قالت لنا المعلمة: أريد منكن أن ترسمن مدينتكن.
أخرجنا الأقلام والألوان ودفاتر الرسم، وبدأنا.
ماذا سأرسم؟ أولاً الأشجار. أي أشجار؟ لم أر هنا سوى النخيل، وأشجار أخرى قصيرة يابسة. النخيل جميل، سأرسم الكثير منها. وأرسم الكثير منها، بأطوال مختلفة على الورقة.
وماذا أرسم أيضاً؟ في خلفية اللوحة سأرسم البيوت. رسمتُ أشكالاً مستطيلة ومربعة. هل أرسم الأبواب؟ ولكن للبيوت أسوار عالية تحجب أبوابها. تركت الأبواب ورسمت بدلاً عنها أسواراً. والنوافذ؟ في بيتنا نوافذ كثيرة، لكنني لم أرهم يوماً يفتحون أي واحدة منها، إذن، لا فائدة من النوافذ، لن أرسمها.
الناس، أين أرسم الناس؟ هذا هو الشارع. شوارعنا لا أحد يسير فيها، فقط السيارات. إذن سأرسم سيارات كثيرة. رسمتُ سيارات مختلفة، رسمت داخل السيارة العالية رجلاً بشارب، يرتدي غطاء رأس. الشبان يحرصون على استقامة غطاء الرأس وعدم تعرضه للتجعد. رسمت غطاء رأسه مستقيماً جداً. رسمته بالمسطرة.
والنساء؟ ليس هناك نساء يمشين في الشوارع هنا. سأرسم واحدة تهم بركوب أحد السيارات. ترفع يديها في الهواء تلاحقها راكضة على متن القارب .. تحاول إيقافها ... إمساكها .. فتفر منها واحدة تلو الأخرى . تقفز عاليا لتقبض على إحداها .. تتملص منها للحاق بأخواتها ... تتشبث بها .. لكنها تطير وتسحبها معها .. إنها خفيفة .. تهتف صارخة .. تسارع رفيقاتها لإنقاذها .. يمسكن برجليها ويسحبنها لكنها تندفع خارج القارب ... صديقات أختي يستخدمن الكثير من الماكياج، سأرسم للفتاة كحلاً وألون خديها وشفتيها بالأحمر. وشعرها بأي لون؟ سأجعله أصفر أو برتقالي. نعم. هو: يقاوم تردده، يقترب منها، ينحني عليها، يهم بتقبيلها.. تحين منه التفاتة إلى صورة بجوار المصباح، صورة الرجل والمرأة.. يقترب أكثر، يبرز ذات الرجل الذي احتل مكانه في جواز السفر، يطوق امرأة، امرأة غير هذه التي في الفراش.. يعتدل في جلسته ويشير إلى الصورة: "من هما؟". المرأة: تلتفت إلى حيث يشير، تضحك: "ومن يكونان في رأيك.. ملابسها سوداء فقط، لا يظهر شيء من ملابسها الملونة.
الأرصفة. رمادية رمادية بلا نهاية.
هذه هي المدينة.
حين انتهيتُ، رفعت إصبعي وترقبت مجيء المعلمة كي تمدح لوحتي، أصغيت برهبة إلى صوت كعب حذائها يقترب مني، حتى رأيتها أمامي.
رفعتْ لوحتي بين يديها، أعلم أنها تحدق فيها. أشعر بالخجل، لا أستطيع أن أرفع وجهي إليها. ببطء وحذر أرفع عيني. وإذا الورق يلوح وجهي بعنف، قذفت دفتر رسمي على الدرج أمامي. شعرت بشيء يخنقني، وبرغبة لأن انفجر بالبكاء.. لماذا؟
أخذت تشير إلى اللوحة بإصبعها، ما هذه اللوحة البشعة؟ ألا تعرفين سوى اللون الرمادي؟ أين الأشجار ؟ ألم تري أبداً شجرة في حياتك ؟ وهذه المربعات هل تسمينها بيوتاً؟ أين الأبواب والنوافذ؟ كيف سيدخل ويخرج منها الناس؟ هل هم أشباح كي يخرجوا ويدخلوا بدون أبواب؟ أليس في منزلكم شبابيك؟ والناس؟ أين الناس؟ رجل واحد في السيارة، وما هذه القبعة العجيبة على رأسه؟ وفتاة واحدة فقط، ملابسها سوداء ؟ أليس لديك ألوان أخرى في علبتك كي تستخدمينها ؟ أم أن اللون الأحمر نفد وأنت تلونين وجهها بهذه البقع الكبيرة ؟ وهذا الشعر الأصفر ؟ ما لون شعرك أنتِ؟ أليس أسودا؟
عاد الصبي يذرع الطرقات ويجرجر قدميه الصغيرتين في بطء وتخاذل ، يخطو مرة ويتوقف ثانية ، والشمس المتوهجة تلهبه والأرض المشتعلة تحرقه ، ولكن صورة أبيه في خاطره تسنده كلما أوشك على السقوط ، وصوت أبيه يفيض عليه من الصبر والتجلد ما يكسبه رجولة وقوة . وتخطر في بال الصبي كلمات أبيه التي سمعها منه قبل أن يدخل رحلة الغوص .. سحبتْ الدفتر من أمامي، أمسكتْ الورقة ومزقتْها، وقالت: أعيدي الرسم مرة أخرى.
شعرت بأشياء كثيرة تتجمع في حلقي، تتصاعد وتتضخم، أغشية كثيرة تغلف عيني، أفركهما وأمسح الدمع، فيعود.
أمسكت القلم وأخذت أرسم خطوطاً، كانت الخطوط مرتعشة، نظرت إلى وجه المعلمة بسرعة، وأخفضت نظري. كم تمنيت لو آخذ نظارتها، وأحطمها. تمنيت لو أمسك منديلاً وأمسح به البقعة الحمراء من على شفتيها، ثم ألوث وجهها كله به. تمنيت أن آخذ مقصاً وأجز شعرها المصبوغ، لن أترك لها سوى جذوره السوداء.
يسرع إليه ويطلب منه أن يساعده في مقابلة الرجل الغريب.. الصديق يبتسم ويقول: "لاداعي للمساعدة، فهو هنا.." يصمت لحظة ليضيف موضحا: "إنه أنت!".. - 10 - (خارج كل الأمكنة المغلقة، والوقت مفتوح على مصراعيه) هو يحتضن طفلته، التي شاركته وحدها التحديق في وجهه الآخر، ينتظر أن تأتيه هواجسه تشمله، تحتويه، يطول انتظاره يستمطرها، يتوسلها أن تأتي، وحين لا تفعل، يبادر هو فيعيد صياغة إحداها: يرصدها وهي منطلقة إليه، رصاصة مكتومة الأزيز، بطيئة تأتيه، تخترق صدره، فيرتج إلى الوراء بفعل الاختراق، لكنه لا يتهاوى إلى الأرض ولا يجعل الأرض وسادته، بل يخطو خطوتين قبل أن ينحني الى الأمام جاعلا من رأسه حربة، تعاجله رصاصة ثانية فيسقط على ركبتيه ويزحف، يواصل الزحف فيما رصاصة ثالثة في الطريق إليه وابتسامة الظفر تطرز شفتيه، وعيناه تحدقان في عين طفلته المترعتين أملا. بقيت أدافع تلك الأشياء المتجمعة في حلقي، تتضخم وتؤلمني، وأدفعها. حتى دق الجرس وخرجنا.
كانت ساحة المدرسة رمادية، لون الإسفلت. وكانت هناك شجيرات باهتة صغيرة. ولا أعرف عن أموركم شيئا " تجاهل تعليقها الأخير وقال " أنا سأخبرك .. أخي عمره الآن خمس وعشرون عاما .. بمعنى أخر أن هذه النخلة عمرها ستة عشر سنة " فقالت الأم بعصبية " ما الذي يضايقك في عمر الشجرة .. فلتكن مائة عام " أكمل علي " ليس العمر يا أمي .. اسمعيني .. هذه النخلة زرعناها منذ ستة عشر عاما .. هل أكلت شيئا من ثمرها ؟؟ .. طبعا لا .. إذن .. لم .. اخبريني أنت " قالت الأم " لأنها لم تثمر " " هاأنت قلتها بنفسك .. لم تثمر .. كل أشجار النخيل أثمرت إلا هذه " اعترضت " يا ابني أعلم هذا .. حين خرجت من سور المدرسة تطلعت إلى الشوارع والبيوت، رأيت سيارات كثيرة ولم أر أحداً يمشي، رأيت البيوت ولم أر أبوابها، أعلم تماماً أن لها أبواباً يدخل الناس منها ويخرجون، ولكن أسواراً عالية تحيط المنازل.
لماذا مزقت لوحتي إذن؟ كم أتمنى أن أكسر نظارتها فلا تعود ترى.
