غاصت الطيور, كعادتها كل نهار, تطارد الأسماك, فلم تجد الماء كما تعوَّدته. لم يكن بحرها, بل كان خليطاً لزجاً خانقاً. حاولت أن تتملَّص من الفخِّ القاتل. لم تستطع أن تعود لتسبح في الهواء. كانت مكبَّلة بالزيت الثقيل. حاولت أن تنفضه عن جسمها, فأبى إلاَّ أن يبقى ملتصقاً بريشها, منتزعاً بريقه وقدرته على مقاومة الماء, وحماية الجسم من البلل. فشلت - حتى - في أن تسبح إلى الشاطئ, أو إلى أى مرفأ قريب, تلتقط عنده أنفاسها, وتحاول أن تتعرَّف - بالضبط - لماذا خانتها مياه البحر, هذه المرَّة !. استسلمت للأمواج والتيارات البحرية, تتعابث بها. انتهت حياة بعضها, وهو يحلم بلحظة الارتطام برمال الشاطئ. أما الطيور التى وصلت إلى ما تصوَّرته خط الأمان, فقد تحاملت على الأقدام, تمسح عيونها المكان الخالى, لا تعرف البكاء, ولكن يختلط فى نظراتها جمود الموت, وحزن الأمل بالحياة, ووعد بألاَّ تعود للثقة, لا بالماء, ولا بالهواء!. ولا تجد إلاَّ أن تستسلم للعراء, فى انتظار أيادٍ رحيمة, تنزع عنها ذلك الرداء أو القيد الزيتى, الذى فاجأتها به مياه البحر, وهى تبدأ معها لعبة التحليق والغوص الاعتيادية !
إن طائر البحر هو أول كائن فى البيئة البحرية, يهرع إلينا طالباً الغوث من التلوُّث النفطى; فالكائنات الأخرى تموت أو تهرب من المكان, فى صمت, ودون أن نراها. وتتشابه حوادث التسرُّب النفطى فى نتيجتها, فهى كوارث بيئية بمعنى الكلمة. ولا يمكن أن يعرف حقيقة هذه الكوارث إلا من يلمس بنفسه ما تفعله طبقة الزيت المتسرِّبة بالموقع وقاطنيه, من الكائنات الحية البحرية, فى الحال, وفى المستقبل القريب, بل ولأجيال كثيرة قادمة. وباختصار, فإن مياه البحر تفقد مقوِّمات صلاحيتها كموطن لمختلف الكائنات البحرية.
إنها - طبقة الزيت الطافية - تبدأ بإزعاج كائنات حية دقيقة, تعيش عالقةً بالطبقة السطحية من مياه البحر, هى (الهائمات), ومنها النباتى والحيوانى; أما الهائمات النباتية, فهى نباتات مجهرية, تغطى كل بحار ومحيطات العالم, وتجعلها, بحق, مروجاً خضراء, ولكن خفية. وتفيدنا هذه المروج, مباشرة, فتمدنا بقسم كبير من غاز الأكسجين, وفى نفس الوقت, تخلِّصنا من نسبة كبيرة من الغاز الذى يعانى البشر تزايد تراكمه فى مناخ الأرض : ثانى أكسيد الكربون. أما الفائدة غير المباشرة, فهى أن تلك المروج البحرية, التى لا نراها, تمثل القاعدة العريضة للهرم الغذائى فى البحر, تماماً مثل حال النباتات الأرضية, التى هى قاعدة هرم الغذاء فى نظام اليابسة. فإذا جاء النفط المتسرِّب, طفا فوق الماء, وحجب ضوء الشمس عن هذه المروج الخضراء, فأوقف نشاطها, فتموت, ونُحرم من النعم الكثيرة, التى هيَّأها الخالق العظيم لنا فيها.
لا مبالغة - إذن - إذا قلنا إن المياه التى يتسرَّب إليها النفط (تتصحَّر) !!
ولك أن تتخيل المردودات السالبة لمثل هذه الكارثة البيئية, على وقائع الحياة الاجتماعية, والأحوال الاقتصادية للبشر من سكان السواحل المبتلاة بالتسرُّب النفطى, ممن يعتمدون على البحر - كلِّيَّةً - فى حياتهم اليومية, بل وممن لا يعتمدون عليه, بل وعلى البشر فى كل مكان على سطح الأرض, فالتلوث لا يعترف بالحدود.
قلنا إن حوادث التسرُّب النفطى تتشابه, ولكننا نتوقف, الآن , أمام حادثة بعينها, وقعت للناقلة (نيستوكا) وهى تقترب من ميناء فى جنوب ولاية واشنطن, حيث اصطدمت بقاطرة, فتسرَّب منها 032 ألف جالون من الزيوت الثقيلة, التى تستخدم وقودا للسفن. وتبدو الكمية المتسرِّبة قليلة, مقارنة بغيرها من حوادث تسرب النفط, غير أن هياج البحر, وقت وقوع الحادث, أعاق أي محاولة لوقف اقتراب بقعة الزيت من الشاطئ, فتلطَّخت مساحة من الساحل , طولها 084 كيلو متراً, بدوائر من الزيت اللزج, يصل قطر الواحدة منها إلى ثمانية أقدام.
فخلال العقدين الماضيين فقدَ العالم 20% من شعابه المرجانية، التي استمرت مزدهرة لأكثر من 50 مليون سنة، ويُخشى إذا لم يتم التدخل لحمايتها أن يتم تدمير 70% أخرى من تلك الشعاب خلال العقود القليلة القادمة؛ حيث يعتمد عليها ملايين البشر؛ سواء في توفير غذائهم، أو كمصدر رزق لهم، من خلال صيد الكائنات البحرية التي تتواجد بها، ومن خلال السياحة البحرية. هذا بالإضافة إلى كون الشعاب المرجانية مصدرًا للكثير من المستحضرات الطبّيّة (مثل AZT الذي يستخدم لعلاج مرض الإيدز، ومستحضرات أخرى لعلاج أمراض القلب وسرطان الدم والجلد)، وهي مصبّ اهتمام الباحثين حاليًا من أجل إيجاد أدوية لعلاج السرطان، إلى جانب وقوفها سدّا منيعًا طبيعيًّا للشواطئ ضد ثوران البحار. وتشتهر منطقة جنوب ولاية واشنطن بغناها بأنواع عديدة من طيور البحر: نوارس - بط غوَّاص - بجع - طائر النوء, وغيرها. ولا تستهن بطيور البحر, ولا تقلل من شأنها فى البيئة البحرية, فهى جزء من نظام متَّزن, إذا اختفت منه فقد اتِّزانه. وقد أصاب طيور جنوب ولاية واشنطن ما أصاب بيئتها, فضرب التسرُّب النفطى عدَّة آلاف منها...
إلى هنا, لا نزال أمام حادث وقع, شبيه بحوادث سبقته, وقد تلته حوادث أخرى مماثلة. غير أننا سنولي اهتمامنا, فيما تبقى من هذا الحديث, للجهود التطوعية, التي تلت وقوع الحادث, لإنقاذ طيور البحر المصابة بالتلوُّث النفطي...
تمَّ إعلان حالة الطوارئ, وأُعدَّ مركز لإنقاذ وإنعاش طيور البحر, فى إحدى المدارس, قرب موقع الحادث. وتقدَّم للمشاركة في أعمال الإنقاذ أكثر من ثلاثمائة من المتطوِّعين, الذين قاموا بانتشال الطيور الموحولة فى بقع الزيت, ونقلها إلى مركز الإنعاش, فى صالة الألعاب المغطَّاة بالمدرسة; حيث تخضع الطيور المنكوبة لعمليات فحص, وتحصل على وجبة خاصة, تقدَّم لها, على وجه السرعة, عند قدومها للمركز, لتعينها على تحمُّل الأذى. ـ (57) عملية تقوم بها سفن سويوز الروسية (13) منها للتجميع و(15) لنقـل أطقـم الرواد و(29) للدفع. ـ عملية واحدة تقوم وكالة الفضاء الأوربية, بإطلاق صاروخ (اريان ـ 5). وسوف تحتوي المحطة الدولية على ستة معامل علمية أحدها أمريكي, والثاني أوربي والثالث ياباني, وثلاثة معامل روسية. أما مهام تصنيع الأجزاء ومعامل الأبحاث والأجهزة فقد وزعت مهام القيام بها على النحو التالي: ـ تقوم كندا بتقديم (روبوت) على شكل ذراع طوله 18 متراً, ليستخدم في عمليات تجميع أجزاء المحطة ومهام الصيانة. وبعد أن يتم تنظيفها, تبقى نزيلة بالمركز, لبعض الوقت, ويجرى تغذيتها ثلاث أو أربع مرات, يومياً, بأسلوب يشبه الرضاعة, إذ تقدَّم لها الوجبات سائلةً, من خلال محقن ينتهى بحلمة مطاطية.
وكانت عملية التنظيف تجرى باستخدام 51 حوضاً, أُعدَّت, خصيصاً لهذا الغرض, ويقوم عليها متطوعان, واحد للإمساك بالطائر مغموراً فى الحوض, حتى رقبته, والآخر لإجراء عملية التنظيف, مستخدماً أصابعه, وفرشاة أسنان ناعمة, ورشَّاش مياه يشبه ذلك الذى يستخدمه طبيب الأسنان. ويحتوى كل حوض على ماء دافئ وصابون. وبالمرور على هذه الأحواض, يفقد الطائر جزءاً مما علق به من زيت, في كل حوض; حتى ينتهي في الحوض الأخير, بعد حوالي نصف الساعة, وقد تخلَّص تماماً من الزيت.
ولا تنتهي عملية التنظــيف عـند هـذا الحـد, فلا يزال الطائر بحاجة إلى إزالة آثار المنظِّفات من على ريشه وجسمه, فهي - أيضاً - من الملوِّثات المزعجة; ويستغرق ذلك ثلاثين دقيقة إضافية, حتى تعود الحيوية إلى ريش الطائر. ثم يُترك الطائر لمدة ساعتين, أو ثلاث ساعات, ليستريح من عناء هذه الحمَّامات العنيفة المتتالية; بعدها, يُنقل إلى بركة صغيرة, أُعدَّت بفناء المدرسة, لاختبار قدرته على الطفو. ليس معنى هذا أن البامبو - قبل أن يتبنى جانسين قضيته - لم يكن معروفاً كمادة بناء, فالثابت تاريخياً أن الصينيين القدماء كانوا يعرفونه, واستخدموه كوحدة زخرفية في رسوماتهم الزيتية التقليدية, كما أن نبات البامبو كان يزرع على جانبي الممرات في الأديرة والمعابد البوذية. وكان البامبو معروفاً, منذ زمن طويل, في مجتمعات كثيرة, متباينة جغرافياً وحضارياً, في غينيا الجديدة, وكولومبيا, وبنجلاديش, وتايلاند, حيث استخدم في بناء وحدات سكنية تقليدية, تختلف أشكالها تبعاً للطابع المحلي. أما الاستخدامات المعاصرة للبامبو, فلا تزال محدودة, ولا تزيد عن (حالات) قليلة, بأماكن متفرقة من العالم, وإذا طُرح البامبو كفكرة جديدة في المشروعات الإسكانية التي تضطلع بتنفيذها الحكومات, قوبل بالتردد والتشكك في قيمته كمادة للبناء. ويبدو أن دفاع جانسين عن البامبو قد أثمر, إذ جرت أخيراً اتصالات بين بعض الإدارات الحكومية في بلدان آسيوية, وجامعة إيندهوفن, للاستفادة بخبراتها في مجال إنشاءات البامبو, وتم إعداد برنامج للتعاون بين الطرفين, للتدريب على زراعة البامبو واستخدامه كمادة للبناء. ويتحمل جانسين مسئولية الإشراف على هذا البرنامج. كما أشرف الرجل على مشروع قومي للبناء بالبامبو, تبنته حكومة كوستاريكا, بدأ العمل به في العام 1987, لزراعة 700 هكتار بأقصاب البامبو, وتدريب عمال البناء على معالجة البامبو وإعداده, وأسلوب البناء به. وقد حقق المشروع أهدافه, وأنشأ 700 منزل منخفض التكاليف. وشجع النجاح حكومة كوستاريكا, فقررت, في العام 1994, التوسع في المشروع, ووضعت خططاً لإنشاء ألف من بيوت البامبو, كل سنة. نعود إلى الحقائق العلمية, التي تقول بأن البامبو يفوق الخشب والقرميد والخرسانة في كثير من الخواص, فإلى جانب تفوقه في اختبارات التحميل, يضيف البامبو إلى ميزاته قلة تكلفة الإنشاء, التي تأتي من قلة تكلفة إنتاج مادة البناء الأساسية, الأقصاب. وكانت مشكلة 09 % من الطيور التى خرجت من هذا الحمَّام المكثَّف, تتمثل فى فقدانها القدرة على مقاومة البلل. وتبين بالدراسة أن سبب تلك المشكلة هو ترسُّب عنصر الكالسيوم على ريش الطيور, وذلك يمنع الريش الدقيق من التراكب والتشابك, ليقاوم الماء والهواء, فيعجز الطائر عن الطفو وعن التحليق فى الهواء. وقد تمت معالجة هذه المشكلة بغمر الطيور فى محاليل خاصة, تذوب فيها رواسب الكالسيوم, فيعود الريش إلى حالته الطبيعية.
وقد استمرَّ العمل بمركز إنعاش الطيور لمدة أربعة أسابيع, بعد الحادث, وبلغ عددالطيور التى استقبلها 9 آلاف طائر; مات منها 6 آلاف, بعد وصولها إلى المركز مباشرةً, متسممة بالنفط; ولم يتحمل ألفان من الطيور الإجهاد الواقع عليها أثناء عمليات التنظيف, فماتت; وتم نقل 06 طائراً إلى مركز متخصص فى صون الحياة البرية, وذلك لاحتياجها إلى مزيد من الرعاية. أما الطيور التى شفيت تماماً, وتركت المركز إلى بيئتها الطبيعية, فبلغ عددها 959 طائراً.
وقد يبدو المردود العددى لهذه التجربة ضئيلاً, ولكن تجربةً أخرى, فى مكان آخر, قد تحقق عائداً أكبر. وعلى أي حال, فإن إنقاذ فرد من كل تسع ضحايا, أفضل من أن يترك الجميع ليباد. الأهم من ذلك, فى رأينا, تلك القيمة المعنوية الكبيرة, المتمثلة فى استجابة نفر من البشر لصيحة الاستغاثة, من طيور البحر, وتطوعهم لمد يد العون لكائن مسكين, تتعرض حياته للخطر, فى بيئة لا يحسن سكانها البشريون إدارتها!
أطفال طوكيو يلتقون حول النفايات !
ترعى الحكومة اليابانية اجتماعاً سنوياً ذا طابع خاص, يُعقد بالعاصمة اليابانية طوكيو, تحت عنوان (لقاء من أجل النفايات); الهدف الرئيس من ورائه, تشجيع سكان العاصمة اليابانية على خفض نفاياتهم, وحفز سياسات إعادة تدوير المخلَّفات. وأعضاء الاجتماع أطفال من تلاميذ المدينة; وقد شهد الاجتماع السنوى الأخير 023 تلميذاً, من أعضاء نوادى البيئة, في مدارس طوكيو, الابتدائية والمتوسِّطة.
وقبل أن تبدأ فعاليات الاجتماع, تُعقد لقاءات متقاربة بين مسئولى البيئة الحكوميين, وأطفال المدارس, لمناقشة أساليب زيادة وعي السكان بضرورة إعادة تدوير مخلَّفات بيوتهم, وسبل تقليل قمامة المدينة الكبيرة; كما يشارك التلاميذ في مشروع لتنظيف بعض المواقع السياحية بالعاصمة. وعلى مدار العام يشكَّل التلاميذ عدَّة مجموعات, تقدِّم كلٌ منها تقريراً عن أنشطتها, تعرضه في (اللقاء السنوى من أجل النفايات). وقد أعدَّت مجموعة , من 83 تلميذا بمدرسة ابتدائية, تقريراً عن زيارة قاموا بها لمستودع يجرى فيه حرق النفايات, خارج مدينة صغيرة, بالقرب من طوكيو, أوضحوا فيه أن 5 % من حجم المخلفات المحروقة يبقى بالمستودع بهيئة رماد, ويتراكم , بما يمثل عبئاً مستمراً على جهود التخلُّص من النفايات; وأنَّ إحراق المخلَّفات البلاستيكية بالمستودع يحمل خطراً حقيقياً على صحة البيئة والبشر, بالمناطق السكنية القريبة من المستودع. وجاء فى تقرير آخر, من تلاميذ مدرسة متوسطة, أنَّ 03 % من مخلَّفات ضاحية (شوفو) المجاورة للعاصمة اليابانية, يمكن تصنيفها تحت 61 مجموعة , معظمها قابل لإعادة التدوير. ألف عام من الصيدلة وربما يكون من المناسب أن نشير إلى الحادثة التي كانت سببا في تطور تقييم عمل الصيدلي عند العرب والتوصل إلى الحسبة على الصيادلة ثم عمل دستور للأدوية, حيث يحكى أنه في الفترات الأولى من تاريخ ممارسة الصيدلة وجد الدجال الجاهل جنبا إلى جنب مع الصيدلي المتعلم المدرب, وأدى ذلك إلى أن شاع عن الصيادلة غشهم للأدوية وفي ذلك يروى أن أحد قادة المعتصم في وقعة عمورية (838م) كان قد أمر بإحصاء جميع من في معسكره من التجار فلما بلغه في قائمة الأسماء (الصيادلة) أمر بأن يمتحنوا حتى يعرف منهم الناصح من غيره, ومن له دين ومن لادين له, وكانت طريقته في الامتحان أن أخرج من دفاتر الأسر حوالي عشرين اسما وأرسل برسله إلى الصيادلة يطلبون أدوية مسماة بهذه الأسماء, وكانت النتيجة أن بعض الصيادلة أنكروا معرفتهم بهذه الأسماء والبعض الآخر ادعى معرفتها وأخذ منهم النقود ودفع إليهم بشيء من حانوته, وبناء عليه أمر قائد المعسكر بإحضار جميع الصيادلة فكتب لمن أنكر معرفته بهذه الأسماء تصريحا بالمقام في المعسكر (وهذا يماثل ما يعرف حاليا بتصريح مزاولة المهنة), وأما الآخرون فقد طردهم من المعسكر وأباح دم من يوجد منهم في معسكره. وقد استعان التلاميذ, فى إعداد هذا التقرير الفنى, بتجارب أمم أخرى, حصلوا عليها عبر شبكة المعلومات العالمية.
ويبدأ اللقاء السنوي بحلقة نقاش, يحضرها عمدة مدينة طوكيو, الذي لفت نظره, في الاحتفالية الأخيرة, بعض التوصيات والآراء التى قدَّمها الأطفال, ووعد بالنظر إليها بعين الاعتبار, والعمل على تنفيذها; ومنها, مناشدة المصانع أن تسعى للمنتجات سريعة التحلل فى البيئة, بعد إهمالها; والعمل على التقليل من منتجات (الإهمال بعد الاستعمال); ومراعاة اعتبارات الأمان فيما يخصُّ صناعات لُعب الأطفال وأغذيتهم. ومن الاقتراحات الجديرة بالالتفات إليها, دعوة روَّاد المتاجر ومستودعات البضائع, من المشترين, أن يحضروا معهم أكياسهم, ليجمعوا فيها مشترياتهم, فلا يحتاجون إلى كياس - بلاستيكية غالباً - من البائع, تزيد مشكلة المخلَّفات البلاستيكية تعقيداً. كما دعا أطفال مدارس طوكيو كلَّ من يملك حديقة منزلية, أن يعمل على تحويل مخلَّفات المطبخ, فى بيته, إلى مخصِّباتٍ عضوية, يستفيد بها فى حديقته.
وينتهى اللقاء السنوي, من أجل نفايات طوكيو, بحفل فنى, يستعرض فيه الأطفال مواهبهم الموسيقية والغنائية والتمثيلية; وبطبيعة الحال, فإن بعض فقرات الحفل الفنية يدور فى دائرة النفايات!
لُعب الأطفال..
الحرص واجب!
في 11 يوليو  1999م, نشرت إحدى الصحف البريطانية خبر إقرار الإدارة الأمريكية بإيعازها إلى وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه CIA) بإعداد ملف تجسّسي خاص بوزير البيئة البريطاني المعارض, لاستيراد الأغذية المعتمدة على هندسة الجينات, التي قطعت فيها أمريكا شوطاً بعيداً, وتطمع في أن تغزو بها أسواق العالم قاطبة, بما فيها أسواق أوربا, التي مازالت غارقة في حمأة الجدل العلني المحتدم حول التساؤل الحاسم: (هل يجوز لنا - من حيث المبدأ - القبول بوصول الأغذية الجينية هذه إلى موائد طعامنا, أم لا؟). سبق السيف العذل؟ إذ توصل استطلاع حديث للرأي (أجراه معهد إمنيد  آلنسباخ) إلى تقسيم الجماهير الألمانية, من حيث تقويمها لتدخل هندسة الجينات في حياة الإنسان تدخّلاً مباشراً, إلى أربع شرائح رئيسية: 1ـ ترى الشريحة الأولى أن هندسة الجينات في حياة الإنسان لا يجوز النظر إليها على أنها مسألة موازنة بين الربح والخسارة وحسب, بل لابد من تحريم التلاعب بالطبيعة تحريماً (عقائدياً). 2ـ تنظر الشريحة الثانية إلى الموضوع من زاوية (اقتصادية) بحتة, فهي تتحسّر على القطار الذي فات أوربا بما يحمله معه من فرص لجنيّ الأرباح الطائلة, وللتخفيف من حدّة أزمة البطالة المستفحلة في سائر أنحاء الاتحاد الأوربي, ولاسيما حينما تشخص أمامها الأرقام التي تفيد بضآلة عدد الشركات الألمانية العاملة في مجال التقانة - التكنولوجيا - البيولوجية والجينية إذا ما قورنت بما يقابلها في أمريكا (85 فقط مقابل 1,311 شركة أمريكية وفق إحصاءات العام 1996). 3ـ تحبّذ الشريحة الثالثة أن يقتصر تدخّل تقانة الجينات على ابتكار العقاقير الطبية التي تعجز التقانة التقليدية الصيدلانية عن إنتاجها, أو على استنباط أساليب جديدة لمكافحة الأمراض المستعصية - مثل السرطان - ولا ترى ما يبرر تدخلها في صناعة الغذاء البشري وإنتاج المحاصيل الزراعية, الأمر الذي قد يشكّل خطراً على الجنس البشري برمته. 4ـ أما الشريحة الرابعة والأخيرة, فتنظر إلى الأمر بعين (واقعية) إذ دأبت الشركات الكبرى على صمّ آذانها عن أصوات الجماهير كلما اشتمت في إحدى التقانات الجديدة رائحة الربح. وفي الوقت الذي يستمر فيه هذا الجدل في كبح (فرملة) عجلات المركبة أو العربة الأوربية, يندفع الموكب العالمي للأغذية الجينية كالسهم المارق بزعامة أمريكا, ليفرض أمراً واقعاً يتجاوز هذا الجدل الحامي أشواطاً بعيدة. ولعل من أهم الأمثلة على هذا الواقع: 1ـ تندلع الثورة الجينية الخضراء هذه بسرعة لا يكاد يصدّقها العقل, ففي العام 1983م فقط, نجح العلماء للمرة الأولى في التاريخ في إيلاج جينة غريبة في مورثات أحد النباتات, ولم يكد يمضي على هذه الخطوة الأولى 15 سنة وحسب حتى سرت زراعة هذه المحاصيل في الحقول العادية (المكشوفة بعد تلك المحمية), سريان النار في الهشيم, إذ توسعت زراعة الحبوب والخضار معدّلة الجينات في أمريكا وحدها إلى مساحة تقارب كامل مساحة ألمانيا الاتحادية القديمة (قبل إعادة التوحيد, ويقابل ذلك في سائر أنحاء العالم مساحة تقل عن سطح مقاطعة وحيدة في ألمانيا: نيدر زاكسن). 2ـ اجتاحت الأسماك التي اكتسبتها تقانة الجينات القدرة على مقاومة البرد القارس والصقيع, بوابات المطاعم الفاخرة في كندا والنرويج. لم تجد الشركات المنتجة للُعب وأدوات الأطفال والرضَّع, فى الولايات المتحدة الأمريكية, إلاَّ إعلان استجابتها, بوقف استعمال مادة كيماوية, تضاف إلى الخام البلاستيكى ( البولى فينايل كلورايد), أساس صناعاتها, ويقال لها (داى أيزو نونايل فثالات), ويرمز لها بالحروف DINP. وكانت الاستجابة نتيجةً لحملة شرسة, شنتها جماعات صون البيئة, بالولايات المتحدة الأمريكية وأوربا, وفى مقدمتها جماعة (السلام الأخضر) الشهيرة; وقد تزامنت هذه الحملة مع أعياد رأس السنة, مما جعل الآباء يحجمون عن شراء اللعب الداخلة فى صناعتها تلك المادة السامة, التى تضاف إلى الخام الرئيس للبلاستيك لتعطي للمنتجات ملمساً ناعماً يستحبه الأطفال. وقد أثبتت التجارب, على حيوانات المختبر, أن 02 % من مجمل الإنتاج الأمريكى من اللعب والمستلزمات التي يعتاد الأطفال التعامل معها بأسنانهم, ويمتصونها بأفواههم, تحتوى على هذه المادة الخطيرة, التي حفزت النشاط السرطاني في أنسجة حيوانات التجارب التي تعرضت لها, كما أدت إلى تثبيط عمل هورموناتها. وتتأكَّد خطورة هذه المادة, إذا علمنا أنها غير شديدة الارتباط بجزيئات الخام الرئيس ( البلاستيك), ويسهل أن تنفصل عنه, لتتسرَّب إلى لعاب الأطفال, فيبتلعوها, وقد تنجح أسنانهم الحادة فى اقتطاع سلخات من سطح اللعبة, تنتهى إلى جهازهم الهضمى, ويزداد احتمال الخطر.
وفى كندا, أصدرت وزارة الصحة بياناً, وجهته إلى الآباء والأمهات وجليسات الأطفال, بخصوص ألعاب الأطفال والرضَّع, المخصصة للاستعمال بالفم, تقول فيه إنها قد تأكدت من خطورة مادة DINP , وأن التعرض المستمر لها يمكن أن يؤدى إلى إتلاف كُلى الأطفال وأكبادهم. أما فى أوربا, فكانت النمسا أول دولة.. أو قد تستوجب حالة المريض إذا لم يفرغ الرض تماماً إلى الاستشفاء بسرعة نتيجة الهياج النفسي الشديد. وحقيقة الأمر, إن الاقبال على التدرب على هذا العلاج في الوسط التخصصي العلاجي النفسي أصبح كاسحاً اليوم. أما في العالم العربي فإنه ليسرنا جدا أن نرى دولة الكويت هي السباقة في العالم العربي إلى التدرب على هذا العلاج وممارسته متمثلة بالمكتب الأميري ـ مكتب الخدمات الاجتماعية الإنمائية الذي يرعى اجتماعياً وعلاجياً الرضوض النفسية الناجمة عن الاحتلال العراقي الغاشم لدولة الكويت. فالمعالجون في هذا المكتب استقدموا الخبراء في هذا العلاج وتدربوا عليه, وأصبحت الكويت أولى دول الشرق الأوسط التي تمارس هذا العلاج الحديث السريع الناجع الفعال, الذي يضع حداً لمعاناة ضحايا الرضوض النفسية وأمراض القلق بكل أشكاله تقريباً. تتخذ إجراءات حظر إنتاج وبيع أي منتجات أطفال تحتوي على هذه المادة سيِّئة السمعة, تلتها الدنمارك وألمانيا. وتتفاوت شدة إجراءات الحظر في دول أخرى, مثل اليونان وفنلندا وإيطاليا والنرويج والسويد.
اللافت للنظر, أنه بالرغم من استجابة الشركات الأمريكية لتلك الحملة, فإن مسئولاً باتحاد ينظم شئون تلك الصناعة, خرج يدافع عن منتجاتها, ويقول إن 02% فقط من لعب الأطفال تدخل مادة DINP فى تصنيعها, وإن تلك الحملة من شأنها ضرب صناعة لعب الأطفال كلها, إذ تترك لدى العامة انطباعاً دائماً بأن كل اللعب مشبوهة, وتمثل خطراً على صحة وسلامة أطفالهم. ويضيف, إن هذه المنتجات آمنة, ولكي يتعدَّى الطفل الحدَّ القياسي المسموح به, فإن عليه أن (يأكل) لعبتين كاملتين من مادة الفينايل, طول كل منهما ست بوصات, في أسبوع واحد!!
أشجار القمر
قد يبدو العنوان رومنطيقياً, يصلح لحديث عاطفي عن أحداث تجري تحت الأشجار, فى ضوءالقمر, غير أننا بصدد ملخص لتقرير علمي, عن محاولة, جرت منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً, لدراسة احتمالات تأثير الفضاء الخارجي, وجوِّ القمر - تحديداً - في بذورٍ لأشجار أرضية .. على أي حال, فإنك - بعد القراءة - قد تجد أن الأمر لا يخلو من ظلال رومنطيقية... وإليك الحكاية..
فى الواحد والثلاثين من يناير 1791, انطلقت (أبوللو - 41 ), باتجاه القمر, وعلى متنها ثلاثة روَّاد, اشتهر منهم اثنان, هما (ألان شيبارد), و (إدغار ميتشيل), لأنهما غادرا المركبة الفضائية, وسارا فوق سطــح القــمر; أمـا الثـالـث , فــلا أحـد يذكره.. إنـه ( ستيوارت روسا), الذى كان مكلَّفاً متابعة رفيقيه المحظوظين, وهو جالس فى مركبة صغرى, للقيادة والمراقبة, على استعداد لتقديم الدعم والمساندة لهما, عند الضرورة.
بدأ ( روسا) حياته العملية بمحطات خدمة الغابة, وكان يقود طائرات إخماد نيران الغابات, ثم لم يلبث أن التحق بسلاح الجو الأمريكي, واختارته (ناسا), لينتظم فى برامج إعداد رواد الفضاء. ولمَّا اختير لمهمة أبوللو الرابعة عشرة, تذكَّر روسا اهتماماته القديمة بالغابات والأشجار, وفكر فى أن يصطحب معه إلى القمر بعض بذور الأشجار الأرضية. وتطوَّرت الفكرة العاطفية إلى مشروع مشترك, بين (ناسا) وهيئة خدمات الغابات الأمريكية. ودون الخوض فى تفاصيل المشروع, حمل (روسا) معه خمسمائة بذرة لبعض أنواع الأشجار, منها : صنوبر(لوبلولى), و(شجرة الغابة الحمراء), والتين, و تنُّوب دوغلاس; وقد حُفظت بذور مشابهة - عدداً وتنوُّعاً - فى مختبر أرضي, لغرض إجراء المقارنات بينها وبين البذور التى كانت بصحبة روسا, بعد انتهاء الرحلة. ومن الأمور الضاغطة على مشكلة المياه في العالم, أيضاً, التوسع العمراني والهجرة من الريف إلى المدن, والتصنيع, الذي يعد العماد الرئيسي للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. ويزيد من تعقيد المشكلة, أن ثمة فجوة بين الحقائق العلمية المحددة لمشكلة المياه, وبعض المفاهيم السائدة بين العامة, بالإضافة إلى لجوء جهات صنع القرار - في كثير من الأحيان - إلى التهوين من أمر المشكلة, والاكتفاء بحلول وقتية متعجلة, وفي معظم الأحوال, فإن التركيز يكون على الظواهر المرئية والعاجلة, في حين تؤجل, أو تهمل, الأبعاد غير المنظورة للمشكلة, التي تزحف في الخفاء, وتؤدي - على المدى الطويل, إلى إضعاف أنظمة دعم الحياة في المجتمع. وهكذا, تتضح الحاجة الملحّة إلى بناء جسور تربط مختلف قطاعات المجتمع بالتكوينات العلمية والفنية العاملة بالشأن المائي في العالم, لعلنا نستطيع أن نحدد ما الذي يشكّل سلوكيات العامة وآمالهم, فيما يتصل بمشكلة الموارد المائية, ولعله من المستغرب أن تجد الرأي العام يتابع باهتمام شديد أحوال البورصات العالمية, في حين لا تنال منه مسائل, مثل الأمن المائي, والتلوث, سوى الإهمال واللامبالاة! لذلك, اختارت (ندوة ستوكهولم للمياه), التي ينظمها المعهد الدولي للمياه باستوكهولم, والتي تعقد سنوياً في العاصمة السويدية, أن يكون لدور انعقادها الحادي عشر, في الفترة من 13 إلى 16 أغسطس القادم, عنوان: الأمن المائي في القرن الحادي والعشرين, بناء الجسور عبر الحوار. ومع الأسف, اختلطت البذور بعد عودتها للأرض, وفُقد جزء منها أثناء إجراءات المراقبة والتأمين والتطهير, التى تجرى للرواد والمعدات, عقب العودة من رحلات الفضاء الخارجي. وقد قللت هذه الملابسات من الاهتمام العلمي بالتجربة, غير أن بذور روسا القمرية أُخضعت لعمليات إنبات, ونجح القائمون على هذه العمليات فى الحصول على حوالي أربعمائة (شتلة), تمَّ غرس جانب منها فى الحقول التجريبية, إلى جانب شتلات أخرى من بذور لم ترحل إلى القمر, لإجراء المقارنات العلمية, بعد نمو الأشجار. ولكن معظم الشتلات تسرَّب هنا وهناك, وتمَّ التصرُّف فيه بالإهداء إلى العديد من الجهات والهيئات الأمريكية والدولية; فحصل (البيت الأبيض) على بعض الأشجار القمرية, وذهب بعضها إلى غابات البرازيل, وحدائق سويسرا, كما أُهدي الامبراطور الياباني بعضاً منها.
وقد رحل ستيوارت روسا - صاحب فكرة أو حلم الأشجار القمرية - عن عالمنا, فى ديسمبر من العام 4991, أمَّا أشجاره, التى عرفت جو القمر وخضعت لقوى جاذبيته, فقد نمت وازدهرت, كنصب تذكارى حي له, ولرحلة أبوللو الشهيرة.
ويعتمد الرواج التجاري لمنتجات ت.ح الزراعية على عوامل عدة, منها حجم الأسواق التي تعرض هذه المنتجات, ووجود أو غياب البدائل المنافسة, ومدى تقبّل المستهلك لهذه المنتجات, وتختلف قوة تأثير كل عامل من هذه العوامل بين دول العالم, لذلك, كان انتشار التقانيات الحيوية الزراعية في العالم متفاوتاً, وإن كان متركّزاً في بعض البلدان المصدّرة للمحاصيل الزراعية, مثل أستراليا وكندا وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. ويهمّنا أن نتوقف قليلاً أمام إشارة مهمة في هذا التقرير, تفيد بأن تراجع أوربا خلف الولايات المتحدة الأمريكية في مجالات ت.ح لا يرجع إلى تباطؤ الأبحاث في المؤسسات العلمية, أو تخلّف الصناعة الأوربية, فالنشاط البحثي في بعض دول الشمال الأوربي, مثل ألمانيا والدنمارك, متقدم جداً, وإنما تجد ت.ح مقاومة من الرأي العام الأوربي, الذي يتوقف كثيراً أمام الملابسات الأخلاقية لهذه المسألة, واحتمالات المخاطر البيئية والصحية المرتبطة بما تضخّه تلك التكنولوجيا المستحدثة من منتجات, أما سبب محدودية قيمة برامج ت.ح الزراعية في دول آسيوية, مثل اليابان, فيعود إلى غموض مفهوم ت.ح لدى العامّة. وتحاول ت.ح التقرّب إلى البيئة, فتولي جانباً من اهتماماتها لاكتشاف وتطوير وسائل آمنة أو خضراء. ائتلاف الأخيار! كان المتوقع أن يحظى العالم بسنوات من الهدوء, يلتقط خلالها أنفاسه, بعد أن انتهى خطر الصدام بين القوتين العظميين فيه بتقوّض أركان واحدة منهما, وذوبان كيانها العقائدي بسرعة مدهشة, لكن بؤر الصراع المحتدم, المنتشرة في بقع متعددة على سطح الكرة الأرضية, فوّتت على العالم أن ينعم بفترة من الراحة, واستمرت تعوقه - بدرجة أو بأخرى - عند التفرّغ لإصلاح أحوال معيشة سكانه من البشر الذين يتزايدون بسرعة, ولا يملكون إلا قدرات محدودة لتوفير متطلبات المعيشة الأساسية, وقد أصاب الإنهاك الأنظمة البيئية للأرض, من هول ما تحمّلت من جور. ومن جهة أخرى, فقد خلق التقدم المذهل في مجال تكنولوجيا المعلومات, والذي تحقق في السنوات القليلة الماضية, نوعاً جديداً من المشكلات, أدّى إلى مزيد من القلقلة والفوضى في جنبات عالمنا, لقد تطوّرت تقانيات التحكم من البعد, وتزايدت سرعة وسائل الاتصال وتعقّدت, وظهرت وسائل جديدة تعالج البيانات بسرعة أكبر ودقة أعلى, وكان لذلك مردوده على أحوال العالم, فقد انتفت عزلة الأسواق المحلية, وانتظمت كلها في شبكة عالمية متداخلة, وأصبح للمشاكل المحلية امتداداتها, التي تحيلها إلى قضايا تمس أمن العالم, فأصبح الفقر - على سبيل المثال - مشكلة لا تخص دولاً بعينها, بل قضية تنمية ذات طبيعة عالمية. كما أن هذه الإنجازات الضخمة جعلتنا نفطن إلى حقيقة مهمة, وهي أن السلوكيات الفردية, في مجموعها, وعند تراكمها, يمكن أن تؤدي إلى أخطار بيئية تهدد استقرار الحياة على سطح الأرض, وبالإضافة إلى ذلك, فقد أدت ثورة المعلومات, وما اتصل بها من معطيات تكنولوجية, إلى تطلع كثير من المجتمعات لفرص حقيقية, من أجل النمو والتقدم الاقتصادي, وصوناً للهوية الثقافية الخاصة. من هنا, كانت الدعوة إلى نظام عالمي جديد, يعيد تنظيم بيتنا الأرضي. ويقول هارلان كليفلاند, المفكر والسياسي والدبلوماسي الأمريكي, في كتابه (مولد عالم جديد), إنه من قبيل العبث أن نؤمل في إمكان احتواء هذه الاضطرابات والتحوّلات العالمية في كيان (رسمي) عالمي, مهما كانت مسمّياته, وهو لا يرى أن الكيانات الرسمية هي الأفضل كمؤسسات تحكم العالم في المستقبل, فالأصلح لهذه المهمة هو مجموعات العمل التعاوني غير الرسمي, المكونة من شخصيات مرموقة ذات خبرات طويلة متنوعة, ويقترح لهذه المجموعات اسم (ائتلاف الأخيار)! ويتصور كليفلاند أن تلك المجموعات لن تعمل في فراغ, فيقترح أن تتوافر لها الصلاحيات التي تمكنها من جمع أنواع من الضرائب, على المستوى العالمي, لتمويل الجهود التي تقوم بها لإعادة النظام والاستقرار للعالم, كما يقترح أن تصاحبها دعوة قوية لحظر كل أنواع الأسلحة النووية, وأن يتبعها مجموعة من الأقمار الصناعية, مهمتها رصد بوادر الحرب, والعمل على وأدها في مهدها, كما يكون تحت إمرتها جيش من خبراء الشئون الدبلوماسية والمفاوضات, ويرى أن تتوافر لها ظروف العمل في عالم مفتوح, لجميع الناس فيه حق الحصول على المعلومات وحرية التجارة, ولا ينسى كليفلاند فقراء العالم, فيخصص لهم جانباً من تلك المجموعات غير الرسمية, يتمثل في هيئة, مهمتها تدبير الموارد اللازمة للتنمية في الدول الفقيرة. هلاميات البحر الأسود شهد عقد السبعينيات من القرن العشرين تدهوراً في الأحوال البيئية للبحر الأسود, إذ ارتفعت ملوحته, وضربه التلوث, وأضرّ الصيد الجائر بمخزونه الطبيعي من الكائنات البحرية الاقتصادية (أسماك - قشريات - رخويات). مستقبل واعد للتعدين
على قاع المحيط
يرى بعض العلماء أن اتجاه الإنسان إلى ارتياد الفضاء كان يجب أن يكون تالياًلتوجيه اهتمامه لمعرفة المزيد من أسرار البحار والمحيطات; ويجدونه أمراً غريباً أن يحشد الإنسان كل هذه التقانيات المتطورة, للخروج من الأرض إلى الفضاء, بحثاً عن حلول لبعض مشاكله, تاركاً البحار والمحيطات, أو (الفضاء المائى), مهملاً مجهولاً, تكاد تقتصر معرفته به على المياه السطحية, بينما الأعماق لا تزال مظلمة, ومغلقة أبوابها على ما تحتويه من طاقات إنتاجية, وموارد متنوِّعة, وأهمها التعدين; إذ تشير الدراسات الاستكشافية الحديثة للينابيع الحارة, الغنية بالفلزَّات, وللرواسب المعدنية في أحواض المحيطات, إلى أن قاع المحيط يمكن أن يُستغلَّ في الأعمال التعدينية, على نطاق تجاري.
إن القواعد الأساسية لتقانيات التعدين فوق قاع المحيط موجودة فعلاً, إلاَّ أنها لا تزال في مرحلة الاختبار, وهي بحاجة إلى إدخال المزيد من التحسينات عليها, لكي تكون جديرة بمنافسة تقانيات التعدين فى المناجم الأرضية. وعلى سبيل المثال, فإن المتاح, حالياً, من الأجهزة المستخدمة فى رسم خرائط لقاع المحيط, بطيء جداً, ولا تزيد كفاءته على 1 كم مربَّع / ساعة; والمطلوب, أجهزة أسرع وأكثر دقة, لمسح قاع المحيط, بحثاً عن المعادن. كما أن المهتمين بهذا الموضوع يتطلَّعون إلى رفع قيمة العائد التجارى لعمليات التعدين البحرى, لتنافس التعدين الأرضى, بالاعتماد على ما يمكن أن يستحدث فى مجال استغلال العقد المعدنية واستخلاص محتوياتها, وتقليل تكاليف الطاقة الضخمة, اللازمة لنقل المعادن, من قاع المحيط, إلى المشروعات الصناعية, المؤسسة فوق سطح اليابس.
وأهم توقعات المستقبل, في مجال تصميم الأجهزة والمعدات, التي سيقتحم بها الإنسان قاع المحيط:
1 - مركبات غاطسة, لها القدرة على العمل في الظلام الدامس, عند قاع المحيط, والتحرك بين هضابه ووديانه, على عمق ستة كيلومترات.
2 - وسائل مسح وتنقيب سمعية وبصرية, تختصر الزمن المطلوب لاستكشاف المساحات الضخمة من قاع المحيط, والذى يصل إلى آلاف الساعات.
3 - آليات ذات كفاءة عالية في عمليات جرِّ وتجميع تكتلات المعادن على قاع المحيط.
وثمة شعور عام بالتفاؤل تجاه مستقبل التعدين البحري, فالمحاولات الواعدة, والتقانيات المتطوِّرة, فى تقدُّم مستمر. وثمة دلائل تشير إلى أن بعض الشركات الغربية قد دخلت, فعلاً, مجال البحث عن المعادن على قاع المحيط, بعد أن صارت أسعار المعادن في ارتفاع مستمر. ويتوقع الخبراء أن تكون البداية الحقيقية لاستغلال مناجم قاع المحيطات, خلال العقد الأول من القرن الحالي.
سبع البحر (ستيلار)
النوع من سباع البحر, المعروف باسم (ستيلار), هو الأضخم بين مجموعة فقمات سباع البحر, إذ يبلغ طوله ثلاثة أمتار, ويزن أكثر من 0001 كيلوجرام; وموطنه الوحيد, مياه (ألاسكا). كان تعداد سباع ستيلار البحرية يقترب من مائتى ألف فقمة, قبل سنوات قليلة, تناقص إلى حوالي سبعين ألفاً, حسب دراسة بيئية نشرت أخيرا, وفيها إشارة إلى احتمال أن يكون السبب المباشر في ذلك هو اختفاء أنواع بعينها من الأسماك, كانت تعيش في مياه المنطقة, وتمثل الغذاء المفضَّل للفقمة (ستيلار). غير أن القائمين بتلك الدراسة لم يقدموا تفسيراً لغياب الأسماك, كما أنهم غير متأكدين من أن اختفاءها هو السبب الوحيد لما حاق بتجمعات الفقمة سبع البحر (ستيلار) فى ألاسكا.
تقول الدراسة, إن العدد الحالى من هذه الفقمة يعانى نقص الغذاء بشدة, ومعظم أفراده يعيش على ما يدَّخره ويختزنه من دهون, وأن ذلك يؤثر في حيويته, وفي قدرته التوالدية, مما ينذر بمزيد من التناقص فى تعداده.
