شاء الله أن أرتبط ببيت جدي ارتباطًا وثيقًا ، وحبيبًا إلى روحي ونفسي ، فقد تربيتُ في هذا البيت ، كنت سمًّيا لجدي ، وكان مما يزيدني غبطة وسعادة أنني أول من حمل اسمه من بين أبناء أعمامي .
نشأت في كنف جدي ، ودرجتُ في أحضان جدتي ، حتى بعد أن أصبح لأبي بيت يملكه ، وصار يسكنه مع أمي وإخوتي ، بقيت في بيت جدي ، أنعم بالمحبة تغمرني ، والدلال يحيطني ، حتى بات أولاد أعمامي يغبطوني على ما أنا فيه من رغد العيش .
وبيت جدي كبير واسع ( كذلك يبدو في عيني ) له فناء مسطوح ، ليس يتجمع فيه الرمل كما هو الحال في بيوت أصحابي ، ترتفع في إحدى زواياه نخلة سامقة ، قلت له ذات يوم : ( أنت تحب النخلة كثيرًا يا جدي !..) أجابني : ( ألا تحبها أنت ؟ إنها عمتنا يا ولدي ، عمة البيت .) وكان جدي يرعى هذه النخلة .. ولا يرضيه أن يتولى أمرها أحد غيره ، فعندما تتم ثمرها ، ويحين أوان خرفها ، يصعد إليها يخرف من عراجينها رطبًا وفيرًا ، وقد أقام بينها وبين الجدار سقفًا من ألمنيوم ، تمسكه أعمدة خشبية أربعة ، ويعينه هذا السقف - الذي يقسم النخلة إلى قسمين - على الوصول إلى عذوق النخلة .. يجمع رطبها برفق وأناة .
ولم أكن أعجب إذا ما رأيته متعلقًا فوق هذا السطح الألمنيوم .. بين قمة النخلة وسطح الأرض ، فقد كان جدي قويًّا .. معتدا بقوته ، ويغيظه أن يقول له أحد : أنت لا تقوى على هذا الشيء أو ذاك ، حينها سيحتد غاضبًا .. ويصرخ قائلا : أنا أقوى مما تظن .
* * * ** التهب قرص الشمس في كبد السماء ، وأوشك أن يلامس رؤوس الناس من فرط الحرارة المسلطة على يوافيخهم ، والصبي ما فتئ يذرع الطرقات ويطوف بالممرات ، حتى أنهكه التعب وأعياه الجوع ، وحدث نفسه بالعودة إلى البيت ، أجل لماذا لا يعود ؟ أليس البيت بيت أبيه ؟ إنه يعلم تمامًا ما الذي سيلقاه ، ولكنه لابد أن يعود ، إنه وقت الظهيرة .. وقت الغداء ، ولابد أن زوجة أبيه قد أعدت شيئًا يؤكل ، على الأقل من أجل ابنتها الوحيدة . مضى الصبي صوب البيت ، وحين اقترب من الباب دفعه ، ودخل متوجَّسًا ، يتلفت هنا وهناك ، ويتسحب والخوف في عينيه ، في تلك اللحظة سمع صوت أقدام تتزحزح ، فانتفض مذعورًا حين أبصر زوجة أبيه تقف قبالته ، تقتحمه بعينيها الجاحظتين ، ونظراتها الحادة ، طالعته من علٍ .. امرأة طويلة القامة ، نحيلة العود ، متخشبة الحركة ، ترتدي جلابية من قماش مشجر . اقتربت منه ثم قبضت ياقة ثوبه قبضة خانقه وصرخت في وجهه : - عدت أخيرًا يابن أبيك ؟ أين كنت ؟ تدور في السكك ؟ وأطرق الصبي ، تتسارع ضربات قلبه هلعًا ، مخافة أن تنهال عليه بكفها العريضة ، ولكن الله سترها معه هذه المرة ، فقط زعقت في وجهه قائلة : اذهب إلى المطبخ .. ألا تريد طعامًا ؟ وانفلت من أمامها صوب المطبخ ، وقبع في ركن صغير ، جعل يشخص بنظراته إلى السقف ، ويتذكر والده ، فتدمع عيناه ، ويجف حلقه ، ويباغته دوار في رأسه وضربات عنيفة تطرق مؤخرة رأسه . لحقت به المرأة وفتحت ( النملية ) وأخرجت رغيفًا يابسًا مصفرًا ، ثم اتجهت نحو موقد النار وتناولت من فوقه ( طاسة ) صغيرة في قاعها قليل من العدس الأحمر المطبوخ ، ومدت للصبي هذا المقسوم ، فالتقفه من يدها وجعل يلقمه دون توقف ، وهي تنظر إليه في شزر ، ثم أشاحت عنه وجهها وانصرفت . بعد ثوان فقط انتهى الصبي من الطعام ، وفوجئ بها أمامه مرة أخرى .. تعلقت مشاعري بجدي حتى لازمني إحساس بأنه رجل عظيم ، ولا أدري سر عظمته في نظري ، فجدي رجل قوي ، مربوع القامة ، صلب البنية ، أسمر الوجه ، طويل الأنف له عينان متوقدتان ، وحاجبان منعقدان ، حتى ليدرك الناظر إليه أنه رجل غضوب ، تميزه أذنان طويلتان ، على أنني سلمتُ من طول الأذن فلم أرث عنه هذه الصفة ، بل أخذت عنه أشياء أخرى . ينتفض واقفا، ذاهلا عن عريه، ينظر إلى الصورة في رعب ثم يتجه إلى الباب هاربا من هذا الغريب الذي يلاحقه ويحتل وجوده في كل مكان. - 4 - (غرفة النوم ذاتها، في اليوم التالي والوقت صباحا، صباحا متأخرا) هو: يفتح عينيه في تردد، وحين يتقين أنه وحده في الفراش، يشعر براحة، يتأمل المكان من حوله مستطلعا، ثمة صور معلقة وأخرى على الرفوف، ينهض، يفاجأ بعريه، يجفل ويعدو سريعا إلى الفراش، يتذكر البارحة، يخجل من نفسه، خيبة وأية خيبة. وأظنني كنت صغيرًا إذ لم أفطن إلى كثير من طباع جدي وعاداته ، وأشد ما كان يثير دهشتي أني أجد فيه الشيء ونقيضه ، لقد اجتمعت فيه الأضداد بشكل لا يتصوره أحد ولذا صار جدي معلمي الأول ، على أنني كرهتُ فيه خصلة وتمنيت لو تزول عنه ، أو أن واحدًا من أعمامي ينجح في استئصال هذه الخصلة وبترها منه ، كنت أحسها مثل الداء الذي ينخر في جسدي ؛ لأنها بغيضة ، جدي رجل غضوب ولا يملك نفسه أبدًا ، سلطانه ضعيف أمام سورات الغضب ، وغضب جدي يروعني ، كأن وحشًا كامنًا في أعماقه يهب لينقضُ على من حوله ، والغريب أن أبسط الأمور - في كثير من الأحيان - يوقظ هذا المارد بداخله ، والأغرب من ذلك أن غضبه مثل فقاعات الصابون في الهواء .. اتركها يابني قد تثمر يوما ما " يقول علي معلنا شبه انتصار " إن كان بها ثمر لأثمرت .. يا أمي لا فائدة منها .. سأقلعها وأرميها .. وأزرع عوضا عنها نخلة مثمرة .. أو شجرة تين .. أو حتى عباد الشمس " نظر إلى أمه ثم أكمل بحماس " اتركيني لأكمل عملي .. فالنخلة التي لا تثمر .. لا فائدة منها .. نرميها " تبتعد عنه الأم متبرمة .. يضرب الأرض بكل قوته .. مرة .. مرتين .. يرفع الفأس ليضرب .. يفاجأ بأخته مريم تقف أمامه .. يقول لها " لم أكن أعلم أنك هنا .. ظننتك نائمة" تنظر إليه .. تحكي عيونها الكثير من الألم والحزن والمعاناة .. والكثير من المفاجأة بما قاله .. يسألها بتردد " ما بك يا عزيزتي .. لم تنظرين إلي هكذا " العجز الذي يعتريها .. يمنعها حتى عن التفوه بكلمة .. كل ما تريد قوله يصبح دموعا مالحة كمياه البحر .. كملوحة الحياة وجفاف أرضها .. كغيومها الشحيحة بمطرها .. والتي لا تحجب عنها أشعة الشمس النارية .. وحيدة بصحرائها المترامية الأطراف .. وهل هناك من يتقبلها بصحرائها .. هاهي الآن .. تقف أمام أخيها كالنخلة التي يود قطعها .. تود البوح بما في نفسها من غضب ولكن .. الغصة في صوتها تجعل كلماتها غير مفهومة . تقول له وكل ذرة في كيانها تتحدث " وهل تملك النخلة حيلة ؟؟.. وهل أملك أنا حيلة؟؟" وقبل أن يفهم شيئا مما قالته تتركه متجهة إلى المنزل .. لا يدوم غير لحظات قصيرة ، فتخمد جذوته كلمة طيبة حانية ، وتصيره من حال إلى حال .
عندما كبرتُ .. وتجاوزت العقد الأول من عمري ، صرتُ أحلم بأشياء كثيرة ، وأحببتُ أن أصير مثل جدي ، ولذلك كان المسجد أحب الأماكن إلى نفسي ، أحب الذهاب إلى المسجد والجلوس إلى حلقات الذكر بعد الصلاة ، وكم تمنيتُ لو أن جدي أمسك يدي يومًا ، واصطحبني معه إلى المسجد ، ولكنه نادرًا ما كان يوافق على مرافقتي له ، عندما أطلب إليه ذلك ، وكان يتعذر على الدوام ، إلا أنني نشأت معتادًا الصلاة في بيت الله ، واستمسكت بهذه العادة ، فلم أتكاسل يومًا ، أو أعجز ، وهذا الحرص شيء من أشياء أخذتها عن جدي .
* * *
**
كان من عادة جدي أن يجلس عصرًا مع جدتي ، يرتشف الشاي حتى يأتي على البقية اليسيرة في الإناء ، ثم يسأل إن كان هناك عمل ما عليه القيام به ، وفي ذلك اليوم كنت أجلس مع جدي وقد اتخذت مكاني قربه تمامًا ، استرق النظر إليه جانبًا ، وأتأمل ملامحه الصارمة التي تنبئ عن صبره وعزمه ، وبينما كنت مسترسلاً في أفكاري ، دخل علينا أبي على عجل كعادته ، ألقى السلام ، وجلس ، وسكب الشاي وراح يشرب ، وإذ ذاك وجدته يرفع رأسه ،ينظر خارج الدار ، مصوَّبًا بصره نحو النخلة وهو يقول لجدي :
- أبي ، ألا تنوي تشذيب عذوق النخلة ؟ أظن أن الأوان مناسب هذه الأيام .
تحرك جدي ، وأشرأب إلينا بعنقه ، ثم نظر إلى أبي في شزر ، وأطرق برهة وقال :
- بالطبع أنوي ذلك .. وإلا هل تظن أنني تارك هذه النخلة هكذا ؟ ..
- حسنًا يا أبي ، ما رأيك أن نستأجر أحد الرجال .. من أولئك المحتاجين ليقوم بهذا العمل ، بدلاً من أن تتعب نفسك أنت و.. ..
وصفعه جدي بالرد حالاً من دون تفكير ..
- لا.. لا.. لا أريد أحدًا يتولى هذا العمل ، وأين ذهبت أنا ؟! دعك من هذا الكلام .
قال أبي في هدوء :
- ولكنك تشق على نفسك كثيرًا يا أبي ، وهو أمر لا يساوي تعبك والمشقة التي .. ..
وأسكته جدي ، رافعًا كفه عاليًا وهو يصرخ بصوت عال :
- يا .. قلت لك لا ، يعني لا ، ماذا دهاك ؟
كان البحر يعيش دائما في المنخفضات, كالوديان مثلا, ولكن الشمس لم تكن تعيش في السماء, وإنما على قمة جبل كانت تعيش. وكانت والبحر صديقين حميمين. تنزل الشمس من بيتها لزيارة البحر وكانا يستمتعان دائما بالأوقات التي يقضيانها معا. وكانت الشمس تدعو البحر لزيارة بيتها على قمة الجبل, ولكن البحر لم يكن يلبي الدعوة قط. وبعد مدة حزنت وألمّ بها غضب قليل. فنادت على البحر قائلة (لماذا لا تجيء لتراني كما أراك? شعرت آنذاك بمفاصلي ترتجف ، ولم يكن الجو باردًا ، فحدجتُ أبي بنظرة ألتمس منه السكوت ؛ حتى لا ينفجر جدي أكثر،ويمطرنا بوابل غضبه .
في تلك اللحظة ، نفض جدي ثوبه ونهض وهو يقول :
- غدًا إن شاء الله سأقوم بتشذيب النخلة .
نظرت إلى جدتي نظرة المستغيث ، بينما أبي يهز رأسه دهشًا من عناد جدي وأظنهما قد أحسا بالشعور نفسه الذي راودني .. الخوف من الغد .
وفي صبيحة اليوم التالي ، كان جدي يتهيأ لمناجاة عمة البيت ، نعم مناجاتها ، فقد أعد عدته ، وشدَّ مئزره وجاء بالسلم الخشبي ، ليصعد عليه ويصل إلى السقف الذي أقامه واسطة بينه وبين النخلة السامقة ، وها هو يقف فوقه آمنًا مطمئنًا ، يشتغل في عراجين نخلته ، عاقدًا العزم على تشذيبها ، ثم تغطيتها بالخيش حتى يحين أوان الخرف .
" وكإجراء لحفظ ماء الوجه المهدور طالب المفتش رجاله بهدم كل العيون فورا. في اليوم التالي اهتدى المفتش أثناء استحمامه إلي فكرة رائعة ، وصاح من فرط فرحته: " وجدتها .. وجدتها. " استدعى رجال المدينة وهيج غيرتهم من جديد . طلب منهم معاونته في حفر خندق. بدأت المهمة المستحيلة بعزيمة جبارة. وفي أسابيع قليلة أنجزوا خندقا رهيب العمق حشي جزء منه بالأشواك السامة ، وجزء آخر بالأفاعي والعقارب ، وجزء غير يسير بالزجاج المبشور ، والباقي برمال متحركة يفتك بها جوع أنساني . كان الخندق معجزة كبرى ، ولم يعد بإمكان أحد الاقتراب من منطقة العيون. في خطوة جريئة وشجاعة دس المفتش رجاله بين الأهالي ليستكشف السر . كانت الأوامر واضحة ومحددة ، التفاصيل الدقيقة بين كل اثنين يختليان . ولقد كانوا حقا مهرة ويحسن بهم الظن ، حتى أنهم أطلعوا المفتش على موعد اختلاء كل رجل في المدينة بزوجته. لم تكتب لخطوته النجاح فقد هجمت على مكتبه شبيبة تكلموا بصوت واحد: " ونحن في طريقنا إلي الملعب الرياضي صادفنا الغريب وهو يركض عاريا بجنون في الساحة ، ولما شاهدنا تعفر في التراب . ارتعبنا في البداية وكنا سنتراجع لولا أننا وجدناه في وضع لا يسمح بالأذية . هجمنا عليه وثبة رجل واحد . قيدناه بشباك المرميين ، وسحبناه بصعوبة حتى ثبتناه بشق الأنفس في العوارض الخشبية . كأنما ابتلع أثقال الدنيا . قضينا زهاء الساعتين ونحن نجره مسافة تقل عن المائة متر . كان يتنفس باضطراب وهو يزبد ، ويخرج رائحة تقيأ بسببها معظمنا. تركناه بحراسة أحد الزملاء. " هرع الأهالي يتقدمهم المفتش يحملون ما بوسعهم للانتقام . تسلح الأطفال بألعابهم البلاستيكية ، وكانوا في آخر الطابور . اندفع الشباب أولا بالمعاول والهراوات ، يتبعهم الصبية بنبالهم. أما النسوة فحملن ما تقع عليه اليد من أدوات المطبخ . كان المفتش ناقما على رجاله المغاوير الذين فشلوا في الامتحان الأول . عندما وصلوا إلي الملعب لم يكن هناك إلا الشاب المكلف بالحراسة مقرفصا على نفسه ، ويبكي بحدة. انتشله المفتش قبل أن يفتك به زملاؤه. " بعد تلاشي خطواتكم الأخيرة فتح الغريب عينيه وكف عن التأوه . التهم في البداية الشباك التي تقيده بشهوانية حيوانية ، ثم تمم على الأعمدة الخشبية في ثوان مذهلة . ولم يغفل عن القاذورات والأوساخ المتناثرة . أظنه لم يشبع فكنت له المحطة الأخيرة ، كاد يبتلعني لولا أن تراجعت في الوقت المناسب . ثم جدف بيديه وهو مستلق على ظهره حتى اختفى وسط الغبار . " انفض الجمع خائبا يبكون ضياع الفرصة . بقى المفتش مع رجاله ساهما يفكر في حل ينقذ سمعته الزائلة حتى اهتدى لفكرة جهنمية خارقة . أمر رجاله الخارقين أن يقيموا شريطا بعرض عشرة أمتار على طول المسافة الجرداء من المدينة ، ويوقدونه بالنار العظيمة التي لا تخبو ثانية واحدة . كانت طريقة ذكية من المفتش ، فبالإضافة إلي كونها الحاجز الأخير الذي عزل المدينة عن العالم الخارجي فقد ساهمت إلي حد كبير في تسهيل مهمة المراقبة ليلا ، حيث ينقلب الوقت ظهرا . أصبح الجميع يتحاشون المرور من تلك المنطقة . حرارة رهيبة لا يستطيع المرء الاقتراب منها حتى على بعد مئات الأمتار . كان الضابط واثقاً من نفسه وقدراته عندما وقف يخطب في الحشد: " والآن ليس للغريب ثغرة للنفاذ إلي مدينتنا . البحر مسدود من أمامه ، والبساتين تخفي شركا تعجب منه المستحيل ، وزرعنا له في الخندق قبره، والموت له بالمرصاد لو فكر بالاقتراب من القفر . كل ما أرجوه أن لا تتستروا على الخونة إن وجدوا بينكم . أعلم أن الحال سيكون صعبا ، ولكن ما أطلبه هو الصبر والاحتمال. " وأيدت المدينة قول المفتش دون تردد: " سر ونحن من ورائك نساندك. في هذا اليوم تملكني خوف شديد ، توجست في نفسي كثيرًا ، ورحت أتسمع الأصوات وأتحسس الحركات ، ولم يكن أحد يحس بخوفي وهلعي غير جدتي المسكينة ، إذ لم يكن بيدها أية حيلة أو حول ، وهي لا تجسر على المجادلة يومها ؛ فقد وجدت نفسها أمام الأمر واقعًا وحقيقة أمامها . ( ها أنت يا جدي تركب رأسك ، وتتعلق بين السماء والأرض ، وتأبي أن يمد أحد يده ليعينك ) .
مرت الساعات ثقيلة ، دقائقها تتمدد وتتمدد ، وأخوف ما أخافني اقتراب موعد صلاة الظهر وجدي ما يزال معلقًا .. وليمة الذعر ،، يقذف البحارة بانفسهم في البحر الواحد تلو الآخر . تلتهم السفينة نفسها في نهم . الخشب يسرع لافتراس الحبل ، الذي يرتد للشراع ، الذي يقتفي أثر البحارة. سلاماً .. سلاماً ،، أيها النائمون ، السائرون ، الهانئون ، الجاهلون . ماذا كنتم فاعلين لو كنتم مكانه . سلام على قلوبكم التي أيقنت بالكبت . سلام على عقولكم التي خدرها الوقت ، وأستباحها . سلاما عليكم أيها المرتدين وشاح السخط، والمسكنة، حماة الأحلام التي لاتحبل الا توائم الفزع . أحلام لاتصهل الا لفارسها الذي يستدرجها بقطعة السكر . أيها النائمون ، الطائعون رهبة الجاثوم ، طال ما أن هناك غيوم تضاجع القمم ، وطيور تستثيرها فلم القلق يناوش الفؤاد . هناك محطات للتعب ، وهناك مفترق رحب للطريق الضيق ، وهناك المرتحلون الممتطون دواب السكينة ، وهناك المستلقين على أرائك جمر البدع ، وهناك المزيد من الأغنيات المتضمخات بعسل الأماني. دعاء السفر ،، سأسير مع الساعين الى النقمة ، وأتلو أسفارهم . في الأفق تباشير نفايات للماضي الملوث بالمحبطات ، الملطخ بنجاسة قيء الأيام المجدبة . بانتظاري فجر عفيف البكارة ، وقناديل لاتنير اعوجاج الطريق ، وبلابل تغرد مسرورة لضحكات الغد ، وتوابع من شتى الأصناف تشد من أزري. أمضي أيها المطعون بسخط الحلم ،، خطوة واحدة وتنتهي الرحلة الطويلة . أيها النائمون ، التائهون ، المستغل بعضكم بعضا ، الطاعنون بنود اليقظة ، سليلوا العظمة ، والجنون ، مرتشو الغفلة ، والهبل ، والتباكي . لاتمسوه ، ولاتقتربوا من مشاهداته ، وأستعدوا لغربة أخرى تبارز حصون الحزن ، وغنائم البكاء ، ولتستريحوا من عناء الفرح . أيها النائمون ، التائهون انتبهوا للصعلوك الذي يتهيأ ليطهر نجاسة لاتغتفر لبدن الليل العليل. يقطع ويرمي ، يلف ويربط ، كفاه ترتجفان ، والعرق يتفصد من وجهه الذي غشيه سواد عجيب. بينما أنا وجدتي واقفين .. أنظارنا متجهة نحوه ، يصل مسامعنا ألفاظ وعبارات يهذر بها جدي لا ندري مقصده منها ، هل يناجي عمته النخلة أم يوبخها ويلومها .. الله أعلم .
حاولت التغلب على جبني وخيبتي ، فدنوتُ صوب جدي .. ورفعت رأسي أناديه بصوت مرتعش :
- جدي .. كفاك اليوم ما عملته ، دع الباقي إلى الغد .. أرجوك .
ويصلني الرد منه متقطعًا .. مهدودًا :
- خلاص .. انتهيت يا ولدي ، لا تقلق .
( كم أنت عنيد وصلب يا جدي ) .
وكلَّمتُه ثانية :
- كيف لا أقلق ؟ منذ الصباح حتى الآن وأنت على هذه الحال ، سيحين وقت الصلاة يا جدي .
وما كدت أنتهي من كلامي حتى شق الفضاء نداء السماء وعلت كلمة الله أكبر .
وبينما كنت استحث جدي ، وارتجي نزوله ، دخل أبي ، فتنفست الصعداء ، ( الحمدلله .. حضر أبي في الوقت المناسب ) ولكن صرخة قوية من جدي أفزعتنا ، وركضنا سراعًا نحوه ، وهو يصرخ : آه .. آه .. وكانت ( الآه ) منه طويلة ومبحوحة .
ماذا حدث ؟ لقد أصابته السكين الحادة ، في اثنين من أصابعه ، وفار دمه ، صعد أبي حتى نصف السلم وهو يناديه بإشفاق : أبي .. أعطني يدك .. هيا .. ارفع أصابعك عاليًا وناولني يدك الأخرى . أمسك أبي بيد جدي ، هابطًا به إلى أسفل ، يحاول جاهدًا ألا يسمعه كلمة لوم .. أو عتاب .
حاولت أن أعين أبي ، أن أقترب من جدي وأفعل شيئًا ، ولكني تسمرت في مكاني ، فمنعني إحساس الألم في عينيه وانعقاد حاجبيه وكلماته التي يرددها آنذاك :
لا حول ولا قوة إلا بالله .. إنا لله .. إنا لله .
بعد لحظات كان أبي ينطلق بجدي كالريح نحو المركز الصحي ، وبقيتْ جدتي تبكي في صمت ، التفتُّ صوبها ، ودمعة ساخنة تنحدر من عيني ولسان حالي يقول : مسكين جدي .. ترك عمتنا النخلة ، وفاتته الصلاة في المسجد .
