لم يكُف علماء البيئة عن قرع ناقوس الخطر, منبهين إلى أن أضرار البيئة لا تعرف الحدود, ومن ثم فإن مواجهتها تستلزم تضافر جهود البشرية جمعاء, وها هو تأكيد مدهش, جديد, على صحة ما ذهب إليه العلماء منذ سنين بعيدة.
(تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن) مثل قديم لكن لن نجد أبلغ منه وأصدق الآن للتعبير عن تأثر الإنسان والمرجان في منطقة الكاريبي وساحل فلوريدا سلباً بما تحمله الرياح الآتية من شمال إفريقيا.
ففي دراسة علمية حديثة تبنتها هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية أُعْلنَ أن تردي حالة الشعاب المرجانية الموجودة في البحر الكاريبي وساحل فلوريدا وانتشار الأمراض الفتاكة ببعض أنواعها, وكذلك ازدياد حالات الإصابة بالربو والأزمات الشعبية التنفسية بين أفراد المجتمع الأمريكي من قاطني الجزء الواقع على غرب المحيط الأطلنطي, يعود كل هذا في المقام الأول إلى الرياح الآتية من الصحراء الكبرى وشمال إفريقيا بما تحمله من غبار وحبوب لقاح وحبيبات تربة وميكروبات ضارة..!!
ويعمل فيروس أمجد وباسط الذي لم يحمل اسما يجعله في شهرة باقي الفيروسات الكمبيوترية من ذوي الأسماء الرنانة, حين يقوم المستخدم بتشغيل جهاز الكمبيوتر والقرص داخله, وهو ما يجعل هذا الفيروس من أقل الفيروسات التي عرفت تسببا في الضرر حيث لا يصيب بالعطل والضرر إلا القرص. ويعد هذا الفيروس (أغبى) فيروس تم اكتشافه, إذ إنه يقوم بنفسه بإبلاغ المستخدم بأن قرص الكمبيوتر قد تعطل وأصيب بفيروس وذلك بوضع إشارة (c) Brain فيقوم المستخدم بإتلافه, وذلك بخلاف الفيروسات اللاحقة, التي تنتشر وتفتك بالجهاز بسرية تامة. وقد أعلنت نتائج هذه الدراسة على أنه اكتشاف علمي مثير وغير مسبوق, تحدثت عنه معظم وسائل الإعلام والميديا في الولايات المتحدة الأمريكية, وهو ما جعله موضوع الساعة بها حالياً, حيث يستحوذ منذ إعلانه - بشكل رسمي في أواخر عام 2000 - وحتى الآن على اهتمام العامة والخاصة هناك نظراً لتداعياته وآثاره السلبية ليس فقط على حالة الشعاب المرجانية لكن أيضا على صحة الفرد الأمريكي بصفة عامة. وهذا ليس بغريب على مجتمع يهتم الفرد فيه بمعرفة أدق التفاصيل عن صحته ورشاقته بينما لا يبالي بمعرفة أبسط المعلومات عن عاصمة بلاده أو حتى عن موقعها على الخريطة! والمتابع لهذا الموضوع يُذهل من كم ومدى الاهتمام به ضمن الأوساط العلمية وغير العلمية. فقد سُخرت - منذ إعلان  هذا الاكتشاف - كل أبواق الميديا للحديث عنه.. ففي التلفزيون تسابقت معظم المحطات لعمل ريبورتاجات ولقاءات مع متخصصين وعلماء لمناقشة هذا الموضوع, وفي الجرائد والمجلات الشهيرة خصصت صفحات كاملة لذكر تفاصيله, بل وانعقدت المؤتمرات العلمية المتخصصة لها بشكل أو آخر. والحق أن نتائج هذه الدراسة (إن صحت) تعتبر مثيرة, وحدثا مهما (ربما) يستدعي فعلا كل هذا الاهتمام.
ويتحمس لهذا الاكتشاف فريق علمي برئاسة (إيوجين شين) من هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية بفلوريدا. فقد لاحظ (شين) من خلال دراسته ومتابعته لحالة الشعاب المرجانية في فلوريدا والكاريبي تزامن تدهور حالة هذه الشعاب وظهور بعض الأمراض الفتاكة بها مع زيادة كمية الغبار الآتي من شمال إفريقيا والتي تصل إلى عدة مئات الأطنان سنوياً. كانت هذه البداية, فقد ربط (شين) وزملاؤه بين الغبار ومعاناة الشعاب المرجانية في هذه المنطقة. وكانت هذه الفكرة هي الأساس في تبنيه (فرضية) تخلص إلى أن غبار شمال إفريقيا هو المحرك الأول وراء كل مصائب الشعاب المرجانية المميزة للبحر الكاريبي وساحل فلوريدا, ولاحقا أعلن أن لهذا الغبار تأثيرات ضارة أيضا في الإنسان والنبات في هذه المنطقة!
وتشير نتائج هذه الدراسة إلى أن مكونات هذا الغبار لا تقتصر على حبيبات التربة التي تُزال بفعل الرياح من الطبقة السطحية لصحراء شمال إفريقيا, وإنما تضم أيضا أنواعا من حبوب اللقاح الناقلة لأمراض الحساسية وطفيليات قاتلة وفطريات وأنواعاً أخرى من الميكروبات الضارة, هذا إضافة إلى بعض العناصر المعدنية السامة مثل الزئبق والزرنيخ وعناصر معدنية أخرى مشعة, أي فنون وألوان شتى من الأذى والضرر! وتبعاً لأحدث التقارير (يناير 2003) الصادرة عن هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية في هذا الصدد, فإن جراما واحدا من هذا الغبار يمكن أن يحتوي على ما لا يقل عن عشرة آلاف ميكروب, يمثل 30% منها أنواعا ضارة بالحيوان والإنسان. وبالرغم من أن أشعة الشمس فوق البنفسجية تقضي على معظم مكونات هذا الغبار من الميكروبات الضارة, فإن هناك جزءا يستطيع البقاء حياً بفعل درجة الحرارة المنخفضة والرطوبة العالية المميزة للمناطق الجغرافية الرطبة. وهذا الجزء هو الذي يُنسب إليه كل المشاكل البيئية التي يعانيها الإنسان والحيوان بل والنبات في هذه المنطقة. أما القوة المحركة لهذا الغبار فهي الرياح, حيث تقوم الرياح التجارية والعواصف بحمل ملايين الأطنان من هذه المكونات من حيث توجد بالشمال والوسط الغربي الإفريقي لتبدأ رحلة طويلة باتجاه الغرب تمتد لأكثر من ثلاثة آلاف ميل وتستغرق حوالي سبعة أيام قبل أن تصل إلى ملاذها الأخير حيث تستقر نصف هذه الكمية بقاع البحر الكاريبي وعلى ساحل ولاية فلوريدا, بينما يكمل النصف الآخر رحلته ليترسب في أماكن أخرى بالقارة الأمريكية الشمالية والمناطق المجاورة.
حتى الجزر العذراء
وحسب وجهة نظر (شين) وزملائه فإن لهذا الغبار بما يحتويه من ميكروبات وفيروسات وعناصر معدنية ضارة تأثيرات بالغة السوء على صحة الإنسان في المنطقة. فبالإضافة إلى أن قدوم هذا الغبار يكون مصحوباً بتكون سحابة كبيرة تغطي الغلاف الجوي وتسبب حجباً للرؤية وإضراراً بالعين ومشاكل أخرى مثل تراكم كميات كبيرة من الأتربة على أسطح المنازل والنوافذ والسيارات في المنطقة, فهي تسبب تهيجاً للأجهزة التنفسية للإنسان بما تحتويه من حبوب لقاح ومكونات أخرى لم يتضح تركيبها بعد, وهو ما ينتج عنه أمراض عديدة مثل الربو والحساسية الصدرية. وقد لوحظ أن معدل الإصابة بهذه الأمراض في جزر بربادوس وترينداد هي الأعلى في العالم رغم أن هذه الجزر تخلو من أي أنشطة صناعية يمكن أن تساهم في انتشار مثل هذه الأمراض. كما لوحظ أيضاً أن نسبة الإصابة بهذه الأمراض قد زادت 17 مرة مما كانت عليه منذ حوالي 30 عاماً وهي الفترة نفسها التي شهدت طفرة وزيادة هائلة في كميات الغبار الإفريقي القادم للمنطقة.
إضافة إلى هذا فإن هذا الغبار يحتوي على نسب مرتفعة وضارة من الزئبق. فقد اتضح أن جزيئاً واحداً حجمه 1 ميكروميتر من حبيبات هذا الغبار يحتوي على نسبة تصل إلى 2 جزء في المليون من الزئبق, وهي تفوق بذلك عدة مرات نسب وجود هذا العنصر الطبيعي بالغلاف الجوي.
وقد أرجع (شين) مصدر الزئبق إلى الأنشطة التعدينية والمناجم المفتوحة القائمة على استخراج الزئبق المنتشرة بالجزائر. وقد اكتشف فريق (شين) أيضا احتواء هذا الغبار على تركيزات عالية من معدن إشعاعي هو بريليوم 7. وقد وجد أن الجرام الواحد من هذا الغبار يُصدر ما يقرب من 45000 تحلل في الدقيقة من أشعة جاما, وهي نسبة تفوق المعدلات الإشعاعية المسموح بها بثلاث مرات. وقائمة الاتهام تشمل أيضا احتواء هذا الغبار على آثار لمبيدات حشرية محرم استخدامها ويمكن أن تؤدي - على المدى البعيد - إلى أضرار صحية غير مباشرة نتيجة تسربها لمياه الشرب أو تراكمها في خزانات المياه الجوفية الموجودة بالمنطقة.
أما آثاره السلبية وأضراره على بيئة الشعاب المرجانية في المنطقة فهي أشمل وأكثر وضوحاً. والشعاب المرجانية موئل غني يُعد من أكثر الموائل تنوعاً وإنتاجية. فهو لا يقتصر على كائن واحد فقط (المرجان), وإنما يضم كوكبة وتجمعاً هائلاً من الكائنات البحرية تصل إلى حوالي نصف مليون مخلوق بحري تقتسم المكان نفسه في انسجام مذهل! لذلك فهو من أهم الموائل على وجه الأرض, ومساهماته وفوائده للبشرية لا تقدر ولا تحصى. وللتدليل على أهميته يكفي أن نعرف أن هناك ما يقرب من 500 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم يعتمدون بصورة جزئية أو كلية على مجتمع الشعاب المرجانية هذا في حياتهم اليومية ومعيشتهم, وذلك بما يقدمه لهم من خدمات ومصادر متعددة للاسترزاق وعناصر مختلفة تهيئ وتتيح لهم استيطان المناطق الساحلية والاستقرار فيها. وهذا يعني أن أي خطر يهدد سلامة وصحة هذا الكائن الرقيق, يعني خسارة كبيرة وتداعيات خطيرة يمكن أن تقود لمشاكل وكوارث بيئية لا قبل لنا بها ولا يمكن أن نتحملها. ومن هنا كان اهتمام هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية بدراسة تأثيرات الغبار الإفريقي على المنظومة الإيكولوجية للشعاب المرجانية في فلوريدا والكاريبي, وكان هذا هو الداعي لتكليف (إيوجين شين) رئاسة الفريق البحثي المختص بهذه الدراسة.
وحسب رأي (شين) وزملائه فهناك العديد من أعضاء هذا الموئل تأثروا وتعرضوا للهلاك نتيجة أمراض يرجع السبب فيها لمحتويات ذلك الغبار من الطفيليات والميكروبات الفتاكة. وقائمة الضحايا تضم قنافذ البحر ومراوح البحر المرجانية وبعض أنواع المرجانيات الصخرية.
ففي سنة 1983 أدى انتشار طُفيل غريب - لم يُحدد مصدره في ذلك الحين - بقنفذ البحر المسمى Diadema antillarum (وهو من عائلة الجلدشوكيات) إلى هلاك ما لا يقل عن 90% من أعداده الموجودة أمام سواحل فلوريدا والكاريبي والمناطق المجاورة. وكان لهذا أثر بالغ السوء على الشعاب المرجانية في هذه المناطق, حيث إن لهذا النوع من الجلدشوكيات أهمية حيوية للمرجانيات الصخرية, تتمثل في أنه يخلصها من مضايقات الطحالب الكبيرة التي تعيق نمو المرجان وتنافسه في الغذاء والمكان, فهو يتغذى على هذه الطحالب, أي أنه يحدث نوعاً من التوازن البيئي بين هذين المخلوقين. وقد أدى فناء هذه النسبة من قنافذ البحر إلى الإخلال بهذا التوازن ما أدى إلى تسيد الطحالب الكبيرة وطغيانها على الشعاب وهو ما ساهم في انخفاض إنتاجية الأخيرة والقضاء على أعداد هائلة منها أو إعاقة نمو أعداد جديدة منها. ورغم تسربات النفط الغزيرة، التي حدثت أيام حربي العراق وإيران، والعراق والكويت، فلم يُحدِث مثل هذا التسرب آثاره المتوقعة على الشعاب؛ وهو ما يشير إلى القدرة الهائلة للشعاب المرجانية بالمنطقة على التكيف. إلا أن خطر تلوث مياه الخليج العربي بالملوثات الصناعية والنفطية والمدنية قائم في عدة مناطق، كما أن التخلص من الصرف الصحي في مياه الخليج أخذ في الازدياد. وقد دعا الشك في مسئولية الغبار عن هذا (جو بروسبيرو) - أحد أعضاء فريق شين البحثي - إلى مراجعة كميات الغبار الواردة للمنطقة خلال الـ 40 سنة الماضية. والمفاجأة أنه وجد أن المنطقة استقبلت أكبر كمية من هذا الغبار على الإطلاق في تلك السنة (1983), وأن هذه السنة نفسها سجلت أكبر معدل لتساقط هذا الغبار في المنطقة (18 ميكروجراما لكل متر مكعب). وقد أدى هذا بـ (شين) و(بروسبيرو) إلى الادعاء أن الطفيل القاتل الذي أدى إلى فناء معظم أعداد قنافذ البحر بالمنطقة كان أحد مكونات هذا الغبار, وبالتالي فهو المسئول عن الأضرار التي لحقت به وبالشعاب المرجانية الصخرية من بعده.
وفي منتصف التسعينيات من القرن الماضي انتشر وباء بأحد أنواع المرجان الرخو وهو مراوح البحر (بالتحديد النوعان المسميان بـ Gorgonia flabellum and Gorgonia ventalina) وهو أحد الأنواع المشهورة والمميزة لمنطقة الكاريبي, وقد أدى هذا إلى فناء نسبة كبيرة منه. وبدراسة هذه الظاهرة وُجد أن المسئول عن هذا المرض هو أحد أنواع فطر الأسبرجيليس وهو Aspergillus Sydowii. وهذا الفطر لا يوجد إلا ضمن حبيبات التربة حيث لا يستطيع التكاثر في مياه البحر, وهو ما يعني أن مصدره ليس البحر وإنما اليابسة. وبدراسة محتويات الغبار الإفريقي - محل الشك الدائم - تم رصد أنواع عديدة من هذا الفطر ضمن مكونات الغبار المتساقط على جزر فيرجين (شمال شرق الكاريبي), وأخيراً تم العثور على الفطر المسئول عن هلاك مراوح البحر ضمن محتويات هذا الغبار, وهو ما يعني مسئوليته عن الدمار الذي لحق بها.
ومن التهم الجديدة التي يمكن أن تضاف إلى لائحة الدعوى ضد غبار شمال إفريقيا أنه قد ساهم بشكل ما في فقد مساحات شاسعة من الشعاب المرجانية في فلوريدا والكاريبي لألوانها الزاهية وبريقها الجذاب وأحالها إلى قطع بيضاء تخلو من أي جاذبية أو حياة.. وهي ظاهرة تعرف علمياً باسم (ابيضاض الشعاب المرجانية).
وفي محاولة لإثبات علاقة غبار إفريقيا بالتدهور البيئي في منطقة الكاريبي يحاول الباحثون حالياً الحصول على عينات قديمة من الغبار الذي تساقط في فترة سابقة وذلك بغرض تحليله ومتابعة التغير في تركيباته ومحتوياته وبالتالي تحديد مدى الضرر الذي يمكن أن يكون قد سببه للكائنات الحية في المنطقة. كذلك يُزمع أخذ عينات من شعاب مرجانية قديمة بغرض تحليلها لتحديد مدى تأثرها بهذا الغبار, وهي كلها محاولات حميمة لإيجاد إجابة قاطعة وأكيدة عن سؤال محدد هو: هل غبار شمال إفريقيا مسئول عن مشاكل الإنسان والحيوان والبيئة في منطقة الكاريبي?
أما عن فضائل هذه الدراسة فهي أنها ألمحت إلى أن تزايد موجات التصحر والجفاف في إفريقيا (خاصة في حقبة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي) بالإضافة إلى تقلص مساحة بحيرة تشاد وجفاف أجزاء منها, قد ساهم في زيادة كميات الغبار الوافد إلى منطقة الكاريبي ومن ثم في كم الأضرار التي لحقت ببيئة هذه المنطقة. وهذا يعني الإشارة - ضمناً - إلى أهمية مقاومة التصحر والقضاء على الجفاف في هذه القارة وإلى ضرورة مساعدة الولايات المتحدة الأمريكية للدول المعنية في القارة الإفريقية - من خلال برامج التنمية والمساعدات والمنح - في وضع برامج مكافحة ومقاومة لهذه الظاهرة المدمرة. وليس بغريب بعد ذلك أن تطالعنا وكالات الأنباء (في 22 يناير 2003) بخبر مفاده موافقة البنك الدولي على صرف منحة قيمتها حوالي 3 ملايين دولار أمريكي لتنمية بحيرة تشاد والقضاء على خطر الجفاف الذي يهددها!!
رأي وتعليق
لم نقصد من ذكر بعض الكلمات التي جاءت هنا مثل (اتهام), (لائحة الدعوى).. الخ, إقحام السياسة في العلم أو تسييس هذا الموضوع, هذا على الرغم من إيماننا بأن العلم والتقدم العلمي هما من أهم الأدوات السياسية التي تحرص على امتلاكها الدول المتقدمة. إنما كان القصد من ذكر هذه المصطلحات إيضاح أن هناك بعض التحيز وراء هذه الدراسة, وليس بالضرورة أن يكون هذا التحيز متعمداً أو منظما بغرض تحقيق هدف سياسي معين أو إلصاق تهمة محددة بالعرب أو بإفريقيا. فمن وجهة نظرنا أن حماس الباحث واندفاعه وراء حلم تحقيق اكتشاف علمي يخلد اسمه ويمنحه شهرة تملأ الآفاق ربما أدى به لاتهام الغبار الإفريقي بكل هذه المشاكل البيئية والصحية وذلك دون سند مقنع أو دليل قوي يثبت هذه التهمة. ورأيي هذا ليس من باب التحيز أو هو وليد عاطفة ما.. وإنما هو نتاج تقييم علمي جاد لهذه الدراسة ولنتائجها وذلك بعيداً عن التعصب.. ولم تكن تلك هي الهندسة الوحيدة الممكنة, فقد طرح لوباتشفسكي عام 1828 هندسة لاإقليدية ذات أسطح منحنية مفتوحة معتمدة على منحنى القطع الزائد. ثم طرح برنارد ريمان عام 1850 هندسة لاإقليدية معتمدة على السطح الكروي المنغلق, وطورها ويليام كليفورد عام 1870 وافترض احتمال أن يكون الفضاء الكوني رباعي الأبعاد ينطوي على تشوّهات وتضاريس تشابه تضاريس سطح الأرض. فلا مجال للتعصب في العلم, ولن يضيرنا بأي حال ثبات مسئولية الغبار الإفريقي عن تدهور صحة الإنسان والحيوان في منطقة الكاريبي وجنوب فلوريدا.. فليس لنا أي يد في ذلك ولا يمكن أن نتحمل ذنباً لم نرتكبه أو نتعمد حدوثه.
أما من الناحية العلمية فمعظم الأسانيد التي اعتمد عليها (شين) وزملاؤه لا ترقى لأن تكون (أدلة) يُعتد بها, فهي على أحسن الفروض لا تخرج عن كونها (قرائن) يمكن بسهولة دحضها وإبطالها.
وفوق ذلك فإن آراءهم وتحليلاتهم العلمية ليست إلا (فرضية) ليس أكثر.. وتقول الأرقام إن كمية المبيدات المستخدمة في الزراعة تصل إلى 40 ألف طن, سنوياً, لا يؤثر منها في مقاومة الحشرات والحشائش إلا 1% فقط, ويتسرب الباقي (99%) إلى الأنظمة البيئية. إن مواجهة تلوث مياه النيل تحتاج, في المقام الأول, إلى وضوح الرؤية لدى الجميع, وعدم التهوين من حجم المشكلة, وإتاحة البيانات المتصلة بها لمن يطلبها, وذلك أمر لم يتحقق, بعد... لقد راجعنا, أثناء إعدادنا لهذا التقرير, بياناً أصدرته وزارة البيئة في مصر, عن حالة مياه النيل, في الفترة: 2000 - 2001, أعلنت فيه الوزارة (خلو) النهر من التلوث الصناعي. وبعد أن استخدم البيان كلمة (خلو), عاد فقال إن (التحسن) نتج عن التزام 34 منشأة صناعية كبرى, كانت تصرف مائة مليون متر مكعب من المخلفات الصناعية, دون معالجة, في مياه النهر, سنوياً. ثم يتضح من البيان - المنشور في موقع الوزارة على الإنترنت - أن برنامج منع الصرف الصناعي في النهر, لم ينته بعد, فهو ممتد من 1996 حتى 2008, وأن ذلك (التحسن) كان مقصوراً على مرحلة واحدة فقط من المشروع! إن جانباً كبيراً من مشكلة التلوث, بعامة, في معظم الدول الفقيرة, يكمن في توجه عام لإخفائها, وتضليل من يتقصون عنها. لقد قُيِّض لكاتب هذه السطور أن يكتشف بنفسه غياب الاعتبارات البيئية والصحية عند اختيار المبيدات والتعامل معها, فقد نشرت الصحف إعلانات عن نجاح مبيد (البايلوسيد) في القضاء على قواقع البلهارسيا, في الترع والقنوات المتصلة بالنيل, في مصر, وأكدت الإعلانات على القدرة (الانتقائية) للمبيد, فهو (ذكي), لا يصيب إلا القواقع!. وقد تزامن نشر هذه الإعلانات مع حضورنا حفل مناقشة رسالة جامعية, تناولت (التأثيرات السيتو وراثية, والتغيرات السُمِّية الجينية لمبيد البايلو سيد, في نباتي الفول والأذرة). وهذا معناه أنها لا تزال في طور البحث وتحتمل الصحة كما أنها تحتمل الخطأ, وهي على أي حال لا ترقى لأن تكون (نظرية) لها من الأدلة والبراهين ما يثبتها ويؤكدها. فمعظم الاستنتاجات التي توصل إليها (شين) اعتمدت في الأساس على مقارنة التاريخ الترسيبي للغبار الإفريقي في المنطقة بالتاريخ المرضي للإنسان والحيوان فيها, وهذا بالطبع غير كاف وغير مقنع. وباستثناء العثور على فطر Aspergillus Sydowii المهلك لمراوح البحر ضمن مكونات الغبار (في إحدى المناطق بالكاريبي).. فباقي الحجج التي ذكرت تبدو كلها ضعيفة وتخلو من الإقناع.. ويمكن بقليل من الجهد تفنيدها ومناظرتها:
فنوبات ابيضاض الشعاب المرجانية هي ظاهرة عالمية تعانيها كل بحار ومحيطات العالم الاستوائية وليس فقط البحر الكاريبي أو سواحل فلوريدا. وهناك شبه إجماع من قبل العلماء والباحثين المتخصصين على أنها إحدى تداعيات ظاهرة الاحتباس الحراري وارتفاع درجة حرارة المياه السطحية لمياه البحار والمحيطات الاستوائية وليس للغبار أي دخل أو دور بها. ومعظم الدراسات والأبحاث العاملة في هذا المجال تخلو من إشارة لدور أيّ فطر أو ميكروب أو أيّ من محتويات الغبار الإفريقي في حدوث هذه الظاهرة مثلما يعتقد (شين) وفريقه البحثي.
وينتقل الطفيل إلى دم الإنسان بواسطة أنثى بعوضة الأنوفيليس, أثناء قيامها بامتصاص دم الضحية, فيتساقط منها ما يشبه الشريط الدقيق يحمل الطفيل إلى مجرى الدم, حيث يبدأ رحلة من التشكّل والتحّور, ويشيع الفوضى والفساد أينما حلّ, فعند وصول البلازموديوم إلى الكبد, يتزايد عدده بشكل واضح, وتتبدل صورته إلى جزيئات حلقية, تهاجم خلايا الدم الحمراء وتنفذ إلى داخلها, حيث تلتهم مادة الهيموجلوبين, بينما لا تكف عن التكاثر. ولا تلبث الخلية الدموية, وقد أصبحت مجرد غلاف, أن تنجرف بعد أن تضيق بحملها, فينطلق جيل جديد من البلازموديوم إلى دم المريض. ومن فضل الله ونعمته, أن بعض الناس أوتوا القدرة على مقاومة هذا الطفيل الشرس إذا لدغتهم البعوضة الحاملة له, فهم يولدون متمتعين بقدرة كرات الدم الحمراء على التصدي للطفيل, فلا تظهر عليهم أعراض الحمى. وثمة مجموعة أخرى من البشر يكتسبون المنعة ضد الملاريا, بالتدرّج, وبعد أن يصابوا بالطفيل عدة مرات. فإذا كُتب لهم أن ينجوا منه, اكتسبت أجسامهم القدرة على مقاومته, إذا عادوا للتعرض له, وتكثر حالات (اكتساب المناعة عبر تعدد مرات الإصابة بالملاريا) في المناطق الموبوءة بالطفيل, كما في غرب كينيا... فالأطفال الذين تتكرر إصابتهم ببلازموديوم الملاريا هناك, ويفلحون في الوصول إلى مرحلة الشباب والرجولة, لا يمرضون بالملاريا بقية حياتهم. ومنذ بدأت خبرة الإنسان بهذا المرض, كانت محاولات علاجه, قبل معرفة مسبباته بوقت طويل. وجاءت أول محاولة في القرن السابع عشر, مع اكتشاف أشجار (الكينا) في أمريكا الجنوبية, وهي الأشجار التي أعطت مستخلص (الكينين) كعقار مضاد للملاريا, وفي العشرينيات من القرن العشرين, أنتجت شركات الدواء عدة مركبات من هذه المادة, شاع استخدامها لمعالجة المصابين بالمرض. واتهام ذلك الغبار بأنه مسئول عن فناء معظم أعداد قنافذ البحر لمجرد تزامن ذلك مع ترسب أكبر كمية من الغبار في هذه المنطقة هو اتهام سطحي ولا يرقى أبداً لأن يكون دليلا.. وهو وحده على أي حال غير كاف. واتهام الغبار أيضا بأن له دوراً في إصابة الإنسان ببعض أمراض الجهاز التنفسي لمجرد ارتفاع نسبة ومعدل الإصابة في محيط المناطق التي يهب عليها ذلك الغبار هو أيضا اتهام لا يخلو من سطحية وبالمثل فهو وحده لا يمكن أن يكون دليلاً يثبت هذه التهمة. ومن الممكن في أي لحظة أن تتغير هذه التهم وتدار الدفة في اتجاه آخر بعيداً عن الغبار ومحتوياته عندما يُكتشف فطر Aspergillus Sydowii - مثلا - في أي مصدر آخر غير الغبار أو عندما يُكتشف سبب آخر لأمراض الجهاز التنفسي في المنطقة.
ولا نقصد من وراء هذا الدفاع أن غبار شمال إفريقيا يهب ويترسب - مثلاً - برداً وسلاماً على منطقة الكاريبي وما حولها.. أو أنه نعمة وخير وفيض للبيئة الساحلية في هذه المنطقة, لكننا نقصد فقط إيضاح أن هناك (مغالاة) في اتهام ذلك الغبار بكل هذه المصائب. فمن مظاهر هذه المغالاة أن أحداً ما من القائمين على هذه الدراسة لم يتطرق من قريب أو بعيد للفوائد أو المساهمات الإيجابية التي يمكن أن يأتي بها ذلك الغبار للمنطقة. فلا يُعقل أن تكون كل هداياه من فئة (البلايا) أو أنه لا يجلب إلا المصائب, مؤكد أن له إيجابيات ما, لكنها على ما يبدو لم تلفت الانتباه أو ربما هي لم تكتشف بعد!.. وعلى أي حال فهناك من علماء أمريكا أنفسهم من يدعم هذا الرأي ويستبعد أن يكون لغبار شمال إفريقيا كل هذا التأثير. وأياً كان الوضع.. وسواء اتفقنا أو اختلفنا, فإن الحقيقة يوماً ما سوف تنجلي.
