الردة من القضايا المثيرة للتساؤلات في الساحات السياسية العربية والإسلامية.. ويراها البعض قضية تجاوزتها المتغيرات.. كيف؟
فالدكتور القرضاوي يرى أنها جريمة خطيرة، تهدد الركن الركين للمجتمع، المتمثل في العقيدة. والدكتور العوا يوافقه في أنها جريمة خطيرة، لكنه يرى أنها يمكن اعتبارها جريمة تعزير، لا جريمة حدود. والأستاذ جــمال البنا يرى أن الردة ليست جريمة أصلاً، وأن الشريعة قامت على حرية العقيدة؛ فهي الحرية الوحيدة التي تأسست عليها الشريعة، بينما بقية الحريات تأسست على الشريعة، واستمدت من حرية الاعتقاد مشروعيتها.
وإذا كان الدكتور القرضاوي قد ميز بين الردة المغلظة والردة المخففة، وإذا كان الدكتور عبد الستار فتح الله قد ميز في كتابه عن "منهج القرآن في التشريع" بين الردة الكبرى والردة الصغرى، فإن الأستاذ كمال المصري – محرر صفحة استشارات دعوية بالموقع - قد أسس لهذا التمييز وفقًا لمعيار الجماعة والاعتصام بها، لينتج تمييزًا تأسيسيًا بين "الخروج من" الجماعة و"الخروج على" الجماعة
تأتي هذه الأوراق في وقت تمثل فيه قضية الردة تحديًا للأمة في إطار مشروعاتها للحوار، سواء على صعيد حوار الحضارات: عبر مكافحة الصورة الإعلامية السلبية التي يحاول البعض تقديم الإسلام في إطارها. إذ لو اكتفى النصّ القرآني الكريم بالقول: "فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ" لفهم الناس من هذا أنّ الإرجاع لا يجوز لأنّه يبطل هجرة المهاجرة، ويمكّن العدوّ المحارب منها، وستنال منه ما لا تطيق، وقد يفتنها عن دينها، وأنهّ من المتعذّر أن تستمرّ بينهما علاقة زوجيّة، فلماذا عقّب الله بعبارة: "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" إن لم يكن يقصد معنى إضافياً آخر؟ وهل يجوز أن يكون معنى هذه العبارة هو نفس المعنى الواضح من سياق العبارة السابقة؟ كما أنّ هذا التفسير يناقض صراحة النصّ القرآني، إذ أنّه يعتبر أنّ العلاقة الزوجيّة أصبحت متعذّرة بين الزوجين، بسبب تعرّض الزوجة للإيذاء من زوجها وفتنتها عن دينها، ولذلك فهو يمنع إرجاعها. بينما النصّ القرآني يحدّد السبب بأنّه: "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ". هل نأخذ بالسبب المستنتج من أول العبارة، والذي تنقضه العبارة الثانية؟ أم نأخذ بالسبب المنصوص عليه بوضوح قاطع في العبارة الثانية؟ بل هل يجوز أصلاً أن نستنتج سبب الحكم الشرعي إذا كان النصّ يحدّد بوضوح هذا السبب؟ ومن المعروف عند الأصوليين أنّ علّة الحكم الشرعي إذا كانت ثابتة بالنصّ فإنّه لا يصحّ استنباطها بالقرائن. أو على صعيد حوار الأديان لمواجهة طغيان النمط المادي للحياة، أو الحوار الإسلامي العلماني الذي يستهدف انتشال الأوطان العربية والإسلامية من المواجهات الداخلية، التي أدت في النهاية إلى تدني حيوية الأمة في مواجهة الغزوات الخارجية، سواء منها الاقتصادية أو الفكرية.
ثم ما حال قضية الردة في إطار العولمة؟ هل تغير إطار معالجة هذه القضية اليوم عن إطار معالجتها فيما قبل بدايات الثورة الاتصالية؟...
كل هذه التساؤلات نجد اجتهادات للإجابة عنها في الأوراق التالية:
خطورة الردة.. والدولة الإسلامية تحرص على التدين عند كل طوائفها، ومنهم المسيحيون الذين بقوا على مسيحيتهم. ولأن الإنجيل لا يحمل في طياته تشريعاً، ومن ثم لا يملك النصارى قوانين ذات أصل عقيدي؛ فإنهم محكومون بقوانين الدولة ذات الأغلبية المسلمة التي يعيشون فيها. وحتى القوانين الكنسية المتعلقة بالأسرة ونظام الزواج والطلاق وبالرغم من أنها ليست واحدة عند كل فرق النصارى؛ فإن الدولة الإسلامية تحترمها ما دام أهلها يربطونها بعقيدتهم وقيمهم. فتعظيم التدين عند كل الناس هو من الأهداف المستقرة في الدولة الإسلامية، وهو أمر القرآن للحاكم المسلم: "وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (المائدة: 47). ولا يستطيع حاكم مسلم في دولة إسلامية أن يفرض على من لا يدينون بالإسلام عقائد وقيماً مخالفة لدينهم، ولا قوانين مدنية عندهم منها قوانين مخالفة. وهذا الذي استنتجناه بشأن أهل الإنجيل طبقه المسلمون على كل أصحاب الديانات الأخرى: اليهود والمجوس والصابئة وديانات الشرق الأقصى. وقد مر بك في هذه الدراسة موقف عمر بن عبد العزيز من المجوس في قوانين زواجهم، وقول فقيه الأمة في عصره له: "هذا مما جرت به عقائدهم، وإنما أنت متبع ولست مبتدعًا، فالزم، والسلام". والشرائع ينبغي أن يكون لها سلطان في القلوب قبل أن يكون لها سلطان في الدولة. ومواجـهة الفتنة
أ. د. يوسف القرضاوي
المجتمع المسلم ومواجهة الردة:
أشد ما يواجه المسلم من أخطار: ما يهدد وجوده المعنوي، أي ما يهدد عقيدته، ولهذا تعتبر الردة عن الدين: أي الكفر بعد الإسلام من أشد الأخطار على المجتمع المسلم. وكان أعظم ما يكيد له أعداؤه أن يفتنوا أبناءه عن دينهم بالقوة والسلاح أو بالمكر والحيلة. كما قال تعالى: "وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا" (البقرة: 217).
وفي عصرنا تعرض المجتمع المسلم لغزوات عنيفة، وهجمات شرسة، تهدف إلى اقتلاعه من جذوره، تمثلت في الغزو التنصيري، الذي بدأ مع الاستعمار الغربي، والذي لا يزال يمارس نشاطه في العالم الإسلامي، وفي الجاليات والأقليات الإسلامية، ومن أهدافه: تنصير المسلمين في العالم، كما وضح ذلك في مؤتمر "كلورادو" الذي عقد سنة 1978. وقُدِّمَت له أربعون دراسة حول الإسلام والمسلمين، وكيفية نشر النصرانية بينهم. ورصد لذلك ألف مليون دولار، وأسس لذلك معهد "زويمر" لتخريج المتخصصين في تنصير المسلمين.
كما تمثلت أحد مكونات تلك الهجمة في الغزو الشيوعي الذي اجتاح بلادًا إسلامية كاملة في آسيا، وفي أُوروبا، وعمل بكل جهد لإماتة الإسلام، وإخراجه من الحياة نهائيًا، وتنشئة أجيال لا تعرف من الإسلام كثيرًا ولا قليلاً.
وثالثة الأثافي: الغزو العلماني اللاديني، الذي لا يبرح يقوم بمهمته إلى اليوم في قلب ديار الإسلام، يستعلن حينًا، ويستخفي حينًا، يُطارد الإسلام الحق، ويحتفي بأشكال التدين الخرافي التي تعتبر نفسها من مظاهر الدين الإسلامي، والإسلام منها براء. ولعل هذا الغزو هو أخبث تلك الأنواع وأشدها خطرًا.
وواجب المجتمع المسلم – لكي يحافظ على بقائه – أن يقاوم الردة من أي مصدر جاءت وبأي صورة ظهرت، ولا يدع لها الفرصة حتى تمتد وتنتشر كما تنتشر النار في الهشيم.
هذا ما صنعه أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم حين قاتلوا أهل الردة، الذين اتبعوا الأنبياء الكذبة، مسيلمة الكذاب وسجاح والأسود العنسي، وكادوا يقضون على دعوة الإسلام في مهدها.
ومن الخطر كل الخطر أن يبتلي المجتمع المسلم بالمرتدين المارقين، وتشيع بين جنباته الردة، ولا يجد من يواجهها ويقاومها. وهو ما عبر عنه أحد العلماء عن الردة التي ذاعت في هذا العصر بقوله "ردة ولا أبا بكر لها" (1).
ولا بد من مقاومة الردة الفردية وحصارها، حتى لا تتفاقم ويتطاير شررها، وتغدو ردة جماعية، فمعظم النار من مستصغر الشرر.
ومن ثم أجمع فقهاء الإسلام على عقوبة المرتد، وإن اختلفوا في تحديدها، وجمهورهم على أنها القتل وهو رأي المذاهب الأربعة بل الثمانية.
وفيها وردت جملة أحاديث صحيحة عن عدد من الصحابة: عن ابن عباس وأبي موسى ومعاذ وعلي وعثمان وابن مسعود وعائشة وأنس وأبي هريرة ومعاوية بن حيدة.
وقد جاءت بصيغ مختلفة، مثل حديث ابن عباس: "من بدل دينه فاقتلوه" (رواه الجماعة إلا مسلما، ومثله عن أبي هريرة عند الطبراني بإسناد حسن، وعن معاوية بن حيدة بإسناد رجاله ثقات).
وحديث ابن مسعود "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (رواه الجماعة).
وفي بعض صيغه عن عثمان: "... رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة" (رواه الجماعة).
قال العلامة ابن رجب: والقتل بكل واحدة من هذه الخصال متفق عليه بين المسلمين (2).
وقد نفذ علي كرم الله وجهه عقوبة الردة في قوم ادعوا ألوهيته فحرقهم بالنار، بعد أن استتابهم وزجرهم فلم يتوبوا ولم يزدجروا، فطرحهم في النار، وهو يقول:
لما رأيت الأمر أمـرًا منكرا *** أججت ناري ودعوت قنبرا
وقنبر هو خادم الإمام علي رضي الله تعالى عنه (3).
وقد اعترض عليه ابن عباس بالحديث الآخر "لا تعذبوا بعذاب الله"، ورأى أن الواجب أن يُقتلوا لا أن يُحرقوا. فكان خلاف ابن عباس في الوسيلة لا في المبدأ.
وكذلك نفذ أبو موسى ومعاذ القتل في اليهودي في اليمن، والذي كان قد أسلم ثم ارتد. وقال معاذ: قضاء الله ورسوله (متفق عليه).
روى عبد الرازق: أن ابن مسعود أخذ أقوامًا ارتدوا عن الإسلام من أهل العراق، فكتب فيهم إلى عمر. أما الإسلام حسب عدد من مؤلفيهم لا يكفل هذه الحرية، ويصر على تسيير الإنسان حسب قواعد جامدة تسلبه حريته وقدرته على الإبداع والمشاركة في أعمال المجتمع. ويعزز بعض الإسلاميين الذين يتعاملون مع الإسلام على أنه شيء من الماضي هذه النظرة ويقولون بأن الإسلام قد وضع حلولاً لكل المشاكل، وما يطرأ من أمور، وأن المسلم لا يحتاج إلى إبداع وإنما إلى معرفة التفاصيل الشرعية، وإذا كان له أن يُعمل عقله فإن له ذلك ولكن بحدود القواعد الشرعية وتفصيلها، وعدم الانطلاق نحو إبداعات أو اجتهادات قد تخطّئ الماضي. فكتب إليه أن أعرض عليهم دين الحق، وشهادة أن لا إله إلا الله، فإن قبلوها فخل عنهم وإذا لم يقبلوها فاقتلهم، فقبلها بعضهم فتركه، ولم يقبلها بعضهم فقتله (4).
وروي عن أبي عمر الشيباني أن المستورد العجلي تنصر بعد إسلامه، فبعث به عتبة بن فرقد إلى علي فاستتابه فلم يتب، فقتله(5).
الردة نوعان: مغلظة ومخففة:
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: أن النبي صلي الله عليه وسلم قبل توبة جماعة من المرتدين، وأمر بقتل جماعة آخرين، ضموا إلى الردة أمورًا أخرى تتضمن الأذى والضرر للإسلام والمسلمين. مثل أمره بقتل مقيس بن حبابة يوم الفتح، لما ضم إلى ردته السب وقتل المسلم. وأمر بقتل ابن أبي صرح، لما ضم إلى ردته الطعن والافتراء. وفرق ابن تيمية بين نوعين: أن الردة المجردة تقبل معها التوبة، والردة التي فيها محاربة لله ورسوله والسعي في الأرض بالفساد لا تُقبل فيها التوبة قبل القدرة (6).
روى عبد الرازق والبيهقي وابن حزم: أن أنسًا عاد من سفر فقدم على عمر، فسأله: ما فعل الستة الرهط من بكر بن وائل الذين ارتدوا عن الإسلام، فلحقوا بالمشركين؟ قال: يا أمير المؤمنين، قوم ارتدوا عن الإسلام، ولحقوا بالمشركين، قتلوا بالمعركة. فاسترجع عمر -أي قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون-، قال أنس: هل كان سبيلهم إلا إلى القتل؟ قال نعم، كنت أعرض عليهم الإسلام فإن أبوا أودعتهم السجن (7). وهذا هو قول إبراهيم النخعي، وكذلك قال الثوري: وهو الرأي الذي نأخذ به (8). وفي لفظ له: "يؤجل ما رجيت توبته" (9).
والذي أراه أن العلماء فرقوا في أمر البدعة بين المغلظة والمخففة، كما فرقوا في المبتدعين بين الداعية وغير الداعية، وكذلك يجب أن نفرق في أمر الردة الغليظة والخفيفة، وفي أمر المرتدين بين الداعية وغير الداعية.
ورغم تحفظه على نتائج دراسته، ألقى الأستاذ عبد الله حسين الضوء على تجاربه الميدانية في هذا المجال، وكان من ضمن ما ذكره أن المرضى النفسيين لديهم حساسية أكثر لما يلقى إليهم من المعلومات؛ ذلك لأننا نعاني –فيما يتعلق بالقراءة– نوعا من الإجبار، فنحن نقرأ إما للترقي المهني، أو الثقافي، أو التعليمي، ولا نقرأ لمجرد القراءة. وختم الأستاذ عبد الله حديثه بقوله بأن العلاج بالقراءة قابل للتطبيق في المجتمع المصري بشرط تفهم الحالات التي يتم علاجها. "وصفة طبية" خاصة للعرب تجاوز العلاج بالقراءة في الولايات المتحدة وأنحاء متفرقة من العالم، قيوده السابقة، ومع استخدامه من جانب أمناء المكتبات كأداة علاجية أصبح أمرا معترفا به حتى من جانب علماء النفس ومؤسسات العلاج الأخرى، ولكن للأسف فإن الأمر ليس كذلك في عالمنا العربي، بل إن بعض أمناء المكتبات في عالمنا العربي لم يسمع بهذه الخدمة أو ربما كانت لديه فكرة غامضة غير محددة الملامح. وحول أهمية أن يكون هناك علم عربي للعلاج بالقراءة يذكر د. شعبان خليفة أن المرض يرتبط بطبيعة المجتمع الذي يعيش فيه المريض، وقيمه وعاداته، لذلك لا يصلح استخدام "روشتات" أمريكية وأوروبية للعرب والمسلمين. فما كان من الردة مغلظًا كردة سلمان رشدي، وكان المرتد داعية إلى بدعته بلسانه أو بقلمه، فالأولى في مثله التغليظ في العقوبة والأخذ بقول جمهور الأمة وظاهر الأحاديث؛ استئصالاً للشر وسدًا لباب الفتنة، وإلا فيمكن الأخذ بقول النخعي والثوري، وهو ما رُوي عن الفاروق عمر.
إن المرتد الداعية إلى الردة ليس مجرد كافر بالإسلام، بل هو حرب عليه وعلى أمته؛ فهو مندرج ضمن الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا. والمحاربة كما قال ابن تيمية نوعان: محاربة باليد، ومحاربة باللسان. والمحاربة باللسان في باب الدين قد تكون أنكى من المحاربة باليد، وكذلك الإفساد قد يكون باليد وقد يكون باللسان، وما يفسده اللسان من الأديان قد يكون أعظم مما تفسده اليد، فثبت أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد، والسعي في الأرض بالفساد باللسان أوكد (10).
والقلم أحد اللسانين كما قال الحكماء، بل ربما كان القلم أشد من اللسان وأنكى، ولا سيما في عصرنا؛ لإمكان نشر ما يُكتب على نطاق واسع.
إلا أن المرتد محكوم عليه بالإعدام من الجماعة المسلمة؛ فهو محروم من ولائها وحبها ومعاونتها. فالله تعالى يقول: " وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ " (المائدة: 51)، وهذا أشد من القتل الحسي عند ذوى العقول والضمائر من الناس.
سر التشديد في عقوبة الردة
وسر التشديد في مواجهة الردة أن المجتمع المسلم يقوم أول ما يقوم على العقيدة والإيمان. فالعقيدة أساس هويته ومحور حياته وروح وجوده.
ولهذا لا يسمح لأحد أن ينال من هذا الأساس أو يمس هذه الهوية، ومن هنا كانت الردة المعلنة كبرى الجرائم في نظر الإسلام؛ لأنها خطر على شخصية المجتمع وكيانه المعنوي، وخطر على الضرورية الأولى من الضروريات الخمس التي حرص الإسلام على صيانتها عبر كل نسقه التشريعي والأخلاقي، وهي: "الدين والنفس والنسل والعقل والمال"، والدين أولها؛ لأن المؤمن يضحي بنفسه ووطنه وماله من أجل دينه.
والإسلام لا يكره أحدًا على الدخول فيه، ولا على الخروج من دينه إلى دين ما؛ لأن الإيمان المعتد به هو ما كان عن اختيار واقتناع. وقد قال الله تعالى في القرآن المكي: "أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99)، وفي القرآن المدني قال تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" (البقرة: 256).
ولكنه لا يقبل أن يكون الدين ألعوبة يدخل فيها اليوم من يريد الدخول، ثم يخرج منه غدًا على طريقة بعض اليهود الذين قالوا: "آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (آل عمران: 72).
ولا يُعاقِب الإسلام بالقتل ذلك المرتد الذي لا يجاهر بردته ولا يدعو إليها غيره، ويدع عقابه إلى الآخرة إذا مات على كفره، كما قال تعالى: "وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة: 217)، وقد يعاقبه عقوبة تعزيرية مناسبة.
الإسلام يعاقب فقط ذلك المرتد المجاهر، وبخاصة الداعية للردة؛ حماية لهوية المجتمع وحفاظًا على أسسه ووحدته. ولا يوجد مجتمع في الدنيا إلا وعنده أساسيات لا يسمح بالنيل منها مثل: الهوية والانتماء والولاء، فلا يقبل أي عمل لتغيير هوية المجتمع أو تحويل ولائه لأعدائه وما شابه ذلك.
ومن أجل هذا اعتبرت الخيانة للوطن وموالاة أعدائه بالإلقاء بالمودة إليهم وإفضاء الأسرار لهم جريمة كبرى، ولم يقل أحد بجواز إعطاء المواطن حق تغيير ولائه الوطني لمن يشاء ومتى يشاء.
والردة ليست مجرد موقف عقلي، لكي يقتصر الحديث فيها على مناقشة مبدأ حرية الاعتقاد، بل هي أيضًا تغيير للولاء، وتبديل للهوية، وتحويل للانتماء. أما الاجترار الفكري لما هو مهضوم بالفعل من قبل؛ فهو عمل معيب غير ذي وظيفة. الاجترار الحيواني إذن له فائدته ونفعه، أما الاجترار الإنساني فلا فائدة له، بل هو ضار بالأمة؛ لأنه يضيع طاقتها في غير طائل. إنما المفيد حقًا هو استخدام هذا الماضي أو التراث لإنشاء شيء جديد طالما تجددت الحياة واحتاجت إلى هذا الجديد؛ فيكون التراث بمثابة المادة الخام التي تضاف إليها بعض المواد المعينة لتصنيع آليات جديدة، لخدمة الأهداف الثابتة والأصول الخالدة، التي يقوم عليها كيان الأمة. يمثل هذا الاتجاه بعض الدعاة الذين يفكرون بعقول الأموات من الماضين، وينظرون إلى إشكالات الحياة المعاصرة بعيونهم. فالمرتد ينقل ولاءه وانتماءه من أمة إلى أمة أخرى، ومن وطن إلى وطن آخر، أي من دار الإسلام إلى دار أخرى، فهو يخلع نفسه من أمة الإسلام التي كان عضوًا في جسدها، وينضم بعقله وقلبه وإرادته إلى خصومها، ويعبر عن ذلك الحديث النبوي بقوله: "التارك لدينه المفارق للجماعة" كما في حديث ابن مسعود المتفق عليه. وكلمة المفارق للجماعة وصف كاشف لا منشئ؛ فكل مرتد عن دينه مفارق للجماعة.
ومهما يكن من جرمه فنحن لا نشق عن قلبه، ولا نقتحم عليه بيته في غفلة منه، ولا نحاسبه إلا على ما يعلنه جهرة بلسانه أو قلمه أو فعله، وهو ما يكون كفرًا بواحًا صريحًا لا مجال فيه لتأويل أو احتمال، فأي شك في ذلك يُفسَّر لمصلحة المتهم بالردة.
إن التهاون في عقوبة المرتد المعالن الداعية يعرض المجتمع كله للخطر، ويفتح عليه باب فتنة لا يعلم عواقبها إلا الله سبحانه، فلا يلبث المرتد أن يغرر بغيره وخصوصًا من الضعفاء والبسطاء من الناس، وتتكون جماعة مناوئة للأمة، تستبيح لنفسها الاستعانة بأعداء الأمة عليها، وبذلك تقع الأمة في صراع وتمزق فكري واجتماعي وسياسي قد يتطور إلى صراع دموي، بل إلى حرب أهلية تأكل الأخضر واليابس.
وهذا ما حدث بالفعل في أفغانستان مجموعة محدودة مرقت من دينها واعتنقت العقيدة الشيوعية بعد أن درس أفرادها في روسيا، وجُنِّدوا في صفوف الحزب الشيوعي، وفي غفلة من الزمن وثبوا على الحكم، وطفقوا يغيرون في هوية المجتمع كله بما تحت أيديهم من سلطات وإمكانات. ولم يسلم أبناء الشعب الأفغاني لهم، بل قاوم ثم قاوم، واتسعت المقاومة التي كونت الجهاد الأفغاني الباسل ضد المرتدين الشيوعيين الذين لم يبالوا أن يستنصروا على أهليهم وقومهم بالروس يدكون وطنهم بالدبابات ويقذفونه بالطائرات ويدمرونه بالقنابل والصواريخ، وهكذا كانت الحرب الأهلية التي استمرت عشر سنوات، وكان ضحاياها الملايين من القتلة والمصابين واليتامى والأرامل والثكالى، والخراب الذي أصاب البلاد، وأهلك الزرع والضرع.
كل هذا لم يكن إلا أثرًا للغفلة عن المرتدين، والتهاون في أمرهم والسكوت على جريمتهم في أول الأمر. ولو عُوقب هؤلاء المارقون الخونة قبل أن يستفحل أمرهم لوقى الشعب والوطن شرور هذه الحرب الضروس وآثارها المدمرة على البلاد والعباد.
محددات منهجية لا بد من مراعاتها
الذي أريد أن أذكره في هذا المقام جملة أمور:
الأول: أن الحكم بردة مسلم عن دينه أمر خطير جدا ويترتب عليه حرمانه من كل ولاء وارتباط بالأسرة والمجتمع، حتى إنه يفرق بينه وبين زوجة وأولاده إذ لا يحل لمسلمة أن تكون في عصمة كافر (11) كما أن أولاده يُفصَلون عنه؛ لأنه لا يكون مؤتمنًا عليهم، فضلاً عن العقوبة المادية التي أجمع عليها الفقهاء في جملتها.
ولهذا وجب الاحتياط كل الاحتياط عند الحكم بتكفير مسلم ثبت إسلامه؛ لأنه مسلم بيقين، فلا يزال اليقين بالشك. ومن أشد الأمور خطرًا تكفير من ليس بكافر وقد حذرت من ذلك السنة النبوية أبلغ التحذير.
الثاني: أن الذي يملك الفتوى بردة امرئ مسلم هم الراسخون في العلم من أهل الاختصاص الذين يميزون بين القطعي والظني، وبين المحكم والمتشابه، وبين ما يقبل التأويل وما لا يقبل التأويل، فلا يكفرون إلا بما لا يجدون له مخرجًا: مثل إنكار المعلوم من الدين بالضرورة، أو وضعه موضع السخرية من عقيدة أو شريعة، ومثل سب الله تعالى ورسوله، أو كتابة ذلك السبِّ علانية، ونحو ذلك.
ومثال ذلك ما أفتى به العلماء من ردة الكاتب الإيراني سلمان رشدي، ومثله رشاد خليفة الذي بدأ بإنكار السنة؛ ثم أنكر آيتين من القرآن في آخر سورة التوبة؛ ثم ختم كفره بدعوى أنه رسول الله؛ قائلاً إن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وليس خاتم المرسلين. وقد صدر بذلك حكم الردة عليه من مجلس المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي. لكن لأهمية ودقة هذا الموقف لا يجوز ترك مثله للمتسرعين أو الغلاة، أو قليل البضاعة من العلم ليقولوا على الله ما لا يعلمون.
الثالث: أن الذي ينفذ هذا الحكم هو ولي الأمر الشرعي، بعد حكم القضاء الإسلامي المختص؛ الذي لا يحتكم إلا إلى شرع الله عز وجل، ولا يرجع إلا إلى المحكمات البينات من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهما المرجعان اللذان يُرجَعُ إليهما إذا اختلف الناس، وهو الأمر الذي أكد عليه الله تعالى بقوله: "فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ" (النساء: 59).
والأصل في القاضي في الضوابط الإسلامية أن يكون من أهل الاجتهاد، فإذا لم يتوافر فيه ذلك استعان بأهل الاجتهاد حتى يتبين له الحق، ولا يقضي على جهل، أو يقضي بالهوى فيكون من قضاة النار.
الرابع: أن جمهور الفقهاء قالوا بوجوب استتابة المرتد قبل تنفيذ العقوبة فيه بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول": هو إجماع الصحابة رضي الله عنهم. وبعض الفقهاء حدد مدة الاستتابة بثلاثة أيام وبعضهم بأقل وبعضهم بأكثر ومنهم من قال يستتاب أبدًا.
وقد استثنى بعضهم الزنديق؛ لأنه يُظهِر غير ما يبطن؛ فلا توبة له وكذلك ساب الرسول صلى الله عليه وسلم لحرمة رسول الله وكرامته، فلا تقبل ممن يسبه توبة. وقد ألف ابن تيمية كتابه في ذلك.
والمقصود بذلك الاستمهال، وتلك الاستتابة إعطاوه الفرصة ليراجع نفسه، عسى أن تزول عنه الشبهة، وتقوم عليه الحجة؛ إن كان يطلب الحقيقة بإخلاص. أما إن كان له هوى، أو يعمل لحساب آخرين فليوله الله ما تولى.
ومن المعاصرين من قال: إن قبول التوبة إلى الله وليس إلى الإنسان. ولكن هذا في أحكام الآخرة. أما في أحكام الدنيا فنحن نقبل التوبة الظاهرة، ونقبل الإسلام الظاهر، ولا ننقب عن قلوب الخلق. فقد أمرنا الله تعالى أن نحكم بالظاهر، وأن الله وحده يتولى السرائر. وقد صح في الحديث أن من قالوا لا إله إلا الله عصموا دماءهم وأموالهم، وحسابهم على الله: يعني فيما انعقدت عليه قلوبهم.
ومن هنا نقول: إن إعطاء عامة الأفراد حق الحكم على شخص ما بالردة، ثم الحكم عليه باستحقاق العقوبة، وتحديدها بأنها القتل لا غير، وتنفيذ ذلك بلا هوادة يحمل خطورة شديدة على دماء الناس وأموالهم وأعراضهم؛ لأن مقتضى هذا أن يجمع الشخص العادي الذي ليس لديه علم أهل الفتوى، ولا حكمة أهل القضاء، ولا مسئولية أهل التنفيذ، سلطات ثلاثًا في يده؛ يفتي – أو بعبارة أخرى يتهم، ويحكم، وينفذ، فهو الإفتاء والادعاء والقضاء والشرطة جميعًا.
اعتراضات مردودة لبعض المعاصرين
ولقد اعترض بعض الكتَّاب في عصرنا من غير أهل العلم الشرعي على عقوبة الردة بأنها لم ترد في القرآن الكريم، ولم ترد إلا في حديث من أحاديث الآحاد، وأحاديث الآحاد لا يؤخذ بها في الحدود، فهم لذلك ينكرونها.
وهذا الكلام مردود من عدة أوجه:
أولاً: أن السنة الصحيحة مصدر للأحكام العملية باتفاق جميع المسلمين. وقد قال الله تعالى: "قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ" (النور: 54)، وقال أيضًا: "مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ" (النساء: 80).
وقد صحت الأحاديث الآمرة بقتل المرتد، ونفذها الصحابة في عهد الخلفاء الراشدين.
والقول بأن أحاديث الآحاد لا يُؤخَذ بها في الحدود غير صحيح. فجميع المذاهب المتبوعة أخذت بأحاديث الآحاد في عقوبة شارب الخمر، مع أن ما ورد في عقوبة الردة أصح وأوفر وأغزر مما ورد في عقوبة شرب الخمر.
ولو صح ما زعمه هؤلاء من أن أحاديث الآحاد لا يعمل بها في الأحكام لكان معناه إلغاء السنة من مصدرية التشريع الإسلامي، أو على الأقل إلغاء 95% إن لم نقل 99% منها، ولم يعد هناك معنى لقولنا اتباع الكتاب والسنة.
فمن المعروف لدى أهل العلم أن أحاديث الآحاد هي الجمهرة العظمى من أحاديث الأحكام، والحديث المتواتر الذي هو مقابل الآحاد نادر جدًا، وبلغت ندرته حد أن زعم بعض أئمة الحديث أنه لا يكاد يوجد، كما ذكر ذلك الإمام ابن الصلاح في مقدمته الشهيرة في علوم الحديث.
إلا أن كثيرًا ممن يتناولون هذا الأمر لا يدركون معنى حديث الآحاد، ويحسبون أنه الذي رواه واحد فقط. وهذا خطأ. فالمراد بحديث الآحاد ما لم يبلغ درجة التواتر، وقد يرويه اثنان أو ثلاثة أو أربعة أو أكثر من الصحابة، ويرويه عنهم أضعاف هذا العدد من التابعين.
وحديث قتل المرتد رواه جمع غفير من الصحابة، ذكرنا عددًا منهم، فهو من الأحاديث المستفيضة المشهورة.
ثانيًا: أن من مصادر التشريع المعتمدة لدى الأمة مصدر الإجماع. صراع الفلسفات وتناقضها اقرأ تاريخ الفلسفة والفكر في الشرق والغرب، وتجول ببصرك في المدارس الفلسفية هنا وهناك قديمًا وحديثًا، فماذا تجد؟ تجد المثاليين من الفلاسفة يعارضهم الواقعيون; وتجد الروحيين منهم يناقضهم الماديون; وتجد الإلهيين يصارعهم الملحدون; وتجد دعاة الواجب في مقابلة دعاة المنفعة; وتجد من ينادي بالرجوع إلى الضمير، ومن يصرخ بأن الضمير خرافة! وقد أجمع فقهاء الأمة من كل المذاهب، السنية وغير السنية، والفقهاء من خارج المذاهب على عقوبة المرتد وأوشكوا أن يتفقوا على أنها القتل، إلا ما رُوي عن عمر والنخعي والثوري ولكن التجريم في الجملة مجمع عليه.
ثالثًا: أن من علماء السلف من قال إن آية المحاربة المذكورة في سورة المائدة تختص بالمرتدين، وهي قوله تعالى: "إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا..." (المائدة: 33). وممن قال بأن هذه الآية للمرتدين أبو قلابة وغيره (12).
وقد نقلنا من كلام ابن تيمية أن محاربة الله ورسوله باللسان أشد من المحاربة باليد وكذلك الإفساد في الأرض. ومما يؤيد ذلك أن الأحاديث التي قررت استباحة دم المسلم بإحدى ثلاث، ذكر منها "... ورجل خرج محاربًا لله ورسوله فإنه يقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض" كما في حديث عائشة، بدلاً من عبارة ارتد بعد إسلامه أو التارك لدينه.. إلخ، وهو ما يدل على أن الآية تشمل المرتدين الداعين إلى ردتهم.
وفي القرآن يقول الله تبارك وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ" (المائدة: 54).
وهذا يدل على أن الله هيأ للمرتدين من يقاومهم، من المؤمنين المجاهدين الذين وصفهم الله بما وصفهم به، مثل أبي بكر والمؤمنين معه، الذين أنقذوا الإسلام من فتنة الردة.
وكذلك جاءت مجموعة من الآيات في شأن المنافقين، تبين أنهم حموا أنفسهم من القتل بسبب كفرهم عن طريق الأيمان الكاذبة، والحلف الباطل لإرضاء المؤمنين، كما في قوله تعالى: "اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً" (المجادلة: 16)، "يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ" (التوبة: 96)، "يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ..." (التوبة: 74). فالآيات تؤكد أنهم ينكرون أنهم كفروا، ويؤكدون ذلك بأيمانهم، ويحلفون أنهم لم يتكلموا بكلمة الكفر، فدل ذلك على أن الكفر إذا ثبت عليهم بالبينة، فإن جنتهم تكون قد انخزمت، وأيمانهم الفاجرة لم تغن عنهم شيئًا(13).
أعـظم الردة: ردة السـلطان
وأخطر أنواع الردة: ردة السلطان، ردة الحاكم، الذي يُفترَض فيه أن يحرس عقيدة الأمة، ويقاوم الردة، ويطارد المرتدين، ولا يُبقي لهم من باقية في رحاب المجتمع المسلم، فإذا هو نفسه يقود الردة، سرًا وجهرًا، وينشر الفسوق سافرًا ومقنعًا، ويحمي المرتدين، ويفتح لهم النوافذ والأبواب، ويمنحهم الأوسمة والألقاب، ويصبح الأمر كما قال الشاعر العربي:
وراعي الشاة يحمي الذئب عنها *** فكيف إذا الرعاة لها ذئاب؟!
نرى هذا الصنف من الحكام، مواليًا لأعداء الله، معاديًا لأولياء الله، مستهينًا بالعقيدة، مستخفًا بالشريعة، غير موقِّر للأوامر والنواهي الإلهية والنبوية، مهينًا لكل مقدسات الأمة ورموزها، من الصحابة الأبرار، والآل الأطهار، والخلفاء الأخيار، والأئمة الأعلام، وأبطال الإسلام. وفي موضع آخر يقول: "وتواجهنا العلوم المادية بتناقضات لا حلول لها عندما نحاول فهم حدود الفضاء، أو بدايات الزمن، أضف إلى ذلك أن الإنجازات العلمية تثير - بصورة عامة - مسائل أخلاقية يعتبرها كثير من العلماء خارج نطاق كفاءاتهم، ويشيرون إلى أن العلم والتكنولوجيا أدوات ووسائل ليس لها أخلاق، ويمكـن استعمـالها لخيــر البشـريـة أو لدمارها. والاعتقاد بأن العلم قادر على حل أكثـر المشـاكل العلمـية أمر يكذبه الوعي المتــزايد بأن تكنولوجيا العلم تثير مشاكل جديدة في محاولاتها لحل المشكلات القديمة". وهؤلاء يعتبرون التمسك بفرائض الإسلام جريمة وتطرفًا مثل الصلاة في المساجد للرجال، والحجاب للنساء. ولا يكتفون بذلك، بل يعملون وفق فلسفة "تجفيف المنابع" التي جاهروا بها في التعليم والإعلام والثقافة، حتى لا تنشأ عقلية مسلمة، ولا نفسية مسلمة. وهم لا يقفون عند هذا الحد، بل يطاردون الدعاة الحقيقيين، ويغلقون الأبواب في وجه كل دعوة أو حركة صادقة، تريد أن تجدد الدين، وتنهض بالدنيا على أساسه.
والغريب أن بعض هذه الفئات – مع هذه الردة الظاهرة - تحرص على أن يبقى لها عنوان الإسلام، لتستغله في هدم الإسلام، ولتعاملهم الأمة على أنهم مسلمون، وهم يقوضون بنيانها من الداخل. وبعضها تجتهد في أن تتمسح بالدين، بتشجيع التدين الزائف، وتقريب الذين يحرقون لها البخور من رجاله ممن سمَّاهم بعض الناس "علماء السلطة عملاء الشرطة".
وهنا يتعقد الموقف، فمن الذي يقيم الحد على هؤلاء؟ بل من الذين يُفتي بكفرهم أولاً، وهو كفر بواح كما أسماه الحديث النبوي الشريف؟ (14)، ومن الذين يحكم بردتهم وأجهزة الإفتاء الرسمي والقضاء الرسمي في أيديهم؟
ليس هناك إلا "الرأي العام" المسلم، والضمير الإسلامي العام، الذي يقوده الأحرار من العلماء والدعاة وأهل الفكر، والذي لا يلبث - إذا سدت أمامه الأبواب، وقطعت دونه الأسباب - أن يتحول إلى بركان ينفجر في وجوه الطغاة المرتدين. فليس من السهل أن يفرِّط المجتمع المسلم في هويته، أو يتنازل عن عقيدته ورسالته، التي هي مبرر وجوده، وسر بقائه.
وقد جرب ذلك الاستعمار الغربي الفرنسي في الجزائر، والاستعمار الشرقي الروسي في الجمهوريات الإسلامية في آسيا. ورغم قسوة التجربة وطولها هنا وهناك، لم تستطع اجتثاث جذور الهوية الإسلامية، والشخصية الإسلامية. وذهب الاستعمار والطغيان، وبقي الإسلام، وبقي الشعب المسلم.
غير أن الحرب التي شُنَّت على الإسلام ودعاته من بعض الحكام "الوطنيين" العلمانيين والمتغربين في بعض الأقطار - بعد استقلالها - كانت أحدَّ عداوة، وأشدَّ ضراوة من حرب المستعمرين.
الردة المغلفة: النفاق المعاصر
ولا يفوتنا هنا أن ننبه على نوع من الردة لا يتبجح تبجح المرتدين المعالنين، فهو أذكى من أن يعلن الكفر بواحًا صراحًا، بل يغلفه بأغلفة شتى، ويتسلل به إلى العقول تسلل الأسقام في الأجسام، لا تراه حين يغزو الجسم، ولكن بعد أن يبدو مرضه ويظهر عرضه، فهو لا يقتل بالرصاص المدوّي، بل بالسم البطيء يضعه في العسل والحلوى. وهذا يدركه الراسخون في العالم، والبصراء في الدين، ولكنهم لا يملكون أن يصنعوا شيئًا أمام مجرمين محترفين، لا يمكِّنون من أنفسهم، ولا يدعون للقانون فرصة ليمسك بخناقهم. فهؤلاء هم "المنافقون" الذين هم في الدرك الأسفل من النار.
إنها "الردة الفكرية" التي تطالعنا كل يوم آثارها؛ في صحف تُنشَر، وكتب تُوزَّع، ومجلات تُباع، وأحاديث تُذاع، وبرامج تُشاهَد، وتقاليد تروج، وقوانين تَحكُم.
وهذه الردة المغلفة - في رأيي - أخطر من الردة المكشوفة، لأنها تعمل باستمرار، وعلى نطاق واسع، ولا تقاوم كما تقاوم الردة الصريحة، التي تحدث الضجيج، وتلفت الأنظار، وتثير الجماهير.
إن النفاق أشد خطرًا من الكفر الصريح. ونفاق عبد الله بن أُبيِّ ومن تبعه من منافقي المدينة، أخطر على الإسلام من كفر أبي جهل ومن تبعه من مشركي مكة. ولهذا ذم القرآن في أوائل سورة البقرة: "الذين كفروا" (البقرة: 6) أي المصرحين بالكفر في آيتين اثنتين فقط، وذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية.
إنها الردة التي تصابحنا وتماسينا، وتراوحنا وتغادينا، ولا تجد من يقاومها. إنها – كما قال شيخ الإسلام الندوي - ردة ولا أبا بكر لها.
إن الفريضة المؤكدة هنا، هي محاربتهم بمثل أسلحتهم: الفكر بالفكر، حتى تنكشف أوراقهم، وتسقط أقنعتهم، وتُزال شبهاتهم بحجج أهل الحق.
صحيح أنهم ممكَّنون من أوسع المنابر الإعلامية: المقروءة والمسموعة والمرئية، ولكن قوة الحق الذي معنا، ورصيد الإيمان في قلوب شعوبنا، وتأييد الله تعالى لنا، كلها كفيلة بأن تهدم باطلهم على رؤوسهم: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ" (الأنبياء: 18)، "فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ" (الرعد: 17). وصدق الله العظيم.
عقوبة الردة تعزيرًا لا حدًّا
أ. د. محمد سليم العوا
تمهيد:
"الردة" لغة تعني: الرجوع، وشرعًا تعني: كفر المسلم بقول أو فعل يُخرجه عن الإسلام (1). والرأي السائد في الفقه الإسلامي يذهب إلى اعتبار الردة جريمة حد، يُعاقب عليها بالقتل؛ أي الإعدام (2).
وجرائم الحدود تجُبُّ عقوباتها كحق لله تعالى (أي لتحقيق مصلحة عامة)، ويجب توقيع الحد كلما ثبت ارتكاب الجريمة الموجبة له، بحيث لا يجوز العفو عنها أو تخفيضها.
ودراسة الردة تقتضي أن نتبين مدى انطباق أحكام جرائم الحدود وعقوباتها عليها؛ لنرى بعد ذلك ما إذا كانت تُعتبر من جرائم الحدود أم لا؟ وما إذا كانت تُعتبر عقوبتها حدًا مقدرًا لا يقبل التغيير؟ وقد حوّلها هذا البريق من بُعد فكري وإطار نظري لترتيب المجتمع السياسي إلى ممارسات عملية تتعلق بحريات أساسية ومنها حرية التعبير والتنقل والتنظيم. والناس عامة لا يكترثون في البحث عن الأسس الفلسفية التي تنطلق منها الديمقراطية بقدر ما يهتمون ببعض المظاهر والممارسات السياسية التي يرتاحون لها، ويثنون عليها، ويودون أن تكون جزءًا من واقعهم؛ علّهم ينعمون ببعض الخير الذي تنعم به الشعوب التي أقامت نظمًا سياسية ديمقراطية. ساد هذا الانطباع الجماهيري العام عن الديمقراطية في العالم الإسلامي والوطن العربي حتى بات المفهوم الشعبي لها مرادفًا للحرية. ولا يقوم في أذهان الناس أن الحرية قد تكون أكثر شمولاً أو أقل اتساعاً من الديمقراطية، وأن لكل مفهومًا خاصًا ربما يتقاطع مع الآخر ولكن لا يتطابق بالضرورة معه. وربما هذا ما قاد بعض المفكرين أو الكتاب المسلمين إلى القول بأن الإسلام ديمقراطي، وأن القيم الديمقراطية قيم إسلامية يجب الدفاع عنها. وبدل أن يركزوا على البحث في مجال الحريات في الإسلام انطلقوا يحدثون عن الحداثة الإسلامية بثوب ديمقراطي، بينما انبرى آخرون للهجوم على الديمقراطية على اعتبار أنها نظام كفر وعرّفوا الحرية بالإيمان الذي يتقيد بالكثير من الأوامر والنواهي إلى درجة لم يعد المرء يفرّق بين الحرية والقفص. من منطلق معرفتي المتواضعة بالنظام الديمقراطي والنظام الإسلامي أسوق المقارنات المختصرة التالية، والتي يمكن أن تشكل أساسًا لكتاب في الحريات المقارنة. وقد أعطيت أهمية في البداية لبعض الافتراضات الأساسية، وانتقلت بعدها إلى بعض المقارنات التطبيقية. أم أنها تدخل في إطار نوع آخر من الجرائم، وتدخل عقوبتها كذلك في إطار نوع آخر من العقوبات؟
وبما أنّ حكم الله لا يقبل التغيير أو الإلغاء، فلم يعد هناك خيار أمام المسلمة إلاّ فسخ العقد لتتحرّر من واجب الوفاء به. 3 - تطبيقاً لمبدأ عدم الحلّية، أمر الله تعالى الرجال المسلمين بطلاق زوجاتهم المشركات من غير الكتابيّات، فقال: "وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر" وكان لعُمَر امرأتين مشركتين فطلّقهما امتثالاً لأمر الله، ولم يكن طلاقهما سبباً لنزول الآية بل كان تنفيذاً لها. ولذلك فسوف نقسِّم دراستنا لهذه الجريمة على نحو يحقق الوصول إلى إجابة عن هذا التساؤل؛ فنبدأ بدراسة النصوص القرآنية في شأن الردة، ثم نستعرض الأحاديث النبوية المتعلقة بها، ونناقش بعد ذلك ما انتهى إليه الفقه الإسلامي، أو الرأي السائد فيه، من اعتبار الردة جريمة من جرائم الحدود، يُعاقَب عليها بعقوبة مقدرة ذات حدٍ واحد، وهي عقوبة الإعدام.
ومن الجدير بالبيان –بادئ ذي بدء– أننا في دراستنا لجريمة الردة إنما نناقش فحسب وضع العقوبة بين عقوبات الحدود أو في نطاق غيرها من العقوبات. مصطفى عاشور يحتل شهر رمضان مكانًا خاصًّا في نفوس المسلمين، فهو شهر الخير والعطاء والقرآن، يأتي فيجد مكانه في القرية والمدينة معًا، يتسارع فيه المسلمون إلى بذل الخير والحرص على أداء العبادات، وصلة الأرحام، ومواساة الفقير، وحسن التعامل، والتخلق بأخلاق الإسلام من صدق وأمانة وكظم غيظ، وبعد عن الثرثرة والغيبة والنميمة، وتمتلئ المساجد بالمسلمين وتلمح بهاء الطاعة ونور الإيمان على الوجوه، غير أن كثيرًا من مظاهر هذا الخير تتوارى بعد انقضاء شهر رمضان، فيعود الناس إلى سالف عهدهم في التعامل مع الحياة بمعطياتها والتقصير في العبادات، وتختفي كثيرًا من مظاهر مواساة الفقير، كأن الفقير لا يُفطن إلى أنه من الأحياء إلا في شهر رمضان، وتذوب كثيرًا من الحدود الفاصلة بين المسلم والذنوب. أما تجريم الردة، ووجوب فرض عقاب عليها، فهما أمران مسلَّمان، ولا يدخلان بالتالي في نطاق بحثنا.
وبعبارة أخرى فإن السؤال الذي نحاول هنا أن نجيب عنه –مع التسليم بأن الردة جريمة في النظام الجنائي الإسلامي– هو: هل تعتبر العقوبة المقررة لهذه الجريمة من عقوبات الحدود، بحيث ينطبق عليها تعريف هذه العقوبات وتثبت لها خصائصها؟ أو أنها عقوبة أخرى، ليست من عقوبات الحدود، ولها بالتالي خصائصها المستقلة؟ وفي إطار محاولة الإجابة عن هذا السؤال فقط تدور دراستنا لجريمة الردة وعقوبتها.
آيات القرآن الكريم في شأن الردة:
ورد ذكر الكفر بعد الإيمان -أي الردة- في القرآن الكريم في بضع عشرة آية. عبَّر القرآن الكريم في بعضها بلفظ "الردة"، وفي بعضها بتعبير "الكفر بعد الإسلام".
أما تعبير الردة، فقد ورد في قوله تعالى: "… وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة: 217). وفي قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ" (محمد: 25 – 27).
وأما تعبير الكفر بعد الإيمان، فقد ورد في قوله تعالى: "مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآَخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ" (النحل: 106 – 109). وفي قوله تعالى: "أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ" (البقرة: 108). وفي قوله تعالى: "كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " (آل عمران: 86– 90). وفي السورة نفسها نجد قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّوا اللهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" (آل عمران: 177).
ويرد التعبير بالكفر بعد الإيمان أيضًا في سورة النساء في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً" (النساء: 137). وفي سورة التوبة: "لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ" (التوبة: 66).
ويرد التعبير بالكفر بعد الإسلام في سورة التوبة أيضا في قوله تعالى: "يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ" (التوبة: 74).
ومن بين هذه الآيات الكريمة نلاحظ أن آية واحدة هي مما نزل في مكة من القرآن الكريم، وهي الآية: 106 من سورة النحل، في حين أن الآيات الأخرى هي آيات مدنية، نزل بها الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المدينة بعد الهجرة، وبعد أن أقام الرسول الدولة الإسلامية، وكان هو حاكمها، وكان الإسلام قانونها الذي يخضع له رعاياها من مسلمين وغير مسلمين بحكم الاتفاق الذي أبرمه الرسول مع أهل المدينة ومواطنيها عند الهجرة، وهو وثيقة أو صحيفة المدينة (3)، وبحكم السيادة الفعلية والقانونية للإسلام في الدولة.
لقد بالغت الحضارة الغربية في إعطاء الحـرية الشخصية للإنسان، ليفعل ما يشاء ما دام لا يعتدي على غيره، فأفسدت عليه فطرته، ولم تستطع إشباع نهمه كله. فالشهوات كلما ازداد المرء منها عبًا، ازداد معها عطشًا، ولا يوجد في الكون كله شيء حر حرية مطلقة، فالبواخر في المحيطات، والطائرات في الفضاء، تسير في مسارات محـددة، لا يجــوز لها أن تتعــداها، وإلا هددت بكوارث لا تحمد عقباها، ولا تعرف نتائجها. والحضارة لم تجن على الإنسان وحده، لقد جنت على البيئة من حوله، فلوثتها بدخان مصانعها، و فضلاتها، وآثار إشعاعها، ونفاياتها النووية، وتدخلاتها الكيماوية في النبات والحيوان، وأكثر من ذلك آثار الهندسة الوراثية. وقد بدأت هذه النتائج تبدو للعيان في مثل جنون البقر وغيره من المشكلات. وما يكنه الغد أشد وأقسى. أضف إلى ذلك الإخلال بالتوازن الكوني، كما يبدو فيما ذكروه من ثقب الأوزون، ولا ندري ماذا بعد ذلك؟ وفي هذا يقول الشاعر: والليالي من الزمان حُبالى مثقلات يلدن كل عجيب! فهذه ثمار طبيعية لصنع الإنسان بنفسه وما حوله، إذا تصرف في نفسه وفي الكون، وكأنه إله لا يسأل عما يفعل، وما هو إلا مخلوق لخالق عظيم، يجب عليه أن يخضع لنواميسه الكونية، وقوانينه الشرعية، وبذلك ينجو ويفلح. سر المعاناة في هذه الحضارة وسر ما يعانيه الناس في الحضارة المعاصرة: أنها حضارة نسيت الله فأنساها أنفسها. وعلى الرغم من ذلك فإن الآيات الكريمة التي قدمنا نصوصها لا تشير من قريب أو من بعيد إلى أن ثمة عقوبة دنيوية يأمر بها القرآن لتُوقَّع على المرتد عن الإسلام، وإنما يتواتر في تلك الآيات التهديد المستمر بعذاب شديد في الآخرة، ويُستثنى من ذلك ما أشارت إليه آية سورة التوبة رقم: 74، التي يتضمن نصها الوعيد بعذاب أليم في الدنيا والآخرة.
وعلى الرغم من ذلك فإن هذه الآية لا تفيدنا في تحديد عقوبة الردة؛ لأنها إنما تتحدث عن كفر المنافقين بعد إسلامهم. ومن المعلوم أن المنافقين لا عقوبة دنيوية محددة لهم؛ لأنهم لا يُظهِرون الكفر، بل يخفونه ويظهرون الإسلام. والأحكام القضائية في النظام الإسلامي إنما تُبنى على الظاهر من الأعمال أو الأقوال، لا على الباطن الذي انطوت عليه القلوب أو أسرَّته الضمائر. وفي ذلك يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صدق فأقضيَ له بذلك، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار، فليأخذها أو يتركها" (4).
وهكذا، فإننا لا نجد في النصوص المتعلقة بالردة في آيات القرآن الكريم تقديرًا لعقوبة دنيوية للمرتد، وإنما نجد فيها تهديدًا متكررًا، ووعيدًا شديدًا بالعذاب الأخروي. ولا شك في أن مثل هذا الوعيد لا يرد إلا في شأن معصية لا يُستهان بها. يكفي أن الله سبحانه وتعالى قد وعد المؤمنين بمغفرة الذنوب جميعا، في الوقت الذي توعد فيه من كفروا بعد إيمانهم، ثم ازدادوا كفرًا بأنه لن يغفرَ لهم ولن يهديهم سبيلاً. فالردة في حكم القرآن الكريم معصية خطيرة الشأن وإن لم تُفرض لها آياته عقوبة دنيوية.
هل نُسِخَ قوله تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"؟
ومن ناحية أخرى فإن القرآن الكريم يقرر في وضوح أنه "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة: 256 – 257).
واستنباط عقوبة المرتد أو تأسيسها على فهم بعض الآيات المتقدم ذكرها، التي تبين عقاب المرتد في الآخرة ينافي صريح قوله تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة: 256). وقد فطن ابن حزم -رحمه الله- إلى هذا التعارض بين تقرير عقوبة المرتد استنادًا على بعض الآيات التي فيها وعيد المرتدين، وقوله تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، فذهب إلى أن هذه الآية الأخيرة من منسوخ القرآن، وأن حكمها بالتالي غير محكم. وأن الإكراه مباح في الدين (5).
ولكن دعوة النسخ في هذه الآية غير مسلمة؛ فالنسخ لا يكون إلا بنقل صريح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو عن صحابي يقول: "آية كذا نُسخت بآية كذا"(6). و"لا يُعتمَد في النسخ بأقوال عوام المفسرين، بل ولا اجتهاد المجتهدين من غير نقل صريح ولا معارضة بيِّنة (أي تعارض آيتين)؛ لأن النسخ يتضمن رفع حكم، وإثبات حكم تقرر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ فالمعتمد فيه النقل والتاريخ دون الرأي والاجتهاد (7).
ولا يُحتج في إثبات نسخ قوله تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، بالأحاديث النبوية الصحيحة، التي فيها ذكر قتل المرتد، والتي سوف يأتي ذكرها؛ إذ إن المقرر في أصول الفقه أن القرآن لا ينسخه إلا قرآن مثله، أو سُنة متواترة، وذلك ما يقول فيه الشافعي: "إنما نُسخ ما نُسخ من الكتاب بالكتاب، إن السنة ليست ناسخة، وإنما هي تبع للكتاب بمثل ما نزل نصًا، ومفسرة معنى ما أنزل الله منه مجملاً" (8)، وغير الشافعي من الأصوليين يضيفون السنة المتواترة إلى القرآن (9).
ويقول الإمام الشافعي في الاحتجاج لرأيه: "وفي قوله: "مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي" (يونس: 15) بيان ما وصفت، من أنه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه. فكما كان المبتدئ لفرضه فهو المزيل المثبت لما شاء منه -جل ثناؤه-، ولا يكون ذلك لأحد من خلقه، وفي كتاب الله دلالة على ذلك؛ حيث قال الله تعالى: "مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة: 106)، فأخبر الله أن نسخ القرآن وتأخير إنزاله لا يكون إلا بقرآن مثله" (10)، ولمخالفيه ردود عليه ليس هنا محل بيانها (11).
وقد جمع السيوطي -رحمه الله- الآيات التي صح فيها عند العلماء أنها منسوخة وهي إحدى وعشرون آية، وقال: "لا تصح دعوى النسخ في غيرها" (12)، وليس من بين هذه الآيات قوله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ".
وعلى ذلك فإن قوله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" محكم غير منسوخ، وهذا هو المتفق مع ما تكرر تقريره في القرآن الكريم من حرية الفكر والرأي والاختيار، على نحو يشعر بأن ذلك من أصول الإسلام التي لا يدخل مثلها النسخ ولا التبديل (13).
ومما يجدر بيانه هنا أن الفقهاء لا يستندون بصفة أساسية إلى آي القرآن الكريم في إثبات عقوبة للمرتد، وإنما مستندهم الأساسي في ذلك هو أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم. وإنما ترد آيات القرآن الكريم في بحث الفقهاء لعقوبة الردة بيانا لوعيد الله سبحانه وتعالى للمرتد بالعقاب الأخروي. ويقودنا ذلك لبحث حكم الردة، الذي قررته السنة النبوية، في ضوء الأصل الذي سبق تقريره من أنه "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ"، وفي ضوء الحقائق الأخرى المأخوذة من السنة أيضا، والتي نناقشها في الفقرات التالية.
الأحاديث النبوية في شأن عقوبة الردة:
لا يكاد يخلو كتاب من كتب الفقه الإسلامي من الإشارة إلى بعض آيات الكتاب العزيز تتحدث عن الردة، وما توعد الله عز وجل به المرتد في الآخرة. لكن قبل الولوج في التفسير أشير إلى أن كلمة حرية لم ترد في القرآن الكريم وإنما أتت كلمة "محررًا" عندما نذرت امرأة عمران ما في رحمها لله "... رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا...." (آل عمران، 35). لا توجد هناك مشكلة في عدم طرح فكرة الحرية مباشرة؛ لأن الإسلام جاء لتحرير الإنسان من كل المقيدات الدنيوية غير الطبيعية، ليبقى ضمن قواعد التوافق مع الكون، وهي التي يمكن أن نطلق عليها عبادة الله وحده. وهذا ربما ما عناه عمر بن الخطاب عندما قال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا". لقد ولد الإنسان حرًا بالخلق ولا يجوز الاعتداء على خلق الله. فبدل أن يكون الإنسان عبدًا لشخص أو لشهوة أو لقبيلة أو لحاجة جاء الإسلام ليعتقه من كل هذا، وليتمكن من خلال إيمانه من فك القيود والبقاء ضمن القاعدة الطبيعية التي قال فيها سبحانه: "وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون". لم أجد في الأدبيات الإسلامية تركيزًا على هذه المسألة، ووجدت بعض المتناقضات. فمثلاً يقول أحدهم بأن الإسلام لا يعطي حرية، استنادًا على القول : "إن الدين عند الله الإسلام" (آل عمران، 19)، ويقول آخر بأن الإسلام يعطي مجالاً واسعًا للحريات استنادًا على الآية: "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف، 29)، أو بناء على الآية "وأمرهم شورى بينهم" (الشورى، 38)، هذا أخذ بجزء وذاك أخذ بجزء آخر، فظهر التناقض بينهما. في هذا ما يعكس أزمة في الفكر الإسلامي؛ حيث إن العديد من الكتاب المسلمين يأخذون بجزئيات دون شمولية الطرح القرآني، وأن عددًا منهم يركز على الفقه دون الفكر، أو على قضايا الحلال والحرام دون قضايا الحق والباطل. غير أن الأساس الذي يستند إليه الفقهاء في شأن عقوبة المرتد وكونها من عقوبات الحدود هو بعض أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
وأكثر هذه الأحاديث تداولا على أقلام الفقهاء وفي كتبهم ثلاثة أحاديث هي:
أ - حديث المحاربين من عكل وعرينة، وقد رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
ب - والحديث الذي رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما: "من بدل دينه فاقتلوه".
جـ - والحديث الذي رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة".
ونناقش فيما يلي هذه الأحاديث الثلاثة لنرى إلى أي مدى يمكن أن يصح استنباط عقوبة القتل حدًا للمرتد من هذه الأحاديث كلها أو بعضها.
أولاً: حديث المحاربين من عكل وعرينة:
روى هذا الحديث الإمامان البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس رضي الله عنه: "أن نفرًا من عكل ثمانية (14) قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا، فسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: أفلا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟ قالوا: بلى. فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فصحوا، فقتلوا راعي رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وأطردوا النعم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل في آثارهم، فأُدرَكوا فجِيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم، ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا" (15). وفي بعض الروايات أنه كان للإبل "رعاة" وأن العرنيين قتلوهم ومثَّلوا بهم.
وقد فهم بعض العلماء من هذا الحديث أن العقوبة التي وقَّعها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هي العقوبة المقررة للمرتد؛ فكرروا الحديث تحت عنوان "حكم المحاربين والمرتدين" (16)، أو "باب المحاربين من أهل الكفر والردة" (17). وقد أدت هذه العناوين إلى أن يزعم بعض المستشرقين أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان يكره الناس على الإسلام أول الأمر بتعذيبه من يرتد عنه (18).
أما الرأي السائد بين جمهور العلماء -وهو الصحيح من وجهة نظرنا– فهو أن النفر من عكل وعرينة لم يُقتلوا لمجرد الردة، وإنما قتلوا لكونهم محاربين. وفي ذلك يقول ابن تيمية: "هؤلاء قتلوا مع الردة، وأخذوا الأموال، فصاروا قطاع طريق، ومحاربين لله ورسوله" (19).
وعلى ذلك فإن حديث العرنيين -أو المحاربين من عكل وعرينة – لا يصح أن يكون مستندًا للقائلين بأن عقوبة الردة هي القتل حدًا؛ لأن جريمة العرنيين لم تكن الردة فحسب، وإنما كانت جريمتهم هي الحرابة؛ ولذلك عُوقِبوا بعقوبتهم. أو عُوقِبوا قصاصًا منهم لما فعلوه برعاة الإبل التي سرقوها، حيث إنهم قتلوا الرعاة ومثَّلوا بهم فاقتُصَّ منهم بمثل ما فعلوا.
أما ورود لفظ الردة أو المرتدين في بعض كتب الحديث عند رواية حديث العرنيين فهو – فيما نرى– من باب حكاية حال هؤلاء النفر؛ إذ أنهم جمعوا إلى حرابتهم الردة عن الإسلام، فليس معنى ذكر ردتهم أن ما عُوقبوا به هو عقوبة كل مرتد.
ثانيًا: حديث الأسباب المبيحة لدم المسلم:
بيَّن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن قتل المسلم لا يُباح إلا في حالة من ثلاث حالات، أو بسبب من ثلاثة أسباب: "النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين المفارق للجماعة". والسببان الأولان لا علاقة لهما بالردة وعقوبتها، إنما فسَّر كثير من الفقهاء "المارق من الدين المفارق للجماعة" بأنه المرتد، وقرَّروا بناء على ذلك أن المرتد يُقتل حدًا بنص هذا الحديث الصحيح.
وهذا التفسير ليس محل اتفاق بين الفقهاء. فابن تيمية رحمه الله قرر أن المقصود بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المارق من الدين المفارق للجماعة" يحتمل أن يكون المحارِب قاطع الطريق لا المرتد. ويستند ابن تيمية في رأيه هذا إلى أن رواية للحديث المذكور، قد جاءت مُفسَّرة على هذا النحو عن عائشة رضي الله عنها، وذلك هو ما رواه أبو داود بسنده عن عائشة -رضي الله عنها- أن -رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، فإنه يُرجم، ورجل خرج محاربًا لله ورسوله، فإنه يُقتل أو يُصلب أو يُنفى من الأرض، أو يقتل نفسًا فيُقتل بها" (20). وأخذًا بهذا الحديث، قال ابن تيمية: "فهذا المستثنى هو المذكور في قوله: التارك لدينه المفارق للجماعة. ولهذا وصفه بفراق الجماعة، وإنما يكون هذا بالمحاربة" (21).
فإذا صح هذا التفسير، وهو عندي صحيح، فإن الأسباب المبيحة لدم المسلم والمذكورة في حديث عبد الله بن مسعود الذي رواه البخاري ومسلم هي نفسها التي وردت في حديث عائشة الذي رواه أبو داود. ويكون النص في هذا الحديث على المروق من الدين ومفارقة الجماعة مقصودًا به من ارتد ثم حارب الله ورسوله، وليس بمجرد الردة. وعلى ذلك فإن حكم المرتد الذي لم تقترن ردته بمحاربة جماعة المسلمين التي عبر عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "بمحاربة الله ورسوله" لا يُستَدلُّ عليه بهذا الحديث.
وبعبارة أخرى، فإن الحديث الذي نحن بصدده لا يقرِّرُ حكم الردة المجردة، وإنما يقرر حكم المحارب. والمحارب يُقتل سواءً أكان مسلما أو غير مسلم. فلا يسوغ الاستناد إلى قوله صلى الله عليه وسلم: "المارق من الدين المفارق للجماعة" في إثبات عقوبة القتل حدًا للمرتد.
ثالثا: حديث من بدل دينه فاقتلوه:
روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه". وقد روى هذا الحديث أيضا أبو داود في سننه، والإمام مالك في الموطأ وغيرهم (22). وهذا الحديث هو أقوى ما يؤيد المذهب السائد في الفقه الإسلامي من أن المرتد يعاقب بالقتل حدًا.
وقد حاول بعض المعاصرين أن ينفي تقرير الإسلام لأية عقوبة على الردة، أو بعبارة أخرى أن ينفي تجريم الردة، فذهب إلى أن الحديث يشير إلى المحارب المرتد، وهو يعني بالمحارب ذلك الذي يشارك فعلاً في قتال قائم بين المسلمين وأعدائهم. وعندئذ فإن القتل الذي يجيزه هو القتل في القتال وبسبب القتال، وليس القتل باعتباره عقوبة لجريمة معينة هي جريمة الردة. ويرى صاحب هذا الرأي أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تمنع أن نقع في تناقض حين نقرر قتل المرتد حدًّا، ونقرر في الوقت نفسه حرية العقيدة، التي كفلها الإسلام بقوله تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (22).
ويتساءل صاحب هذا الرأي: كيف يمكن أن نقبل هذا الحديث على عمومه، الذي يفيد شموله لكل من غيّر دينه، ومن ثم فإن اليهودي الذي يتنصر، أو المسيحي الذي يعتنق الإسلام يدخل تحت حكم الحديث فيجب قتله حدًا؟
والواقع أن الفقهاء لم يقولوا بسريان الحكم الوارد في هذا الحديث على كل من بدَّل دينه، وإنما كما يقول الإمام مالك: "ولم يعن بذلك، فيما نرى والله أعلم، من خرج من اليهودية إلى النصرانية، ولا من النصرانية إلى اليهودية، ولا من يغير دينه من أهل الأديان كلها إلا الإسلام. فمن خرج من الإسلام إلى غيره، وأظهر ذلك فذلك الذي عُني به والله أعلم" (24). وعلة ذلك أن لفظ الدين إذا أُريد به الدين الحق فهو الإسلام، فتبديل الدين يُراد به تبديل الإسلام لا غيره.
ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية وبعض الشافعية. وقد بيّن ابن حزم رأي الظاهرية بقوله فيمن خرج من كفر إلى كفر أنه "لا يترك، بل لا يُقبل منه إلا الإسلام أو السيف" (25). أما الشافعية الذين رأوا قتل من غيّر دينه إلى دين آخر من أهل الكفر، فقد نقل رأيهم الحافظ ابن حجر في شرحه على صحيح البخاري، وكذل نقله ابن حزم في المحلى (26).
والحديث على الراجح عند العلماء ليس على عمومه؛ لأن العموم يشمل من ترك دينًا غير الإسلام، إلى دين الإسلام، وليس هذا مرادًا بالحديث باتفاق الجميع. وقد احتج الجمهور لمذهبهم في عدم انطباق نص الحديث على من يغير دينه من غير المسلمين إلى غير الإسلام بأن "الكفر ملة واحدة، فلو تنصر اليهودي لم يخرج عن دين الكفر، وكذا لو تهوَّد الوثني. فواضح أن المراد من بدَّل بدين الإسلام دينا غيره؛ لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام، حيث قال تعالى: "إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ" (آل عمران: 19)، وما عداه فهو بزعم المدعي" (27).
ويُورِد الأحناف على الحديث قيدًا آخر يخصصون به عموم لفظه، حيث يرون أن المرتدة لا تقتل، وأن الحديث مقصور على المرتد من الرجال دون من ترتد من النساء. وقد علل الحنفية ذلك بأن المرأة لا تقاتل، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل النساء، والنهي عام، فيجري على عمومه ليشمل المرتدة (28).
فعلة قتل المرتد عند الأحناف أنه قد يقاتل المسلمين مع الكفار أو المشركين فلذلك يقتل، أما المرأة فليست من أهل القتال فلا تقتل. وقد عدّد بعض متأخري الأحناف من يُستثنون من تطبيق الحديث الشريف: "من بدل دينه فاقتلوه"، فجعلوهم أربعة عشر صنفا من المرتدين (29)، ويصح لذلك أن يُقال: إن أصحاب هذا الرأي يخصِّصون عموم هذا الحديث بالأدلة التي يحتجون بها في عدم قتل هذه الأصناف الأربعة عشر من المرتدين.
غير أن تخصيص عموم الحديث، أو تقييد إطلاقه، على النحو المتقدم، سواء ما كان منه موضع اتفاق بين الفقهاء، أو ما كان موضع خلاف بينهم، لا يؤدي – في النظر الصحيح إليه– إلى النتيجة التي قال بها صاحب الرأي السابق الإشارة إليه من أن الإسلام لم يقرر للمرتد عقابا.
ويبدو أن الروح الاعتذارية، التي سيطرت على صاحب هذا الرأي في كتابه كله هي التي قادته إلى هذه النتيجة هنا. ولذلك فإننا نعلن اختلافنا معه في رأيه، ونسلم بما اتفق عليه جمهور فقهاء المسلمين من أن الردة عمل مجرَّم في الشريعة. غير أن الذي يجب أن يتساءل المرء عنه هو أي نوع من العقوبات قرره الإسلام لهذه الجريمة؟ وهل يوجب حديث السول –صلى الله عليه وسلم-: "من بدل دينه فاقتلوه" عقوبة القتل حدًّا للمرتد؟ أم أن المسألة تحتمل أن يكون ثمة وجه آخر للنظر فيها؟
رأي في عقوبة الردة
خلصنا فيما تقدم إلى أن القرآن الكريم لم يحدد للردة عقوبة دنيوية، وإنما توعدت الآيات التي فيها ذكر الردة بعقوبة أُخروية للمرتد. وبينَّا أن الفقهاء يستندون على أحاديث نبوية صحيحة لبيان حكم المرتد، وأنهم يذهبون -بصفة عامة- إلى أن المرتد يُقتل لردته عملاً بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من بدل دينه فاقتلوه" (رواه الجماعة إلا مسلمًا).
وعلى الرغم من الاتجاه الظاهر في الفقه الإسلامي إلى تضييق نطاق توقيع العقوبات، والتوسع الملحوظ في مختلف المذاهب في إعمال قاعدة درء العقوبات بالشبهات، فإننا نلاحظ أن اتجاها مغايرًا يظهر في شأن جريمة الردة وعقوبتها؛ حيث ثمة توسع في التجريم، يترتب عليه توسع في حالات تقرير وجوب توقيع العقاب (30).
ومع التسليم بتجريم الردة، فإننا نتردد في القطع بأن العقوبة التي قررها لها الإسلام هي عقوبة الإعدام، وأن هذه العقوبة من عقوبات الحدود.
وقد سبق إلى مثل هذا التردد المرحوم الشيخ محمود شلتوت، فقال بعد أن بيّن مستند الفقهاء في تقرير عقوبة الردة، وخلافهم في مدى إعمال الحديث النبوي في قتل المرتد: "وقد يتغير وجه النظر في المسألة إذ لوحظ أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبُت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم ومحاولة فتنتهم عن دينهم، وأن ظواهر القرآن الكريم في كثير من الآيات تأبى الإكراه في الدين" (31).
إن أقوى ما يستند إليه الفقهاء في إثبات عقوبة القتل حدًا للمرتد هو الأمر الوارد في قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه". والسؤال الذي يجب أن نتصدى للإجابة عنه هنا هو: هل الأمر الوارد في هذا الحديث يفيد الوجوب، أو أنه أمر قد أحاطت به قرائن صرفته عن الوجوب إلى غيره؟
وقبل أن نجيب عن هذا السؤال يجدر بنا أن نبين أن الأصوليين (أي علماء أصول الدين) يختلفون اختلافًا كبيرًا حول موجب الأمر، وما وضعت له صيغته في اللغة. وقد أوصل بعضهم المعاني التي تفيدها صيغة الأمر إلى بضعة وعشرين معنى، وذهب بعضهم إلى التوقف في المراد بالأمر حتى يتبين من القرائن المعنى المراد منه (32). والصحيح من أقوال الأصوليين هو أن صيغة الأمر وضعت للوجوب، وأنها لا تصرف عن الوجوب إلى غيره، إلا إذا حفَّت بها القرائن التي تؤدي إلى ذلك (33).
فإذا تبين هذا، نظرنا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدم ذكره لنسأل أنفسنا: هل نرى أي أنواع القرائن حفّت به؟
ولعل أول ما يرد على الذهن في هذا الشأن سكوت القرآن الكريم عن تقرير عقوبة دنيوية للمرتدين على ما قدمناه. على أن هذا السكوت لا يصلح وحده قرينة لصرف الأمر الوارد في الحديث النبوي عن موجبه ومقتضاه؛ وذلك لأن الله سبحانه وتعالى قد جعل لنبيه أن يسنَّ لأمته فيما "ليس فيه نص حكم، وقد فرض الله في كتابه طاعة رسوله والانتهاء إلى حكمه. فمن قبِل عن رسول الله فبفرض الله قبِلَ" (34).
ولكننا وجدنا في السنن الصحيحة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما يجعلنا نذهب إلى أن الأمر الوارد في الحديث بقتل المرتد ليس على ظاهره، وأن المراد منه إباحة القتل لا إيجابه. ومن ثم تكون عقوبة المرتد عقوبة تعزيرية مفوضة إلى الحاكم: أي القاضي، أو الإمام: أي رئيس الدولة، أو -بعبارة أخرى– مفوضة إلى السلطة المختصة في الدولة الإسلامية، تقرر فيها ما تراه ملائمًا من العقوبات، ولا تثريب عليها إن هي قررت الإعدامَ عقوبةً للمرتد. وهذا -والله أعلم – هو معنى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن من بدل دينه فيجوز أن يُعاقب بالقتل، لا أنه يجب حتما قتله.
وتتلخص هذه القرائن في الأمور التالية:
الأمر الأول: من هذه القرائن التي تصرف الأمر في الحديث عن الوجوب إلى الإباحة، أن الأحاديث التي ورد فيها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل مرتدًّا أو مرتدة أو أمر بأيهما أن يُقتل، كلها لا تصحُّ من حيث السند. ومن ثم فإنه لا يثبت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عاقب على الردة بالقتل (35).
الأمر الثاني: ما رواه البخاري ومسلم من أن "أعرابيا بايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأصاب الأعرابي وعك بالمدينة، فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا محمد أقلني بيعتي. فأبى ثم جاءه قال: يا محمد أقلني بيعتي؛ فأبى؛ فخرج الأعرابي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إنما المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها" (36)، وقد ذكر الحافظ ابن حجر، والإمام النووي نقلاً عن القاضي عياض (37) أن الأعرابي كان يطلب من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إقالته من الإسلام (38)، فهي حالة ردة ظاهرة، ومع ذلك لم يعاقب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الرجل ولا أمر بعقابه، بل تركه يخرج من المدينة دون أن يعرض له أحد.
الأمر الثالث: ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رجلاً نصرانيًا فأسلم، وقرأ البقرة وآل عمران. فكان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم، فعاد نصرانيا. فكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له. فأماته الله فدفنوه، فأصبح وقد لفظته الأرض…" الحديث (39). ففي هذا الحديث أن الرجل تنصر بعد أن أسلم وتعلم سورتي البقرة وآل عمران، ومع ذلك فلم يعاقبه النبي صلى الله عليه وسلم على ردته (40).
الأمر الرابع: هو ما وردت حكايته في القرآن الكريم عن اليهود الذين كانوا يترددون بين الإسلام والكفر ليفتنوا المؤمنين عن دينهم ويردوهم عن الإسلام، قال تعالى: "وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ" (آل عمران: 72). وقد كانت هذه الردة الجماعية في المدينة والدولة الإسلامية قائمة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم حاكمها، ومع ذلك لم يُعاقب هؤلاء المرتدين الذين يرمون، بنص القرآن الكريم، إلى فتنة المؤمنين في دينهم وصدهم عنه (41).
وليس من اليسير علينا أن نسلم مع وجود هذه الوقائع المتعددة للردة ومع عدم عقاب الرسول -صلى الله عليه وسلم- للمرتدين في أي منها، بأن عقوبة المرتد هي القتل حدًّا؛ إذ من خصائص الحدود -كما قدمنا– وجوب تطبيقها كلما ثبت ارتكاب الجريمة الموجبة لها.
وإذ كان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" حديثا صحيحًا من حيث السند، فإننا نقول: إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما أراد بهذا الحديث -والله أعلم– أن يبيح لأمته قتل المرتد تعزيرا (42).
ويؤيد ما ذهبنا إليه عدد من الآثار المروية، والآراء الفقهية التي تذكر عقوبات أخرى للمرتدين غير عقوبة القتل. فمن هذه الآثار ما رواه عبد الرازق بسنده عن أنس رضي الله عنه قال: "بعثني أبو موسى بفتح تستر إلى عمر رضي الله عنه، فسألني عمر، وكان ستة نفر من بني بكر بن وائل قد ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين، فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قال فأخذتُ في حديث آخر لأشغله عنهم، فقال: ما فعل النفر من بكر بن وائل؟ قلت: يا أمير المؤمنين قوم ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بالمشركين، ما سبيلهم إلا القتل؟ فقال عمر: لأن أكون أخذتهم سلما أحب إلي مما طلعت عليه الشمس من صفراء وبيضاء. قال: قلت: يا أمير المؤمنين وما كنت صانعًا بهم لو أخذتهم؟ قال: كنت عارضًا عليهم الباب الذي خرجوا منه أن يدخلوا فيه فإن فعلوا ذلك قبلت منهم وإلا استودعتهم السجن" (43).
ومن الآثار المروي عن عمر بن عبد العزيز "أن قوما أسلموا ثم لم يمكثوا إلا قليلاً حتى ارتدوا، فكتب فيهم ميمون بن مهران إلى عمر بن عبد العزيز فكتب إليه عمر: أن رد عليهم الجزية ودعهم" (44).
وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه يسأله في رجل أسلم ثم ارتد، فكتب إليه عمر بن عبد العزيز: "أن سله عن شرائع الإسلام، فإن كان قد عرفها فأعرض عليه الإسلام، فإن أبى فاضرب عنقه، وإن كان لا يعرفها فغلظ الجزية ودعه" (45).
ومن آراء التابعين رأي إبراهيم النخعي في المرتد أنه يستتاب أبدًا، وقد رواه عنه سفيان الثوري وقال: "هذا الذي نأخذ به" (46).
وفي معرض رده على قول من ذهب إلى قتل المرتد وإن أعلن توبته، يقرر الباجي، وهو من أعلام المالكية، أن الردة "معصية لم يتعلق بها حد ولا حق لمخلوق كسائر المعاصي" (47)، وكل معصية ليس فيها حد ولا حق لمخلوق فهي مما يجيز العقوبة تعزيزًا بلا خلاف.
وإذا لم يكن في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن المرتدين يحبسون، كما ذهب إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولا أن يُفرَّق بين من عرف شرائع الإسلام ومن لم يعرفها كما ذهب إليه عمر بن عبد العزيز، ولا أن يعودوا إلى دفع الجزية ويتركوا على دينهم الذي ارتدوا إليه كما أمر به عمر بن عبد العزيز أيضًا، فإننا نقول: إن ذلك لا يكون إلا وقد فهم أصحاب هذه الآراء المتقدمة أن العقوبة الواردة في الحديث النبوي الشريف، إنما هي عقوبة تعزيرية وليست عقوبة حد.
وحاصل ما تقدم أن عقوبة الردة عقوبة تعزيرية مفوضة إلى السلطة المختصة في الدولة الإسلامية، تقرر بشأنها ما تراه ملائما من أنواع العقاب ومقاديره. ويجوز أن تكون العقوبة التي تقررها الدولة الإسلامية للردة هي الإعدام. وبذلك نجمع بين الآثار الواردة عن الصحابة، والتي ثبت في بعضها حكم بعضهم بقتل المرتد، وفي بضعها الآخر عدم قتله. وعلى ذلك أيضًا نحمل رأي إبراهيم النخعي وسفيان الثوري في أن المرتد يستتاب أبدًا ولا يُقتَل (48).
وعلى الرغم من مخالفة ما انتهينا إليه لما ذهب إليه جمهور الفقهاء إذ رأينا جواز قتل المرتد عقابًا على الردة ورأوا وجوب كون العقوبة قتله، فإن ما قدمناه من أدلة يشهد -في نظرنا– له. فإن يك صوابا فالحمد لله، وإن يك خطأ فمني وأستغفر الله (49).
لا عقوبة للردة.. وحرية الاعتقاد عماد الإسلام
أ. جمال البنا
أشار القرآن في عدد من الآيات إلى الارتداد عن الإسلام، منها قوله تعالى: "وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ" (البقرة: 217)، وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ" (آل عمران: 149)، وقوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ..." (المائدة: 54)، وقوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ" (محمد: 25).
وقد تفضل الدكتور يوسف القرضاوي بالإجابة على هذه الفتوى اجتهادًا في إطار اعتباره مصلحة الجماعة المسلمة في الدول الغربية، وكان نص فتواه كالتالي: فتوى الدكتور يوسف القرضاوي: الحمد لله، والصلاة والسلام على إمامنا وحبيبنا وأسوتنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه (أما بعد).. فقد كنت لسنوات طويلة أفتي بما يفتي به العلماء الذين ذكرهم السائل في سؤاله. وهناك آيات أخرى لم تستخدم فعل "ارتد"، ولكنها تضمنت المعنى مثل قوله تعالى: "مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ" (النحل: 109)، وقوله تعالى: "وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور: 55).
وهذه الآيات صريحة في إشارتها إلى الردة بعد الإسلام، ومع هذا فلم تُشِر أقل إشارة إلى عذاب دنيوي أو حدّ يوقع على المرتد، كما يوقع على السارق أو القاتل. وإنما كان العقاب المروع المخوف هو غضب الله.
وهذا ما يتسق مع سياسة وروح القرآن والنصوص الأخرى العديدة فيه، التي بنت الإيمان والاعتقاد على اقتناع الفرد وهدايته دون قسر أو ضغط، وحريته إلى أبعد مدى، وفي ذلك نجد قوله تعالى: "فمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف: 29).
وكان في هذا -أعني النص الصريح في هذه النقطة والنصوص العديدة في الآيات الأخرى التي أكدت حرية الاعتقاد- مقنع لتحديد الموقف من المرتد، ولكن بعض الفقهاء لم يلتفتوا إلى دلالة هذه النصوص الصريحة الواضحة بحجة أن ثمة أدلة من السنة.
والمسلمون موجودون في أوروبا وأمريكا وأستراليا فضلاً عن آسيا وأفريقيا، وهم يشكّلون أقلّيات كبيرة في أكثر البلاد غير الإسلامية، وعدد كبير منهم من أهل البلاد الأصليين. وإنّ المحافظة على حقوق الإنسان ومنها حرّية الاعتقاد أصبحت سائدة في أكثر دول العالم – إن لم نقل فيها جميعًا – بحيث لم يعد القتال لمنع الفتنة حسب التعبير القرآني واردًا. لكن القتال دفاعًا عن النفس وردًا للاعتداء لا يزال قائمًا بين حين وآخر، ومنه القتال الذي وقع في البوسنة وكوسوفا والشيشان وأفغانستان وفلسطين. إنّنا نعتقد أنّ الدعوة هي قاعدة التعامل مع غير المسلمين من حيث المبدأ. نماذج من موقف الفقه التقليدي من قضية الردة
وإزاء تعامل الفقهاء بهذه الصورة مع هذه القضية الحساسة، سننقل هنا قولين من أقوال التراث الفقهي القديم والمعاصر:
القول الأول: جاء في كتاب (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) لابن رشد تحت عنوان "باب في حكم المرتد": "والمرتد إذا ظُفر به قبل أن يُحارب فاتفقوا على أنه يُقتل؛ لقوله -عليه الصلاة والسلام-: من بدل دينه فاقتلوه" (رواه الجماعة إلا مسلما)، واختلفوا في قتل المرأة، وهل تستتاب قبل أن تقتل؛ فقال الجمهور: تقتل المرأة. وقال أبو حنيفة: تُقتل، وشبهها بالكافرة الأصلية. والجمهور اعتمدوا العموم الوارد في ذلك، وشذ قوم فقالوا: تقتل وإن راجعت الإسلام. وأما الاستتابة فإن مالكًا اشترطها في قتله على ما رواه عن عمر، وقال قوم: "لا تقبل توبته". وأما إذا حارب المرتد، ثم ظهر المسلمون عليه فإنه يُقتل بالحرابة ولا يُستتاب، سواء كانت حرابته بدار الإسلام أو بعد أن أُلحق بدار الحرب إلا أن يُسلم.
وأما إذا أسلم المرتد المحارب بعد أن أُخذ أو قبل أن يُؤخَذ فإنه يُختَلَف في حكمه. فإن كانت حرابته في دار الحرب فهو عند مالك كالحربي يسلم لأتباعه، وأما إذا كانت حرابته في دار الإسلام فإن إسلامه يُسقِط عنه حكم الحرابة خاصة، وحكمه فيما جنى حكم المرتد إذا جنى في ردته في دار الإسلام ثم أسلم. وقد اختلف أصحاب مالك فيه؛ فمنهم من قال: من اعتبر معيار الحكم يوم الجناية فحكمه حكم المرتد. ومنهم من قال: من اعتبره يوم الحكم فإن حكمه حكم المسلم.
ولعل أفضل ما في هذه "الدوامة" افتراض قيام "المحاربة" جنبًا إلى جنب الارتداد، وإدارة الحكم على فكرة ما إذا كان قد قُبض على المرتد قبل أن يحارب أو بعد أن حارب. وهذا هو أهم ما في الموضوع.
القول الثاني: جاء في كتاب "الإسلام عقيدة وشريعة" للشيخ محمود شلتوت الذي يقول تحت عنوان (عقوبة الاعتداء على الدين بالردة): الاعتداء على الدين بالردة يكون بإنكار ما عُلم من الدين بالضرورة، أو ارتكاب ما يدل على الاستخفاف والتكذيب. والذي جاء في القرآن عن هذه الجريمة هو قوله تعالى: "وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة: 217). وثمة شهادة أخرى من الدكتور (هنري لنك) طبيب النفس الأمريكي الشهير، إذ يقول معارضًا للذين ينكرون الإيمان بالغيب، باسم العلم واحترام الفكر، مبينًا أن العلم وحده لا يستطيع أن يحقق للإنسان أسباب السعادة الحقة: "والواقع أنه يوجد الآن في كل ميدان من ميادين العلم من الظواهر ما يؤجج شعلة ذلك الضلال، وأعني به تعظيم شأن الفكر، ومع ذلك كان علماء النفس هم الذين توصلوا إلى أن الاعتماد المطلق على التفكير فحسب: أي بعيدًا عن الروح، كفيل بهدم سعادة الإنسان". وقال: "لن نهتدي إلى حل شاف لمشكلات الحياة العويصة، ولن ننهل من مورد السعادة عن طريق تقدم المعلومات والمعرفة العلمية وحدها. فارتقاء العلم معناه ازدياد الارتباك واضطراد التخبط، وما لم يتم توحيد هذه العلوم كلها تحت راية حقائق الحياة اليومية الواضحة وإخضاعها، فلن تؤدي هذه العلوم إلى تحرير العقول التي ابتدعتها وابتـكرتها، بل ستقــود حتمًا إلى انهـيار هذه العقـول وتعفـنها، كما أن هذا التوحيد لا بد أن يأتي عن طريق آخر غير طريق العلم، وأعني به طريق الإيمان". علم الغرب معزول عن الدين أضف إلى ما ذكره هؤلاء العلماء الغربيون: أن العلم في الغرب - لظروف تاريخية معروفة - نشأ بمعزل عن الدين، بل نشأ مضادًا للدين، فقد وقفت الكنيسة وقفتها المعروفة في التاريخ، معادية للعلم ومكتشفاته، فتركها العلم، ومضى وحده، وحسب العلماء أن طبيعة الدين أن يقف في وجه العلم، فأعرض عن الله - مصدر الدين - ولم يذكر اسمه في بحوثه وابتكاراته وإنجازاته. والآية كما ترى لا تتضمن أكثر من الحكم بحبوط العمل والجزاء الأخروي بالخلود في النار.
أما العقاب الدنيوي لهذه الجناية فيثبته الفقهاء بحديث يُروى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" (رواه الجماعة إلا مسلمًا).
مصادر الإشكال في حديث ابن عباس
المتأمل لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما- يجده مشكلاً. فهل المراد: من بدَّل دينه من المسلمين فقط، أو هو يشمل من تنصر بعد أن كان يهوديًا مثلاً؟
وهل يشمل هذا العموم الرجل والمرأة؛ فتقتل المرأة أيضًا إذا ارتدت أم هو خاص بالرجل، وعليه فلا تُقتل المرأة بالردة؟
وهل يُقتل المرتد فورًا أم يُستتاب؟ وهل للاستتابة أجل أم لا أجل لها فيستتاب أبدًا؟
وقد يتغير وجه النظر في هذه المسألة؛ فلقد لُوحظ أن كثيرًا من العلماء يرى أن الحدود لا تثبت بحديث الآحاد، وأن الكفر بنفسه ليس مبيحًا للدم، وإنما المبيح هو محاربة المسلمين، والعدوان عليهم ومحاولة فتنتهم عن دينهم، وأن ظواهر القرآن الكريم في كثير من الآيات تأبى الإكراه على الدين؛ فقال تعالى: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" (البقرة: 256)، وقال سبحانه: "أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" (يونس: 99).
وقد جاء في كتاب "حرية الفكر في الإسلام" للشيخ عبد المتعال الصعيدي، بعد أن استعرض الآيات القرآنية، واطَّلع على تسامح النبي صلى الله عليه وسلم مع المنافقين قوله: "... فإذا ورد بعد هذا أحاديث آحاد تفيد قتل المرتد، فإمَّا ألا نقبلها؛ لأن أحاديث الآحاد لا يُعمل بها في العقائد، وقتل المرتد على تغييره لاعتقاده يدخل في باب العقائد لا الفروع، وإما أن نحملها على المرتد المقاتل؛ لأن المسلمين كانوا على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- في حالة حرب؛ فكان من يرتد بعد إسلامه لا يلزم بيته، بل ينضم إلى أعداء الإسلام يقاتل معهم؛ فكان الأمر بقتله على قتاله مع أولئك الأعداء لا على ردته عن الإسلام، وكان عدم قتله للمنافقين الذين ارتدوا بعد إيمانهم؛ لأنهم لم يقاتلوا المسلمين، بل كانوا أحيانًا يقاتلون بجانبهم، ولم يكن عدم قتلهم للجهل بكفرهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم نفاق كثير منهم، وحينئذ تكون تفرقته بين المرتدين في ذلك راجعة إلى حملهم للسلاح مع ارتدادهم أو عدم حملهم له؛ فمن حمل السلاح مع ارتداده يُقتَل، ومن لم يحمل السلاح لم يُقاتَل ولم يُقتَل، وهذا هو أحسن ما يُجمع به بين الاختلاف الذي ورد في هذه المسألة.
وبعد، فإن الأقوال الكثيرة جدًا في المرتد، وقد أحصاها ابن حزم في كتابه "المحلى" فقال: "كل من صح أنه كان مسلمًا متبرئًا من كل دين حاشا دين الإسلام، ثم ثبت عنه أنه ارتد عن دين الإسلام، وخرج إلى دين كتابي أو غير كتابي أو إلى غير دين؛ فإن الناس اختلفوا في حكمه؛ فقالت طائفة: لا يستتاب، وقالت طائفة: يستتاب، وفرقت طائفة بين من وُلد في الإسلام ثم ارتد، ومن أسلم بعد كفره ثم ارتد. ثم ذكر أن من قالوا: "لا يستتاب" انقسموا فرقتين؛ فقالت طائفة بقتل المرتد، تاب أو لم يتب، راجع الإسلام أو لم يراجع. وقالت طائفة: إن بادر فتاب قُبلت منه توبته وسقط عنه القتل، وإن لم تظهر توتبه أنفذ عليه القتل. وأما من قالوا: "يستتاب" فإنهم انقسموا أقسامًا؛ فطائفة قالت: "نستتيبه مرة فإن تاب وإلا قتلناه"، وطائفة قالت: "نستتيبه ثلاث مرات فإن تاب وإلا قتلناه"، وطائفة قالت: "نستتيبه شهرًا فإن تاب وإلا قتلناه"، وطائفة قالت: "نستتيبه مائة مرة فإن تاب وإلا قتلناه"، وطائفة قالت: "يُستتاب أبدًا ولا يُقتَل".
وأما من فرق بين المُسِر والمعلن فإن طائفة قالت: "من أسر ردته قتلناه دون استتابة ولم تُقبل توبته، ومن أعلنها قبلنا توبته". لكن لا تكون معالجته بإباحة الحرام ابتداءً، ومخالفة النصوص الواضحة. وإنّما يمكن أن يُباح من قبيل الضرورة الشرعية. والضرورات تُبيح المحظورات. وإشباع الغريزة الجنسية قد يكون ضرورة تفوق ضرورة الأكل عند بعض الناس، وقد يستطيع البعض الآخر أن يصبر عليها. فإذا قلنا إنّ الحكم الشرعي الأصلي تحريم الوطء بين المسلمة وغير المسلم. فإنّنا يمكن أن نقول: إنّه إذا طال الوقت ولم يصدر حكم التفريق، ولم تستطع المرأة الصبر على الانتظار، وتعرّضت بذلك للوقوع في الحرام، فإنّ معاشرتها الزوجيّة لزوجها غير المسلم تصبح من قبيل الضرورة. هذه قد تكون فتوى فردية لظروف يقدّرها المفتي، ولا يمكن أن تكون حكماً عامّاً. وهنا فإنّنا نرى أنّ معاشرة المرأة المسلمة لزوجها غير المسلم في مثل هذه الظروف ليست من الزنا لوجود شبهة العقد السابق، وبقائه نافذاً، أو تحوّله إلى عقد جائز موقوف، يؤيّد ذلك قول الإمام الشافعي: (ولو أسلم الرجل ولم تسلم امرأته في العدّة، فأصابها. كانت الإصابة محرّمة عليه لاختلاف الدينين … لأنّنا علمنا أنّه أصابها وهي امرأته، وإن كان جماعها محرّماً … وهكذا لو كانت هي المسلمة وهو الثابت على الكفر …) . ثانياً: أسباب فسخ العقد: ونحن نرى بناءً على ما سبق أنّ سعي المرأة المسلمة لفسخ عقد زواجها القائم مع غير مسلم، واجب عليها، وليس مجرّد خيار لها وذلك للأسباب التالية: 1 - الالتزام بالنصّ الشرعي الواضح القاطع "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ". قال هؤلاء: "وأما المعلن فتُقبل توبته"، وطائفة قالت: "لا فرق بين المسرِّ والمعلن في شيء من ذلك"، فطائفة قبلت توبتهما معًا أقر المسرُّ أو لم يقر، وطائفة لم تقبل توبة المسر ولا المعلن.
إن هذه الأقوال التي امتلأ بها تراثنا الفقهي توضح لنا إلى أي مدى وصل التخبط والتعدد والتعارض والتفارق والاختلاف شيعًا وطوائف، وكان لهم في هذا كله مَعدى ومندوحة؛ لأن الأمر لا يحتمل جدلاً.. وليس فيه إلا قول واحد.
قاعدة ذهبية: لا تدخُّلَ للسلطة في ضمير الفرد
والقول الذي نود التأكيد عليه هنا هو أن أي تدخُّل للسلطة تحت أي اسم كان، وبأي صفة اتصفت، بين الفرد وضميره مرفوض بتاتًا، وأن الاعتقاد يجب أن يقوم على حرية الفرد واطمئنان قلبه. ودليلنا ما يلي:
أولاً: أن القرآن الكريم ذكر الردة ذكرًا صريحًا في أكثر من موضع، ولم يرتب عليها عقوبة دنيوية، ولو أراد لذكر.
ثانيًا: أن القرآن الكريم أوضح -بما لا يدع مجال للشك، وفي مئات الآيات، وبالنسبة لكل أبعاد قضية الإيمان- أن المعول والأساس هو القلب والإرادة، وصرح بأنه ليس للأنبياء من دخل في هذا بضغط أو قسر، وأنه لا إكراه في الدين، وأن من شاء فله أن يؤمن ومن شاء فله أن يكفر.
ثالثًا: أن القرآن الكريم عندما قرر حرية الاعتقاد، فإنه كان في حقيقة الحال يقرر مبدأ أصوليًا تحتمه طبائع الأشياء والأصول العامة وحكم العقل والمنطق، ولو لم يقرره القرآن لفرض نفسه على المجتمع بحكم السلامة الموضوعية، ولكونه يمثل إحدى السنن التي وضعها الله تعالى للمجتمع الإنساني، ولم تأتِ الشرائع الإلهية لمخالفتها، وإنما جاءت لتقريره.
رابعًا: أنه لم يرِد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قتل مرتدًا لمجرد ارتداده، على كثرة المنافقين الذين كفروا بعد إيمانهم.
خامسًا: أننا لا نرد حديثًا لمجرد كونه حديث آحاد، وكل حديث يثبت لدينا نحترمه ونقدره، ولكن يجب علينا لكي نطبقه كمبدأ عام أن نتقصى غاية التقصي، وأن نلم بملابسات الحديث كله، وأن نتأكد من أنه قد رُويَ بالحرف وليس بالمعنى؛ لأنه لا يجوز أن نبيح الدماء أو نقيد الحريات مع احتمال الرواية بالمعنى؛ فهذا الأسلوب في الرواية قد يغير المقصود، كما يجب الإلمام بالملابسات التي أحاطت بهذا الحديث، التي قد تجعله حكمًا خاصًا لا عامًا. وهذه كلها شبهات قوية، ويمكن لأقل منها أن ترد تطبيق حد مذكور في القرآن على فرد واحد؛ فكيف يمكن تقرير مبدأ عام يطبق على الكافة مع وجودها؟
سادسًا: أن فكرة الردة اقترنت على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بعداوة الإسلام وحربه. فمن آمن كان يعمل لنصرته، ومن ارتد كان يعمل على حربه، ويلحق بالمشركين، كما حدث في حالة "عبد الله بن سعد بن أبي سرح"، الذي كان قد آمن ثم ارتد وأخذ يؤلب قريشًا على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأهدر النبي دمه، فلما كان فتح مكة لاذ بعثمان بن عفان وكان أخاه في الرضاعة، فغيبه حتى اطمأن الناس، ثم أحضره إلى النبي وطلب له الأمان فصمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طويلاً، ثم أمَّنه؛ فأسلم.
مثال تاريخي ونموذج معاصر
والذكر المأثور للردة في التاريخ الإسلامي هو ردة القبائل العربية بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد كانت ردة هذه القبائل في حقيقة الحال رفض دفع الزكاة. ومن هنا كانت قولة أبي بكر المشهورة: "والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه للنبي صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه". وأكثر منها صراحة قولته في حربه لمن يفرق بين الصلاة والزكاة. فردة هذه القبائل كانت سياسية أكثر مما كانت دينية بالمعنى الذي نفهمه. ولهذا لا نجد استشهادًا بها في الكتب الفقهية تأييدًا لدعوى قتل المرتد.
أما فكرة الارتداد كنوع من ممارسة حرية العقيدة فقد كانت مستبعدة وقتئذ، ومن هنا فحتى الفقهاء أنفسهم لاحظوا هذه النقطة، وفرقوا بين القبض على المرتد قبل أن يجاهر بالمحاربة أو بعدها.
وكان يجب على الذين يعالجون هذه النقطة في العصر الحديث أن يفطنوا لها، فإذا أرادوا عقوبة فعلى ما يقترفه المرتد من حرب أو خيانة للبلاد، ومن هنا فإن الجريمة تكون (الخيانة العظمى) وليست الردة.
وكان يجب أن تقف أقوال الفقهاء عند هذا الحد من آيات القرآن، وتجاوز الفقهاء لروح الإسلام في هذا الصدد لم يكن له مبرر.
وهناك حالة تطبيقية في الآونة المعاصرة؛ حيث كانت صحيفة "الأهرام" المصرية قد وافتنا في 6–7-19977 بنبأ عن موافقة مجلس الدولة على مشروع قانون بإقامة حد الردة، ويقضي هذا القانون بإعدام المرتد عن الإسلام عمدًا بقول صريح أو بفعل قطعي، والسجن عشر سنوات لمن ارتد أكثر من مرة، وعقوبات رادعة إذا وقعت الردة من قاصر.
وفي هذا القانون تثبُت الردة بالإقرار مرة واحدة أو بشهادة رجلين. ومن الآثار المترتبة على هذا الحكم منع المرتد من التصرف في أمواله، وهذه هي عناوين الخبر، وقد تضمنت التفاصيل أنه إذا كان "الجاني" -على حد تعبير صحيفة الأهرام- قد أتم السابعة، ولم يتم العاشرة؛ فللقاضي أن يوبخه في الجلسة أو يأمر بتسليمه إلى أحد والديه أو إلى ولي نفسه أو بإيداعه إحدى مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأحداث، وإذا كان قد أتم العاشرة ولم يتم الخامسة عشرة فإنه يعاقب بضربه بعصا رفيعة من عشر إلى خمسين ضربة... إلخ.
وينص مشروع القانون بأن كل من حرض غيره على ارتكاب ما يكون جريمة الردة، يعاقب بالعقوبة المقررة للشريك إذا لم يترتب على هذا التحريض أي أثر، ويعاقب بنفس العقوبة على التحريض المبين بالقانون.
ولا تسري على الجريمة الحدّية الأحكام المقررة في قانون الإجراءات الجنائية في شأن سقوط العقوبة بانقضاء المدة، ولا يجوز إبدال العقوبة الحدية ولا العفو عنها. كما يحظر على المتهم بالردة التصرف في أموال أو إدارتها، وكل تصرف أو التزام يصدر منه خلال فترة اتهامه يكون معلقًا على البتّ في أمره.
إن هذا الاقتراح بقانون مثَّل آنذاك ردة تشريعية حقيقية لعلاج مشكلة إسلامية وهمية. ولو أنه كان قد صدر فما كان صدوره إلا لحساب المغفلين والجهلة وأعداء الإسلام؛ المغفلين الذي يظنون أنه يحقق خيرًا في حين أنه شر ماحق، والجهلة الذين لم يعلموا تجربة التاريخ في الحديث والقديم، وكيف أن كل حجْر على الفكر يؤخر البشرية، ويؤخر الفكرة المطلوب حمايتها. فالنصرانية ليس فيها تشريع، ولا عقوبات، ولا معاملات ولا طلاق، ولا جهاد، ولا دولة أو حكومة، بل يقول إنجيلها: "دع ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، فقبلت قسمة الحياة، وقسمة الإنسان بـين الله تعالى وبـين قيصر؛ فالدين لله (أي للكنيسة أو للسلطة الروحية)، والدنيا وشـؤون الحياة لقيصر (أي للدولة، أو للسلطة الزمنية). وأن أي قانون يوضع لذلك إنما تستفيد منه السلطة القائمة، والأوضاع المقررة في هذا العصر الذي تصل فيه شهوة الحكم بحيث يتجسس الحاكم على صديق عمره، ويحتفظ بأسرار وصور ما يحدث في غرفات النوم. فالعمل للصالح العام مثل الإنفاق أو المساهمة العلمية أو الجهاد عبادة تعود على صاحبها بالثواب، وهو يحاسب على عدم القيام به. إنه واجب عليه لأن الله قد أوجبه عليه من حيث أنه عضو في جماعة، وهو حق للإنسان لأنه يرى نفسه من خلاله كعضو مشارك وفاعل ويجزى عليه الجزاء الأوفى. والعمل للصالح الفردي واجب وحق أيضًا لأن على المرء أن يعمل ويعتمد على نفسه، وله أيضًا أن يكون منتجًا حتى يكون لحياته معنى ومضمون، وهو أيضًا عمل من أعمال العبادة ويُثاب عليه. فعندما يقوم المرء بعمل لصالحه الذاتي تبقى عينه على الصالح العام فلا يلحق به ضررًا، بل يعززه، وعندما يقوم بعمل عام تبقى عينه على الصالح الخاص فلا يلحق به ضررًا، بل يعززه. الفردي يكمل الجماعي فلا يطغى أحدهما على الآخر، وفي كل منهما خدمة للشخص بعينه وللمجتمع أو للأمة كل. يقع التكامل المتبادل هذا ضمن إطار عبادة هدفها تطبيق شريعة تعتمد نظامًا أخلاقيًا متكاملاً، سواء كان على مستوى العقيدة أو الحق والباطل أو الحلال والحرام. وهذا بالتحديد ما يميز المنطلق الأساسي الإسلامي عن المنطلق الديمقراطي أو الشيوعي أو الرأسمالي. إنه نظام يزاوج بين الشخص والجماعة، ولا يضعهما نقيضين، وإنما يعملان معًا، ليس ضمن تعايش، وإنما ضمن تكامل يحافظ على شخصية الإنسان؛ فلا يذيبه في الجماعة، ولا يغذي المصلحة الخاصة على العامة. يقدم هذا القانون سلاحًا للاتهام والتحقيق والتشهير بكل معارض، ويُمكن أن يُستخدم لسلب الأموال، أو انتزاع الأبناء الأبرياء، الذي حماهم القانون بما لم يَحمِهم به أي تشريع آخر في العالم، ويزج بهم إلى معاهد تخريج المجرمين التي تسمى "مؤسسات الرعاية الاجتماعية".
وأما أعداء الإسلام فكانوا سيقولون: إن المسلمين إنما يقرون لله بالوحدانية ولمحمد بالرسالة تطبيقًا لقانون العقوبات.. ليس إلا.
وبعد كل هذا، أفلم يخطر للذين وضعوا هذا المشروع أنه قد يأتي بعكس ما أريد منه؟
إن الاتهام يكسب المتهم تعاطف الجماهير، فإذا رفض هذا المتهم "الاستتابة" المزعومة، وفضَّل أن يُقتل في سبيل رأيه –كائنًا ما كان– فإن هذا الوقوف سيجعله شهيدًا من شهداء حرية الرأي، وسيطرز حواشي الإلحاد بالبطولة؛ الأمر الذي حدث بالفعل بالنسبة لضحايا المحاكمات البابوية في المسيحية.
ولا يمكن للاستتابة أن تصل إلى أبعد من هذين، ما دامت صادرة من السلطة. إن الاستتابة للرجال هي كبيت الطاعة للنساء، وفي الوقت الذي يتمرد فيه النساء -ولهن الحق- على بيت الطاعة، يريد المشرِّع أن يُوجد بيت طاعة للرجال.
حرية الفكر غاية شرعية
رأينا أن تمحور الفكر الإسلامي حول "الله" جعل المبدأ الأعظم في المجتمع الإسلامي هو "الحق"، وأن الحرية تنطلق من الحق وتعد ممارسة له، وهو أمر صحيح، ولكنه في الوقت نفسه اقتضى استثناء حرية واحدة من هذا النطاق، وهذا الاستثناء ليس على سبيل التعارض والافتيات، ولكن على أساس أن هذه الحرية وحدها هي التي تكفل التفهم السليم لمبدأ الحق، تلك الحرية هي حرية الفكر والاعتقاد.
والحد الوحيد الذي تنتهي عنده هذه الحرية هو ذات الله تعالى وكنهه؛ لأن التفكير الإنساني ليس مهيّأ لمعالجته، ولم يستطع كل الفلاسفة والمفكرين الذين حاولوا هذا من أربعة أركـان الأرض، ومن سقراط حتى الآن التوصل إلى طائل من جراء الخوض فيه، ومن هنا فإن الخطر الوحيد على التفكير الذي جاء في أثر إسلامي هو التفكير في ذات الله، وباستثناء هذه النقطة فإن الإسلام يطلق حرية الفكر دون قيد أو شرط.
والقضية التي كان على الفكر الإسلامي أن يجابهها هي أنه إذا كان الحق هو المبدأ الأعظم، فكيف يمكن تفهم هذا الحق والاقتناع به -أو بالتعبير الديني الإيمان به-؟ فإذا كان الإيمان بالحق لا يُفرض فرضًا، ولا بد فيه من الاقتناع والاطمئنان والطواعية، فلا مناص إذن من تهيئة مناخ من حرية الفكر ليمكن أولا تفهم "الحق" ومعالمه وأصوله وما يقتضيه أو ينبني عليه... إلخ، وثانيًا الاقتناع بصحة ذلك وسلامته إلى درجة الإيمان.
وهكذا نجد أن حرية الفكر هي الطريق إلى الحق، ومن هنا فلا يمكن بداءة تقييدها بالحق؛ لأن هذا مصادرة لها، ومناقضة لطبيعتها. كما أن فكرة حماية التفكير من أن يضل وأن ينتهي إلى نتائج خاطئة أو إلى متاهات هي مما لا يمكن التمحك بها؛ لأن أي سماح بفرض قيود أو حدود بتعلة حماية الفكر لن يقف عند هذه الدرجة المزعومة؛ لأن حدود الحماية تتوقف على فهم من يفرض هذه القيود لمضمون الفكر. ويغلب أن يؤدي ضيق الأفق وسيطرة المصلحة إلى فرض أسوأ صور القيود في كل حالة يُسمح بها، كما يؤكد ذلك تاريخ حرية الفكر.
ولذلك فإن الإسلام استبعد أي صورة من صور القيود، ولم يوقفه عن ذلك خوف الضلال والإلحاد؛ لأن البديل عن هذا أسوأ منه؛ فعندما نفتح الباب على مصراعيه لحرية الفكر، ويضل البعض نتيجة لذلك، فإن من يؤمن فسيؤمن عن بينة واقتناع. أما إذا سمحنا بالقيود والتحكم فسيكون الإيمان على دخل، ولا قيمة لهذا الإيمان، حتى وإن كثر عدد المؤمنين به.
والنصوص التي توجب حرية الفكر والاعتقاد عديدة، ولكن قد يكون أهم من ذلك أن التصور الإسلامي للمجتمع يفترض وجود الحرية كجزء لا يتجزأ من بنية هذا المجتمع، ليس فحسب لما قدمناه من أن الإيمان بالعقيدة لا يمكن أن يتم إلا في بيئة حرة، وبعد اقتناع كامل، ولكن أيضًا لأن الإسلام يبني الحياة الإنسانية بصفة عامة على أساس أنها اختبار واختيار بين الخير والشر، وهذا بدوره يفترض ويتطلب وجود قوى الشر والغواية، وحرية الإنسان في الانسياق أو المقاومة، وليس هناك ما هو أكثر صراحة من النصوص القرآنية في هذا، فإن إبليس ما كان يستطيع أن يفتن الناس لولا أن الله تعالى سمح له بذلك، بل ومنحه القوى والوسائل اللازمة. فقد ذكر القرآن الكريم على لسان إبليس: "قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآَتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ" (الأعراف: 14 - 17)، كما قال في آية أخرى: "قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً * قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً" (الإسراء: 62 - 65)، وهو معنى تكرر بنصه تقريبًا في سورتي "الحجر" و"ص". فافتراض عدم وجود هذه القوى وحريتها في العمل وحرية الإنسان تجاهها في الاختيار يخالف تصور الإسلام للمجتمع واستخدامه للثواب والعقاب.. الجنة والنار، بل إنه يقضي على مبرر وجود هذه الحياة الدنيا الذي يعود إلى الإغواء من ناحية، والضعف البشري من ناحية أخرى، وسمح الله تعالى لها أن تكون مسرحًا لعمل الشيطان وإغوائه حتى يوم القيامة. فإذا وجدت القيود والحمايات التي تستبعد آثار هذا الإغراء والإغواء، وإذا أقيمت "خيمة" من سد الذرائع وإغلاق الطريق أمام وسائل الإغراء والإغواء، فلن يكون هناك اختبار، ولن يكون هناك اختيار، ولا يكون هناك ثواب أو عقاب، وهذا يختلف اختلافًا جذريًا بل هو يناقض مناقضة تامة التصور الإسلامي للمجتمع الإنساني، هذا المجتمع الذي بدأه وتسبب فيه اختيار آدم، ثم جعله الله تعالى مسرحًا للاختيار الحر طوال المدة التي أُنظِر فيها الشيطان حتى يوم القيامة، وسُمِح له فيها بالعمل، وتم تسليح المؤمنين في مواجهة هذا الإغواء بالإيمان والعقيدة، وكان يمكن لله تعالى ألا يسمح له أصلاً، وأن يهدي الناس جميعًا... إلخ.
وكما أن هذا التصور واضح في تقبل القرآن لوجود الكثرة الغافلة، والباطل المستشري؛ حيث يقول تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا" (يونس: 99). والقرآن يوجه الرسول في شيء من الصراحة حول هذه المسألة فيقول: "لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ" (آل عمران: 128)، كما قال تعالى: "وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِن اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (الأنعام: 35)، كما قال تعالى: "إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ" (النحل: 37)، وكذا قوله تعالى: "إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ" (القصص: 56).
أما الآيات التي تؤيد حرية الاعتقاد فهي أكثر من أن يستشهد بها في هذا المقام الموجز، لكن يُستفاد منها عدة أمور على النحو التالي:
( أ ) أن يكون اكتساب الإيمان بالدعوة والحوار دون ضغط أو قسر أو استخدام سلطة أو جاه أو طلب معجزة أو تحقيق مطالب دنيوية.
(ب) حرية الدعاة في الدعوة، وأن منعهم نوع من الصد والعدوان.
(جـ) حرية الناس في الاستجابة للدعوة أو رفضها.
وقد أظهرت آيات عديدة أن الإيمان هداية، والاختلاف قضاء، وكله من عند الله. وقد أمر الله تعالى نبيه بأن "يُعرِض" عن المشركين والجاهلين؛ لأنه لا إكراه في الدين، فمن آمن فلنفسه، ومن ضل فعليها، وأن الله تعالى وحده هو الذي سيحكم بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون، والآيات في هذه المعاني تجاوزت العشرات؛ وهو ما لا يدع شكًا في أنها أصل مؤكد من الأصول الإسلامية.
منهج القرآن في التعامل مع الآخر
وقد وضع القرآن النهج الذي يجب اتباعه إزاء الآراء المخالفة، فإنه يذكر دعاوى المشركين مهما كان فيها من إفك أو شرك أو كفر أو وقاحة، ثم يرد عليها بالحجة والمنطق؛ فهناك مثلاً قوله تعالى: "وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا" (البقرة: 116)، وقوله تعالى: "قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ" (آل عمران: 181)، وقوله تعالى: "فَقَالُوا أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً" (النساء: 153)، وقوله تعالى: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ" (المائدة: 64)، وقوله تعالى: "قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ" (المائدة: 73)، وقوله تعالى: "قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ" (النحل: 101)، وقوله تعالى: "وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى" (سبأ: 43)، وقوله تعالى: "قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ" (يس: 18)، وقوله تعالى: "وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً" (الفرقان: 5). وأمثال هذه الآيات عديدة، ويضيق المجال عن الاستشهاد بها جميعًا. ولم يقل القرآن في حالة واحدة: اقطعوا ألسنتهم أو اسجنوهم، أو وقعوا عليهم كذا وكذا من العذاب والعقاب، كما فعل في حالة السرقة والزنا والإفك... إلخ، كما لم يتجاهل هذه الدعاوى؛ بدعوى ما يمكن أن يثيره ذكرها من شك، وإنما يذكرها ثم يفندها بالحجة والمنطق والبرهان.
أما ما يُثار عن "الجهاد" وتلك الشبهة الضاربة أطنابها من أن الإسلام انتشر بالسيف، فليس هناك ما هو أبعد عن الحقيقة منها؛ إذ لو كان الهدف من الجهاد هو فرض الإسلام على الناس لما جاز أن تُقبل منهم الجزية، ولاعتبرت أسوأ أنواع الرشوة، ولوجب أن تُوجَّه أشد الضربات وأولاها إلى دعاة الأديان الأخرى من كهان وأحبار، وأن تُهدم هدمًا دور العبادة من كنائس أو معابد أو أديرة. ولكن الجهاد الإسلامي سلك نقيض ذلك؛ فقد أبقى من يشاء على دينه، ورفض أن يُفتن أحد عن دينه، وقدم نوعًا من الحصانة والحماية للكهان والأحبار والمعابد والكنائس، ونهى نهيًا باتًا عن المساس بهم وبها.
وما لم يفهمه بعض الناس هو أن الإسلام بجانب أنه عقيدة دينية خالصة بين الفرد وربه، فإنه كذلك نظام اجتماعي وسياسي يقوم على العدالة والمساواة وحرية الفكر والاعتقاد، وكانت النظم القائمة موغلة في طغيانها، عريقة في طبقيتها، قائمة على الاستعلاء والظلم والتحكم، ولم تكن هذه النظم لتسمح لا بظهور الإسلام كدين وعقيدة، ولا بدعوته للعدل والمساواة والحرية. فلم يكن ثمة مناص من مجابهة هذه النظم بالقتال؛ لأن تجربة التاريخ وسابقة الإسلام نفسه وما قُوبل به من كفار قريش حتى اضطر إلى السرية حينًا، والهجرة حينًا أخر - تؤكد أن الطبقات المميزة والفئات الحاكمة لا تتنازل طواعية عن امتيازاتها. فالجهاد الإسلامي كان في حقيقة الحال حربًا في سبيل حرية الاعتقاد، سواء كان بالنسبة للمسلمين أو غيرهم، وتحريرًا للجماهير والشعوب والسواد المسترَق والمستعبَد في إسار الجهالة والفاقة والنظم الطاغية، وإحلالاً لشرعة الكتاب والميزان محل شرعة الارستقراطيات والعروش والطاغوت.
ولو لم تكن الفتوح الإسلامية تحريرًا للجماهير وإقامة للعدالة لما حارب المسلمون حرب الاستشهاد؛ فإن الإنسان لا يضحي بنفسه في سبيل الدنيا أو المغانم، ولما استطاع الفتح الإسلامي أن يمضي قدمًا وأن يشق طريقه ويرسخ أقدامه. وكان من أسهل الأمور أن تثور الجماهير على الجيوش الإسلامية التي كانت قليلة العدد رثة العدة والعتاد، مُنبتَّة عن قواعدها، وقد كان المسلمون الذين دخلوا الأندلس بضعة عشر ألفًا، وكان من المستحيل أن يظلوا ثمانية قرون لولا ما جاءوا به من قوتهم، والإضافة التي تُبقي عليهم.
إسلام التيسير لا التعسير، والتبشير لا التنفير، والرفق لا العنف، والتعارف لا التناكر، والتسامح لا التعصب، والجوهر لا الشكل، والعمل لا الجدل، والعطاء لا الادعاء، والاجتهاد لا التقليد، والتجديد لا الجمود، والانضباط لا التسيب، والوسطية لا الغلو ولا التقصير. إسلام يقوم على عقيدة روحها التوحيد، وعبادة روحها الإخلاص، وعمل روحه الإتقان، وأخلاق روحها الخير، وآداب روحها الذوق، وتشريع روحه العدل، ورابطة روحها الإخاء، وثمرة ذلك كله حضارة روحها التوازن والتكامل. ولقد تحدثت عن هذا الاتجاه الحضاري أو هذا التيار (تيار الوسطية) في أكثر من كتاب لي، وعن خصائصه المميزة له، وهي الجمع بين السلفية والتجديد، والموازنة بين الثوابت والمتغيرات، والحرص على استلهام التراث، ومعايشة الحاضر، واستشفاف المستقبل، والفهم الشمولي المتوازن للإسلام، في ضوء فقه جديد، يشمل فقه سنن الكون، وفقه مقاصد الشرع، وفقه الموازنات، وفقه الأولويات، وفقه حقيقة الواقع، بعيدًا عن التهوين والتهويل، وعن التجميد والتمييع والتجزئة لحقائق الإسلام ورسالته الجامعة. فمن أراد التفصيل فليرجع إليه هناك. هل عند أمتنا رسالة حضارية للبشرية؟ إذا عجزت المسيحية، وعجزت اليهودية، وبعبارة أخرى: عجز المسيحيون، وعجز اليهود أن يقدموا للبشرية قارورة الدواء، أو مضخة الإطفاء لحريق المادية، وسعار الإباحية، وصراع النفعية - وهو ما تفرزه الحضارة الغربية للناس - فهل يستطيع الإسلام أو يستطيع المسلمون أن يقوموا بدور المنقذ للبشرية التي تكاد تشرف على الغرق ? وبعبارة أخرى: هل عند أمتنا مشروع حضاري تقدمه للبشرية في دورتها المقبلة أو في قرنها الجديد؟ سواء سميناه قرن صراع الحضارات كما يسميه الكاتب الأمريكي صمويل هانتنجتون، أم قرن حوار الحضارات على حد تعبير المفكر الفرنسي المسلم جارودي؟ والجواب: نعم عند أمتنا مشروعها الحضاري المتميز، وهو المشروع الحضاري الإسلامي الذي يتبناه اتجاه الوسطية الإسلامية الذي تحدثنا عنه. وإن كنت أوثر ألا أستخدم عبارة (المشروع) هذه - التي جرت على الألسنة والأقلام في السنوات الأخيرة - إلا من باب ما يسميه علماء البلاغة العربية (المشاكلة) كقوله تعالى: "ويمكرون ويمكر الله" (الأنفال: 30)، وكذلك قوله تعالى: "يخادعون الله وهو خادعهم" (النساء:142). وعلى هذا الأساس أجزنا استعمال كلمة المشروع الإسلامي في مقابلة المشروع الماركسي والمشروع الليبرالي والمشروع العلماني بصفة عامة. ومع أن كلمة "جزية" تصطحب لدى بعض الكتاب، أو تثير في النفوس تداعيات لمعانٍ سيئة، فإنها في حقيقة الأمر بعيدة عن ذلك، فقد اشتُقت من "جزى" يجزي جزاء، مثل قضى يقضي قضاء. وفي التنزيل نجد قوله تعالى: "لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا" (البقرة: 48)، وفي الحديث المشهور: "تجزي عنك ولن تجزي عن أحد بعدك" (رواه البخاري). فمفهوم الجزية هو "المقابل"، وتلك هي حقيقتها. فهي مقابل ما يقدمه المجتمع الإسلامي من حماية لغير المسلمين، مع إعفائهم من الاشتراك في عبء الدفاع أو الانخراط في الجيش. ومن أجل هذا فإنها لا تُفرض على النساء والولدان، ولا على من يعجز عن الكسب من أهل الذمة، بل قد يُفرض لهم من بيت مال المسلمين عطايا ورواتب لما ألمّ بهم من عجز، فليس فيها ما يثير أي معنى سيئ. وهي بعد وسيلة للجمع بين الحرية والعدالة. وللجزية مثيلات في المجتمع الأوروبي والأمريكي الحديث.
ومن ناحية أخرى فمن الثابت أن مشروعية القتال في الإسلام إنما نشأت أول ما نشأت للدفاع عن حرية العقيدة؛ فالجهاد هنا في صف الحرية ولحماية الذين أُخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، وليس ضد الحرية أو كبتها، وهو واضح من أول آية أذنت بالقتال؛ حيث قال تعالى: "أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ" (الحج: 39 - 42).
وبقية الآيات التي تأذن بالقتال لا تختلف عن هذا الموضوع؛ فكلها حماية للعقيدة وصدّ للفتنة. وقد تضمنت أشد الآيات -وهي التي يطلق عليها بعض المفسرين آية السيف- نصًا تاليًا يثير الإعجاب، حيث يقول تعالى: "وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ" (التوبة: 6). ومن النادر أن نجد مثل هذا النص وسط آية للقتال إلا إذا كان هذا القتال حماية لحرية العقيدة، وأن السيف فيها لا يوجه للإرغام على الاعتقاد. كما أن من النادر أن نجد توجيهات للداعية في مثل صراحة ووضوح الآيات "لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ" (الغاشية: 22)، وقوله تعالى: "وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ" (الأنعام: 107). إن النبي -عليه الصلاة والسلام- مبلغ وشهيد، ولكنه ليس مسيطرًا ولا حتى وكيلاً.
