون دولار, وكانت أسرار هذه الصناعة, قد غلفت بكثير من القيود, طوال وجود الاتحاد السوفييتي, ولكنها سجلت تفوقها في عدة مجالات نوعية, ومن أبرز ملامح التفوق الروسي التي حفزت الآخرين على الترحيب بالتعاون الفضائي, نجاحهم في إنتاج الصاروخ (إنيرجيا) الذي تفوق قوته كل الصواريخ الأمريكية والغربية بنسبة لاتقل عن (15 ـ 20%). وقيامه أيضا بإجراء تجارب (سرية) على نظم توجيه للصواريخ بأشعة الليزر, وقد كشفت عن مراكز إجراء هذه التجارب فوق جبال (ألمآتا) صور القمر الفرنسي (سبوت), كما كشفت صور أقمار التجسس الأمريكية عن إجراء السوفييت لتجارب في المحيط الهندي على نموذج لمكوك فضاء تحت اسم (بوران), وآخر معدل تحت اسم (بيردي). كان هذا التفوق محل إعجاب صامت من قبل علماء كثير من الدول الغربية, ثم تحول إلى إشفاق بعد الانحسار الذي أصاب أوجه الحياة, بعد تفكك الاتحاد السوفييتي. توزيع المهام خلال عام 1995, تم تجميع ما يربو على 40 ألف كيلو جرام من أجزاء سبق تصنيعها, والتي تصلح لتدخل في تصنيع المحطة الجديدة, واتفق على أن تقوم شركة (بيونج) منفردة بمهمة إدارة عملية بناء المحطة, بدءا من نوفمبر 1997, ووضع برنامج زمني لعمليات تجميع الأجزاء المختلفة في الفضـاء, بإطلاقات متعددة لسفن سويوز الروسية, ومكوك الفضاء الأمريكي. ويأتي ترتيب عمليات الإطلاق بحيث تبدأ برفع الجزء المخصص للحمولات (Cargo black) الذي تم بناؤه في روسيا, وهو يضم وحدة دفع وقيادة وتحكم, والفراغ المخصص لمعيشة الرواد, ويبلغ وزن هذا الجزء (20) طنا, وكان إطلاقه خلال نوفمبر 1997. ثم كان الإطلاق الثاني في ديسمبر من نفس العام لجزء آخر تم تصنيعه في الولايات المتحدة الأمريكية, على أن يجري تجميعه مع الأجزاء السابقة, خلال أربع رحلات متكررة, وبعدها تصبح كبسولة المعيشة معدة لاستقبال ثلاثة رواد, يمكن أن يعملوا داخلها لمدد طويلة بدءا من منتصف عام 1998. وسوف تحتاج عملية تجميع المحطة إلى عدد كبير من عمليات نقل الأجزاء والأجهزة, وزعت على الدول على النحو التالي: ـ (27) عملية تقوم بها المواكيك الأمريكية بين عامي 1997 و2002, (20) منها للتجميع و(7) للاستخدام والضبط. إنني لا أقصد, هنا, مدن الشعراء, بل مدننا التي نتنفس هواءها, ونعيش على مسطحها. ونحن لا نرى مدننا جيدا, ربما لأننا ننظر للأشياء في مستوى سطح الأرض, فإذا صعدنا برجا أو جبلاً, أو طوفت بنا مروحية على ارتفاع مناسب, فإن مجال الرؤية يتسع, ونكتشف حقيقة المدن.
وأيّا ما كان الارتفاع الذي تطل منه على المدينة, فإن أول ما تلتقطه عيناك النسق الهندسي المميز لهذه المدينة, والذي يعطيها شخصيتها, ويمكن للعين الخبيرة أن تترجمه إلى دلالات اجتماعية وبيئية واقتصادية, وربما سياسية أيضاً. إن أساليب تخطيط المدن وأنساق عمارتها تبوح بأسرار ساكنيها وأحوالهم.
دعنا نلق نظرة على بنايات (هونج كونج), المدينة التي كانت دولة, قبل أن تعود إلى الإدارة الصينية في العام 1997, إنك لا تجد تنوّعا, ولكن تناظرا هندسياً, لا يعني غير شيء واحد, هو أن لا وقت يضيع, ولا جهد, من أجل لمسات من جمال, فالأرض عنصر نادر وحاكم, والتنافس عليها شديد, في مدينة لا تعرف إلا لغة السوق. إن ضاحية حديثة بالمدينة, هي (شا تين), يبلغ عدد أبراجها 52 برجا سكنيا, تتراوح ارتفاعاتها بين 27 و 34 طابقاً, وهي متشابهة, وتشعرك بوطأة تكرار الوحدة السكنية للبنايات. إن معظم هذه الأبراج يتصل بممرات تسهل الانتقال بينها, كما تشتمل هذه البنايات على متاجر تبيع كل ما يحتاج إليه السكان من سلع, وبها مدارس ومستشفيات, ومرافق ذات نفع عام أخرى, وتشتمل أيضاً على مقار لشركات ومكاتب. ثمة احتمال - إذن - لأن يكون جانب من سكان أبراج (شا تين) دائم الإقامة بها, لا يكاد يبرحها, ففيها سكنه ومقر عمله, وترفعه المصاعد إلى سطح برجه السكني, ليجد الملاعب المجهزة, للتنس وكرة السلة, وأحواضاً للسباحة, أيضاً!
إنها عمارة - كما يقول المعماري الياباني الشهير (كنزو تانجه) - تخلّت عن كل تقاليد الماضي وأساليبه, وجعلت من (العلبة البيضاء) غاية منشودة!
لننتقل إلى بعيد, في المكان, وفي التنوع المعماري, إلى إنجلترا... وبالتحديد إلى ضاحية (برايتون), على شاطئ (سوسيكس) الإنجليزي, لنجد غابة من المساكن, تم التخطيط لها على نسق العمارة التي سادت بإنجلترا في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين, وكانت تستجيب للأفكار المحافظة, الراسخة لدى الطبقة الوسطى في بريطانيا العظمى, وأهمها الحرص الشديد على النظام, وتوخّي الوقار, حتى أنك - إذا دققت النظر في نوافذ تلك الصفوف المتراصّة من المساكن في برايتون - خيّل إليك أن ثمة مَن يسارع بجذب الستائر, كما أنك, إذا تجوّلت بالضاحية في أحد أيام الآحاد, فستجد السيارات الخاصة قابعة أمام المنازل, تأخذ حمّامها الأسبوعي... عادة إنجليزية مرعيّة!
وعلى العكس من الإنجليز, بعامة, لا يخشى الفرنسيون التجريب, لقد أنشأوا في (الجراند موتيه) وهو أحد المنتجعات الفرنسية الشهيرة, سلسلة من المباني المتشابهة, تتخذ هيئة الشلاّل, ليتاح لكل ساكنيها أن يحصلوا على حصص متكافئة من الشمس, إذا سطعت. إنه نسق معماري يتحقق فيه قول المؤرخ الروماني القديم (فيروفياس): إن العمارة هي توحيد لثلاثة مبادئ: المنفعة, والمتانة, والجمال. وتشعر - أيضاً - كأن الشاعر الإيطالي (جيوزب أونجاريتي) (المولود بالإسكندرية), كان يقصده, وهو يقول في مطلع قصيدته (صمت): (أعرف مدينة تمتلئ كل يوم بالشمس - من السفينة, المدهونة بالأبيض اللمّاع, رأيت مدينتي تختفي, تاركة - للحظة واحدة - عناقاً من النور, معلّقاً بالهواء المضطرب!).
ولماذا ذهبنا إلى البعيد?... دعونا ننظر لما حولنا, في بلادنا العربية, لنتأمّل خطوط وأبنية مدينة عربية, هي (فاس) المغربية. إن البلدان العربية تتوزع بين خطي عرض 25 و 35 درجة, شمالاً, في منطقة جغرافية يسودها مناخ حار جاف, كان تأثيره الدائم على العمارة العربية سمة مميزة لها. لقد أصبحت المعالجات المعمارية, التي يلجأ إليها المعماري العربي, للتكيّف مع هذا المناخ, من الصفات الملازمة للتكوينات الفنية لهذه العمارة... ففي بيوت (فاس), يتجلّى فن تخطيط الأبنية العربية, حيث يلعب الفناء الداخلي, أو الرحبة الداخلية, أو صحن الدار, دوراً رئيسياً في خلق التكوينات المعمارية لهذه الأبنية. وتنبع أهمية الرحبة الداخلية من كونها المنظّم الحراري للغرف والممرات, فالهواء الليلي البارد يهبط في هذا الصحن, مانحاً برودته لجدران الغرف التي تلتف حوله, فيخفف من وطأة حرارة النهار الملتهب. وفي مركز الصحن, توجد بركة صغيرة أو نافورة. إن مثل هذه المسطحات المائية - ومعها (السلسبيلات) و(السواقي) - بالإضافة إلى التشجير والخضرة, هي عناصر شائعة في العمارة العربية, وهي تكتسب دلالات عميقة في تثبيت الانعكاس المادي لنفسية الإنسان العربي, تجاه بيئته الطبيعية بصفة عامة, وتجاه عناصر عمارته, كأحد مكوّنات تلك البيئة. ويرى بعض خبراء العمارة أن العمارة العالمية لا تعرف مثيلاً, في سعة وكثرة استخدام عنصري الماء والخضرة, كما يستعملها المعماري العربي, في أبنيته التقليدية.
وهذه مدينة آسيوية, يقول المعماريون إن أبنيتها تمثّل (ثقافة الصحراء), تلك هي المدينة الإيرانية (شيراز), التي تبدو بيوتها, من أعلى, كأنها كتلة واحدة. والحقيقة, أن اعتبار شيراز مدينة صحراوية قد يكون أمراً مضللاً, فمتوسط درجة الحرارة فيها لا يزيد على 16 درجة مئوية. إن تزاحم وتداخل البيوت والأسواق الشيرازية يجعلك تتساءل: وأين يمشي الناس?... بل, وكيف يخرجون من مساكنهم?! غير أن للشيرازيين وجهة نظرهم الخاصة في مدينتهم, إذ يطلقون عليها اسم (مدينة الزهور والبلابل)!
وللفقراء عمارتهم أيضاً - كما قال لنا حسن فتحي - وهي عمارة تقوم على (لغة) محلية, ذات مكوّنات خاصة. انظر إلى (لابيزينجا)... قرية بدائية من (مالي), تعيش بها قبيلة (سونجهاي), إن مبانيها مجرد أكواخ بسيطة جداً, ولكنها موزّعة على المسطح الأرضي للقرية, على نحو يستجيب للمواضعات الاجتماعية للقبيلة, حيث تعيش النساء, بمعزل عن الرجال, فالأكواخ المستديرة, ذات الحواف الملساء, مخصصة للنساء, أما الرجال, فيسكنون الأكواخ المستطيلة!
وهذا نمط آسيوي فقير, من الفلبين, عبارة عن مدينة من الصفيح والخشب, على خليج يحمل اسم العاصمة (مانيللا). إن المدن - في كل مكان - تقدم متناقضات لافتة للنظر, فبالرغم من أنها هي المصدر الأهم والرئيس للدخل القومي لدولة, فإن بعض أجزائها يعاني - في الوقت ذاته - وطأة الفقر!
دعني أحاول أن أصف لك الحال, كما رأيته في شريط تلفازي... إن هذه المدينة الجزيرة, من (العشش), تعد مثالاً لانقطاع الرجاء, اقتصادياً, فالبشر يتكدّسون في ظروف معيشية غير آدمية. وهناك مجال آخر سيكون محل دراسة, هو سلوك السوائل في الفضاء, والتـي يمكن أن تطور وسائل الطلاء, وصنـاعة الأفلام, وحماية مستودعات البترول. 3 ـ الأبحاث الخاصة بالعمليات الفضائية: مثل تحسين وسائل ومواد الاحتراق والدفع الصاروخية, وتحسين أجزائها ومكوناتها, وتعديل وسائل الصيانة في الفضاء, لإصلاح الأعطال التي تصيب الأقمار الصناعية وسفن الفضاء والمحطات المدارية, إذ تشير الإحصائيات الصناعية إلى أن عمليات الاحتراق تمثل (85%) من عمليات توليد الطاقة على الأرض, ووجـود الجاذبية الأرضية يسبـب فقد قدر كبير منها لتصاعد الغازات الحارة المصاحبة للاحتراق, ولذلك ستكون المحطة الدولية محلا لأبحاث تستهدف زيادة معدلات توليد الطاقة, والتقليل من أسباب تلوث البيئة بغازات الاحتراق, ويقدر العلماء أن هذه الزيادة لو تمت بنسبة 2%, فإن مردودها سيعود بما قدره 7.9 بليون دولار في السنة الواحدة. مستقبل مشرق لأولادنا سيشجع وجود المحطة الدولية على تنشئة جيل جديد يهتم بالعلم وبكل ما يتعلق بالفضاء, سيؤدي ذلك إلى وجود جيل من المدرسين والدارسين الذين ينفتحون على علوم جديدة, ولاشك أن ذلك سيؤدي إلى وجود جيل من العلماء والمهندسين والإداريين والرواد الأكفاء, الذين تقوم دراساتهم على مناهج حديثة قوامها العلوم والرياضيات والتكنولوجيا الحديثة, وهؤلاء يمكن أن يقودوا دولاب البحث العلمي في جميع مجالات العلوم وخاصة الفضاء والتكنولوجيا المتعلقة به, وسوف يجد المدرسون الفرص سانحة لهم لكي يلقنوا تلاميذهم دروسا تطبيقية تلقى عليهم من المحطة الدولية, مستندة إلى تجارب عملية فعلية تبسط لهم تفهم ما في عالم الفضاء من أسرار, وستتاح لهم فرص ثمينة لتكليف حواسبهم, إجراء تجارب داخل المحطة الدولية من بعـد, وتقـييم ما لديهم من معلومات, قياسا على نتائج هـذه التجارب. ولدى علماء وكالة (ناسا), مشروع تحت التصميم أطلقوا عليه اسم (كيدسات) (Kidsat) أي (قمر الطفل), وهو يقوم على فكرة تحكم الأطفال في مجموعة من أجهزة ( الاستشعار من بعد) الأرضية, والتي تتصل بوحدات أخرى على متن المحطة الدولية, لترسل إليهم النتائج التي يمكن لهم دراستها وتحليلها. ويأمل علماء وكالة (ناسا), في محاكاة الروس لبقاء رواد الفضاء في المحطة الدولية مددا طويلة, واستغلال أساليب جديدة لإمداد المحطة بما يلزم للإبقاء على حياتهم, من طعام وشراب ولوازم, بأسلوب إعادة تدوير الفضلات باستغلال البول وإفرازات العرق والفضلات, غير معتمدين على الإمداد من الأرض, ولذلك سيكون الاعتماد في تحقيق ذلك على جيل من العلماء والمهندسين, القادرين على تصميم وتنفيذ الأجهزة وكابينة القيادة اللازمة لتحقيق طول البقاء في الفضاء, وهذا يستلزم التمهيد لتنشئة جيل من العلماء في تخصصات مختلفة, بين طبيعية وكيماوية وبيولوجية, استعدادا لرحلات الفضاء الطويلة لاستكشاف الكواكب, ولاشك أن مجتمعات أرضية كبيرة من التي يعيش العاملون فيها داحل حيز مغلق, مثل الطائرات والغواصات والمكاتب المكيفة الهواء, سوف تستفيد من نتائج هذه التطبيقات استفادة كبيرة, كما أن بعض المرافق مثل وحدات تكرير المياه, ووحدات مكافحة التلوث, وكبائن الطائرات, يمكن أن تتطور أساليبها بناء على ما ستتمخض عنه هذه الوسائل الجديدة, والذي لاشك فيه أن بعض من يعيشون في الأماكن النائية والمعزولة عن العمران مثل الجزر, أو المنائر, أو المعسكرت البعيدة عن المدن, ستكون لديهم وسائل جديدة كذلك. وقطعا فإن بحوث الزراعة دون تربة, ستكون على رأس قائمة البحوث الجديدة, والتي ستأخذ دورا بارزا في المحطة الدولية, لتحقيق الاكتفاء الذاتي للرواد في طعامهم داخلها. الانطلاق إلى الإدارة العالمية إن عملية تجميع المحطة الدولية من عدة دول, في عصر سرعة نقل المعلومات, ستعطي لنا مقاييس عالمية, ذلك أن معطيات (طريق المعلومات السريع) ستنهال على العلماء, بسرعة الضوء, مساندة لعملية تصنيع ضخمة, الأمر الذي سيؤدي بالضرورة إلى وجود فنون إدارة عالمية, تعتمد على تدفق المعلومات من الحواسب لتحقيق الأهداف المنشودة. وبذلك ستبعث تكنولوجيا الفضاء, شرارة جديدة لإحداث ثورة إلكترونية أكثر شمولا عبر عدد من الأقمار الصناعية, والحواسب السوبر التي ستستخدم, لسرعة نقل المعلومات, وسوف تحتل شبكات معلومات جديدة مواقع على الخريطة العالمية, لنقل المعلومات التي ستتدفق من المحطة الدولية, ومحصلة هذا كله مستقبل تكنولوجي مثير للغاية. إنها- في الحقيقة - مأساة توشك أن تنفجر, فالأرض التي تقوم عليها معرّضة لخطر الغرق في أي فيضان, واحتمالات الفيضانات واردة, في كل وقت, في تلك المنطقة. إن الشوارع - إن أمكنك تمييزها - (ممهدة) بألواح الخشب والصفيح والورق المقوّى, والمنازل مقامة على أكمات من حجارة وأتربة, في محاولة لحمايتها من الفيضان, وأسقفها مائلة, مغطّاة بألواح من الحديد المضلّع, حتى لا تبقى فوقها مياه الأمطار. إنها (أبنية) تقوم, لتبقى تحت تهديد السيول والفيضانات!
وهذه ملاحظات أخيرة, سجلتها منذ زمن طويل, فور مشاهدتي لشريط آخر, لمدينة آسيوية, حديثة النشأة - هذه المرة - هي (هو هوت), التي أقامها الصينيون في براري (منغوليا). لقد كانت المساكن, في الشريط التلفازي, صغيرة ورخيصة, كبشر في حالة رثة. ولا يدل (معمار) الأبنية على استجابة لمناخ - مثلاً - بقدر ما يشي بمجتمع يكابد من أجل توفير ضروريات الحياة, فلا مظاهر للرفاهية, أي درجة من الرفاهية. حتى الأشجار, لا تبدو مثمرة! إن ضغط الكثافة السكانية في الريف الصيني قد يكون المبرر لإنشاء مبان صغيرة مكدّسة بالبشر, استغلالاً للأرض, ولكننا - هنا - أمام مدينة حديثة, قامت في الصحراء الواسعة, حيث يوجد متسع لإنشاء عمارة توفر الخدمات الأربع التي أوصى بها مؤتمر أثينا, أو بعضها, فنجد - على الأقل - فراغات كافية بين المنازل. فبم يبرر سكان (هو هوت) بناء منازلهم هكذا.... صغيرة, متقشّفة, كئيبة, لا تزيد على مجرد أربعة جدران وسقف?!
نشأت في أوربا لتعيش في تونس!
في العاشر من مارس 1999 , طيَّرت وكالات الأنباء العالمية الخبر التالي: مجموعة من الظباء, تنتمي إلى أنواع أصبحت نادرة الوجود, وكادت تنقرض, عبرت أوربا في شاحنة, ووصلت إلي مدينة (أوستيند) البلجيكية, ومنها ستستقل, غداً, الطائرة البوينج إلى جزيرة (جيربا) التونسية; وسوف تنتهى رحلتها بالمتنزَّه الوطني (سيدي توي), بجنوب تونس.
إن الخبر يعلن انتهاء مرحلة مهمة من برنامج طموح لصون وإعادة إنعاش تجمعات أعداد من الأنواع الحيوانية المدرجة بقائمة الكائنات المعرَّضة لخطر الانقراض; ويتعاون في تنفيذ هذا البرنامج 14 دولة, بدعم من بعض الهيئات الرسمية والأهلية العالمية, المهتمة بشئون البيئة والحياة البرية. والظباء الست عشرة, التي تمت تنشئتها في سبعة مراكز أبحاث, تابعة لحدائق حيوانات في ست دول أوربية, هي سلوفانيا, والتشيك, وفرنسا, وإيطاليا, وألمانيا, وبلجيكا; تشتمل على 14 ظبياً من نوع أوريكس ذي القرن السيف; وغزالين من النوع ذي القرون الأسطوانية. وقد قطع الرحلة نفسها, فيما بعد, أعداد من حيوانات أخرى تنتمي لأنواع مغايرة, مثل: المهاة, غزال كوفير, غزال داما, غزال دوركاس. والمأمول من هذه الظباء المتنوعة, ذات النشأة والطفولة الأوربية, أن تكون القاعدة الأساس لعمليات إنماء وإنعاش تجمعات كبيرة منها في مواطنها الطبيعية.
ويقول التاريخ القريب إنه, قبل ثلاثة عقود فقط من الزمن, كانت هذه الظباء تنتشر في بيئتها بصورة طبيعية, ثم دهمتها أعمال الصيد الجائر, وامتد العمران إلى أراضيها, فزاحمها البشر في موطنها, كما نافستها حيوانات الرعي في مصادر طعامها - الأعشاب - فأخذت أعدادها تتناقص, حتى أوشكت أن تنقرض.
وقد بدأ برنامج عمليات الإنماء والإكثار باستقبال هذه الحيوانات في مساحات مسيَّجة, انتظاراً لأن تبدأ في التزاوج والتوالد في ظروف مواتية, حتى يصل عددها إلى مستوى يجعل إطلاقها في موئلها الطبيعي مسألة مأمونة. وقد تمت هذه الخطوات متوافقةً مع خطة موسَّعة لتوعية السكان المحليين, بالمناطق المتاخمة لموطن الظباء, بأهمية صون هذه الثروة الحيوانية, من أجل مصلحة الجميع.
وتقول الشواهد إن البرنامج يحقق درجات من النجاح, تشير إلى إمكان الاعتماد عليه في إعادة إعمار الموائل بسكانها الأصليين من الحيوانات, القادرة على التأقلم بسرعة مع الظروف المناخية السائدة والبيئة المحيطة; وأن ذلك يمثل أداة فاعلة, تسهم في دفع خطط التنمية بالمنطقة.
هل هو - حقَّاً - قرن الدفيئة ?!
إن ارتفاع درجة حرارة الجو بمقدار درجة أو درجتين يعدُّ أمراً غير ذى بال, فهو ضئيل بحيث لا يكاد يؤثر على مظاهر الحياة البشرية; كما تتأكد ضآلته إذا كان مصدره الطبيعة نفسها, فهى لا تأتى به فجأةً, وإنما - على طريقتها - تتمهل كثيراً فى عملها, بحيث يستغرق ذلك الارتفاع الطفيف فى درجة الحرارة مئات , وربما آلاف السنين, فلا يكاد يشعر به أحد. أما نحن البشر, فإننا أسرع من الطبيعة كثيراً.. إذ نستطيع أن نحقق مثل هذا الارتفاع فى درجة حرارة الأرض فى زمن لا يتعدَّى ثلاثة أو أربعة عقود, بل إننا لنستطيع - بما نُتخم به الجو من ملوثات - أن نجعل مناخ كوكبنا المنهك تتغير درجة حرارته, بمعدَّلات تفوق المعدَّلات التى تغيَّرت بها , منذ قمَّة آخر عصر جليدى مرَّ بالأرض, عشر مرات, أو - ربما - مائة مرَّة !.
إننى أحاول - عزيزى القارئ - أن أنقل لك (روح) كتاب, انتهيت من قراءته أخيراً, وعنوانه :( العالم يسخن .. هل نحن بسبيلنا إلى قرن الدفيئة ?(; والمؤلف هو (ستيفن شنايدر), أحد علماء المناخ البارزين, وله اهتماماته الواسعة والعميقة بالسياسة البيئية, وقد كتب , فى هذين المجالين, أكثر من مائة وخمسين مقالة علمية, بالإضافة إلى العديد من الكتب, بعضها متخصص, والبعض الآخر موجَّه لعامة القرَّاء...هو - إذن - مراقب غير عادى.
ويتناول هذا الكتاب المهم أسباب التغيرات التى تطرأ على المناخ العالمى, واحتمالات أن تؤدى ظاهرة ( الدفيئة) إلى تسخين هواء الأرض بمقدار خمس درجات مئوية, فوق قياساتها الحالية, وذلك خلال زمن قليل, بالنسبة لحسابات الطبيعة, لا يزيد على قرن. ويوضح لنا المؤلف العواقب المحتملة لمثل هذا الارتفاع فى درجة حرارة هواء الأرض, ومردوده على النشاط الزراعى, ومخاوف البشر من ارتفاع مستوى سطح البحر, وتأثير الحرارة الزائدة على صحة البشر, بالإضافة إلى ما يمكن أن يطرأ على المجتمعات المستقرَّة من اضطرابات وتغيرات حادة, بسبب تبدُّل أحوال المناخ الأرضى ...
ويواجهنا الكتاب بالسؤال الذى يجب على كل من يعيش على سطح الأرض أن يتأمله ويحاول المشاركة فى إيجاد إجابة له, وهو : ماذا نحن فاعلون حيال تلك التغيرات الخطيرة فى مناخ الأرض ?. ويميل المؤلف إلى الرؤية التشاؤمية, ويسمى القرن الواحد والعشرين بقرن الدفيئة, ويورد (سيناريو), أو تصورا,ً يتنبَّأ فيه بأحداث مترتبة على ارتفاع درجة حرارة الأرض, خلال القرن الوليد, وهو شريط كئيب, تعمُّ فيه الفوضى, حيث تنتشر الكوارث الطبيعية فى أرجاء المعمورة, فيعمل التزايد السكانى الرهيب, فى جنوب شرق آسيا, مع الفيضانات المخرِّبة والأعاصير المدمِّرة, على دفع الملايين من سكان تلك المنطقة على النزوح منها, بحثاً عن ملجأ آمن فى القارة الاسترالية. ويتوقع المؤلف, فى شريطه المرعب, أن تختنق ولاية كاليفورنيا , تحت وطأة حرارة الجو, وتشبُّع الهواء بذرَّات الكربون المعلَّقة ببخار الماء والملوِّثات الغازية, أو ما يعرف باسم (سموج smog) وهى كلمة خليط من كلمتي دخان (smoke) وضباب (fog ); بالإضافة إلى نقص حاد فى الموارد المائية, وتأجج نيران حرائق الغابات. ويشتمل ذلك السيناريو المظلم على مشاهد من مدينة نيويورك, وقد لفحتها موجات من الهواء الساخن, تساقط معها الضحايا, الذين تعجز قدرات المستشفيات عن استقبالهم !. أما نصيب الجزر البريطانية من آثار تحوُّل الأرض إلى دفيئة, فيتمثل فى عواصف شتوية قاسية, وانهيار الاستحكامات الساحلية أمام موجات البحر المقتحمة لليابس, وانتشار الملاريا فى المناطق الجنوبية من انجلترا.
ويمكننا أن نبدأ قراءة هذا الكتاب من صفحة الإهداء. وقد جرت عادة المؤلفين أن يصيغوا عبارات الإهداء فى كلمات بسيطة, وقد يكتفون بذكر اسم أو أسماء المُهدى إليهم, ولكن الدكتور شنايدر أبى إلاَّ أن يجعل الإهداء جزءاً من الكتاب, واستهلالاً غير متفائل بواقع ومستقبل أحوالنا الطبيعية; فهو يهدى كتابه إلى (آدم وربيكا), وواضح أنهما إبناه, أو حفيداه, آملاً أن تكون لدى جيلهما قدراته الخاصة, التى تعينه على التعايش مع (قرن الدفيئة) , بعد أن فشل جيله هو فى منع الأسباب التى أدت إلى تلك الظاهرة !.
انتبهي أيتها الناقة!
ناقة البحر, حيوان عشبي مسالم, يُخشى عليه من الانقراض, إذ يواجه ضغوطاً معاكسة, تجعل أعداده تتناقص, في موائله الطبيعية المحدودة, في بعض المياه البحرية بالعالم. من هذه الضغوط, فقدانه (مراعيه) البحرية, بفعل التلوّث غالباً, وبطء حركته, الذي يجعله عاجزاً عن الاستجابة الصحيحة للأخطار التي تقابله, بالإضافة إلى أسلوب توالده, الذي لا يسعفه في تعويض الأفراد المفقودين, فالولادات أقل من الوفيات. وعلى أي حال, فثمة أمل في أن يسترد هذا الحيوان بعضاً من أحواله الطبيعية, نتيجة الجهود التي تهدف إلى إبعاد شبح الانقراض عنه.
وقد لاحظ العلماء المهتمون بناقة البحار أن تجمعات الناقة بمياه ولاية فلوريدا الأمريكية تتعرض لحوادث متكررة, إذ تصطدم بها الزوارق البحرية, فتصيبها إصابات قاتلة, وقد تزايدت, في الآونة الأخيرة, حركة هذه الزوارق السريعة, نتيجة لتزايد الأنشطة السياحية وأندية الرياضات البحرية, داخل نطاق الموئل الطبيعي لناقة البحر, في مياه تلك الولاية الأمريكية. وقد أثارت هذه الحوادث الرأي العام الأمريكي, حين تم الإعلان عن عدد الضحايا من النوق البحرية, التي صرعتها محرّكات القوارب الآلية السريعة, في ربع القرن الماضي, بلغ العدد تسعمائة فرد, من هذا الحيوان الذي يصارع من أجل وجوده. وأشارت أصابع الاتهام إلى النوادي الساحلية وزوارقها السريعة, فانبرى المدافعون عن السياحة والرياضات البحرية, يردون الاتهام, ويقولون إن الناقة هي السبب في تكرار وقوع هذه الحوادث المتكررة, فهي بطيئة جداً, ولا تنجح في تفادي الزوارق السريعة! واستعان أولئك المدافعون بأحد علماء اللبونيات البحرية, الذي أعلن نتائج دراسة أجراها على ناقة البحر, في أحواض التجريب, وأوضحت أن هذا الحيوان البحري الضخم الهادئ, لا يكاد يسمع ترددات محرّكات الزوارق البحرية, فهي تصله - عبر الماء - ضعيفة, فيعجز عن تمييزها. واقترح صاحب الدراسة أن تزوّد قيعان الزوارق بآلات تنبيه, تصدر أصواتاً عالية التردد, تسمعها الناقة, فتفسح الطريق للزورق المداهم!
