التسونامي, أمواج (حائطية), تكمن بها كمية ضخمة من الطاقة الحركية, تدفعها لتهاجم الشواطئ, فتدكها دكَّاً!
إنها تنطلق عندما يتعرَّض قاع المحيط لهزات أرضية, تنتشر تردداتها بالماء, مولِّدةً أضخم, وأقوى, وأكثر الأمواج نُدرةً في بحار ومحيطات العالم. وكلمة (تسونامي), في اليابانية, مكونة من مقطعين: (تسو), بمعنى ميناء أو خليج, و(نامي), بمعنى موجة, فالمقطعان معاً يعنيان أن (الموجة في الميناء), ويلخصان خبرة اليابانيين الطويلة, والمريرة, بهذه الظاهرة البحرية, إذ تأتي اليابان على رأس قائمة الدول المنكوبة باستقبال أمواج التسونامي, تليها (تشيلي), ثم (هاواي).
إن هذه التسمية - تسونامي, أو الموجة في الميناء - تؤكد دقة اليابانيين وصحة ملاحظاتهم حول تلك الظاهرة الخطيرة, التي اختصتهم بجانب كبير من بطشها.. فهذه الأمواج الضخمة لا تكاد تُرى في البحر المفتوح, بعيداً عن الشاطئ, ولا يكاد يشعر بها من يركب البحر, وهي تمرُّ تحته!, وما إن تقترب من الشاطئ, حتى تتعملق, وتتميز إلى عدد من الموجات الجدارية (عشرة أمواج أو أكثر قليلاً), تدكُّ الموقع المنكوب. ويؤكد هذه الحقيقة ما رواه, في العام 1896, فريق من الصيادين اليابانيين, من جزيرة اسمها (سانريكو), كانوا في رحلة صيد أمام ساحل جزيرتهم, ولما عادوا إليها, بعد انتهاء عملهم, وجدوها قد تحطمت تماماً, وفقدوا 22 ألفاً من مواطنيهم, في هجمات شرسة لأمواج التسونامي, التي لم يروها تمر بهم, وهم غير بعيدين عن جزيرتهم, وكان هؤلاء الصيادون هم أول من سجل أن أمواج التسونامي تظهر فجأةً, بالقرب من الشاطئ.
إن الجانب الأعظم من هذه الأمواج الشريرة, هو - كما أسلفنا - وليد قلاقل فجائية عنيفة, تنتاب القشرة الأرضية, تحت مياه المحيط, ولكي نوضح طبيعة أمواج التسونامي, نذكرك بفعل صغير, ربما تكون قمت به بنفسك, أكثر من مرة, وهو إلقاء حصاة في مسطح مائي.. ماذا يحدث?.. تنتشر أمواج دائرية, مركزها نقطة إلقاء الحصاة, وتستمر في الاتساع, إلى أن تتلاشى عند نفاد الطاقة الناجمة عن فعل إلقاء الحصاة. والآن, تخيل أننا (أقلقنا) الماء المستقر عند قاع المحيط, كأن يحدث (صدع), فإن قشرة القاع تنشق طولياً, ويرتفع جانب من هذا الشق عن مستوى الجانب الآخر.. فهل يبقى عمود الماء, القائم فوق موقع الصدع, على حاله?. طبعاً, لا.. إنه يستجيب لما حدث, فيتحرك لأعلى, أو لأسفل, ويتولَّد عن حركته هذه متوالية من الأمواج, تصل المسافة بين الموجة والأخرى, فيها, إلى مائة ميل. إن الطاقة الحركية لأمواج التسونامي تنشأ في كامل طول هذا العمود من الماء, فوق مكان الصدع, موزَّعةً عليه, بالتساوي, دون تأثر بازدياد أو انخفاض العمق, في مسار الأمواج باتجاه الشاطئ. ولعل ذلك يفسر قدرة هذه الأمواج على التحرك بسرعة تبلغ 500 ميل بالساعة, في مياه المحيط الهادي, التي يبلغ متوسط عمقها 13 ألف قدم, مع الاحتفاظ بكامل طاقتها الكامنة. وعندما يقل عمق المياه, ويكون ذلك - عادةً - قرب الساحل, فإن نفس كمية الطاقة الكامنة في المياه تتضاغط في حيِّزٍ رأسي أقل, مما يجعل أمواج التسونامي تكتسب ارتفاعاتها الشاهقة التي تشتهر بها, فتبدو وكأنها حائط يقترب ليطبق على الشاطئ!
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد ضحايا التسونامي, خلال قرن من الزمان, يزيد على 50 ألف إنسان, لم يكن لدى معظمهم الوعي الكافي بخطورة الوجود في مناطق مشهورة بتردد أمواج التسونامي عليها, أو كانوا يفتقدون الخبرة بكيفية التصرف والبحث عن منفذ النجاة من الأمواج القادمة, التي تسبقها علامات محذِّرة. من هذه العلامات, الهزات الأرضية الطويلة والعنيفة, ثم حدوث إزاحة أفقية مفاجئة للمياه, فتجد الخليج أو الميناء وقد خلا تماماً من المياه, وتناثرت الأسماك والقوارب على قاعه, كأن مضخة هائلة سحبت كتلة الماء منه!
إن هذه العلامات المنذرة تجعل سكان المنطقة, الخبراء بأمواج التسونامي, يتركون كل شيء, ويفزعون إلى أقرب مكان مرتفع, يعصمهم من الخطر الوشيك. أما المتكاسلون, والعاجزون, والجاهلون, والفضوليون الذين لا يستطيعون مقاومة رغبة في إلقاء نظرة على ما حدث بالخليج, فإنهم يبددون الدقائق القليلة - 5 إلى 30 دقيقة - التي تفصل بين ظهور النذر وإغارة الأمواج المتوحشة, أو بين الحياة والموت!!
حقيقة الأكريلامايد
أصدرت إحدى الإدارات الطبية البحثية, في الولايات المتحدة الأمريكية, أخيراً, بياناً أكَّد على أن ثمة احتمالات لوجود مادة كيميائية مسرطِنة, في بعض أنواع الأغذية, هي (الأكريلامايد), وأن مستويات وجود هذه المادة الخطيرة تتفاوت بين أنواع الطعام المختلفة. وكان اهتمام علماء التغذية والصحة بهذه المادة قد بدأ بعد أن اكتشف أحد العلماء السويديين وجودها في الأطعمة المقليَّة بالزيت, وفي بعض أنواع الطعام الأخرى, التي يجري تعبئتها في أكياس, وهي ساخنة. وقد أثبتت التجارب على حيوانات المختبر, من القوارض, أن هذه المادة - الأكريلامايد - لها تأثير مسرطن, ولم يتأكد العلماء, حتى الآن, من أن هذا التأثير ينسحب على البشر, وهذا هو الأمر الذي يشغل العلماء في عديد من مراكز البحث العلمي, الذين يهمهم أن يتوصلوا إلى وسيلة لخفض مستويات الأكريلامايد بالطعام, بإدخال تعديلات على الطرق الاعتيادية المتبعة حالياً, في الطهي والتصنيع والتعبئة.
وقد غطت الأبحاث وعمليات التحليل الكيميائي عدداً من أنواع المأكولات, مثل (البطاطا) المقلية, والشرائح منها المعبَّأة في أكياس, والخبز, والحبوب الغذائية, والفاكهة, والخضراوات (المعبأة والمجمدة), ولم يستطع العلماء التوصل إلى نتائج عامة, فقد تباينت مخرجات أجهزة التحليل, ليس فقط بين أنواع المأكولات المختلفة, ولكن أيضاً بين عينات من نفس المنتج الغذائي, وعلى سبيل المثال, فقد أُخذت عينات ونماذج من البطاطا المحمَّرة, أو المقلية, التي تقدمها لزبائنها سلسلة مطاعم أمريكية شهيرة (من عدة فروع بأماكن متفرقة), فكان ثمة فروق واضحة في نتائج تحليل هذه العينات, فيما يخص مستوى الأكريلامايد بها. وقد أوقعت هذه النتائج العلماء في حيرة, فهم يميلون إلى القواعد الثابتة الواضحة, التي يبنون عليها استنتاجاتهم وتصوراتهم لما يواجهونه من مشاكل, لتكون الخطوة التالية هي اقتراح الحلول, ولكن الأمور لم تتحقق على هذا النهج مع الأكريلامايد. ومع ذلك, فقد فكَّر بعضهم في أن الاختلافات الواضحة في مستويات هذه المركبات الكيميائية الضارة, في أنواع الطعام المختلفة, وداخل العينات المتعددة من النوع ذاته, يمكن أن تكون لها دلالاتها.. إنها قد تعني أن ثمة عوامل تؤدي إلى هذه التباينات الملموسة في مستويات الأكريلامايد, فإذا توصلنا إلى طبيعة وماهية هذه العوامل, فربما كان ذلك مفيداً في اكتشاف طرق لتخليص طعامنا من هذه المادة, أو - على الأقل - خفض مستويات وجودها به.
ومن الملاحظات التي سُجِّلت, في عمليات التقصِّي حول أسباب تفاوت مستويات الأكريلامايد, أن زمن الطهي, أو مدة تعرض مكونات الغذاء للحرارة في مطابخنا, قد يكون مؤثِّراً, إذ كان مستوى وجود هذه المادة في أحد الأطعمة منخفضاً جداً أثناء حفظه مجمَّداً, قبل طهيه, فلما تم طهيه, بالقلي في الزيت, ارتفعت نسبة الأكريلامايد به. ولما أُعيد الاختبار, وقليت عدة عينات من الطعام ذاته, لمدد 15 و30 و45 دقيقة, نتجت ثلاثة مستويات من الأكريلامايد. والكتاب موجّه بالدرجة الأولى, إلى تلاميذ المدارس, ومدرسيهم وإلى كل الذين يعملون في حقل التربية والتوعية البيئية, من العاملين بالجمعيات الأهلية, ومراكز الشباب, وفي مجالات السياحة والنفط, لجذب اهتمامهم بقضايا البيئة, وحفزهم إلى تبني مهمة حمايتها والدفاع عنها. إنه كتاب/ دليل, ليس كغيره من الكتب, إذ إنه ليس للقراءة, فقط, بل يتعدّى وظيفة تقديم المعلومات للقارئ إلى وظيفة أخرى, هي الهدف الأساسي من وراء وضعه, وهي أن يكون دليلا لتنفيذ سلسلة من الأنشطة غير المدرسية - والمصحوبة بالمتعة - بواسطة مجموعات صغيرة من الأطفال والشباب, لتنمية إحساسهم بالبيئة, وغرس الوعي البيئي في نفوسهم. ويبلغ عدد الأنشطة التي يعرض لها الكتاب 42 نشاطا متنوعا, يجري تنفيذها في حجرة الدراسة, وقاعة المكتبة, وفناء المدرسة, وخارج نطاق المبنى المدرسي, بمواقع متفرقة من البيئة البحرية. وفي الصحراء. ويأتي هذا الكتاب حصيلة جهد كبير, بذله المشاركون في تأليفه وإعداده, وهم متباينو التخصصات, بين خبراء في التربية البيئية, وخبراء في علوم البيئة. ويتنبى الكتاب - في فلسفته وأسلوب إنشائه - ما أقرّه مؤتمر اليونسكو وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة, في العام 1987, من أن التربية البيئية ينبغي أن تعمل على (خلق الوعي, ونشر المعلومات, وتدريس المعارف, وتنمية العادات والمهارات, وتشجيع القيم, وتوفير المقاييس والمعايير, وتقديم الإرشادات, لحل المشكلات وصنع القرارات). وبالرغم من أن الكتاب موضوع للتعامل مع مكونات النظم البيئية المحيطة بساحل البحر الأحمر, في مصر, فإننا نراه صالحا للتطبيق في السواحل العربية الأخرى للبحر نفسه, مع بعض التحويرات الضرورية التي تراعي خصوصيات كل بيئة. وعلى أي حال, فإن العقل العربي قادر على إضافة عشرات الكتب من هذا النوع الإرشادي, الذي يقدم العون للعاملين في واحد من أهم الشئون المتصلة بواقع حياتنا, والمحددة لملامح مستقبلنا, ونعني به التربية البيئية.  سبعة محظورات في المحميات المحميات هي (سفينة نوح) عصرية! ولمَّا بحث العلماء عن مكونات أخرى بالطعام, قد تكون مسئولة عن تنشيط الأكريلامايد, مثلاً, أو حفز تفاعلات كيميائية تؤدي إلى تخليقه, تبينوا أن لأحد الأحماض الأمينية, واسمه (أسبارجين), دوراً كبيراً في تخليق الأكريلامايد, في التفاعلات الكيميائية المتضمَّنَة في عملية القلي.
وتحاول الإدارات الصحية, العالمية والمحلية, أن تبث الطمأنينة في قلوب العامة, بإصدار بيانات تؤكد أن بعض أنواع الطعام يخلو تماماً من الأكريلامايد, أو يحتوي على مستويات متدنية جداً منه, منها: أغذية الأطفال, والأسماك الطازجة والمطهية, ولحوم الدجاج, والخضراوات المجمدة. كما يقدم خبراء التغذية والصحة العامة نصيحة, تهمنا جميعاً, هي أن نحرص على أن يكون طعامنا متوازناً, قليل الدهون, غنياً بالألياف, وأن نحتفي - بصفة خاصة - بالحبوب والفاكهة والخضراوات.
رعبٌّ اسمه الزئبق!
ملاعب الأطفال تكون - غالباً - في الهواء الطلق, ولأنهم في طور النمو, ولا يزالون يستكملون تكوين بعض أجهزتهم الجسمية, وتتطور بداخلهم بعض الوظائف الحيوية, فإنهم يستهلكون الطعام والماء والهواء بمعدَّلاتٍ أكبر من الكبار. ومن هنا تأتي مشاكل الصغار مع الصور المختلفة من الملوثات, الموجودة فيما يتناولونه ويتنفسونه من ماء وطعام وهواء, ومن أخطر هذه الملوثات, الزئبق, الذي يتعرض له الأطفال في الولايات المتحدة الأمريكية على نحوٍ يثير جدلاً حاداً بين اتجاهات الرأي العام ووسائل الإعلام المختلفة, والإدارات البيئية والصحية. فمنذ أيام قليلة, نشرت صحيفة (وول ستريت) الأمريكية خبراً يقول إن وكالة حماية البيئة الأمريكية (إيبا) قد أجَّلت إذاعة تقرير مهم, يدور حول الأخطار الصحية التي تُحدقُ بالأطفال الصغار, من جرَّاء تعرضهم لعنصر الزئبق, المنبعث مع مخلفات محطات توليد القوى الكهربية التي تعمل بالفحم, وأن هذا التقرير - لأسباب غير معلومة - لن يرى النور إلا بعد تسعة شهور. وطالبت الصحيفة وكالة (إيبا) بالتعجيل بنشر التقرير, الذي يحمل عنوان (الأطفال الأمريكيون والبيئة), للتخفيف من موجة القلق التي انتابت الرأي العام, بعد أن تسربت مسوَّدةُ للتقرير, تقول إن الأطفال يتعرضون لمستويات عالية من الزئبق, الذي تم اكتشاف تركيزات عالية منه في لحوم بعض أنواع الأسماك الاقتصادية, والذي أثبتت عمليات التحليل تراكمه بنسب مؤثرة في دماء عدد كبير من السيدات الحوامل.
3 بلايين دولار لإنقاذ (فينيسيا)... من الغرق!
سيتعجَّب الذين يعرفون (فينيسيا) من هذا العنوان, فالمدينة مشهورة بمبانيها وشوارعها وميادينها التي تسبح في مياه البحر.. لكن الأمر لا يتوقف عند هذا فالصحراء الليبية هي أكبر صحراوات منطقة البحر المتوسط, وقد أتاحت الجبال الرملية فيها, ابتداع فكرة (السياحة الصحراوية) وفيها يجد المرء وسط المناطق الجبلية الرملية بحيرات مائية تدور حولها غابات من النخيل كما في منطقتي (قبر عون وداوادة) إضافة إلى الواحات القديمة جدا والتي تم تسجيلها في سجل التراث العالمي مثل (غدامس) و(جات). المسئول عن السياحة أكّد لنا أن ليبيا من خلال دراسات عالمية محايدة هي بلد سياحي واعد جداً, إذ إن الشاطئ الممتد على ساحل البحر الأبيض المتوسط لايزال غير مستغل, في الوقت الذي يحفل فيه بالأماكن الصالحة للغوص, ومناطق الخلجان, فيما قاعه مزدحم بالآثار التي مازالت كامنة في العمق, مشيراً إلى أن منطقة (سوسة) مثلا يقوم فيها غواصون فرنسيون في الوقت الحالي بالبحث عن باخرة غارقة منذ 80 سنة. وفيما يؤكد على أنواع أخرى من السياحة منها (الرملية), والدينية حيث مرت على ليبيا الحضارات الرومانية والفينيقية واليونانية وغيرها, وحيث تعد سبراطة وشحات دليلاً على ذلك, فإنه يرى أن (السياحة الثقافية) أو ما يطلق عليه (سياحة النخبة) تتطلب تكاملا بينياً مع تونس ومصر. ولعل ما ذكره لنا الأستاذ الجامعي المتخصص في الآثار الدكتور عبدالسلام شلوف يشير إلى ذلك, فليبيا تضم في (وادي درنة) كهفا يطلق عليه (حقفة الحاج كريم) مازالت أدوات الإنسان الأول موجودة فيه, وفي مكان يطلق عليه (كارسة) توجد نقوش ذلك الإنسان محفورة فوق صخور (كهف رقبة الجمل), أما (كهف افتيح) الذي يقع قرب سوسة فإن عالما بريطانيا يدعى (ماك برني) أثبت أن الإنسان الأول وجد فيه منذ 95 ألف سنة قبل الميلاد, وقد أصدر هذا العالم كتابا حول ذلك, كما أن منطقة (شحات), التي تناولتها مجلة (العربي) في العدد (520) الصادر في شهر مارس عام 2002, وجدت بها أدوات حجرية منذ ما قبل التاريخ في (كهف المقرنات), كما وجدت بها أيضا مثل هذه الأدوات في (كهف حقفة الطيرة) الواقع قرب بنغازي و(بئر دوفان) في طرابلس. تنوع ثري وليبيا ليست مجرد دولة لديها ثراء هائل في الآثار القديمة فقط, بل إنها شديدة الغنى في ذلك التنوع الذي تحتويه أراضيها من شواهد تنتمي إلى حضارات متعاقبة منها الفينقية والإغريقية والرومانية إلى جانب الحضارة العربية والإسلامية, في الوقت الذي توجد فيه بعض أجمل مدن العالم الأثرية, كمدينة (لبدة الكبرى) التي تسمى أيضا بـ(تدمر القديمة) وهي تقع على بعد ساعة واحدة من العاصمة طرابلس, كما تضم أيضا مدينة (سبراطة) التي تحتوي على مسرح أثري شهير وهي أيضا تقع على مسافة نصف ساعة بالسيارة من طرابلس, بالإضافة إلى مدينة (طلميثة) القريبة من بنغازي والتي تعود إلى عصر البطالمة, و(طبرق) و(شحات) وهما مدينتان تقعان شمال بنغازي أيضا, وتكتنزان بأعداد هائلة من الآثار القديمة, وإلى جوارهما مدينة (سوسة) على شاطئ المتوسط, فيما لاتزال في واحة (غدامس) الواقعة في (فزان) نقوش ورسوم محفورة في الصخور تعود إلى ثلاثة آلاف سنة, أما المساجد فهي تنتشر بطول الجماهيرية وعرضها, ويعود عدد منها إلى أيام الفتح الإسلامي الذي جاء إليها على يد عمرو بن العاص في العام 642م, ثم استكمله عقبة بن نافع حين دخل عدداً من المناطق التي لم تكن قد خضعت لسيطرة الإسلام. أراض سبخة ومع أن الغالب الأعم في الآثار التي تحتويها ليبيا يعود إلى تلك الأزمنة التي عاش فيها الإنسان الأول, وكذلك العصور التي سبقت ميلاد السيد المسيح والقرون التي تلتها, فإن الشواهد على عظمة الحضارة الإسلامية مازالت بازغة, وقد وجدناها تتوزع بين العديد من مدن ليبيا, لكن الغريب أن بنغازي التي قضينا فيها أياما عدة وجلنا في شوارعها وأزقتها, وجسنا أسواقها ومبانيها الحديثة الجميلة المطلة على بهاء المتوسط بزرقته الرائعة, لم نجد فيها آثاراً إسلامية على الرغم من أنها الأقرب إلى الشرق الذي وصلت عن طريقه الفتوحات الإسلامية إلى بلدان المغرب العربي, وعندما سألنا عن السبب, بطل تعجبنا حين عرفنا أن (أجزاء كبيرة من أرض بنغازي ذات طبيعة سبخة, وهذه النوعية من التربة لا تحتفظ عادة بالآثار) وكم كان الشعور بالألم وقتها, إذ إن شواهد رائعة على حضارة باهرة قد أخفتها تلك الأرض فاندثرت. فبنغازي التي رأيناها في صورتها الحديثة حيث الشوارع متسعة تحيطها وتخترق أوسطها شبكة رائعة من الطرق, تحكي كتب التاريخ عن أنها كانت مشيّدة عندما تم تأسيسها في الربع الأول من القرن السادس قبل الميلاد كمدينة يونانية قديمة, فوق مرتفع من الأرض يطلق عليه في الوقت الحاضر (سبخة السليماني) وتوجد بها (مقبرة سيدي عبيد), وكانت هذه السبخة في زمنها القديم عبارة عن بحيرة عميقة, حين تم تجفيفها تحول سكانها عنها متخذين مكانا قريبا من ساحل البحر الأبيض المتوسط, وهو المكان الذي يطلق عليه حاليا (سيدي خريبيش) وتوجد فيه مقبرة تحمل هذا الاسم, في الوقت الذي استطاعت فيه أرضه الاحتفاظ ببعض البقايا الأثرية, لكنها في كل الأحوال لم تكن بنفس حجم الآثار التي كان يتوقع وجودها في مدينة مثل بنغازي شهدت العديد من الأحداث المهمة في التاريخ, ومر عليها عشرات الغزاة والمقامرين والفاتحين, واختيرت مركزا للحكم ونقطة ارتكاز مهمة في معظم العصور. وعلى الرغم من أن معظم المدن التي كانت ساحة مفتوحة لحروب القادمين وغزواتهم في الزمن القديم تظل مبقية على الكثير من الشواهد, إلا أن بنغازي تبدو مغايرة لتلك العادة, ولعلنا حين قطعنا شوارعها وأسواقها - ما قدم منها وما استحدث - لم تنفذ إلى أنوفنا رائحة ذلك العبق العتيق الذي يغلف الكثير من المدن, فقد كانت مظاهر الحداثة هي الغالبة, اللهم إلا في عدد من الأماكن منها الأسواق القديمة كسوق (الظلام) الذي كان قبل سنوات غير بعيدة يغلق أبوابه فور غياب ضوء الشمس, فيما كان سقفه المغطى, والذي لايزال كذلك حتى الآن, كافيا لحجب أي ضوء خارجه, لكننا حين دخلناه في الواحدة ظهرا, عابرين حارته الطويلة غير المتسعة بتفريعاتها الأشد ضيقا, لاحظنا أن الأضواء الصادرة من مصابيح الإنارة الكهربائية, قد انتشرت في كل مكان, حتى أن الظلام لم يعد ظلاما, وبات السوق الذي كان يغلق أبوابه عقب اتخاذ الشمس طريق الرحيل اليومي, مستمراً في استقبال زبائنه حتى وقت أطول. ومع أننا شاهدنا في بنغازي ثلاثة أسواق عامة حديثة تضمها مجمعات بني الواحد منها على مساحة 25 ألف متر مربع, وامتد علوا إلى خمسة طوابق مكيفة مركزيا وتتصل معا عن طريق مصاعد كهربائية, فإن سوق الظلام الذي ظل محتفظا حتى الآن باسمه, رغم أنه لم يعد كذلك, لايزال له رواد اعتادوه, واستهوتهم بضائعه التي تتميز بسعرها المعقول, ولعل ما كان لافتا في ليبيا هو تلك الميزة المهمة, حيث لامغالاة في أسعار السلع ولا الخدمات. حتى إن أهالي بنغازي لم يكتفوا بسوق ظلام واحد, فأنشأوا آخر أكثر حداثة. إنها - فعلاً - غارقة, وهي تحصل على تفرُّدها, بين مدن العالم, من كونها مدينة (غارقة), فكيف يقول عنوان هذه الفقرة إن جهوداً وأموالاً طائلة تبذل لإنقاذها من غرق هي فيه, وتعيش معه, وبه?!
والحقيقة, هي أن الجهود والأموال تستهدف إنقاذ المدينة من أن تغرق.. أكثر!
إن (فينيسيا), مدينة (الجندول), التي غنَّى لها (محمد عبد الوهاب) قصيدة (علي محمود طه), هي مدينة ذات طبيعة خاصة, فقد أُنشئت - منذ ألف سنة تقريباً - على سلسلة من الجزر الصغيرة, متناثرة في بحيرة كبيرة, متصلة بالبحر الأدرياتيكي, وبعد أن استقرت المدينة القديمة, أخذت الجزر تهبط بما فوقها, رويداً رويداً, حتى وصل منسوب المدينة إلى تسع بوصات, أو أكثر, تحت مستوى سطح البحر. وإزاء هذه الظروف, يتخوَّف الخبراء من الأخطار المحتملة, التي تهدد وجود مدينة فينيسيا, إذا تحقق بعض نتائج (سيناريو) ذوبان جليد القطبين, نتيجة للارتفاع العام في درجة حرارة الكون, إذ يتصورون أن يترتب على ذلك ارتفاع في مستوى سطح البحر تتراوح تقديراتهم له بين 3 بوصات, و3 أقدام, ويرى بعض هؤلاء الخبراء أن ذلك السيناريو الرهيب آخذ في التحقق, وثمة شواهد على ذلك, فسكان فينيسيا لا ينسون هجوم الأمواج المدِّية على مدينتهم, في العام 1966, حين اندفعت مياه البحر لتغرق الطوابق الأرضية في أغلب بنايات المدينة, ولم تتراجع مياه المد إلا بعد 15 ساعة. كما تشير السجلات إلى ارتفاعات واضحة ومؤثرة لمستوى المياه بميدان (سان ماركو), أشهر معالم المدينة, تكررت 80 مرة, في عام 1996.
يقول أحد مهندسي بلدية فينيسيا, إن البحر يرتفع, لا نشك في ذلك, وتتجاوز مياهه الجسور القديمة, التي أُقيمت لتنظم العلاقة بين المدينة والبحر. ولا تكف المياه عن الارتفاع, مهددة القصور التي شُيِّدت في القرنين 14و15, واحتفظت بسلامة بنيانها ورونقها, حتى الآن. ويضيف, قائلاً: إن المشكلة ليست وليدة أيامنا هذه, فهي مطروحة ومتداولة بين الدوائر الحكومية المختصة, منذ ربع قرن أو يزيد, وقد استقر الرأي, أخيراً, على تنفيذ مشروع بتكلفة 3 بلايين دولار, يستهدف بناء 79 بوابة متحركة ضخمة, تفصل فينيسيا وبحيرتها الهائلة, عن البحر الأدرياتيكي.
ويقول (جيوفاني سيكوني), المشرف على مشروع إقامة بوابات الدفاع عن فينيسيا, إن هذه البوابات ليست هي الحل النهائي للصراع بين المدينة والبحر, فهي حل مؤقَّت, للسنوات السبعين المقبلة, أو لنهاية هذا القرن, على أكثر تقدير, وذلك للمواجهة العاجلة لموجات المد غير المتوقَّعَة, ولاحتمالات ارتفاع مستوى سطح البحر, الناتج عن التغيرات الطارئة على المناخ العالمي. وقد صممت تلك البوابات لتحمي المدينة من مياه البحر, إذا ارتفعت بمقدار 6 أقدام. أما الحل النهائي للمشكلة, والذي لا يعرف أحد متى وكيف يمكن أن يتحقق, فهو الفصل النهائي, والدائم, بين البحيرة, التي تطفو فوقها المدينة, والبحر الأدرياتيكي, مصدر الخطر.
الجدير بالذكر, أن المشروع يتعرض - وهو مجرد فكرة - لبعض الآراء المعارضة, ومنها رأي أحد أساتذة الهندسة بجامعة (بادوا), الذي يقول إن فينيسيا فقدت, منذ فيضان 1966, نصف سكانها تقريباً, هجروها فراراً من الخطر الذي يهدد المدينة, فإذا كان الهدف هو الاحتفاظ بالمدينة كمزار سياحي, فإننا لسنا بحاجة إلى إقامة هذه البوابات المكلفة.. فلماذا نمنع مزيداً من الغرق لمدينة يأتي إليها السياح ليستمتعوا بغرقها?!, أما إذا كان الهدف هو تأمين المدينة, لصالح سكانها, والحفاظ على الحياة الاجتماعية بها, فلا بأس من هذه البوابات.
