لم أعرف أن هذا الفندق يطل على مقبر المدينة .. كنت مرهقاَ بعد رحلة طويلة شاقة ، و ليس لي إلا أن أنام . فتحت الستائر و انكشفت لي قبور متجاورة . قبور تتجمع و تتلقي ، تخرج من مكانها و تتزحزح و ترتج كالماء ، و تطفو للأعلى ، جامحة تضرب بعضها بعضاً ، و الشواهد تنهار بلونها الرمادي و الأبيض أما القبب الصغيرة فكانت ملفوفة بخرق خضراء . لم أخبر زوجتي بالأمر ، كانت مشغولة بالاستحمام بعد السفر الطويل . أسمع رشرشات الماء على البلاط و أرى الأبجورات الموضوعة بعناية .
لم أغلق الستارة . و لفت انتباهي دخول جماعات من الرجال بجنازة من الباب الشرقي للمقبرة : كان الرجال يرتدون ملابس بيضاء ناصعة ، و كان النساء من خلفهم يمشين كالغربان بعباءات سوداء . لا إرادياً فتحت النافذة .. جاءني هواء هذه المدينة الساخن الذي يبرد في الليل . كنت أريد أن أتبع صوت هذه الجنازة .سمعت صوت الولولة أولاً .. جاءتني مع هبوب الريح من الشرق . كانت البوابة التي دخلوا منها منهكة لها حديد صدئ ، النصف الآخر من البوابة كان ساقطاً على الأرض . وضعوا الجنازة على الأرض و ارتفعت زغاريد . التقى النساء بالرجال و اختفت الجنازة . ماذا لو شاهدت زوجتي هذا المنظر ؟! و كيف اخترنا هذا الفندق لشهر العسل ؟ اتخذت قراري بالفرار من هذا الفندق إلى أقرب فندق . لن أخبر زوجتي .. لكنها ستفتح الستارة بالحتم . نمت على المقعد الذي بجوار السرير و أنا انتظر دوري لدخول الحمام . كانت الرحلة طويلة بالطائرة ، طويلة استغرقت عشر ساعات . رحلات الترانزيت متعبة ، لم أفق إلا في الليل . عندما فتحت عيني كانت زوجتي جالسة أمامي عند ميز التواليت تصلح زينتها . قالت لي دون أن تلتفت :
- نمت خمس ساعات .. و تركتك ترتاح .. فالليلة سنسهر حتى الصباح ..
لم أجبها ، كنت لا أزال في حوزة النوم . نمت بثياب السفر . حلمت أحلاماً مفزعة . كانت رأسي ثقيلة . قلت لزوجتي :
- كيف نمت ؟
- على المقعد .. و بعد ذلك حملتك بصعوبة على السرير .
- أنا نهضت بنفسي ؟
- بمساعدتي ...
أخفيت على زوجتي صور الحلم الذي رأيته .
كان الضوء في الغرفة خافتاً ، ينبعث من الأباجورات في جوانب السرير . انتبهت إلى التسارة عن يميني ، و حمدت الله أنها لا زالت مغلقة . كانت زوجتي نائمة طوال الوقت أيضاً . قالت لي :
- قرأت برنامج السهرة في هذا الفندق و حجزت طاولة لشخصين ..
هل أخبر زوجتي عن المقبرة ؟ قلت لها :
- سننتقل من هذا الفندق غداً .
قالت :
- أنا مرتاحة هنا لا داعي للتغيير ..
- أظننا أخطأنا في ذلك ..
- هو فندق خمس نجوم ؟
- نعم .. لكن موقعه غير مناسب ..
- من أي جانب .. هو في وسط المدينة ؟
- نعم ..
ترددت ، لكنها ستعرف ، لا بد و أن تفتح الستارة بعد قليل ، هذا هو طبعها ، و طبع كل مسافر ، يريد أن يعرف ما حوله ، و ما بجواره ، المنظر الخلفي للغرفة ..
لم بنوا هذا الفندق هنا ؟ كيف ارتكبوا هذه الحماقة ؟
قلت :
على كل حال .. أنا موافق على المكان الذي يعجبك .
- خلاص .. يعجبني هذا الفندق .. ادخل الحمام و اطرد عنك كسل النوم .
قلت لها :
- لا أريد الخروج من الغرفة الليلة .. الظاهر أنني مصاب ببرد ، و علي أن أستريح في الغرفة ..
كانت في كامل زينتها ففوجئت بقراري .
- هل جئنا إلى هذه المدينة الجميلة للنوم ؟
- الأيام القادمة ..
- و هل ينامون في شهر العسل ؟
كنت مكتئباً . أصبت بالاكتئاب منذ خمس سنوات . و كان الموت يزورني كل مساء في هيئة صامتة : جسدي ممدد فوق نعش خشبي طويل ، و عيني مغمضة ، جسدي مغطى بزيت ، و هو غامق و عميق ، و مجموعة الرجال يحملوني إلى المقبرة . يغشاني العرق ، و يضيق صدري ، و يركض الخوف . أصاب بهلع شامل . لا أتحدث . أفحص حبات العرق فوق جبهتي في الشتاء . لم أخبر زوجتي عن الاكتئاب .. ستكتئب هي الأخرى . والمرأة في أوج نضجها ، ثوب له رائحة البيت والألفة يبرز ذراعين يعشى بياضهما الضوء الشفيف ووجه مدور حلو، وصدر يخفق ويعلو في موجات انفعال. هو يتأمل المرأة، يستعطف الذاكرة للمرة الأخيرة ألا تخذله، من تكون هذه المرأة: زوجا أم أختا أم أما. المرأة تهتف باسمه في صيغة تساؤل دهش. يبادر مؤكدا: أجل أنا هو!.. المرأة تندفع إلى أحضانه تسبقها صيحة فرح غامرة، مرددة اسمه كمن تعبر في أن عن سعادتها بعودته ولوعة انتظارها المر الطويل. يحتويها بلا تدبر بين ذراعيه ، يضمها إلى صدره، يداه تتحسسان دفء كتفيها وظهرها فيما راحت قبلاته تطيش متوترة مابين الجبين والوجنتين حتى تلتقي شفتيها فتصير قبلة طويلة، فرح ولذة، فجأة وهزة، فمها حمامة تضم إليها صغارها، هو كل صغارها، تنفلت منه صيحات لاهثة ما بين القبلة والقبلة: "آه.. عدت لك، أمي الحبيبة". المرأة تدخله البيت قابضة على يده، تنادي طفلتها التي انزوت في أحد الأركان خجلة من هذا العائد، من هذا اللقاء العاصف، تقول لها: هذا أبوك قد عاد. أبوك عاد.." يسرع الى الصغيرة، يرفعها إليه، يحدق في وجهها، في عينيها ويقبلها بلهفة محمومة.. هاهو زوج وأب في ظل بيته، وداعا للضياع. - 3 - (في إحدى غرف البيت المألوف بشيء من الغرابة، هي غرفة نوم على وجه التحديد، والزمن ساعة متأخرة من الليل). هو: يفضل ألا يضيء الغرفة، يواصل تجفيف جسده المبتل من حمام دافئ، يرمي المنشفة ويظل عاريا يندس في الفراش الكبير متلذذا بنعومة الأغطية، بعريه، بتجرده من كل شيء، وانتظاره لامرأة تنشق عنها اللحظات القادمة، ملغيا كل حيرته وأسئلته، مسترخيا في الظلام الشفيف مستسلما لهدأة الليل، واحساس يحتويه على مهل بغرابة ما سيحدث، امرأة لا يعرفها تأتيه الى الفراش، زوجة وأم طفلته.. ضغطت الجرس و أنا أقول لزوجتي :
- سنحتفل هذه الليلة في هذه الغرفة الأنيقة الممتلئة بالسجاد و صور النساء الجميلات .
فتحت زوجتي الراديو . و زارتنا الموسيقى هادئة ، ناعمة .. و تدفق شعور من الفرح في عينيها . رأيتها تستدير إلي ، بفستانها الأسود مكشوف الكتفين ، و في شعرها الفاحم وردة صفراء .
كانت في غاية الجمال . و قالت و هي تزيح شعرها فتظهر عياناها النجلاوان بكل طلاوتهما الشهية .
- كما تشاء .. كل مكان أنت فيه جنة .
و جاءت و طوقتني . أنعشتني العطور الباذخة . قالت :
- لن أخلع فستان السهرة ..
- ليكن .. سأرتدي أنا البدلة .. بدلة الزواج .. و من يدري .. قد نخرج فجأة آخر الليل و نتجول في المدينة ، و لا نعود إلا في الصباح . هذه المدينة لا تنام . تسهر و تزدان بالأضواء و تعمها الحركة . و يرتاد العشاق حدائقها ، ومقاهيها .. مدينة صاخبة للمتزوجين و العشاق .. و العابثين في الحياة ..
و سمعت طرقاً بالباب فقلت :
- النادل ؟
فتحت الباب ، ودخل النادل و أخرج دفتراً من جيبه :
- ماذا تطلبين يا بشرى ؟
- كأساً من الحليب ..
- و أنا أريد بيرة مثلجة ..
بشرى إبراهيم :
دخل زوجي صلاح الحمام . كنت أسمع صوت الماء و الموسيقى الهادئة . دفعني اللاشعور إلى الستارة . عجبت كيف غفلت عنها كل هذا الوقت . فتحت الستارة و رأيت المقبرة . شواهد قبور صامتة و ناتئة ، قبباً كثيرة داكنة . لأنسى أنني موجود " نظر إليه الرجل الأشيب قائلا " لم كل هذا التشاؤم .. لا تزال شابا وتنظر إلى الحياة بهذا المنظار الأسود " أجابه الشاب " أنا لا أشكو من الحياة .. بل ممن يعيشون فيها .. من الناس .. من الأهل .. والأقارب والأصدقاء .. الجميع بلا استثناء " ضحك محدثه بملء فيه قائلا " الأقارب .. الأصدقاء هم سندك في هذه الحياة .. والأهل هم أساس وجودك .. فكيف تشكو منهم ؟" أجابه بانفعال واضح " لا تقل أهل وأقارب .. بل عقارب " انكمش الآخر في مكانه متقززا " أعوذ بالله .. استغفر ربك " التفت إليه الشاب بكامل جسده .. حدجه بنظرة غريبة قائلا " أنت لا تعلم شيئا .. فلا تحكم عن جهل " أحس الرجل أن هناك أمرا في نفس الشاب " أخبرني .. إن كنت لا تمانع .. ما الذي يملأ نفسك غضبا ؟" استند الشاب إلى ظهر المقعد .. وحدق ببصره في الفضاء " أمور كثيرة حدثت .. وكنت أتجاوزها .. ولكن هذه المرة .. لم يعد بإمكاني التحمل أكثر " سكت الآخر منصتا فأكمل الشاب " لا يمكنني التحمل حين رأيت أحد أصدقائي قد أشاح بوجهه بعيدا عني في إحدى الأمسيات .. دنوت منه " ما بك يا صديقي ؟" أجابني باقتضاب " لاشيء .. ظروف المنزل .. والعمل والحياة " دنوت منه أكثر " لا يا صديقي .. الأمر يبدو أدهى وأمر .. بالله عليك أخبرني " فأجابني بكل جفاء " لو سمحت .. ابتعد عني .. انتهى ما كان بيننا من أمر المودة والصداقة " تركني مذهولا وغادر المكان دون أن يضيف كلمة أخرى " قاطعه الرجل الأشيب " وهل تركته يذهب دون أن تستفسر منه لتفهم خبايا المشكلة ؟" أجاب الشاب " لا.. لم أترك الأمر يمر بسهولة .. أتريدني أن أخسر أعز أصدقائي بكل بساطة .. المهم .. سألت أحد الأصدقاء ..أتعرف ما قال لي ؟؟" هز الرجل رأسه نافيا ومشجعا الآخر على الاستمرار في الحديث " أتصدق أن أحد أقاربي .. و كلاباً تجوس بين الضوء الذي يكشف عن جوانب من شواهد القبور . وقفت صامتة . لم أتوقع ذلك .. مقبرة بجوار الفندق ؟! ما السر ؟ شعرت بانقباض ، يجب أن نرحل غداً من هذا المكان .. الآن ؟ لا .. دفعنا للفندق أجرة اليوم . هاجس أول: يرصدها وهي منطلقة إليه، رصاصة مكتومة الأزيز، بطيئة تأتيه تخترق صدره فيرتج جسده إلى الوراء بفعل عنف الاختراق، ويبدأ في التهاوي إلى الأرض فيما عيناه تطوفان الوجوه وصفحة عريضة من السماء تبدت من زجاج نافذة القاعة الشاسعة، حتى تحطان على الأقدام وهي تتفاداه يمنة ويسرة وقد توسد الرخام الصقيل بصدغه والأصوات من حوله تتناءى ليطبق صمت شامل لا يقلقه إلا دقات قلبه مضطربة الإيقاع وفي صدره رغبة مدحورة لصرخة مستحيلة، صرخة رفض لأن يتهاوى هكذا بين الجموع ويصير بعد قليل خبرا صغيرا في جريدة محدودة الانتشار، ورقما من حزمة أرقام لميتة مجانية، يكون بعدها نسيا منسيا. غداً في الصباح ، صلاح مريض و لا يستطيع الانتقال كما يبدو ، و سينزعج من هذا الانتقال السريع .. غداً في الصباح أخبره بالأمر . سأغلق الستارة .. يجب أن تبقى هذه الستارة مغلقة الليلة ، الليلة على الأقل ، حتى لا تفسد هذه الليلة ، حتى صلاح يبقى في حالة متوازنة .. لو أخبرته بالأمر فقد يكتئب .. بالحتم سينزعج كثيراً .. هو الحساس المرهف يكتشف مقبرة في مكانه ، في غرفته ؟ كنت أشعر أن المقبرة تزحف إلينا ، هنا في جانب الفندق ، تدخل الدهليز ، و تتخلل الجدران .. و تستقر على السرير .. المقبرة تتحول إلى أثير .. تزحف و تدخل في مكان الفندق ، كأنها جزء منه ، و كأنها بنيت مع الفندق ، و ستزال معه .. أحسست بحميمية إلى المقبرة ، كدت أذهب إليها الآن بنفسي ، أقترب من الشواهد و القبور و أنام على الأسمنت السميك تحت الضوء و الظلمة المختلطة ، أشعر بالندى المحمول على نبات ظاهر بين القبور . الشواهد تتحرك ، تقفز ، و جدران المقبرة تنتكس و تميل .. أسمع صفير زوجي داخل الحمام و إيقاع الموسيقى الذي يتحول . الستارة المفتوحة ليس كلها .. سأخفي الأمر على صلاح .. ليعلم غداً في الصباح .. نكون قد استرحنا ، و بعد نوم عميق نرحل .. هل تبقى الستارة مغلقة إلى الغد ؟ و ماذا لو أراد أن يفتح الستارة ؟ كيف أمنعه ؟ .. لم أخش الموت كثيراً في حياتي . هو أمر عادي ، أتوقعه كما أتوقع خروج زوجي من الحمام ، كان أهلي يعجبون من ذلك . و فسروا هذا بغلاظة القلب . أنا مؤمنة بالله .. و هذا سر الفتي مع الموت .. لكن زوجي .. آه ! أعرف أنه مكتئب .. و يتعاطى دواء الاكتئاب .. و يخفى علي ذلك . الله يرحمنا .. لن أدعه يفتح الستارة .
لم يضيئون هذه المقبرة ؟ .. و لم هذه الأضواء الضاجة على امتداد هذه المقبرة ؟ و لم في وسط المدينة ؟ و هذه نافورة ماء منطلق ، و سيارات جرارة جميلة تصعد الطريق الجنوبي ، و مقاه كثيرة هرجة تقابل المقبرة و الفندق ، و خمارات ، و مراقص .. فتحت النوافذ ذات الزجاج السميك ، و انحدرت إلي موسيقى من أسفل قاعات الفندق ، أنا في الدور الخامس ، و جاءتني الموسيقى من الدور الثاني . في هذا المطعم الفخم ذو الثريات الكبيرة و الموحية و الرخام . الفرقة ستغني هنا في الطابق الثاني . و المرقص في الطابق الأول . سأشتري ورداً من سوق الفندق العام .. ليت صلاح يوافق على الذهاب إلى الحفل ؟ هل ينعشه الدوش الساخن ؟ أراه يصفر ؟ من يدري ؟ سنذهب إلى الحفلى الصاخبة . الموسيقى التي أحبها . أريد أن أخرج من هذه الغرفة .. أن أطير .. أطير .. لن أدع صلاح و نفسي في حجرة مغلقة .. أنا و هو و في شهر العسل ؟ لن أدع حبيبي ينام عابساً حزيناً .. سنخرج .. سنخرج .. أعرف كيف أقنعه .. و التذاكر في يدي .. و إذا لم يوافق سأزعل ، و إذا زعلت فهو لا يقدر على زعلي .. سيوافق . كان صلاح خارجاً من الحمام . منتعشاً ، و جاءتني سخونة بخار الحمام . كانت الستارة مقفلة ، و لا أدري لم نظر إلى الستارة أول ما خرج من الحمام . قلت :
- صلاح .. أنا أريد أن أسهر .. يبدو لي أن الحفلة في الطابق الثاني جميلة .. إعلاناتها باهرة ..
- تظنين ذلك ؟
- نعم لم يخب ظني قط .. و هذه مدينة الطرب و الحياة .. و الفندق خمس نجوم !
- ما يعجبني فيك يا بشرى هذا التفاؤل المفرط .. لا أدري بسببك أو بسبب الدوش الساخن ، أشعر بتغير و الظاهر أننا سنغير رأينا ..
صلاح هشام :
كيف فاتتني هذه الفكرة ، كان علي أن أدعوها أنا للخروج ، لأهرب بها من هذه الغرفة .. لن تفكر في فتح الستارة إذا كانت خارج الغرفة . نذهب إلى السهرة . و لا أعتقد أن مطعم الفندق - حيث تقام السهرة - مفتوح على المقبرة .. هذا مستحيل .. المطعم سيكون بالحتم في واجهة المدينة .. الواجهة الضاجة بالنوافير و الأشجار .. لأوافق على أفتراحها دون تردد ..
بشرى إبراهيم :
كم كنت سعيدة عندما سمعت زوجي صلاح يقول لي بسرور و ترحيب :
- لنسهر في المطعم السفلي في الدور الثاني .. نفسي مفتوحة للحياة .. ارفعي صوت الموسيقى ..
- التذاكر جاهزة يا صلاح .. حجزنا منذ أول دخولنا ..
- هذا شأن النساء دائماً ، تواقات للحياة .. و هذا أجمل مزاياهن العريقة ..
- كنت مصممة رغم تعب السفر أن نسهر هذه الليلة .. ألم يذهب التعب مع النهار ؟
- أين البيرة ؟ البيرة المثلجة ؟
حمل زوجي البيرة و صبها في كأس طويلة و ارتفع الزبد إلى أعلى الكأس . بعد دقائق ارتفعت قهقهاته عالياً في الغرفة . كان يرتدي بدلته الزرقاء ، و يكمل زينته ، و يجرع البيرة في آن و آخر ، و يمازحني كعادته .. كنت أجلس بجانب الستارة .. و يبدو أنني نسيت . غمرني صلاح ببهجة مفاجئة و سريعة .. نسيت ، يبدو نسيت .. قال لي :
- تعالي أريد أن أهمس في إذنك .. و قبلني قبلة حارة ..
- إلى السهرة !
قال و هو يمسك يدي و نفتح الباب و نخرج .
صلاح هشام :
في الطريق إلى السهرة ، إلى الطابق الثاني ، سبقنا الهرج في الفندق ، الندل الحاملون الزجاجات و الفواكه . الخدم بملابسم الزرقاء السماوية و هم يحملون الحقائب . الأزهار و النباتات الخضراء في الممرات .. النساء الجميلات طبعاً ، بالملابس الجديدة للسهرة .. كلهم يتدفقون في المصعد الكبير في اتساع غرفة .. إلى الطابق الثاني .. ضغطنا زر الطابق الثاني فقط .. و أعلن الضوء الأصفر بداية وقوف المصعد .. زرافات كنا .. الموسيقى ، و الجو الحالم ، الأضواء الخافتة و الديكور الكلاسيكي القديم ، و الطاولات تتوسطها سلة الفاكهة و النادلات الجميلات .. كان المطعم يغص بالحضور من جنسيات مختلفة ، رنين الضحكات و هي تتشظى . قال الصبية: " وجدنا رجلا مستلقيا على ظهره فاتحا فمه الكبير مصيدة ماهرة للنوارس المتعبة من الترحال، ولا يتحرك . وكلما أبتلع نورسا انتفخ وكأنما ابتلع عجلا . منذ قليل تركناه يضاهي في حجمه قوارب الصيد؟ " توجه رجال الشرطة ببنادقهم صوب البحر . استعانوا أيضا بشباك الصيادين المنسوجة حديثا، ونبال الصبية قصيرة المدى ، ووصفات العشابين السحرية ، وبخور الدجالين المتقاعدين . كان الشاطئ يتيما يلتهم صفار الرمل ، ويبكي وحدته. صاح المفتش: " أين الجثة؟ " بحثت معه المدينة عن الرجل الغريب . عروا الشاطئ الخجول . جمعوا القواقع الشريدة ، وسرطانات البحر الوليدة، وعلب البيرة الفارغة في بقعة بعيدة وكوموا المراكب ، وأكواخ الصيادين في مكان قصي. أجاب الصبية بذهول: " اسألوا النوارس المغتصبة " كانت النوارس المسكينة قد احترفت الترحال إلى وطن جديد يحبل بأمل الاستقرار ، ويبدو أنها قد حرضت معها بقية الطيور . فض المفتش الجمهرة الكبيرة وعين زمرة من رجاله الأقوياء يحرسون البحر ، لا يسمحون لأي مخلوق كان بالاقتراب . أعلن البحر منطقة محظورة فكان الصيادون أول من بكى وتحسر . احتفلت الأسماك بهذه المناسبة السعيدة واصلة الليل بالنهار في رقص ، وعربدة، وسكر . أقام المفتش سياجا من الأسلاك الشائكة بارتفاع تحليق الطيور وعلى امتداد الشاطئ . بعد شهر واحد لم يعد أحد يتكلم عن رجل البحر ، وأصبحت المنطقة مهجورة . انتظرت الأسماك عودة الصيادين وعندما لوثها اليأس احتجت بان انتحرت جماعيا ، وتواطأت مع الشاطئ يعرضها. " كان ذلك ليلة البارحة عندما دخلت مدينتكم من جهة البساتين. " قالها رجل غريب قدم إلى المدينة مؤخراً ، ثم تابع: " رأيت رجلا ضخم الجثة ، لونه كشجرة يافعة يسقط على ظهره بين النخيل ، ثم فتح فمه منزلا رحبا للنجوم السقيمة وشظايا القمر الهرمة . ظل مضيئا حتى الفجر ، وعندما لامسته شمس الصباح ازرق بدنه ، وتركته يشتعل دون أن يحترق جسده. " هبت المدينة تتبع خطى الرجل الغريب . كان بالبساتين بقايا رماد ، وحرارة آيلة للخمود . لم يكن بالإمكان الجزم بان ذلك دليل . انتشر الجميع يحملون أواني الماء ، ويستبيحون حرمات الشجر ، ويكشفون عورات الجداول . استجوب المفتش العصافير الوليدة ، وشيوخ الضفادع ، وبلح النخيل ، وسماد الحقول ، وفضلات البهائم النتنة . حاول مرارا مع خيال المآتة ، والثمرات العجوز المنبوذة على الأرض . ولم يجد إجابة شافية. صاح الغريب: " أقول الحقيقة ولا أهذي . كان يبحث عن شيء ما بجنون قبل أن يسقط . " صدقته المدينة . وعلى الفور استدعى المفتش بنائي المدينة المهرة وأرغمهم على تشييد سور عال يحجز البساتين عن المدينة . بعد عدة أسابيع من العمل المتواصل انتهى البناءون ، وبمساعدة سخية من الأهالي من بناء سور عظيم أغفلت ذكره كتب التاريخ . وهنا قال المفتش البائس جملته الشهيرة. أعطيت النادل البطاقة فقادني إلى طاولة صغيرة بجانب لوح زجاجي كبير عريض .. خلف اللوح الزجاجي كانت المقبرة أيضاً في مكانها .. و كأنها تنتظرنا هنا أيضاً .. دهشاً جلست . الم تلحظ زوجتي شيئاً حتى الآن .. قلت للنادل :
- هل يمكن تغيير هذا المكان ؟
أشار إلى الناس المتزاحمين على المقاعد و قال :
- هذا هو المكان الوحيد الموجود .. طلب هذا المكان كثيرون من قبل أن تجيء .. أنت محسود يا سيدي .. هذا المكان يطل على المدينة .. و تستطيع من هنا أن تكشف كل القاعة !
قلت :
- إذن .. شكراً لا بأس !
بشرى إبراهيم :
كنت أعرف أن صلاح سينزعج لو عرف الأمر . كنت في غاية الدهشة ، إذ لم أتوقع أن تكون المقبرة هنا أيضاً في السهرة ، بين الناس .. جاءته الصرخة الأخيرة: " سيدي المفتش . الرجل الغامض هنا في المكتب يدقق في دفتر الأحوال . إنه الآن يأكل البنادق والأسلحة . يلتهم الذخيرة . ينتزع القضبان الحديدية ، ويلويها ثم يرميها في جوفه . إنه يبحث عن شيء ما دون وعي. إنه يتمم على كل شيء هنا ولا أستطيع منعه . يبدأ بالأثاث ، ثم السجاد ، ثم الأوراق ، ثم .. و أن أحسها تندقم في الظلام المحيط بالأسوار و المدينة و الفندق و الطاولات .. كنت خائفة أن يكتشف صلاح ذلك فجأة .. في ذلك الزمن الماضي ، وفي تلك السنوات البعيدة ، كان عبدالله صبيًّا صغيرًا ، لم يتجاوز الثامنة من عمره ، مربوع القامة ، ضعيف البنية ، أسمر الوجه معروق الجبهة ، طويل الأنف ، في عينيه طيبة وبراءة وانكسار ، غالبًا ما يرتدي - على لحمه - ثوبًا رثًّا ممزقًا ، وينتعل نعالاً بالية قد انسحقت فاستوت مع التراب الذي يمشي عليه . و قلت للنادل :
- أرجو أن تجد لنا مكاناً آخر فيما بعد ..
قال النادل :
- سأحاول .
صلاح هشام :
قررت ألا ألتفت إلى الوراء . أعطيت المدينة و المقبرة ظهري ، و أعطت بشرى المقبرة و المدينة ظهرها . كنا بهذه الهيئة نقابل "البند" و صالة الرقص تماماً . وجدت في هذه الهيئة مالا يخالف التآلف و النتاسق مع " البند " و صالة الرقص التي توجهت الأجساد و الأنظار إليها .. كنت مأخوذا بالحفل . و الرقص و الموسيقى نسيت .. لكنني بين آن و آخر أفكر في بشرى .. لا أريدها أن تعرف .. أنا نسيت و هي قد لا تنسى لو علمت بالأمر . قضينا سهرة ممتعة و رقصنا في حلبة الرقص .. منذ زمن بعيد, لا يذكر أحدٌ لماذا نشبت حرب بين الحيوانات والطيور. لم يستطع الخفاش أن يقرر إلى أي فريق ينضم. وفيما كان الخفاش يراقب, بدا أن الطيور في طريقها إلى النصر, فطار باتجاه جانب الطيور. سألته الطيور (ماذا تفعل هنا? إنك لست طائراً), قال الخفاش (ألا ترون جناحيَّ?) فَقَبِلته الطيور. ولسوء حظ الخفاش, كانت الطيور تتعرض لخدعة من الحيوانات. وفازت الحيوانات بالمعركة. طار الخفاش إلى حيث كانت الحيوانات. سألته الحيوانات (ماذا تفعل هنا? إنك لست حيواناً). قال الخفاش (ألا ترون أسناني?), وفتح فمه ليظهر أنيابه. و في إحدى الصولات و كنا عائدين إلى مقاعدنا من الحلبة الصاخبة وجدنا نفسينا نقابل المقبرة و نحن نمسح عرق الرقص .. و لم نعط المقبرة ظهرنا بعد ذلك .. راينا كل شيء معاً ، و عرفنا كل شيء معاً ، و عرفنا أننا كنا نعرف الحقيقة و نخفيها عن بعض .. فضحكنا للنكتة . في غرفتنا ، في الدور الخامس كانت الستارة مفتوحة .. حين غبنا في عناق طويل .. لم نكن نرى أو نعرف شيئاً .. أو لا نحس بوجودنا .. أنا و بشى في المكان .
