وداعا للعدسات.. ومرحبا بالليزر
سري سبع العيش
كان اكتشاف الحسن بن الهيثم الطبيب الفيزيائى العربي المسلم منذ ألف عام للعدسات نصرا عظيما ونقلة نوعية كبرى في علم البصريات وتصحيح أسواء الانكسار, منذ ذلك التاريخ نحتت مئات الأشكال من العدسات وصحح البصر لملايين من الناس ولولاها لكانت الحياة قاتمة محدودة غائمة للكثيرين الذين يعانون من قصر البصر ومد البصر وحرج البصر (استجمتزم) ولولاها لما تقدم العلم, ولما اخترعت أعداد هائلة من الأجهزة التي تعتمد على العدسات كالمناظير, والمجاهر الضوئىة والإلكترونية, والتلسكوبات والمراصد الفلكية, وآلات التصوير ولولاها لما تقدم علم الفضاء, ولما ازدهر الطب التشخيصي, ولما تقدمت الجراحة الدقيقة, ولولاها لما أبدع العلماء الذين يعتمدون على النظارة إما للرؤية البعيدة أو للقراءة ورؤية الأشياء القريبة بوضوح.
تساقط العدسات والمشارط
مع تقدم الحياة وتطورها أصبح لبس النظارات عائقا أمام الكثيرين, وبخاصة عندما تكون العدسات عالية الدرجة سميكة مفرطة التقعر فتضفي تغيرا على الوجه وتشويها للمنظر, إضافة لتحدد الساحة البصرية, ورؤية الأشياء أصغر من حقيقتها وأبعد, وقد تعيق بعض الأعمال لدى الطيارين والغطاسين, ورجال المطافي, والطباخين, والممثلين, والمحاربين, والجراحين, والرياضيين, وكل الذين يعملون في ظروف رطبة يتكاثف فيها بخار الماء, وهي لاتنسجم مع جمال وجه الكثيرات من النساء اللواتي يفضلن إزاحتها عن الوجه واستبدالها بوسيلة أخرى تحسن البصر دون أن تشوه المنظر, وهنالك فئة من الناس لايستطيعون وضعها على الوجه وإركازها على الأنف والأذنين بسبب عائق شكلي في الأذنين وجسر الأنف, وقد كان اكتشاف العدسات اللاصقة وتطورها ورواجها سببا في التخلي عن النظارة من قبل الكثيرين الذين يعانون من أسواء انكسار البصر, فالعدسات اللاصقة تصحح بصر المريض دون أن تظهر سر مرضه, ومع أن العدسات اللاصقة قد تطورت وتحسنت كثيرا, فإنها بحاجة ماسة إلى الرعاية والعناية والتنظيف والتعقيم, وكثيرا ما أدى الإخلال بنظام تعقيمها وحفظها إلى اختلاطات مزعجة من الالتهابات والتقرحات, مما يتطلب استبدالها إضافة إلى احتمال انكسارها وفقدها وما يترتب عليه من إعاقة وإرباك في العمل.
في عقدي السبعينيات والثمانينيات راجت عملية قطع القرنية الشعاعي التي ابتكرها وطورها العلماء الروس لتصحيح قصر البصر. ومن الحركات الشهيرة التي يجيدها, ويكاد أن ينفرد بها حصان البحر, (التطوُّح), أو الإنثناء يمينا ثم يسارا بسرعة كبيرة, متمحوراً على ذيله, حتى أن السمكة تبدو كما لو كانت بندولاً سريعاً في حركته الترددية. وفي معظم الأوقات, يستقر حصان البحر (رأسيا) مربوطاً بذيله السوطي إلى فرع نباتي مائي, أو أي جسم ثابت أو شبه ثابت بالماء, إلاّ أنه يحلو له - من حين لآخر - أن ينطلق (مقلعا), في اتجاه هدف ما, ثم لا يلبث أن يعود لحالة (الرسو). وعندما (يقلع) الحصان, فإنه يعمد إلى الإقلال من عدد مرات فتح وإغلاق الغطاء الخيشومي, وبالتالي تقل كمية المياه التي تمر فوق الخياشيم, فتتلاشى المقاومة الناشئة من احتكاك المياه بها, مما يجعل حركة (الإقلاع) أسهل, وتبلغ من السلاسة والانسيابية إلى حد أن الحصان يبدو وكأنه محمول في مصعد غير مرئي! وقد أظهر التصوير البطيء لحصان البحر أن زعنفته الظهرية الصغيرة الشفافة هي وسيلته الرئيسية للحركة الرأسية. إن هذه الزعنفة - في حركتها السريعة - تبدو للعين المجردة وكأنها غير موجودة. ومن الحقائق التاريخية التي قد لا يعرفها كثيرون, أن حصان البحر كان (بطلا) لأول شريط سينمائي متحرك, ففي التسعينيات من القرن 19, تمكن مصور فوتوغرافي, اسمه (ماريي) من تصوير أسماك حصان البحر وهي تتحرك في أحواض العرض, بمعرض الأسماك (الأكواريوم) الملحق بمحطة أبحاث علم الحيوان, بمدينة نابولي الإيطالية. وقد استخدم ماريي آلة تصوير صممها بنفسه, ووصل بسرعتها إلى (واحد على ألفين) من الثانية, فأعانته على رصد الحركة السريعة للزعنفة الظهرية للحصان البحري. وهكذا, كانت اللقطات القصيرة التي حققها ماريي أول شريط وثائقي يتناول موضوعاً من الطبيعة, بل إن ماريي - بهذا الشريط - كان سابقاً للإخوة لوميير في إنتاج أول شرائط السينما بخمسة أعوام كاملة. وفيها تقطع على القرنية ـ بسكين ماسي مايكروني ـ حزوز نصف قطرية غير نافذة تتشعع عن منطقة مركزية في القرنية لاتنالها القطوع, فيصبح سطح القرنية أقل تحدبا وأكثر استواء, فيتصحح حسر البصر, ومع أن العديد ممن خضعوا لهذه العملية تحسنوا وصححت أسواء الانكسار البصري لديهم فإن العملية سقطت في اختبار الزمن لأنه حدث مع الزمن شطط وإفراط في التصحيح, فالذي كان يعاني قبل العملية من حسر البصر أضحى بعد العملية بسنوات مديد البصر يعاني من صعوبة المطابقة ولايستطيع الرؤية الجيدة ولا القراءة إلا بالنظارات المقربة.
لذلك كان اختراع أجهزة الليزر المصححة للبصر منذ أوائل التسعينيات فتحا طبيا بصريا رائعا, فشعاع الليزر القوي الناتج عن تسخير مزيج من غاز الأرجون والفلور والموجه بإشعاعات ذات أمواج قصيرة (فوق البنفسجية) يستطيع أن يذيب الأنسجة المعرضة لفترة من الزمن مدروسة ومحسوبة, فهو يستطيع أن يبدد ويبخر وينحت ما يشبه العدسة في القرنية وحسب ما يريده الجراح, فيصحح البصر لدى المصابين بدرجات خفيفة أو متوسطة من قصر البصر, وهو كذلك يستطيع أن يصحح الاستجمتزم المنتظم وهو اختلاف قوة الانكسار في اتجاه قطرين متعامدين في القرنية, نتيجة اختلاف في درجة تحدب القرنية على هذين الاتجاهين.
سكاكين ضوئية
لقد كان نجاح التصحيح بالليزر والمسمى PRK ـ أي تصحيح البصر بقطع القرنية الضوئي ـ مقدرا بالاستغناء الكلي عن التصحيح بالنظارات والعدسات اللاصقة قد وصل إلى 98% ولكن تتطلب العملية هذه مرور بضعة أيام قبل أن يستعيد المريض بصره, إضافة إلى ما قد يعانيه من آلام عينية نتيجة الحرق بالليزر, فالعملية هي في الحقيقة ـ حرق منظم مدروس مبدد لسطح القرنية.
أما في حالات قصر البصر العالي فلابد من إجراء جراحي إلى جانب التصحيح بالليزر, وهي العملية المسماة ليزك Lasik أي التصحيح بالليزر المرافق لعملية تحوير القرنية, وفي هذه الحالة لاتطبق أشعة الليزر على الطبقات السطحية بل على الطبقات الوسطى من السدى القرني, إذ تشطر القرنية بسكين دقيقة مايكرونية أوتوماتيكية بشكل قرص رقيق شفاف لايزيد سمكه على 160 ميكرون (مايكرون = واحد من ألف من المليمتر), يبقى عالقا على القرنية في بعض أطرافه وهنا يقلب القرص وينحى جانبا ثم تطلق أشعة الليزر المدروسة المصححة للبصر فتنحت وتبخر من القرنية ما احتسب في ذاكرة البرمجة في جهاز الليزر حسب الدرجة المراد تصحيحها من قصر البصر أو مد البصر أو الاستجمتزم, والتصحيح هذا قد لايستغرق إلا ثواني معدودات وقد يصل إلى الدقيقة أو يتجاوزها قليلا وذلك حسب قوة سوء الانكسار المراد تصحيحها, وبعد ذلك يعاد القرص ليغطي السطح الذي عولج بأشعة الليزر, فيلتئم دون خياطة, هذه العملية لاتسبب آلاما شديدة للمريض كالأولى والمريض يستعيد البصر الجيد بشكل أسرع من العملية الأولى.
لننتظر قليلاً.. ونترقب
لقد غدا التصحيح بأشعة الليزر علاجا جيدا فعالا أمينا ونصرا كبيرا للذين ابتلوا بقصر البصر العالي, ولكن أشعة الليـزر لاتزال عاجزة للآن عن تصحيح حرج البصـر غير المنتظم والذي يسمى (القرنية المخـروطية) Keratoconus, وفي هذه الحالة لابد من العدسات اللاصقة الأكسجينية أو إجراء عملية ترقيع القرنية.
وبالرغم مما حققه الليزر حتى الآن من انتصارات ونجاحات باهرة معتمدة, وبالرغم من حماس جراحي العيون وانبهار المرضي بالنـتائج المعـطاة, فإن العملية مازالت في طورالحداثة ويتطلب الأمر مرور سنوات طويلة حتى نقول إن التصحيح يقف على أرضية صلبة لاجدال فيها, وأن البصر لم يتراجع وأنه لم تطرأ اختلاطات ولا تأثيرات سلبية على العين مع مرور الزمن نتيجة تلك العملية.
ونحن إذ نقف على أبواب انتهاء القـرن العشريني وانغـلاق الألف الثاني للميلاد, نعلم جيدا أن مئات الألوف مـن المرضي الذين اسـتردوا البصر الجيد بواسطة أشعة الليزر يلوحون وهم بثقة يهتفون: وداعا للنظارات التي ابتدعت منذ ألف عام.
رحلة عجيبة في جسد الإنسان
إيهاب عبدالرحيم
مجرم محكوم عليه بالإعدام تبرع بجسده لخدمة العلم وأطباء ومصورون فنيون تآزروا جميعا وباستخدام آخر تقنيات العصر ، أمكنهم القيام برحلة هي الأحدث والأدق والعجب داخل أجسام البشر.
يتميز الجسم البشري بكونه قطعة فنية غاية في الروعة والإتقان. وبالإضافة إلى الجمال, ظل غموضه يداعب خيال جميع محبي الجنس البشري, فقام الفنانون برسم ونحت أعداد لا تحصى من الرسوم والتماثيل التي تصور الجسم البشري, كما عكف العلماء على سبر أغوار تلك الآلية السحرية التي تنظم عمله. وتعرض الجسم البشري للتصوير الفوتوغرافي والإشعاعي, كما خضع للمراقبة والتشريح.. ولكن حتى وقت قريب لم يكن قد تم ترجمة جسد فعلي ـ من دم ولحم ـ إلى بيانات إلكترونية تجعله صالحا للاستخدام كموضوع فني وكمثال طبي في الوقت نفسه.
وفي هذا المقال, سأصحبك ـ عزيزي القارئ ـ في رحلة عجيبة داخل الجسم البشري.. نبدؤها بالتعرف على مضيفنا, وهو الدكتور ألكسندر تسياراس (Tsiaras), والذي استخدم أحدث تقنيات التصوير الطبي في تحويل الصور الفوتوغرافية إلى أشكال حاسوبية يمكن النظر إليها من أي زاوية وأي عمق ـ بمعنى أنها تماثيل افتراضية (Virtual Sculptures). وسيؤدي هذا الأسلوب الجديد ـ بالإضافة إلى التقنيات والأساليب التي يعكف على تطويرها حاليا فنانون وعلماء من جميع أنحاء العالم ـ إلى تغيير الصورة التي ننظر بها إلى أنفسنا ـ والطريقة التي يعالجنا بها الأطباء ـ إلى الأبد.
الرجل المرئي والمرأة المرئية
تضم المكتبة الوطنية الأمريكية للطب في ولاية ماريلاند, أكبر مجموعة من المعارف الطبية في العالم. ولقد تزامن مع هذه الأبحاث محاولات أخرى عديدة في هذا المجال، فعلى سبيل المثال توصل العلماء الأمريكيون في معهد "ماساتشوستس" للتكنولوجيا إلى كشف قد يؤدي إلى إنتاج كبسولات مضادة للشيخوخة.‏‏ وقالوا‏:‏ إنهم تمكنوا من تحديد وسيلة للتحكم في شيخوخة خلية الخميرة، وذكروا أنهم يأملون في أن يساعدهم هذا الكشف على تطوير طريقة لتأخير الشيخوخة في الإنسان.‏ وأضاف العلماء أنه من المعلومات المعروفة لديهم أن خفض عدد السعرات الحرارية التي يحصل عليها الإنسان من الطعام يُؤخِّر زحف الشيخوخة،‏ ويقلل تدهور حالة الجسم‏، ويَحُول دون الأمراض المرتبطة بالتقدم في العمر‏، وقالوا‏:‏ إنه إذا كان من الصعب اتباع نظام غذائي يحدث هذا التأثير؛‏ فإن أبحاثهم على خلية الخميرة ستساعد على إنتاج عقاقير تؤخر زحف الشيخوخة.‏ كما توصل العلماء إلى أدلة علمية جديدة تؤكد العلاقة بين النظام الغذائي والشيخوخة؛ فقد أثبتت تجارب العلماء في جامعه "ويسكنسن" الأمريكية أن تناول الوجبات التي تحتوي على سعرات حرارية أقل يساعد على الحفاظ على الشباب ويؤخر أعراض الشيخوخة؛ لأن تخفيض كمية الغذاء يؤثر على بعض الجينات المرتبطة بظاهرة الشيخوخة.‏ وقد بحث العلماء وظيفة‏ (6347)‏ جينًا لدي مجموعتين من الفئران‏،‏ إحداهما اتبعت نظامًا غذائيًّا عاديًّا،‏ والأخرى اتبعت نظاما مخفَّفًا بنسبة‏ (24%)،‏ واكتشفوا أن الجينات المسببة للشيخوخة تميزت بشكل ملحوظ لدى المجموعة التي اتبعت نظامًا غذائيًّا عاديًّا‏،‏ بينما لم يطرأ أي تغيير على الجينات لدى المجموعة التي اتبعت نظامًا غذائيًّا مخفًّفًا‏.‏ ووصف العلماء تلك النتائج بأنها تساعد على التوصل إلى علاج لتقدم السن، وما يصاحبه من أمراض،‏ مؤكدين أن هذا الاكتشاف يساعد على إعداد عقاقير تطيل العمر‏.‏ واكتشف الباحثون الإيطاليون أن جينًا ناقصًا في الثدييات (اللبائن)، بما في ذلك الإنسان، ربما يقود إلى إطالة الحياة، وقد توصلوا إلى هذا الاكتشاف بعد إجرائهم تجارب على الفئران من خلال حقن أجسامها ببروتين معين واستنتجوا أن عمر الفئران يطول بمقدار الثلث. وتمكن فريق العلماء الذي يقوده "بيير جيوسيبي" من المعهد الأوروبي للسرطان في ميلان، من التوصل إلى تحديد آلية عمل هذا الجين. ويعتقد العلماء أن بعض الخلايا تتضرر عندما تتعرض إلى عناصر مؤكسدة مثل: بيروكسيد الهيدروجين، والأشعة فوق البنفسجية، و أن ضرر الأكسدة مرتبط ارتباطًا وثيقًا بعملية الهِرَم (الكِبر) عند الحيوانات، كما يعتقد فريق الباحثين الإيطاليين أن آلية صيانة الخلايا المعطوبة عادةً ما تبقى خاملةً بسبب البروتين (66) أس أتش سي، ويعتقد أن وجود العنصر المؤكسد يغير من الطبيعة الكيميائية لهذا البروتين بحيث يزيل موانع عمله مما يحفز آلية صيانة الخلايا على العمل. ومن المحتَمَل أن تكون معوقات عمل الجين قد أُزيلت نهائيًّا في الفئران التي تحتوي على الجين الناقص مما يفتح الطريق أمام إصلاح الخلايا. وهناك خطط لإجراء المزيد من البحوث على بروتين (66) أس أتش سي في المستقبل؛ حيث إنه لم يتضح بعد السبب وراء طول عمر الحيوانات التي لا تستطيع إنتاج بروتين بي (66) أس أتش سي، بمقدار الثلث. وقال البروفيسور "ليونارد جورينتي" من معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا في الولايات المتحدة، في تعليق له نشر بمجلة نيتشر (الطبيعة): "إن هذا الاكتشاف إذا لم يكن ينبوع الشباب فإنه أكثر من بصيص أمل، وإن العديدين من العلماء يرغبون في معرفة المزيد عن ماهية الجينات التي تسيطر على طول أو قصر الحياة؛ لأن ذلك قد يفتح طرقًا جديدةً لمعالجة خلايا السرطان التي تقاوم الموت". وبالرغم من أن التجارب المختبرية ما تزال تُجرَى على الفئران أولاً، فإنه من الواضح الآن أن الأمر يتضمن العديد من العمليات، وأن احتمال قدرة الإنسان على إطالة حياته لا تزال بعيدة التحقيق. ويرى البروفيسور "جورانتي" أن هناك حاجةً لمزيد من الأبحاث المتواصلة لمدة عشر سنوات أخرى قبل أن يتمكن العلماء من اكتشاف عقار مناسب. لكن المسئولين فيها اكتشفوا في عام 1988 أن المكتبة على ضخامتها تفتقر إلى أداة مرجعية رئيسية: نموذج حاسوبي للجسم البشري. وبرغم توافر عدد من البرامج الحاسوبية التي تعلم طلاب الطب تشريح الأجزاء المختلفة للجسم ـ الركبة, والمخ, والكلية على سبيل المثال ـ فإن أحدها لا يوفر (جثة) افتراضية كاملة. وهكذا ولد مشروع الإنسان المرئي Visible Human Project.
وخلال الأشهر القليلة التالية, تنافست مائة من كليات الطب الأمريكية على الفوز بالمنحة المخصصة لبناء هذا النموذج الحاسوبي الجديد. وقد أسندت إلى الكليات الثلاث التي وصلت إلى التصفيات النهائية, مهمة تصوير بطن خنزير غيني (Guinea pig). وذلك لتحديد الكلية الفائزة بالمنحة في نهاية المطاف, وقد كانت الصور الفائزة من إنتاج كل من فيكتور سبيتزر وديفيد ويتلوك, وهما أستاذان في قسم البيولوجيا الخلوية والبنيوية بجامعة كولورادو, وبذلك حصلا على المنحة التي تبلغ 1.4 مليون دولار في عام 1989, وكانت الفترة التقديرية للانتهاء من العمل هي نحو خمس سنوات.كان أول متطلبات العمل هو الحصول على جسم بشري, وفي واقع الأمر, كان المشروع بحاجة الى أجساد ثلاثة رجال وثلاث نساء, بحيث تقوم لجنة متخصصة باختيار أفضل الممثلين عن كل من الجنسين, بحيث تكون الأجساد المعروضة على اللجنة لرجال ونساء أصحاء بين الحادية والعشرين والستين من العمر, إضافة إلى أن الطول المطلوب هو أقل من ستة أقدام, حتى يمكن الاستفادة من أجهزة المسح (التفريس Scanning) المقطعية في تصوير الجسم إلى الحد الأقصى.
كانت المعضلة تتمثل في الحصول على جثة (طبيعية), والمشكلة هنا في أن الجثة لو ظلت طبيعية لما مات صاحبها!, كما أن أجساد ضحايا الحوادث تتعرض للتلف الجسيم, وأجساد مدمني المخدرات الذين يتوفون نتيجة لجرعة زائدة من المخدر لسوء التغذية, أما قلوب من يتوفون بفعل النوبات القلبية فتكون شديدة الاعتلال.. وإذا حدث أن توفي أحد الأشخاص وهو يتمتع بصحة أقرب ما تكون إلى الطبيعة, فهناك نحو 50.000 أمريكي يعانون من فشل مزمن في أحد الأعضاء القابلة للزرع ـ وهم في انتظار تلك الأعضاء على أحر من الجمر!
وقد حلت المشكلة من تلقاء نفسها في نهاية المطاف, فنتيجة لدعوة أحد رجال الدين العاملين في سجون ولاية تكساس, تبرع العديد من المحكوم عليهم بالإعدام في الولاية, والذين ينتظرون تنفيذ أحكام الإعدام, بأجسادهم لخدمة العلم.. كان أولئك المحكومون صغار السن وأصحاء, ونظرا لأن قوانين تلك الولاية توجب تنفيذ حكم الإعدام بالحقن بمادة سامة, لا تصلح أجساد المحكوم عليهم بالإعدام لعمليات زراعة الأعضاء. أما قائدات الطائرات فإن منهن (عائشة قمو) وهي من مدينة زليتن, وقد قامت بقيادة رحلة الطائرة التي أوصلت الحجاج الليبيين إلى الأراضي المقدسة في العام 2000. وتضم ليبيا إلى جانب ذلك المئات من المحاميات والطبيبات والمهندسات والإعلاميات, لكن بها أيضا عشرات الفتيات اللواتي يقمن بأشق المهام العسكرية ومنها القفز بالمظلات, وبينهن أيضا من وصلن إلى الرتب العالية في سلك الجيش وقوات الأمن الداخلي, ومن أصبحن ضابطات مقاتلات في أسلحة الصواريخ والمدفعية. وحين كنا في ليبيا, كانت هناك تجربة جديدة تخوضها المرأة هي ما أطلق عليه بـ (المديرات المساعدات) حيث لكل أمين عام (مدير عام) في أي مصلحة حكومية خدمية (نائبة), وفي نظام الشعبيات أو الحكم الشعبي الذي تعتمده ليبيا فإن أمين اللجنة الشعبية العامة في الجماهيرية سيدة, وكذلك أمين اللجنة العامة للثقافة والإعلام (وزيرة) وكانت تشغل حقيبتها حتى وقت قريب السيدة (فوزية الشلابي), وهناك أيضا منصب أمين اللجنة الشعبية للتعليم لمؤتمر الشعب العام (فاطمة عبدالحفيظ), إضافة إلى ذلك فإن هناك سيدة هي (سالمين العريبي) تقلدت منصب مساعد الأمين العام لمؤتمر الشعب العام (ما يعادل نائب رئيس البرلمان) وهناك أيضا سيدة أخرى (د.سلمى عبدالجبار) وهي تشغل منصب الأمين المساعد لمؤتمر الشعب العام للشئون الاجتماعية حاليا. محاولة للفهم وتجربة الجماهيرية الفريدة حتى الآن تستحق الغوص فيها لمحاولة الفهم, بعد أن ظل الأمر عصياً تماما, وقد كانت المسميات العديدة التي لم نكن نفهم ما تعنيه تقف عائقا أمام أي محاولة للمعرفة, ولكن ذهابنا إلى ليبيا, ثم تنقلنا بين مدنها العديدة وقطعنا لأعداد لا تحصى من الكيلومترات في أراضيها الشاسعة من كل الاتجاهات, حرضنا على السعي لاستيعاب ما يجري, خصوصا. أن الجميع يتحدثون باللغة نفسها, وهم, ومعظمهم من المسئولين, يرددون كلاما شديد الحماس عن التجربة, ولكن أياً كان رأي الآخرين فيها, فإنها تجربة ظلت تحكم بلدا منذ العام 1977 حتى الآن, ومهما كانت نتائجها: إنجازاتها أو إخفاقاتها, فإنه يجب أن تفهم (ولا نقصد هنا التقييم). فمنذ وصولنا إلى مطار طرابلس الدولي, كانت الشعارات المكتوبة فوق لافتات خضراء اللون تشير إلى أن (السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب), وإنه (لا ديمقراطية من دون مؤتمرات شعبية), وحين انتهت الإجراءات البسيطة في المطار والتي تسير بمرونة لافتة, خرجنا وعلى طول الطريق الذي امتد حتى وصل بنا إلى (الفندق الكبير) في العاصمة, كانت اللافتات الثابتة تحمل عبارات لاحظنا تكرارها في معظم الأماكن التي زرناها بعد ذلك: (الفاتح أبداً), (اللجان في كل مكان), و(الحدود أكذوبة استعمارية), ثم (شريعة المجتمع: الدين أو العرف). كنت حريصا على كتابة ما يمكن التقاطه من بعض تلك الشعارات في مفكرة صغيرة عادة ما تكون رفيقة السفر, لكن المقابلات الصحفية واللقاءات التي جمعتنا مع مسئولين وأدباء وفنانين وإعلاميين والتي ظلت تتردد فيها بعض تلك الشعارات, طالت أيضا الحديث عن هذه التجربة التي تطبقها ليبيا منفردة, ومازالت على حماسها في تطبيقها ورغم مرور ما يتجاوز ربع القرن عليها فإن التغريد الليبي لا يزال وحيداً في الفضاء المترامي. يمتد سيرنا فتتمدد أمامنا اللافتات, حتى إنه يندر أن يكون هناك طريق رئيسي يشق هذه الدولة مترامية الأنحاء دون تنويعات جديدة لعبارات مأخوذة من (الكتاب الآخر) أو أقوال العقيد القذافي وكل عبارة مكتوبة دائما على أرضية خضراء: (الجهل ينتهي عندما تظهر الحقيقة) من الفصل الثالث للكتاب الأخضر, ومنه أيضا (الخمر والمخدرات هي أسلحة دمار شامل, فالحشيش من الأسلحة الجرثومية والكيماوية والقنبلة الذرية, والذي يتعاطاه كأنه أخذ سلاحا من العدو وفجره وسط بلده), ثم (الأرض ليست ملكا لأحد), (والاجراء نوع من أنواع العبيد) وليس آخراً (الديمقراطية هي الحكم الشعبي وليست التعبير الشعبي). كان المرشح المثالي رجلا يدعى جوزيف جيرنيجان (Jernigan), وقد اختلفت الآراء حول دافعه من التبرع بجسده للعلم, فمن قائل لأنه (أراد أن يفعل شيئا نافعا)إلى القول بأن أسرته لم تكن راغبة في دفع تكاليف دفنه, وفي جميع الأحوال, لم يكن جيرنيجان على علم ـ بطبيعة الحال ـ بأن جسده سيتحول إلى كتاب دراسي طبي.
أما المصاعب التي اكتنفت بداية المشروع, فتمثلت في وجوب الحصول على الجثة بعد الوفاة بوقت قصير, ثم القيام بتصوير كامل الجسم بالأشعة المقطعية قبل تجميد الجثة, وذلك لأن التجميد يغير بصورة كبيرة من معالم الجسم البشري. بدأ فريق العمل المكون من خمسة عشر فردا في تجربة ملء شرايين جثث التجارب بمحلول أحمر, وأوردتها بمحلول أزرق اللون, بحيث تظهر في الصور المقطعية, لكن السوائل المستخدمة تسربت من الأوعية الدموية المهترئة. وكان تخزين الجثة يمثل مشكلة أخرى, كان مجمد الجثث النقال الذي تم شراؤه من كتالوج إحدى شركات تجهيز ودفن الموتى لا يكفى إلا لجثتين فقط, فاضطر رئيس الفريق لشراء خزانة لتجميد اللحوم من سوق مجاور, ثم قام بتفكيكها وإعادة تركيبها في المختبر, انتظارا لوصول ضيوفها من الجثث.
ووقتئذ سيكون اتساع المحطة كافيا لمعيشة ستة أشخاص من الرواد أو العلماء. ساحة المستقبل لاشك أن هذا التعاون الفضائي الدولي ستكون له نتائج كثيرة, لأن محصلة أفكار علماء ثلاث عشرة دولة, في هذا المجال الحيوي أمر لم يسبق حدوثه, وهناك آمال عريضة سبق للأمريكيين عقدها, عندما كانوا يأملون في تنفيذ مشروع المستعمرة الحرية, وقد حانت الفرصة لهم لكي يحققوها بل ويطوروها في المحطة الدولية. وهناك كثير من مجالات البحث العلمي التي يرغب العلماء في تمحيصها, والتدقيق في أمورها, وخاصة تلك المتعلقة بالأمراض والأدوية والتلوث, أملا في القضاء على كثير من الأمراض التي تحصد ملايين من البشر كل عـام, وفي تصنيع أدوية أكثر فاعلية للتغلب على هـذه الأمراض, والتخفيف من آثار التلـوث الذي أصبـح قضيةبالغـة التعقـيـد, وبين أيدي العلماء بدايات تجـارب سبـق إجـراؤها في الفضاء أعطت نتـائجها كثيرا من الأمل في الوصول إلى حلول لكل هذه الأمور, ذلك أن ساحة الفضـاء خالية من المعوقات وعوامل القصـور الموجودة على الأرض, كما أن خاصية انعـدام الوزن السائدة في الفضاء, تعـتبر وسطا مثاليا, لاستكمال هذه التجارب, والتوسع فيها, ومازالت هذه الآمال تحوم حول: 1 ـ الأبحاث البيولوجية والطبية: فقد ثبت أن تركيب الأدوية, حقق التجانس في جزيئاتها والانتظام في أحجام هذه الجزيئات, فضلا عن كبر حجمها, كل هذه الأمور يمكن أن تعتبر مزايا تجعل الدواء يعجل بالشفاء, يساند هذا أيضا أن الفضاء خال من أسباب التلوث الموجودة على الأرض, وهو أمر لازم بالنسبة للدواء أكثر من أي شيء آخر. وفي الفضاء يسهل فصل المركبات الكيماوية المعقدة عن بعضها, وهو ما استغله علماء (الاقربازي) في فصل الهرمونات والخلايا الحية عن بعضها بسهولة, ولذلك تتعلق آمال البيولوجيين بمواصلة البحث عن هرمونات تقاوم الشيخوخة, وفاكسينات تقهر الإنفلونزا, وأدوية تقضي على الطفيليات وعقاقير توقف النمو السرطاني, وخلاصات طبية تعوض نقص إفرازات البنكرياس التي تسبب الإصابة بمرض السكر ومضاعفاته, وأخرى تقوي المناعة. وتقوم هذه الآمال على بحوث سابقـة, فقد تم خلال رحلة فضـائية في عام 1975, تصنـيع بللورات دوائية خالية من الشوائب, وفصل هرمونات بشرية تفرزها الكلية البشرية في الدم, وكان يصعب إجراء هذه العمليات على الأرض. كما أنه في عام 1988, تم إجراء تجربة كيماوية في إحدى رحلات المكوك, أسفرت عن إعطاء حبيبات كروية متجانسة متناهية في الصغر, وكان يمكن وضع ثمانية عشر ألف حبة منها فوق رأس دبوس, وهي خواص مثالية لتصنيع دواء ذي فاعلية كبيرة في التغلب على أمراض مستعصية نظرا لتجانس مكوناته. ومازالت هناك حلقات مفقودة في الأبحاث الطبية, تحتاج إلى مزيد من التدقيق لتحقيق بقاء رواد الفضاء مددا طويلة به, ذلك أن القدرات البشرية على تحمل ظروف الفضاء, مازالت تمثل عنق الزجاجة أمام طول الرحلات, استعدادا لاستعمار القمر والسفر إلى الكواكب, ومن أهم هذه الحلقات الدراسات الخاصة بالمؤثرات النفسية والعصبية على الرواد, والدراسات الخاصة بهشاشة العظام وسرعة ترسيب المعادن والكالسيوم بها. 2 ـ أبحاث المواد الجديدة: سيواصل العلماء في المحطة الدولية, تخليق مواد جديدة, أو سبائك لها خواص مميزة, للتغلب على كثير من مستلزمات الصناعة, فقد سبق تصنيع مواد لأنصاف الموصلات (Semi Conductors), وأشباه الجوامد, التي تستخدم في الصناعات الإلكترونية, حيث يلزم أن تكون على درجة عالية من النقاء, وهناك مواد جديدة تم تخليقها بالفعل مثل (الجاليوم, والارسنايد, والانديوم), ولكنها مازالت تستغل بحذر, وتحت نطاق من السرية, ويتوقع العلماء معالجات جديدة لها, في المحطة الدولية, لإدخالها في صناعات مستحدثة. عندما حانت لحظة تنفيذ الإعدام في جيرنيجان ـ وهو المتطوع الثالث ـ قررت أسرته أن تبقى بضع ساعات مع جثته بعد تنفيذ الحكم, وبعدها تم شحن الجثة جوا من تكساس إلى كولورادو, فوصلت إلى المختبر في أقل من ثماني ساعات. كان طول الرجل خمسة أقدام و11 بوصة, ويزن 199 رطلا, لذا فقد انحشر جسده بصعوبة داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي (Magnetic Resonance Imaging), ولذلك لم يظهر مرفقاه في الصور. تم إرسال الصور المقطعية لجثث الرجال الثلاثة إلى المكتبة لاختيار أنسبها, وعلى الرغم من أن جثته كانت تنقصها إحدى الأسنان, وإحدى الخصيتين, بالإضافة إلى الزائدة الدودية, فقد تم اختيار جثة جيرنيجان لتكون النموذج الرقمي (Digital model) لجميع الرجال.
وعند هذه المرحلة, يبدأ الجزء الأصعب من رحلتنا, فقد كان من الضروري تقطيع الجثة إلى أجزاء, ثم تشريحها إلى شرائح رقيقة مستوية حتى يمكن تصويرها في صورة قطاعات عرضية. وحتى يمكن المحافظة على الجثة في نفس الوضع طوال عملية التشريح والتصوير, لجأ الفريق إلى تغطية كامل الجثة بأنبوب مطاطي ثم تثبيته بمسامير سائلة تم شراؤها من متجر قريب. وحتى يمكن تقطيع الجثة في صورة شرائح مستوية, جمدت الأنسجة لتصبح في مثل صلابة العظام ـ عند 94 فهرنهايت ـ لمدة يومين كاملين. وبمجرد تقسيم الجثة إلى أربعة أجزاء, تم وضعها في كتل من الجيلاتين صبغت باللون الازرق باستخدام أحد الأصباغ المستخدمة في صناعة الأغذية, كما مُلئت تجاويف الجسم باللاتكس الأزرق من أجل المحافظة على شكلها الأصلي, وفي نهاية الأمر  بدأت عملية تقطيع الجثة إلى شرائح في فبراير 1994.
بدأ العمل على أقل أجزاء الجسم أهمية ـ وهي القوالب التي تحتوي على القدمين, وذلك حتى يكتسب أفراد الفريق الخبرة الكافية. ويبدو جانسين غريباً بين زملائه بالمختبر, فبينما تنصب اهتماماتهم في الخرسانة والحجارة والحديد, ينفرد هو بدراسة خواص (البامبو) كمادة إنشائية. وقد انتهت أبحاث جانسين حول أقصاب البامبو إلى نتائج مشجعة, غير أن أهم نتيجة, كما يقول, هي أنه تحول إلى عاشق لهذه الأقصاب. ولا يملُّ جانسين, الذي قضى قرابة نصف القرن يدرس خواص البامبو, من الحديث عنه, ليس فقط بدافع من حماسه الشديد لمادة بناء جديدة, ولكن لأنه - أيضاً - لا يفوت أي فرصة تتهيأ له لينقل للآخرين بعض حماسه.. إنه يعرض على ضيوفه بالمختبر قطعة من قصبة بامبو, ويأخذ في التغزل بجمالها الذي يراه في القوام الرشيق متكامل النسب, والقشرة الصفراء الصقيلة, التي لا تحتاج إلى طلاءات كيميائية, فالبامبو مادة من الطبيعة, مكتفية بذاتها, لا تحتاج لأي إضافات تفسد صفاتها المتوافقة تماماً مع البيئة الطبيعية. وإذا زرت جانسين في مختبره, يمكنك أن تشهد بنفسك تجربة لقياس جهد التحميل, يجريها الرجل على قطعة من البامبو, لتري العداد يشير إلى أن البامبو يمكنه أن يتحمل قوة ضاغطة تصل إلى 78 نيوتن على الملليمتر المربع. ويقرِّب جانسين قوة تحمل البامبو, لمن لا صلة لهم بأجهزة ووحدات القياس, فيقول إن قصبة مستقيمة من البامبو, بمساحة سطح عشرة سنتيمترات مربعة, يمكنها أن تتحمل ثقل فيل وزنه 11 ألف رطل! والمعروف في عالم البناء والتشييد, أن لكل مادة بناء (كودا), أو رقما اصطلاحيا, يعرفه خبراء الإنشاءات والمقاولون, يترجم خواص المادة ومدى صلاحيتها للاستخدام في مختلف أغراض البناء. وكان جانسين حريصاً, منذ بدأت علاقته بالبامبو, على أن يدخله في قائمة مواد البناء المتعارف عليها عالمياً, فيكون له (كوده) الخاص, فيطمئن إليه المهندسون والمقاولون, ويقبلون على استخدامه كمادة إنشائية, فيتحقق له الانتشار, ومن دون هذا الكود, يظل البامبو مجهولاً, بل ينظر إليه كمادة محظور استخدامها في إقامة البنايات, ويتعرض من يستخدمه للمساءلة القانونية. وباستخدام منشار كهربائي دائري مثبت في سقف الغرفة, وجهاز يسمى الكريوماكروتوم Cryomacrotome, (في اللاتينية بمعنى جهاز تقطيع الشرائح الكبيرة), عكف اثنان من أفراد الفريق على تقطيع شرائح بسمك ملليمتر واحد من القالب, كما قاما بفحص الشرائح بحثا عن الأنسجة التي لم يتم تقطيعها بصورة شرائح ملساء, ثم نثر الكحول بين كل قطاع عرضي والذي يليه, ولصق علامات لتحديد الألوان خوفا من تغير اللون عند تحميض الأفلام, وأخيرا التقاط الصور باستخدام ثلاثة أجهزة تصوير. وبعد تقطيع كل شريحة, كان المساعدان يقومان بتجميد الكتلة مرة أخرى باستخدام الثلج الجاف. كانت الفترة الزمنية التي تفصل بين تقطيع كل من الشرائح تتراوح بين أربع وعشر دقائق, كما كان أعضاء الفريق يعملون في نوبات متتالية لمدة 12 ساعة يوميا.
كان حجم العمل هائلا, لذلك كانت هناك مشكلات يومية تتمثل في تعطل الأجهزة المستخدمة عن العمل, المنشار, والحاسوب, وأجهزة التصوير. وعندما وصل أفراد الفريق إلى الرأس, كان الصيف قد حل, ولما كان المختبر غير مجهز بالمكيفات, فقد كانت الكتلة التي يعمل عليها الفريق تذوب سريعاً, لذا اقتصر العمل على ست ساعات يوميا, وفي نهاية الأمر استغرق العمل نحو تسعة أشهر لالتقاط الصور المطـلوبة لجميع الشرائح البالغ عددها 1878 شريحة.
احتلت البيانات الخام ـ أي الصور الفوتوغرافية, والصور المقطعية, وصور الرنين المغناطيسي ـ نحو 15 جيجا بايت من الذاكرة الحاسوبية. وعندما بدأ مشروع الإنسان المرئي, كانت هذه البيانات كافية لملء نحو15.000 قرص مرن (Floppy discs), أما اليوم, فهي كافية لملء 23 قرصا مكتنزا للقراءة فقط (CD-ROM). وبحلول نوفمبر من عام 1994, بدأ ظهور جيرنيجان على شبكة الإنترنت. ويستغرق الأمر أسبوعين لتحميل البيانات من الإنترنت, كما تقدم أكثر من 700 شخص وهيئة علمية بطلبات للاستخدام المجاني لتلك البيانات, وتباينت الأغراض التي ستستخدم فيها بين تصميم الخوذات الواقية من الصدمات, إلى تصميم العمليات الجراحية, أما أغلبها فسيستخدم في تخليق صور للجسم البشري. واستغرق العمل 18 شهرا لمعالجة المعطيات الحاسوبية وتحويلها إلى الصور التي نرى بعضها على صفحات هذا المقال, إذ كان من الضروري تكديس (Stacking) الصور الثنائية الأبعاد المأخوذة للشرائح فوق بعضها البعض, وذلك حتى يتمكن الرائي من الحصول على صور ثلاثية الأبعاد لأي قطاع من الجسم, وفي أي اتجاه, ويعد هذا مفيدا بصورة خاصة لطلاب الطب الذين سيتمكنون من (تشريح) جثة لرجل صحيح البدن, في أي وقت وفي جميع الاتجاهات, ثم البدء مجددا من أي نقطة شاءوا, وباختصار.. يتيح لنا البرنامج النهائي استكشاف جسد بشري حقيقي.عندما تم الانتهاء من مشروع الرجل المرئي, بدأ أعضاء الفريق مشروع المرأة المرئية, وهي امرأة في التاسعة والخمسين توفيت في سبتمبر 1993 نتيجة لإصابتها بأزمة قلبية لم تؤثر على الشكل العام للجسم, وتمكن الفريق من تشريح جسدها إلى عدد يبلغ نحو ثلاثة أضعاف العدد الذي حصلوا عليه من جيرنيجان, أي 5189 شريحة. ويأمل رئيس الفريق ـ الدكتور سبيتزر ـ في أن يأتي اليوم الذي يتمكن فيه الأطباء بفضل هذا الإنجاز من فحص (مرضى افتراضيين) (Virtual patients) من أي عمر, أو جنس, أو عرق, أو نمط جسدي.
أسرار التشريح
كان الفن يسبق العلم في عصر النهضة, فالسلطات الدينية كانت تتغاضى عن تشريح الجثث, مشيرة إلى أن التصميم الذكي للجنس البشري (corpus humanum) يعد دليلا عمليا على عظمة الله تعالى ـ وتذكيرا واضحا بسرعة زوال الحياة.
أجرى ليوناردو دافنشي دراسات على العظام, والعضلات, والعيون في المستشفيات الملحقة بالأديرة, وذلك لاقتناعه بأن المرء لكي يرسم الجسم البشري, عليه أن يتعرف على ما يخفيه الجلد عن العيان. وسرعان ما تبعه الأطباء في اهتمامه بالتشريح, فقد نشر أندرياس فيزاليوس (Vesalius) وهو جراح عسكري, ومدرس وطبيب لأمراء أوربا, كتابه الكلاسيكي المكون من سبعة أجزاء بعنوان (عن صناعة الجسم البشري) (De humani corporis fabrica), وذلك وهو في التاسعة والعشرين من عمره. كانت لوحاته الملونة, والتي كانت تمثل طبقات متتالية لتشريح الجسم, مثل الشرائح الشفافة التي نراها في الموسوعات المصورة اليوم, مبنية على عمليات التشريح العلنية ودروس التشريح التي كان يلقيها في بادوا. وفي مرات قليلة خلال اشهر الشتاء الباردة, كان النبلاء والقساوسة والمارة يتجمعون في بولونيا ليشاهدوا عمليات التشريح التي كان يقوم بها في مدرج مضاء بالمشاعل. كما توافد الناس على كلية الطب بباريس ليشاهدوا عمليات التشريح, وكانت السيدات يحملن باقات الزهور وسلال البرتقال لكي يتمكّن من احتمال الرائحة الكريهة المنبعثة من الجثث. وظهرت سوق سوداء للاتجار في جثث الغرباء, والمشردين, والفقراء, كما كان طلبة الطب يسرقون الجثث من القبور, وحتى من المواكب الجنائزية.
وعندما بدأ عصر التنوير, ساد تطبيق (الطريقة العلمية). كان المشرحون يحفظون جثثهم بغمرها في النبيذ أو بصب الشمع السائل عليها, ولذلك تمكنوا من دراسة أعضاء الجسم المنفردة, وكذلك الشبكات المنتشرة في جميع أجزاء الجسم, مثل الجهاز العصبي والجهاز التناسي.
وفي عام 1677 كان العالم الهولندي أنطون فان ليفنهوك (Van Leeuwenhoek) هو أول من رأى الحيوانات المنوية عبر المجهر الذي صنعه بنفسه, غير أن هناك من علماء عصره من ادعى رؤية إنسان مصغر لدى الفحص المجهري الدقيق لعينة من السائل المنوي!.
وبحلول عام 1845 تمكن ألفريد دون (Donne) من إنجاز صور دغرية (Daguerrotypes: طريقة قديمة للتصوير الفوتوغرافي على ألواح فضية), لعينات من الأنسجة حسبما ترى من خلال المجهر ـ ومن خلال لوحات الحفر التي كان يرسمها بنفسه, كان يُري الآخرين أشكال خلايا الجسم المختلفة. وأتاح التصوير الفوتوغرافي, وهو أحدث تقنيات التصوير المتاحة وقتئذ, فرصة تسجيل الصور باستخدام الضوء بدلا من الاعتماد على العين واليد البشرية المدربة, وهكذا تمكن العلماء من تصوير شبكية العين (1865), وداخل المعدة باستخدام منظار جوف البطن (Endoscope) في عام 1898.
وفي عام 1895, اكتشف العالم الألماني فلهلم كونراد رونتجن (Roentgen) شعاعا من الطاقة ذا طول موجي أقصر من الضوء, والذي يمكنه اختراق أنسجة الجسم ومن ثم الاحتفاظ به على فيلم. ومع بداية القرن العشرين, كانت (أشعة إكس) تستخدم في تشخيص الكسور ـ وفي دعاوى سوء التصرف المهني ضد الأطباء والجراحين.
لم يكن بوسع أحد أن يفكر بإمكان تصوير أنسجة الجسم الحية قبل حلول العصر الحديث. وقد بدأ عصر الأشعة المقطعية المحوسبة (CAT-Scanning) في عام 1973, وهي تقنية تعتمد على استخدام صور الأشعة السينية المأخوذة من زوايا مختلفة, ثم يقوم حاسوب بمعالجتها بحيث يمكن رؤيتها كصورة واحدة, فأتاحت للأطباء فرصة تحديد مواضع الأورام أو الأنسجة الميتة في الدماغ نتيجة للسكتات المخية (Strokes). وبعد ذلك اكتشف الأطباء أنه عند حقن الماء المشع في مجرى الدم, يمكن باستخدام آلات تصوير معينة التقاط صور للعمليات الاستقلابية (Metabolic) المختلفة الدائرة في الدماغ, وهي تقنية تعرف بالتصوير المقطعي بانبعاث البوزيترونات (PET), مما مكننا من اقتفاء الأنشطة العصبية في الدماغ ـ فأصبح بوسعنا تحديد تلك المناطق الدماغية التي تتحكم في عمليات الحديث أو الحركة أو الإحساس.وفي الثمانينيات, شاع استخدام تقنية التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI), وذلك لأنها لا تشتمل على استخدام مواد مشعة قد تضر بالجسم.
أما اليوم, فنحن نستخدم مزيجا من جميع تقنيات التصوير المتاحة ـ بداية من صور المجهر الألكتروني, إلى تصوير الجينات ـ من أجل أن نرى, وأن نعرف, ومن ثم أن نعالج أنفسنا بطرق لم يكن بالإمكان تخيلها منذ قرن واحد من الزمان.
جاك إيف كوستو
سعيد شيمي
ورحل عاشق الأعماق
كعادتي في الصباح, أصنع قهوتي وأجلس أمام شاشة التلفزيون, وتنقل لي الأقمار الصناعية الأخبار الجديدة, وهي دائما مؤلمة, خاصة مع الطقس الحار, وفي السابع والعشرين من شهر يونية حملت الأخبار نبأ مؤلما لي بشكل خاص هو وفاة رائد الأعماق الفرنسي العالمي (جاك إيف كوستو) عن عمر يناهز 87 عاماً حيث ولد عام 1910.
أحببت الأعماق والعالم التحت مائي من خلال أفلامه وكتبه وبرامجه.
فمنذ سنوات عديدة, عندما كنت هاوياً أبحث عن المعرفة وأحب مشاهدة الأفلام الثقافية والتسجيلية في المحافل المختلفة, شاهدت في صالة (جمعية الفيلم بالقاهرة) الفيلم الذي صنعه كوستو باسم (عالم الصمت)   Le Monde du Silence وكان هذا الفيلم سبب انبهاري وحبي المتزايد للعالم الغريب المثير الغامض للأعماق, وبعد تخصصي في التصوير السينمائى التحت مائي وتصوير أكثر من أحد عشر فيلما سينمائىا تحت الماء أهمها (جحيم تحت الماء) 1989, (جزيرة الشيطان) 1990, (الطريق إلى إيلات) 1994 ونشر لي كتاب متخصص في هذا المجال العام الماضي, وجدت أنه من الواجب التعريف بهذا الرائد العظيم, وخاصة أنه حتى الآن لم يترجم له أي كتاب إلى اللغة العربية وقد تجاوزت 35 كتاباً, ولقد أمضى كوستو من عمره خمسين عاماً باحثا عن المعرفة مسجلا مايرى ويكتشف فيما يسمى (عالم الصمت) أي عالم الأعماق.
البحّار
ولد كوستو في مدينة صغيرة تدعى (سان أندريه كيويزا) في أسرة مترابطة وفي ظروف معيشية ميسرة, وبعد إنهاء دراسته الثانوية التحق بالأكاديمية البحرية الفرنسية ليتخرج بتفوق, حيث كان ترتيبه الثاني على الدفعة, ويلتحق ضابطا في السلاح البحري.
وبخروج فرنسا السريع من الحرب العالمية الثانية بعد هزيمتها من دول المحور, قبع الأسطول الفرنسي المتبقي في ميناءى مرسيليا وطولون المطلين على البحر الأبيض المتوسط في الجنوب, والتابعين لحكومة فيشي المهادنة للنازي.
انخرط الضابط الشاب كوستو في ذلك الوقت في حبه للمغامرة والبحث والتطوير التحت مائي حيث بدأ ونجح في تصميم بدلة من المطاط تصلح للغوص, وتمنع البلل وتحافظ للغواص على درجة حرارته (37ْ) الطبيعية تحت الماء, بل إنه صنع وكيف للأرجل زعانف (Fins) يرتديها الغواص فتزيد من سرعته ومرونة حركته مثل الأسماك تماماً. ولكن مشكلة الزمن البسيط والعمق القليل الذي يرتاد به الإنسان الأعماق ظلت معلقة بمثل هذه المعدات, حتى تمكن في عام 1934 مع زميله الضابط المهندس البحري (أميل جاجان) من تطوير أجهزة الغوض الذاتية الحرة (Scuba) والتي يكون بها الغواص حراً تحت الماء ينتقل كما يحلو له, ويتم ذلك عن طريق أسطوانة مملوءة بالهواء الجوي المضغوط تصاحب الغواص تحت الماء وترتبط به كالحبل السري, إذ يخرج من الاسطوانة خرطوم في نهايته قطعة مجهزة لتوضع بالفم يمكن للغواص بواسطتها أن يتنفس كمية الهواء المناسبة له لبقائه حيا تحت الماء, حيث إن حجم رئة الإنسان ينكمش كلما زاد الضغط عليها بعمق (الغوصة), ولذا كان اختراع قطعة الفم التي هي منظم يناسب كمية الهواء المستعمل مع حجم رئة الغواص في العمق المتجدد إنجازاً دعم حرية الغوص.
أحدث هذا الاختراع ثورة في تكنولوجيا الغوص, وبرهن على ذلك كوستو وجاجان عندما قهرا الأعماق حتى بلغا 63 مترا تحت الماء بهذا الجهاز, وإحقاقاً للحق والتاريخ فإن الإرهاصات الأولى لهذا الجهاز المرتبط بالاسطوانة والهواء المضغوط قد اخترعها الضابط الفرنسي كذلك (إيف لي بريير) عام 1933, ولكنها كانت تعطي هواء مستمراً بضغط متساو باستمرار دون اعتبارات للعمق وحجم الرئة, مما يسبب انفجار رئة الإنسان وموته تحت الماء في بعض الظروف.
لم يكن الإنسان قد تمكن بهذه الأجهزة والتجهيزات البسيطة من ارتياد الأعماق حتى 63 مترا, فقد وصل الإنسان إلى أعماق أكبر من ذلك بكثير ولكن ببدلة الغوص التقليدية الثقيلة ذات غطاء الرأس النحاسي الضخم والأحذية المملوءة بأثقال الرصاص والتي تثبت الغواص على القاع بينما يزود بالهواء بمضخات على ظهر زورق فوق سطح الماء تجعل حركته محدودة للغاية وخطرة إذا انقطع خرطوم الهواء المغذي له.
لقد أثبت كوستو أن الإنسان تحت الماء يصير جزءاً من عالم الماء إذا تمكن من التحكم في هواء التنفس, حيث إن جسد الإنسان به 75% ماء فإذن هو وسط مائي يتآلف مع أعماق الماء وضغوطها, وللعلم فإن كل عشرة أمتار عمقا تزيد الضغط الجوي على جسم الإنسان وتجعل الرئة تنكمش بنسبة العمق, ولك أن تستنتج أن الثلاثة وستين مترا التي غاصها كوستو وجاجان جعلت ضغط الماء عليهما يساوي أكثر من سبعة ضغط جوي, بينما نحن نعيش ونتنفس علـى سطح الأرض بضغط جوي واحد.
وفتحت اكتشافات وإضافات كوستو آفاقا واسعة بكل معنى الكلمة لريادة الأعماق بحرية وأمان, وهذا ما جعل رياضة الغوص الآن منتشرة في جميع بقاع العالم, ويرجع الفضل كله لهذا المنظم الصغير الذي يضعه الغواص على فمه.
لم يكتف كوستو بالريادة في الغوص بهذه التجهيزات بل أخذ ينقب عن أسرار وغموض الحياة البحرية للكائنات المائية, وأقام في جزيرة مواجهة لميناء مرسيليا معمل أبحاث تحت مائي سماه (كونشلف) وأخذت أخباره وأبحاثه الجديدة عن غزو الإنسان لأعماق الماء تنشر في جميع الصحف والمجلات المتخصصة ويذيع صيته, إلا أن ما مرت به فرنسا بعدالحرب العالمية الثانية من كساد اقتصادي و إعادة البناء والتعمير الشاقة أثر كثيرا في استمرار كوستو في أبحاثه, حتى قابل في مدينة (كان) الساحلية الملياردير الإنجليزي (نويل جينس) الذي كان معجبا بهذا العالم المكافح, فقام بإهدائه كاسحة ألغام بريطانية خرجت من الحرب, وجهزها له كسفينة أبحاث عائمة باسم (لاكليبسو) وتعهد (نويل) بتبني مشروعات كوستو البحثية التحت مائية مالياً, ومن هنا بدأت رحلة كوستو العظيمة في فتح أسرار الأعماق.
أسرار البحر الأحمر
في عام 1949 اتجه عالم الحيوان النمساوي (هانز هاس) إلى أعماق البحر الأحمر في منطقة قريبة من ميناء بورسودان, ولقد غامر (هاس) بكل ما ادخر من مال في تمويل هذا المشروع البحثي بعد إفلاسه أثناء الحكم النازي للنمسا, ونجح بمعدات قام بتصنيعها في تصوير حوالي 1500 صورة فوتوغرافية (أبيض و أسود) للحياة البكر المتنوعة تحت الماء في البحر الأحمر, وأقام بعد ذلك عدة معارض متنقلة في أوربا لما صور ورأى خاصة الحياة الأسرية لسمكة القرش التي هاجمته في إحدى المرات, وقد جعله نجاح هذه المعارض يعوض خسارته ويفتح معمله مرة أخرى وتستمر أبحاثه.
ويلتقط كوستو الخيط ويبحر بسفينته إلى منطقة في شمال بورسودان في حوالي منتصف عام 1954، ليبقى في المنطقة شهورا ويقيم معملاً بحثياً تحت المياه هناك باسم (كونشلف 2) ويصل إلى اكتشافات ونتائج مذهلة للحياة تحت مياه البحر الأحمر, ويسجل بعدساته أهم فيلم ظهر حتى حينه لعالم الأعماق باسم (عالم الصمت).. الفيلم بهرنا بما يحمل من معلومات ومخلوقات أبدع الله عز وجل في خلقها وألوان يعجز أي فنان عن خلطها, ويكشف أسراراً غامضة تظهر لأول مرة للبشرية, ولن أنسى أبدا تلك اللقطات الساحرة للكائنات المائىة الرخوية التي لاتظهر إلا ليلاً, حيث أطلق على إحداها اسم (الراقصة الإسبانية) فهي ذات لون أحمر قان وأطرافها المتعرجة بيضاء, تتحرك في الماء كالرداء (الجونلة) للراقصة الإسبانية حين تحتدم مع إيقاع الموسيقى الحار وتحرك أطراف ردائها بكل قوة, ومما لا أنسى في ذلك الفيلم ذلك المرجان الهلامي اللاسع والذي تعيش في كنفه في حب وسكون الأسماك المهرجة في تعاون مشترك للحياة, وعشرات المشاهد واللقطات للكائنات الصغيرة والدقيقة والقشريات والمرجانيات والجوفمعويات والصدفيات النادرة والأسماك السابحة. إن الفيلم به لقطات ومعلومات موسوعية كانت فتحا عظيما على العالم التحت مائي, فالبحر الأحمر هو في حقيقته أخدود انكساري بين قارتي آسيا وإفريقيا مليء بمياه بحر الشمال (الأبيض المتوسط) في أزمنة سحيقة, ثم تبخر جزء كبير من مائه بارتداد بحر الشمال إلى حوضه مرة أخرى, ليفتح من جديد على المحيط الهندي ليملأه بمائه وينقل له الحياة البحرية التي ترعرعت ونمت بشكل مذهل في رحاب المناخ القاري الحار لهذا البحر, وعدم تلوثه بمصبات الأنهار ومخلفات المدن والمصانع, كل هذه العوامل مجتمعة جعلت من هذا البحر كما قال كوستو معلنا (إنه أفضل مكان للغوص في العالم), وكان الفضل لهذا الرجل في التعريف بهذه الجنة التحت مائية للعالم, والتي يرتادها الآن الآلاف من محبي رياضة الغوص الآمن كما اخترعه ومهد له جاك إيف كوستو.
حين عرض فيلم (عالم الصمت) في مهرجان كان السينمائي عام 1956 حصل في مسابقة الأفلام التسجيلية على الجائزة الأولى (السعفة الذهبية) وكرمت الأكاديمية الفرنسية للعلوم كوستو بمنحه عضويتها وتحول الفيلم إلى كتاب مصور طبع منه حتى الآن 7 ملايين نسخة.
الماء واليابسة والبشر
استمر كوستو بعد ذلك يجوب البحار ويقوم بالأبحاث ويصنع سلسلة من الأفلام هدفها كشف أسرار البحار وجمال عالمها, ولم يقتصر نشاطه على ذلك فقط بل إن البيئة البحرية بكل جوانبها أصبحت مجالاً لرصده وأبحاثه سواء كان ذلك على الشاطئ أو في الجزر النائية أو حتى حياة الناس الاجتماعية حولها, وعمل كوستو على تأصيل ذلك بشكل مستمر لايعرف الكلل أو الملل وتجول بسفينته في بحار شتى من الشرق إلى الغرب ومن خط الاستواء إلى الأقطاب الباردة, ونشر 35 كتابا مصورا وصنع 80 فيلما سينمائيا ملأت شاشات تلفزيونات العالم, وفي سبيل ذلك طور باستمرار أدوات بحثه وعمله سواء كانت كاميرات للتصوير الثابت الفوتوغرافي أو المتحرك السينمائي, وكذلك الغواصات الصغيرة التي تحمل شخصاً أو شخصين أو الغواصات المصورة التي تجول في أعماق لايستطيع الإنسان المغامر النزول إليها بأدوات الغوص المعتادة حتى المتطـور منها.
وقد أشاروا إلى قضايا مثل حادث دونانا الذي يعد أسوأ كارثة بيئية شهدتها إسبانيا عندما انفجرت نفايات منجم للزنك الأمر الذي أغرق المنطقة المحيطة بكيماويات سامة لها آثار خطيرة على الحياة البيئية في متنزه قريب. وقالت ساندرا جان العضو في جماعة البيئة (دبليو دبليو إف) الناشطة من أجل إلزام الشركات بدفع تعويضات عن الأضرار التي تتسبب فيها: (هل من العدل أن تدفع الدولة أو الأفراد لتغطية الخسائر التي تتسبب بها أنشطة الشركات في حين تجني الشركات الأرباح?). وكان لهذا الرائد موقف مشرف ومستمر ضد التفجيرات النووية تحت الماء في المحيط الهادي والتي تقوم بها بلده, وهاجم الرؤساء الفرنسيين من ديجول حتى شيراك لتأييدهم الاستمرار في هذه التجارب التي تدمر الحياة البحرية في مساحات شاسعة في المحيط وظل يطالب ويدافع وينادي باستمرار بصون حق الأجيال القادمة في تسلم كوكبنا نظيفا نقيا بعيدا عن التلوث والدمار البيئي والمحافظة على الكائنات الحية مهما صغر شأنها.
إن ذلك الفرنسي النحيف ذا (الطاقية) الحمراء فوق الرأس دائما, جعل الإنسان في منتصف القرن العشرين يغوص حرا كسمكة في البحار, ويكشف أسرارها بفضل اختراعاته ودأبه المستمر في نشر كتبه وأفلامه, وتتلمذ على يد كوستو مجموعة كبيرة من الباحثين والعلماء وهم يكملون الآن مشواره من بعده, وكان لايبخل عليهم بعلم يعرفه أو خبرة اكتسبها, وحين تقدم به العمر وأصبح الغوص مجهودا كبيرا عليه, كان يشرف بنفسه على أبنائه وتلامذته أثناء غوصهم ونزولهم ورجوعهم من الأعماق, واستعانت به إمارة موناكو في إنشاء متحف بحري يعتبر من أهم متاحف الأحياء المائية في العالم واستمر كوستو مديرا له ومشرفا عليه حتى عام 1988.
وعند زيارتي في شهر أغسطس الماضي  للمتحف البحري بباريس, استقبلني في ركن قريب من المدخل, وفي إضاءة خافتة مؤثرة تعبر عن الحزن, نموذج مصغر لسفينة أبحاث كوستو (لاكليبسو) وبجوارها حامل معدني يحمل ملصقاً يكلله شريط أسود وبالملصق صور كوستو وتعليق ذو معنى ومغزى, يلخص أمجاده ويخلد جهده, إذ يقول: انتقل إلى عالم الصمت, عالم جليل أثرى البشرية والأجيال القادمة بمعارف, وعلم, وحب عالم الصمت.
