"حركة التقريب" -كما تسمى- تمتلك جذورها التاريخية، وتتضح ضرورتها في ضرورة وحدة الأمة، ومسؤوليتها في توجيه كل طاقاتها إلى الإسهام في الحضارة. وقد وضعت اللبنات الأولى لهذه الحركة في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، وكُتب العديد من المقالات لترسيخها.
غير أن الأحداث القريبة الماضية والحالة العراقية تعيد المسألة إلى ساحة الأولويات، ومن ثَم وجدنا الموضوع يفرض حضوره على الساحة، حتى عقد مؤخرًا مؤتمر البحرين (20-22/9/2003) الذي ضم نحو 125 شخصية على مستوى العالم للتقريب بين المذاهب الإسلامية؛ ولهذا فقد ارتأينا أن نفرد له مساحة عبر صفحات موقعنا؛ فكان هذا الملف الذي طُرح فيه عدد من الأوراق وفق زوايا نظر مختلفة، ومن مواقع مذهبية مختلفة.
في الملف يتناول الشيخ محمد علي التسخيري الأسس الإيمانية المشتركة بين المذاهب، والمبادئ التي ينبغي أن يلتزم بها التقريبيون، ويلتقي في عدد منها مع الشيخ القرضاوي الذي يقدم في ورقته "مبادئ للتقريب بين المذاهب الإسلامية"، ويلخصها في: معرفة الآخر من مصادره، وحسن الظن به، والتعاون في المتفق عليه، والتحاور في المختلف فيه، وتجنب الاستفزاز، والمصارحة بالحكمة، والبعد عن شطط الغلاة، والحذر من الدسائس، وينهيها بالحديث عن ضرورة التلاحم.
في حين أن الشيخ مهدي شمس الدين -رحمه الله- يتناول خطاب الوحدة في العقيدة والشريعة، ليقول: إن الإغراق في المذهبية من شأنه أن يلغي عالمية الإسلام.. ويؤكد أسامة عبد القوي -24 سنة- جامعي أنه يحافظ على قراءة ثلاثة أجزاء من القرآن يوميًّا في رمضان، مع مراجعة جزء حفظ خلال الشهر، والتهجد عشرة أيام على الأقل والاعتكاف ثلاثة أيام والتصدق مرة أسبوعيًّا. لماذا لا نستمر؟ السؤال الذي يفرض نفسه بعد انتهاء شهر رمضان، هو لماذا لا نستمر في فعل الخيرات والطاعات بعد رمضان رغم أننا استطعنا أن نواظب عليها شهرًا كاملاً؟ يقول نبيل صلاح –30 عامًا- مدرس: "لا أستمر في العبادات بنفس المستوى بعد رمضان بسبب الانشغال بالعمل، وانخفاض الروحانيات، كما أن وقت العمل في رمضان يكون أقل من الأيام الأخرى بعد رمضان، مما يعطي فرصة للعبادة وهذا لا يتوافر بعد رمضان". ويؤكد محمود جاد -40 سنة- مهندس "أن لشهر رمضان روح معينة تدفع الناس إلى فعل الخيرات، غير أن هذه الشحنة تتفرغ بعد رمضان والأصل في المسلم أنه دائم الشحن والتفريغ، فالحالة الروحانية والبيئة المحيطة وروحانيات رمضان تغيب، ولعل هذا هو سبب قلة وضعف مظاهر الخير بعد رمضان.. ويرى الحل في الاعتراف بالمسلم، ويقترح إنشاء هيئة لقضايا الوحدة والتقريب، ويقدم مجموعة من الأسس التي يقترحها للميثاق التأسيسي للهيئة، تتلخص في أن التمذهب ظاهرة طبيعية، والجميع سواء في حقوق المواطنة وواجباتها، ويلتقي في بعض ذلك مع كل من التسخيري والقرضاوي. وهذه الهيئة تحمل توجهًا عالميًّا للقبول بالآخر غير المسلم، ويشير إلى أن الخلافات السياسية ذات الأسباب الطائفية من شأنها أن تدمر الوحدة، ويختم بالحديث عن الدعوة إلى تأسيس منهج الاجتهاد المطلق العام في جميع المذاهب.
الباحث السيد هاني فحص يناقش الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة ومنطلقاتها النظرية، ويخلص إلى أن الخلاف الفقهي يؤول إلى "خلاف شكلي". أما العقدي منه فإن علم الكلام الجديد سوف يجعله عرضة في المستقبل لكثير من الاكتشافات والمكاشفات التي تقرِّب المسافات أو تلغي المفتعل منها. ويتساءل: هل يمنع ذلك الخلاف أن يتسع الفضاء المنهجي للاستنباط الفقهي لمشتركات نظرية تترتب عليها موافقات متحركة في تشخيص الموضوعات وترتيب أحكامها عليها؟ وهل الخلافات مسؤولة عن التباعد عن مقتضيات الوحدة؟ ويختم بذكر بعض الأمثلة التاريخية على التقارب لإيقاظ الذاكرة.
ثم يقدم الباحث معتز الخطيب قراءة نقدية لخطاب التقريب يثير فيه نظرات نقدية متعددة، بدءا من مشكلة الإمساك بالمفهوم واختلاف العناوين المعبرة عنه، إلى أن الاختلافات المذهبية تتأرجح بين خلط العقدي بالفقهي، والنزوع نحو التهوين من شأنها؛ لتنتهي بحصر الخلاف في الفقهي، ويقول: إن الخلاف أعمق من ذلك بكثير، والتستر عليه يعتبر أمرًا سلبيًّا للتقريب، وإن الوعي بالاختلاف بين الفريقين وبحث "تاريخيته"، والكشف عن الجانب البشري في الفكر الديني عامة بالممارسة النقدية على أساس معرفي لا مذهبي، وفرز النصوص: محور أساس للتقريب بين الفريقين.
أبو يعرب المرزوقي ينظر إلى المسألة نظرًا فلسفيًّا من زاوية الفكر السياسي؛ فيسعى إلى إثبات الوحدة التاريخية كما تعينت في مسألة الخلاف الأساسية بين السنة والشيعة، وهي المسألة السياسية عامة، ومسألة مبدأ الشرعية التي يستند إليها الحكم خاصة؛ ليثبت الوحدة العميقة وراء الخلاف الفكري بين المذهبين، وهو مشروع مهم جدًّا -كما يقول- بالنسبة إلى من يسعى إلى توحيد المسلمين في المستقبل، وخاصة بالنسبة إلى من ينطلق من الفكر الشيعي الذي كان يتجاهل هذا "الماوراء" الواحد؛ فيكتفي بالمقابلة بين الأخيار والأشرار.
التقريب.. أسسه وقيمه ودور العلماء فيه
الشيخ محمد علي التسخيري
الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
إن ما أطلق عليه اسم (حركة التقريب) في العقود الأخيرة يمتلك جذورًا تمتد إلى أقدم العصور الإسلامية؛ لأنها تستمد أصالتها وحيويتها من أصول الشريعة الغراء، وتتضح ضرورتها كلما اتسع نطاق مسؤولية هذه الأمة في صنع الحضارة الإنسانية أو الإسهام الفاعل فيها على الأقل.
لقد وضع علماء وشخصيات كبيرة في أواخر الأربعينيات من القرن الميلادي الماضي اللبنات الأولى لهذه الحركة المباركة، وجاهدوا حقًّا في تبيين معالمها، وكتبوا العديد من المقالات لترسيخها في النفوس بعد أن أصلوها وبينوا جذورها الشرعية وضرورتها المتنامية.
ونحن سعداء -حقًّا- إذ نجد هذه البذرة قد نمت وتحولت إلى شجرة طيبة، أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
الأسس الإيمانية المشتركة بين المذاهب
إننا نعتقد أن الإيمان بمسألة "التقريب" يتأتى بكل منطقية إذا لاحظنا الأسس التالية التي تؤمن بها كل المذاهب الإسلامية دون استثناء، وهي:
أولا: الإيمان بأصول الإسلام العقائدية الكبرى، وهي: التوحيد الإلهي (في الذات والصفات والفعل والعبادة)، وبالنبوة الخاتمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والقرآن الكريم الذي جاء به وما فيه، والمعاد يوم القيامة.
ثانيًا: الالتزام الكامل بكل ضروريات الإسلام وأركانه من: الصلاة والزكاة والصوم والحج، وغيرها.
ثالثًا: الالتزام الكامل بأن الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة هما المصدران الأساسيان لمعرفة رأي الإسلام في شتى الأمور: المفاهيم عن الكون، والحياة، والإنسان: ماضيه وحاضره، ومستقبله في الحياتين. والأحكام والشريعة التي تنظم حياته وسلوكه الفردي والاجتماعي. إن القرآن يقرر هذه المبادئ العظيمة؛ لتستقر في عقول المؤمنين، يبتغون بها وجه الله وحده… ولا ينتظرون رضا أهل الكتاب عنهم، فيقول تعالى: "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير" (البقرة: 120). وهو درس للمؤمنين في كل زمان ومكان أن يقفوا مع الحق مع كل الناس، رضي عنهم الناس أو سخطوا؛ أحبوهم أو كرهوهم، فإنه كما يقول تعالى: "ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى…" (المائدة: 8). قضايا شائكة في العلاقة مع أهل الكتاب 1 – القتال المشروع في القرآن: يقول تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين * الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين" (البقرة: 190 - 194). ويقول تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز" (الحج: 39 - 40). أما الأصول والمصادر الأخرى كالعقل والقياس والإجماع وأمثالها، فهي لا تملك أي حجية إلا إذا استندت إلى ذينك المصدرين الكريمين، واستمدت مصدريتها منهما.
رابعًا: الالتزام بأن الإسلام سمح لعملية الاجتهاد باعتبارها عملية "بذل الوسع لاستنباط الحكم الشرعي من مصادره" أن تكون هي الموصلة لمعرفة الإسلام. كما أنها تلعب دورها في تأكيد مرونة الشريعة وقدرتها على استيعاب التطورات الحياتية طبقًا لمعايير وضوابط معينة، وهذا يعني -بالضرورة- إمكان إيجاد الصلة بين مختلف النتائج التي أدى إليها الاجتهاد وبين الإسلام حتى لو كانت مختلفة ومتضادة فيما بينها، وذلك لاختلاف الأفهام وزوايا النظر والقناعات (وهو ما يدرس في العلوم الإسلامية تحت عنوان: أسباب الخلاف).
وإننا نرى أن الإسلام إذ سمح بذلك فلأنه دين واقعي فطري، فلا طريق لمعرفة أية شريعة ممتدة على مدى العصور ينقطع وحيها ويموت معصومها إلا طريق الاجتهاد، رغم أن هذا الطريق يبتلى أحيانًا بالذاتية ويفرز آراء متخالفة قد لا يطابق بعضها واقع المراد الإسلامي في علم الله تعالى.
كما أننا نجد أن هذا الأسلوب المنطقي يعم استنباط كل الأمور كالعقائد، والمفاهيم[1]، والأحكام، بل وحتى المواقف الإسلامية من بعض القوانين الطبيعية.
خامسًا: أن مبدأ (الوحدة الإسلامية) يعبر عن خصيصة مهمة من خصائص هذه الأمة المباركة، ومن دونها لا يمكن لها أن تدعي اكتمال هويتها.
وقد وضع الإسلام خطة متكاملة لتحقيق هذه الوحدة بانيًا لها على أساس الاعتصام بحبل الله المتين -وهو أي سبيل معصوم يوصل إلى الله- ومؤكدًا على وحدة الأصل والخلق ووحدة الهدف ووحدة الشريعة والمسير، داعيًا إياها للدخول المجموعي في إطار التسليم الكامل لله ونفي خطوات الشيطان، ومذكرًا بآثار الوحدة، وغارسًا الأخلاقية وعناصر التضحية بالمصالح الضيقة في سبيل الهدف العام، حاذفًا كل المعايير الممزقة كاللغة والقومية والوطن والعشيرة واللون، مركزًا على المعايير الإنسانية كالعلم والتقوى والجهاد، ومؤكدًا على لزوم تحري نقاط اللقاء، وداعيًا إلى استخدام المنطق السليم؛ منطق الحوار الهادئ الموضوعي، إلى ما هنالك من عناصر آثرنا ألاَّ نذكرها وألا نستشهد لها لوضوحها ولئلا يطول بنا المقام.
إن الإيمان بهذا المبدأ له مقتضياته التي سنشير إليها -إن شاء الله تعالى- فيما بعد، ولكنه يعد من ركائز حركة التقريب.
سادسًا: مبدأ الأخوة الإسلامية: وهو جزء من الخطة التي أشرنا إليها أعلاه، ولكنا آثرنا التركيز عليه؛ لأنه أهم جزء، ولأنه ينظم مجمل العلاقات الاجتماعية في الإسلام، ولأننا نعتقد أن آثاره لا تقتصر على الجوانب الأخلاقية فحسب، بل تتعداها إلى الجوانب التشريعية وتترك أثرها الكامل على عملية الاجتهاد نفسها، لكي لا نشهد في هذه الساحة أحكامًا تتناقض معه.
هذه الأسس الستة هي أهم ما يمكن أن تبتني عليه "حركة التقريب"، فيكاد التصديق بالأسس يؤدي بشكل منطقي عفوي للإيمان بهذه الحركة.
ومن هنا فنحن نعتقد أن التقريب لا يقتصر على الجوانب الأخلاقية أو الجوانب الشعارية، ولا يتحدد بالجوانب التشريعية أيضًا، بل يعبرها إلى مختلف الجوانب الفكرية والحضارية. وينبغي أن تشترك فيه كل النخبة المفكرة الفقهية والفكرية، بل يجب -بشكل كامل وربما بشكل أولى- أن تعبر النخبة إلى الجماهير، فيبدأ تثقيفها بثقافة التقريب؛ لأن الإسلام إن كان يسمح بالاختلاف الفكري غير المخرب والطبيعي، فإنه لا يسمح مطلقًا بأدنى خلاف في الموقف العملي من القضايا المصيرية الداخلية والخارجية، ولذلك يعتبر الراد على الحاكم الشرعي -وهو الجهة التي يفترض بها أن تكون الموحدة للموقف العملي للأمة- رادًا على الله بعد أن اقترنت طاعته بطاعة الله ورسوله.
المبادئ التي ينبغي أن يلتزم بها التقريبيون
وبناء على تلك الأسس، وتبعًا لما أعلنه العلماء والدعاة التقريبيون؛ فإننا ندعو للقيم التالية، معتبرين إياها خطوطًا عامة للسياسات التي ينبغي أن يراعيها الخط التقريبي ليحقق أهدافه المرجوة:
الأول: التعاون فيما اتفقنا عليه:
والمتفق عليه في المجالات كثير جدًّا، فللمذاهب الإسلامية مساحات مشتركة كثيرة، سواء كانت في الأصول العقائدية أم في المجالات التشريعية (والتي يصل بها بعض العلماء إلى أكثر من 90% من المساحة العامة)، أو في المجالات الأخلاقية، حيث التوافق يكاد يكون كاملاً، وكذلك في مجال المفاهيم والثقافة الإسلامية، وحتى في المسيرة التاريخية والحضارية، طبعًا في مفاصلها الرئيسية، رغم الاختلاف في تقييم المواقف المعينة.
أما المواقف العملية فهم يتفقون جميعًا على لزوم توحيدها عبر التكاتف والتكافل الاجتماعي، وعبر وحدة القرار الاجتماعي الذي تتكفله جهة ولاة الأمور الشرعيين، ولا ريب أن التعاون في المشتركات الفكرية يعني التعاضد في تركيزها في الأذهان وتجنب كل ما يؤدي إلى نقضها، وبالتالي تعميقها في مجمل المسيرة.
وأما التعاون في المجالات المرتبطة بالسلوك الفردي والاجتماعي والحضاري؛ فواضح وتنضوي تحته المجالات الحياتية المختلفة من قبيل: تطبيق الشريعة الإسلامية، تعظيم  الشعائر الإلهية كالجمعة والحج، وتحقيق خصائص الأمة الإسلامية كالوحدة، وهكذا..
لا تقتلوا شيخًا فانيًا)، أي لم يبق فيه نفع للكفّار ولا مضرّة على المسلمين. • وقد أباح الإسلام – استثناءً من هذا الأصل – قتل غير المقاتلين حين شنّ الغارات على العدوّ، أو حين رميه من بعيد؛ لأنّه لا يمكن هنا التفريق بين المقاتل وغير المقاتل، وطبيعة الحرب قد تقتضي شنّ مثل هذه الغارات. وقد أباح النبيّ (صلى الله عليه وسلم) - كما ورد في الصحيحين – (تبييت المشركين) أي مهاجمتهم ليلاً على حين غفلة، ولو أدّى ذلك إلى إصابة الذراري من النساء والأطفال. لكن من الواضح أنّ جميع هذه النصوص وردت عند قيام حرب فعلية معلنة، بحيث لا يقع بها غدر. وهنا نشير إلى أن حركة التقريب يجب أن تبذل قصارى جهدها لاكتشاف المساحات المشتركة هذه وتوعية الجماهير -وأحيانًا نضطر إلى توعية النخبة أيضًا- بها. ظاهر هذه الرواية أنه أجاز لها أن تقيم عليه، وهذا يقتضي أن تجوز معاشرته لها، ولكن الإمام ابن القيم رحمه الله أوَّل هذا الظاهر، وقال: وليس معناه أنها تقيم تحته، وهو نصراني، بل تنتظر وتتربص.فلو أن مجتهدًا أخذ بظاهر قول عمر،لم يكن عليه من حرج. ولعل هذا أصل ما ورد عن الزهري ـ وهو القول الثامن ـ أنه قال: إن أسلمت ولم يسلم زوجها، فهما على نكاحهما ما لم يفرق بينهما سلطان. كما تعمل على توسعة نطاق هذا الجانب المشترك عبر الإشارة -مثلا- إلى كون النزاع والخلاف لفظيًّا لا جوهريًّا، أو عبر التوعية بأسلوب ثالث يشترك فيه المختلفان.
الثاني: التعذير عند الاختلاف
فما دمنا نؤمن بانفتاح باب الاجتهاد -وهي الحالة الطبيعية التي لا يمكن إغلاقها بقرار- وما دامت أسباب اختلاف النتائج الاجتهادية قائمة وطبيعية.. فمعنى ذلك الرضا باختلاف الآراء والفتاوى، ومن الجدير بالذكر هنا: أننا لا نجد نهيًا إسلاميًّا عن الاختلاف في الآراء، وإنما ينصب النهي على التنازع العملي المُذهب للقوة، والتفرق في الدين والتحزب الممزِّق، وأمثال ذلك. وهذا يعبر عن عقلانية الإسلام ومنطقيته.
وعليه فيجب أن يُوطّن الفرد المسلم -عالمًا أو متعلمًا، مجتهدًا كان أو مقلدًا- على تحمل حالة المخالفة في الرأي، وعدم اللجوء إلى أساليب التهويل والتسقيط وأمثالها، وحينئذ يكون الخلاف أخويًّا ووديًّا (لا يفسد للود قضية).
فمع ظلمهم لأنفسهم وعتوهم عن ما نهوا عنه يجدون أنفسهم في أغلال الحياة الدنيا، وينساقون مع مفسديهم وكبرائهم، ويجعلون ذلك جزءًا من شريعتهم ومنهجهم في الحياة. ثم يرث الأبناء الآباء ..يرثون الشريعة والمنهاج.. ويمضون به كجزء من الدين يقيمون حياتهم عليه. ويتراكم في المجتمع ألوان من الشرائع والمناهج، ولحكمة بالغة لم يجعل الله الناس أمة واحدة على شريعة واحدة ومنهاج واحد، وذلك ليبلوهم فيما آتاهم: يختبرهم فيما بين أيديهم من الشرائع والمناهج؛ ليعرضوها على مقاصد الدين، وينظروا: هل هي متناغمة معها أم متعارضة؟ وكل مجموعة تختبر ما عندها على المقاصد العليا للدين، وتنظر هل ما استقر في وعائها من شريعة ومنهاج أصلح للحياة من الشرائع الأخرى والمناهج الأخرى؟ إن تعدد الشرائع والمناهج يدعو الخاملين للتفكر والتدبر ورؤية النقص الذي لديهم والخير الذي عند الآخرين.. ذلك شريطة أن يسود بين الناس حب الخير والرغبة في المعرفة الحقة والتواضع والبحث عن الحقيقة في دياجير الظلام، أو بتعبير القرآن "استباق الخير". وفي هذا الاستباق للخيرات لا بد أن يستقر في الأفئدة: "إن إلى ربك الرجعى"، وأن الاختلاف أمر لا يدعو إلى الشقاق والتناحر، والله وحده يعلم المصيب من المخطئ، وسوف ينبئنا بهذا يوم الحساب. 5- التفرق في الدين ثمرة البغي بين ضعاف التقوى والعلم: وأخيراً، لا بد أن نعلم أن الجنوح إلى التفرق ظاهرة إنسانية في أية جماعة بشرية. وقلنا إن الدين يشتمل على العقائد والقيم والشرائع والمناهج. ونشير هنا إلى ورود نصوص كثيرة تدعو المؤمن للصبر والمداراة، وسعة الصدر، ويمكن عكسها على واقعنا الحالي. ونحن نذكر هنا هذا النص عن الإمام الصادق (رحمه الله)، حيث جرى ذكر قوم فقال الراوي: "إنا لنبرأ منهم لا يقولون ما نقول، فقال الإمام: يتولّوننا، ولا يقولون ما تقولون، تبرؤون منهم؟ قلت: نعم، قال: هو ذا عندنا ما ليس عندكم، فينبغي لنا أن نبرأ منكم". إلى أن قال: "فتولوهم ولا تبرؤوا منهم: إن من المسلمين من له سهم، ومنهم من له سهمان.. فليس ينبغي أن يحمل صاحب السهم على ما عليه صاحب السهمين..." [2]. وتعامُل أئمة المذاهب فيما بينهم مثال رائع على هذه الحقيقة. وسيطول بنا الحديث لو تعرضنا لما يرويه التاريخ عن ذلك[3].
الثالث: تجنب التكفير والتفسيق والاتهام بالابتداع
ونحن نعتبر مسألة التكفير من المصائب التي ابتلي بها تاريخنا، فرغم النصوص الشريفة التي تحدد المسلم من جهة وتمنع من التكفير للمسلم من جهة أخرى[4] لحظنا سريان هذه الحالة التي حجرت على العقل أي إبداع أو مخالفة، حتى إننا شاهدنا من يؤلف كتابًا، ويرى أن مخالفة حرف واحد فيه تؤدي إلى الكفر وهذا أمر غريب[5]!
ومن هنا فنحن ندعو إلى التحول بالمسألة من (الإيمان والكفر) إلى مرحلة (الصواب والخطأ)، متحلين في ذلك بروح القرآن التي تدعو إلى الموضوعية، حتى في النقاش مع الكفار الحقيقيين، حينما يُخاطَب الرسول أن يقول لهم: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [سـبأ: 24].
الرابع: عدم المؤاخذة بلوازم الرأي
من المنطقي أن يحاسب الإنسان على رأيه ويناقش بكل دقة وأناة، إلا أننا اعتدنا على مناقشات تبتني على لوازم الآراء، وبالتالي يأتي التكفير والاتهام بالابتداع، في حين أن صاحب الرأي قد لا يقبل تلك الملازمة، وكمثال على ذلك، نجد البعض ممن يؤمنون بمسألة التحسين والتقبيح العقليين يصفون من لا يقبلون بهما بأنهم يغلقون باب الإيمان بصدق النبي، استنادًا إلى أن ما يدفع احتمال كذب النبي الآتي بالمعجزة هو حكم العقل بقبح إجراء المعجزة على يد الكاذب عقلاً، فإذا فرضنا عدم وجود أي تقبيح عقلي فمعنى ذلك أننا أغلقنا باب الإيمان بالنبوة، وهكذا يقال بالنسبة لمسألة طاعة الله تعالى، فإن الملزم لنا بإطاعته تعالى هو العقل لا غيره. القول الثالث: انفساخ النكاح عند انقضاء عدة المدخول بها: وقال مالك: إن أسلمت المرأة ولم يسلم الرجل، فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة؛ وإن كان بعده، فإن أسلم في عدتها فهما على نكاحهما، وإن لم يسلم حتى انقضت عدتها فقد بانت منه؛ فإن أسلم هو ولم تسلم هي عُرِضَ عليها الإسلام، فإن أسلمت بقيا على نكاحهما وإن أبت انفسخ النكاح ساعة إبائها، سواء كان قبل الدخول أو بعده. وعلى هذا الغرار نجد البعض الآخر يتهم القائلين بالتوسل أو الشفاعة أو القسم بغير الله بالشرك؛ لأنه لازم لهذا القول وهلم جرًّا.
إن المناقشة العلمية الهادئة أمر مطلوب، ولسنا مع إغلاق باب البحث الكلامي مطلقًا، بل المنطق يقتضي فتحه، ولكننا ندعو للمناقشة المنطقية، فلا ننسب للآخر ما لم يلتزم به، وما دام لا يؤمن بالملازمة بين رأيه والرأي الآخر، فإننا نلتمس له العذر، وبهذا نستطيع أن نغلق بابًا واسعًا من الاتهامات الممزِّقة.
الخامس: التعامل باحترام عند الحوار
ذلك أننا نعلم أن الحوار هو المنطق الإنساني السليم في نقل الفكر إلى الآخرين، وأن القرآن الكريم طرح نظرية رائعة للحوار المطلوب، تناولت مقدمات الحوار وظروفه وأهدافه ولغته بشكل لا مثيل له، وكان مما تناوله مسألة الاستماع للآراء واتباع أحسنها، ومسألة عدم التجريح، حتى إن الآية الشريفة تقول: (قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [سـبأ:25]، في مجال توجيه حوار الرسول مع غير المؤمنين بالإسلام، وإبعاده عن مسألة إثارة حزازات الماضي والاتهامات المتبادلة فيه، والتوجه لمنطقية الحوار نفسه، وهي مع أن السياق اللفظي كان يتناسب معه، فكيف بنا ونحن نتحاور كمسلمين متفقين على المبادئ التي أشرنا إليها في إشارتنا لأسس عملية التقريب؟!
السادس: تجنب الإساءة لمقدسات الآخرين
والحقيقة هي أن هذا الأمر يتبع المبدأ السابق، بل هو في الواقع أولى منه؛ لأنه يخلق جوًّا عاطفيًّا معاكسًا، ويفقد الحوار توازنه المطلوب. وقد رأينا القرآن ينهى عن هذه الحالة فيقول تعالى: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:108]. بهذه الروح الإنسانية يوجه الله تعالى المؤمنين في تعاملهم بعد أن يوضح لهم وظائفهم الدعوية لا التحميلية، وفرض الرأي على الآخرين حتى لو كانوا مشركين: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) [الأنعام:107].
والنصوص الإسلامية في النهي عن السب واللعن معروفة، فإذا كان هذا هو الحال أن المفروض هو الحوار بين مسلمين أخوين يعملان لهدف واحدٍ، ويشعر كل منهما بآلام الآخر وآماله، فإن الموقف لا يتحمل مطلقًا احتمال الإهانة، وخصوصًا للأمور التي يؤمن الآخر بقدسيتها لارتباطها مع معتقداته الأصيلة.
السابع: الحرية في اختيار المذهب
ذلك أننا بعد أن اعتبرنا المذاهب نتيجة اجتهادات سمح بها الإسلام، علينا أن نعدها سبلا مطروحة للإيصال إلى مرضاة الله تعالى. وحين تختلف فإن من الطبيعي أن يدرس المسلم هذه المذاهب وينتخب الأفضل منها وفق معاييره التي يؤمن بها، والتي يشخص من خلالها أنه أبرأ ذمته أمام الله وأدَّى أمانته وعهده. وحينئذ فليس لأحد أن يلومه على اختياره حتى لو لم يرتح لهذا الاختيار. كما أنه لا معنى لإجبار أحد على اختيار مذهب ما؛ لأن ذلك مما يرتبط بالقناعات الإيمانية، وهي أمر لا يمكن الوصول إليه إلا بالدليل والبرهان.
وهنا أؤكد أن لكل مذهب الحق في توضيح آرائه ودعمها، دونما تعدٍّ على الآخرين أو تهويل أو تجريح، فلا ندعو إلى إغلاق باب البحث المنطقي السليم، وإنما نرفض محاولات الاستغلال السيئ، والاستضعاف، والجدال العقيم، وفرض الرأي، وأمثال ذلك.
فالإسلام - بالتعبير القرآني - هو هذا القدر المشترك من العقائد والقيم السلوكية الذي وصى به الله جميع الأنبياء. صحيح أن مصطلح الإسلام أطلق الأمر الآن على كل الدين: عقائد وقيم وقوانين، ولكن الاستخدام القرآني له يشتمل على القدر المشترك بين جميع الأنبياء من العقائد والقيم السلوكية؛ ولذلك فإن أي إنسان أو مجتمع يبني شرائعه وقوانينه في غيبة من الإيمان بهذا القدر المشترك من العقائد والقيم: أي في غيبة الإسلام كما عرفناه، فإن هذا البنيان إلى خسران لا محالة، ولن يقبل منه في الدنيا ولا الآخرة. ونحن نعتقد أن ما جرى من تعدٍّ خلال تاريخنا الطويل ناشئ عن عدم الالتزام بقواعد الحوار المطلوبة، ونسيان حقيقة أن جميع المذاهب تعمل لإعلاء كلمة الإسلام وفق تصورها عن هذه الكلمة.
دور العلماء والمفكرين في عملية التقريب
لا شك أن العبء الأكبر من العملية يقع على عاتق العلماء والمفكرين في مجال التقريب؛ وذلك لأنهم -من جهة- ورثة الأنبياء وحملة الدعوة وبناة الجيل، وهم -من جهة أخرى- أعلم بالأسس التي يعتمدها التقريب، وأكثر أثرًا في توحيد الصفوف وتحقيق خصائص الأمة.
وإذا أردنا أن نقترح باختصار الأدوار التي يجب أن يقوموا بها اقترحنا ما يلي:
1-ضرورة التعمق في أسس هذه الحركة وقيمها، وتأصيلها في نفوسهم، وعكسها في بحوثهم ودراساتهم وكتاباتهم، بل وأخذها بعين الاعتبار في استنباطاتهم الفقهية والفكرية، وملاحظتها كأصل توجيهي ومصلحة مرسلة مهمة، تقدم -في مجال التزاحم- على الأحكام الأقل أهمية بمقتضى قواعد التزاحم المعروفة في أصول الفقه. ومن هنا فقد دعونا في بعض المؤتمرات الدولية إلى دعم حركة "التقريب الفقهي"، ومحاولة التركيز على تقريب الآراء الفقهية، وكثيرًا ما نجد أن بعض النزاعات الفقهية -بعد التأمل فيها- تحول إلى خلافات لفظية ناتجة عن اختلاف زوايا النظر أو اختلاف في المصطلحات، كما نجد الأمر كذلك في بعض البحوث الأصولية، كالبحث عن القياس أحيانًا والاستحسان، وسد الذرائع، وأمثالها. وهو اتجاه نلحظه في بعض الكتب الأصولية من قبيل "أصول الفقه" للمرحوم العلامة الشيخ محمد رضا المظفر، والمرحوم العلامة السيد محمد تقي الحكيم، وقد وفقنا الله للتتلمذ على يديهما.
وهنا لا بد أن أشير إلى كثير من الكتابات المغرقة في تعميق الخلاف وإعطائه أبعادًا متخيلة توحي للقارئ بأن اللقاء مستحيل، وأن الخلاف يستشري في كل المجالات، بحيث لا معنى لتصور أية عملية تقريب بينها. وإني لأظن أنها كتابات تجافي الحقيقة، وتتناسى وحدة المنابع ووحدة الأساليب والملكات ووحدة الهدف.
2-العمل المنسق على توعية الأمة والانتقال بقافلة التقريب إلى المستوى الجماهيري، فلا يشعر الفرد المسلم تجاه الآخر إلا بشعور الأخوة الصادقة والتعاون، رغم الاختلاف المذهبي، وتتسع الصدور للممارسات والتعددية المذهبية، وتنتفي المشاحنات العاطفية والترسبات التاريخية والموروثة التي خلفت وراءها صورًا لا تطاق دونما مبرر، فالاختلاف في حكم شرعي، والتفاوت في تقويم موقف تاريخي، والافتراق في سلوك اجتماعي، كلها أمور يمكن تبريرها وتحملها ما دامت في الدائرة الإسلامية العامة، وناتجة عن الاختلاف في الاجتهاد.
نعم إذا خرج السلوك -في رأي المجتهدين جميعًا- عن الدائرة تم العمل على نفيه بأفضل أسلوب.
3-السعي المشترك المتضافر لاتخاذ المواقف الوحدوية النموذجية في كل القضايا المصيرية من قبيل:
- تطبيق الشريعة الإسلامية.
- تحقيق نظام السيادة الشعبية في الإطار الديني.
- مواجهة العدو وخططه في محو وجود الأمة وهويتها.
- صيانة وحدة الأمة ونبذ التفرقة.
- تقديم المصالح العامة على المصالح الخاصة.
وبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) استقرّ تشريع القتال على المنع أو الإباحة أو الوجوب بحسب الظروف التي تمرّ بالمسلمين. وتبقى الدعوة إلى الله هي المهمّة الأولى في جميع الظروف، ويكون القتال في سبيل الله مطلوبًا إذا وُجدت أسبابه الشرعية وهي ردّ الاعتداء، ومنع الفتنة، وهي إكراه الناس على دين لا يريدونه. فالدعوة هي الهدف، والقتال لم يُشرع إلاّ كوسيلة مساعدة للدعوة تضمن الاستماع إليها، وقبولها أو رفضها بكلّ حرّية. وإذا كان القتال يستلزم أخلاقًا خاصّة في التعامل مع الأعداء، كالغلظة بدل الرفق، واستباحة الدماء والأموال بدل المحافظة عليها، وجواز الخداع وغير ذلك، فإنّ هذه الأحكام تبقى محصورة في زمن قيام الحرب فعلاً وبين المتقاتلين فقط. 4-تشجيع إيجاد المؤسسات التقريبية من قبيل:
- أقسام الدراسات التقريبية المقارنة.
- النوادي الاجتماعية المشتركة.
- المعسكرات التقريبية في مختلف الشؤون.
- إيجاد جماعات التقريب في شتى أماكن وجود المسلمين.
أما المراكز، بل والحكومات الإسلامية، فيمكنها أن تقوم بدور مهم في هذا المجال من خلال تشجيع حركة التقريب، وإقامة المؤتمرات، وتنفيذ المشروعات، واعتماد الإعلام المسؤول، ونفي مظاهر التفرقة وعناصرها، ونشر ثقافة التسامح المذهبي، وأمثال ذلك.
مبادئ للتقريب بين المذاهب الإسلامية
أ.د. يوسف القرضاوي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على الناس أجمعين، سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا وقائد دربنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه الذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، أولئك هم المفلحون، ورضي الله عمن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد..
فقد تنادى الكثيرون في المشرق والمغرب -ولا سيما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001- إلى الحوار بين الأديان، وخصوصاً الدينين الكتابيين الكبيرين: المسيحية والإسلام، وتجاوب الكثيرون مع هذه الدعوة، والتقى المسلمون والنصارى في عدة لقاءات ومؤتمرات في أكثر من بلد، وشاركتُ شخصيًّا في حضور مؤتمرين كبيرين: أحدهما في روما بدعوة من جمعية سانت جديو الشهيرة، وهو المؤتمر الذي سموه (القمة الإسلامية المسيحية) نظراً لأهمية الذين شاركوا فيه من الجانبين، والثاني كان في القاهرة بدعوة من المجلس الأعلى العالمي للدعوة والإغاثة ومنتدى الحوار الإسلامي، وكان التركيز فيه على نصارى الشرق أكثر من غيرهم. فإن قيل: فهو في التربص ممسك بعصمتها، قلنا: ليس كذلك، بل هي متمكنة بعد انقضاء عدتها من مفارقته والتـزوج بغيره؛ ولو كانت العصمة بيده لما أمكنها ذلك. وأيضًا فالآية إنما دلت على أنّ الرجل إذا أسلم ولم تسلم المرأة، أنه لا يمسكها بل يفارقها، فإذا أسلمت بعده فله أن يمسك بعصمتها، وهو إنما أمسك بعصمة مسلمة لا كافرة. وأيضًا فإن تحريم النساء المشركات على المؤمنين لم يستفد بهذه الآية، بل كان ثابتًا قبل ذلك بقوله:{ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن}البقرة:221 وإنما اقتضت هذه الآية حكمه سبحانه بين المؤمنين والكفار في النساء اللاتي يرتدِدْن إلى الكفار واللاتي يهاجرن إلى المسلمين، فإن الشرط كان قد وقع على أنّ من شاء أن يدخل في دين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده دخل، ومن شاء أن يدخل في دين قريش وعهدهم دخل، فهاجر نسوة اخترن الإسلام وارتدّ نسوة اخترن الشرك، فحكم الله أحسن حكم بين الفريقين في هذه الآية، ونهي المسلمين فيها أن يمسكوا بعصمة المرأة التي اختارت الكفر والشرك، فإن ذلك منع لها من التـزوج بمن شاءت وهي في عصمة المسلم، والعهد اقتضى أنّ من جاء من المسلمين، رجالهم ونسائهم، إلى الكفار يقرّ على ذلك، ومن جاء من الكفار إلى المسلمين يردّ إليهم، فإذا جاءت امرأة كافرة إلى المسلمين زالت عصمة نكاحها، وأبيح للمسلمين أن يزوجوها، فإذا فاتت امرأة من المسلمين إلى الكفار فلو بقيت في عصمته ممسكًا لها لكان في ذلك ضرر بها إن لم يمكنها أن تزوَّج، وضرر به إن أمكنها أن تتـزوج وهي في عصمته، فاقتضى حكمه العدل الذي لا أحسن منه تعجيل التفريق بينه وبين المرأة المرتدة أو الكافرة عندهم لتتمكن من التزويج، كما تتمكن المسلمة من التزويج إذا هاجرت، فهذا مقتضى الآية،وهي لا تقتضي أنّ المرأة إذا أسلمت وقعت الفرقة بمجرد إسلامها بينها وبين زوجها، فلو أسلم بعد ذلك لم يكن له عليها سبيل، فينبغي أن تعطى النصوص حقها، والسنة حقها، فلا تعارض بين هذه الآية وبين ما جاءت به السنة بوجه ما، والكل من مشكاة واحدة، يصدق بعضها بعضًا. قال شيخ الإسلام: "وأما القول بأنه بمجرد إسلام أحد الزوجين المشركين تحصل الفرقة قبل الدخول أو بعده، فهذا قول في غاية الضعف، فإنه خلاف المعلوم المتواتر من شريعة الإسلام، فإنه قد علم أن المسلمين الذين دخلوا في الإسلام كان يسبق بعضهم بعضًا بالتكلم بالشهادتين،فتارة يسلم الرجل وتبقى المرأة مدة ثم تسلم، كما أسلم كثير من نساء قريش وغيرهم قبل الرجال. وروي أن أم سليم امرأة أبي طلحة أسلمت قبل أبي طلحة؛ وتارة يسلم الرجل قبل المرأة ثم تسلم بعده بمدة قريبة أو بعيدة؛ وليس لقائل أن يقول: هذا كان قبل تحريم نكاح المشركين، لوجهين أحدهما أنه لو قدّر تقدّم ذلك فدعوى المدّعي أنّ هذا منسوخ تحتاج إلى دليل؛ الوجه الثاني أن يقال: لقد أسلم الناس ودخلوا في دين الله أفواجًا بعد نـزول تحريم المشركات، ونـزول النهي عن التمسك بعصم الكوافر، فأسلم الطلقاء بمكة وهم خلق كثير،وأسلم أهل الطائف وهم أهل مدينة، وكان إسلامهم بعد أن حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم ونصب عليهم المنجنيق ولم يفتحها، ثم قسم غنائم حنين بالجعرانة، واعتمر عمرة الجعرانة ثم رجع بالمسلمين إلى المدينة، ثم وفد وفد الطائف فأسلموا، ونساؤهم بالبلد لم يسلمن، ثم رجعوا وأسلم نساؤهم بعد ذلك. فمن قال: إن إسلام أحد الزوجين قبل الآخر يوجب تعجيل الفرقة قبل الدخول أو بعده، فقوله مقطوع بخطئه ولم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم أحدًا ممن أسلم: هل دخلت بامرأتك أم لا؟ بل كل من أسلم وأسلمت امرأته بعده فهي امرأته من غير تجديد نكاح، وقد قدم عليه وفود العرب، وكانوا يسلمون ثم يرجعون إلى أهليهم، فيسلم نساؤهم على أيديهم بعد إسلام أزواجهنّ، وبعث عليًا ومعاذًا وأبا موسى إلى اليمن فأسلم على أيديهم من لا يحصيهم إلا الله من الرجال والنساء؛ ومعلوم قطعا أن الرجل كان يأتيهم فيسلم قبل امرأته، والمرأة تأتيهم فتسلم قبل الرجل، ولم يقولوا لأحد: ليكن تلفظك وتلفظ امرأتك بالإسلام في آن واحد، لئلا ينفسخ النكاح، ولم يفرقوا بين من دخل بامرأته وبين من لم يدخل، ولا حدُّوا ذلك بثلاثة قروء، ثم يقع الفسخ بعدها، بل علي بن أبي طالب رضي الله عنه ـ وقد باشر ذلك بنفسه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي غيبته عنه ـ قد قال:" هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها"؛ وفي رواية عنه: " ما لم تخرج من دار هجرتها"،ولم يعجل الفرقة، ولا حدها بثلاثة قروء؛ وفي قضية زينب الشفاء والعصمة. وكانت سنّته صلى الله عليه وسلم أنه يجمع بين الزوجين إذا أسلم أحدهما قبل الآخر وتراضيا ببقائهما على النكاح، لا يفرق بينهما ولا يحوجهما إلى عقد جديد؛ فإذا أسلمت المرأة أولاً فلها أن تتربص بإسلام زوجها، أي وقت أسلم فهي امرأته، وإذا أسلم الرجل فليس له أن يحبس المرأة على نفسه ويمسك بعصمتها، فلا يكرهها على الإسلام ولا يحبسها على نفسه، فلا يظلمها في الدين ولا في النكاح، بل إن اختارت هي أن تتربص بإسلامه تربصت، طالت المدة أو قصرت؛ وإن اختارت أن تتـزوج غيره بعد انقضاء عدتها فلها ذلك، والعدة ههنا لحفظ ماء الزوج الأول، وأيهما أسلم في العدة أو بعدها فالنكاح بحاله، إلا أن يختار الرجل الطلاق فيطلق كما طلق عمر رضي الله عنه امرأتين له مشركتين لما أنزل الله تعالى:{ولا تمسكوا بعصم الكوافر}؛ أو تختار المرأة أن تزوّج بعد استبرائها، فلها ذلك. كما شاركت في مؤتمرات ولقاءات أخرى، وإن لم تكن على هذا المستوى.
وهنا تعالت أصوات كثيرة داخل العالم الإسلامي تنادي: لماذا لا يتحاور المسلمون بعضهم مع بعض؟ أليس هذا من الأولويات؟ أليس الحديث يقول: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول"؟
تُرى هل ما بيننا نحن -المسلمين- من الخلاف أوسع وأكبر مما بيننا وبين أهل الأديان الأخرى؟ ولماذا إذن لا نتحاور، بغية التفاهم والتقارب؟
ولا شك أن منطق الدين والعلم والواقع يؤكد أن حوار المسلمين بعضهم مع بعض أحق وأولى بالاهتمام من الحكماء والعقلاء من أبناء الأمة، وإذا كنا مأمورين بالحوار مع مخالفينا من أهل الديانات الأخرى، بقوله تعالى: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125] أفلا نحاور من يجمعنا به العقيدة الواحدة، والقبلة الواحدة، وكلمة (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)؟
لهذا أعتقد بأن اهتمامنا بالحوار الإسلامي المسيحي لا يجوز أن يزيد على اهتمامنا بالحوار الإسلامي الإسلامي، ولا سيما بين الفئتين الكبيرتين: السنة والشيعة، بغية التقريب بينهما بالحق لا بالباطل.
إن اللقاء والحوار وتبادل الأفكار يساعدنا على أن يفهم بعضنا بعضا، ويقترب بعضنا من بعض، ويزيل الجفوة، وينشئ المودة، ويجلو كثيرا من الغوامض، ويزيح الكثير من الشبهات؛ وذلك إذا خلصت النيات، وصحت الأهداف، وقويت العزائم، وغلب العقل على الهوى، والحكمة على التهور، والوسط على الشطط.
على أن هنا عاملا مهمًا يدعو الأمة كلها، بجميع مذاهبها ومدارسها وطوائفها أن تتقارب وتتلاحم وتتضامن فيما بينها، وهو الخطر الداهم الذي يهدد الأمة جمعاء، إن لم تقف له بالمرصاد، إنه خطر تجمعت فيه اليهودية والصليبية والوثنية، رغم ما بين بعضها وبعض من خلافات، ولكن جمعهم العدو المشترك وهو الإسلام، وصدق قول الله تعالى: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ) [الجاثية: 19].
وإذا جاز للأمة -وما هو بجائز- أن تفترق في أيام الرخاء والعافية، فلا يجوز لها أن تتفرق في أيام الشدة والبلاء، فإن الشدائد تجمع المتفرقين، والمحن توحد المختلفين، والأخطار تقرب المتباعدين، ورحم الله أحمد شوقي حين قال: إن المصائب يجمعن المصابين!
لهذا كتبت هذه الورقة راجيا بها أن أضيء شمعة في طريق التقريب بين الجماعات والمدارس الإسلامية في هذا الوقت العصيب الذي تتعرض فيه الأمة لكل أنواع الغزو: الديني، والثقافي، والاقتصادي، والسياسي، والعسكري، وهي أحوج ما تكون إلى وحدة الهدف، ووحدة الصف، وأن تعتصم بحبل الله جميعاً ولا تتفرق، وواجب علماء الأمة أن ينبهوها إلى ذلك، حتى لا تغلب على أمرها، وتسقط في يد أعدائها، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.
معرفة الآخر من مصادره .. إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ .." وحسن الظن به
أول ما ينبغي أن تقوم عليه محاور الحوار الإسلامي الإسلامي، هو حسن الفهم؛ فمما لا ريب فيه أن حسن الفهم مطلوب في كل شيء، قبل البدء في أي عمل حتى يكون السير فيه على بصيرة؛ لأن صحة التصور ضرورية في صحة العمل والتصرف. ولهذا كان العلم في الإسلام مقدما على العمل، كما ترجم لذلك الإمام البخاري في صحيحه، واستدل لذلك بقوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) [محمد: 19] فأمر بالعلم قبل أن يأمر بالاستغفار.
ومن هنا كان أول ما نزل من القرآن: (اقرأ) وثاني ما نزل: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر: 1-4]، فكانت القراءة وهي مفتاح العلم والفهم مقدمة على المطالبة بالأعمال.
ونعني بـ(حسن الفهم) حسن التعرف على حقيقة موقف الطرف الآخر، وذلك بأخذ هذا الموقف من مصادره الموثقة، أو من العلماء الثقات المعروفين، لا من أفواه العامة، ولا من الشائعات، ولا من واقع الناس؛ فكثيرا ما يكون الواقع غير موافق للشرع.
ومن المهم أن نفرق بين الأصول والفروع، وبين الفرائض والنوافل، وبين المتفق عليه والمختلف فيه، وبين الشائعات والحقائق، وبين ما يلزم به الفقه وما يعمله الناس من عند أنفسهم.
خذ مثلا قضية (تحريف القرآن)؛ فهناك من علماء الشيعة من قالوا: إن القرآن الكريم محرف؛ بمعنى أنه ناقص، وليس كاملا، وألفوا في ذلك كتبا، واستدلوا على ذلك ببعض الروايات التي تسند رأيهم من (الكافي) ومن غيره من كتبهم المعتبرة عندهم.
ووجه سلامة دعوة لدعاة المسلمين ليكثفوا من العمل في كافة شهور السنة كي يحثوا الناس على تواصل عمل الصالحات وصلة الأرحام، وأضاف: "يجب أن يعلم المسلمون أن هناك الكثير من المحطات الإيمانية غير رمضان؛ فهناك الأيام الستة من شوال، ثم العشرة الأولى من ذي الحجة ثم العاشر من محرم... وهكذا. يحفل بالمرغبات فيما أشار أبو يحيى النديم أحد خطباء مدينة غزة إلى أن رمضان شهر مميز يحفل بالمرغبات التي تدفع الناس للعبادة وتقربهم للطاعة؛ فالصوم امتناع عن الطعام والشراب، وأن هذا الأمر يضعف الشهوة في الإنسان ويقوي الجانب الإيماني لديه فيجتهد في العبادة والطاعة"، وأضاف: "إن كثرة الطعام والشراب في غير رمضان تؤدي إلى الكسل والفتور في العبادات والطاعات". وتابع النديم قوله: "رمضان موسم تتضاعف فيه الأجور؛ لذا ينشط الناس في أعمال الخير والبر، أما في غيره من الشهور فيصاب الناس بالفتور بسبب انشغالهم بالأمور الدنيوية وانغماسهم في شهوات البطن والفرج". أين الدعاة!! فيما ألقى بكر حسان مؤذن مسجد الإمام الشافعي باللوم على الدعاة في نكوص الناس عن العبادة بعد شهر رمضان متهما إياهم بالتقصير في مجال دعوة الناس إلى مواصلة أعمال البر والخير في باقي شهور السنة، وقال: "الدعاة ينشطون في شهر رمضان فقط لدعوة الناس وحثهم على أعمال البر والخير ويغفلون عن ذلك في غيره من الشهور ويغطون في سبات عميق"، مطالبا الدعاة باستغلال مواسم الخير الأخرى إلى جانب شهر رمضان، مشيرًا بذلك إلى أيام الجمع التي فيها خير كثير. وأضاف حسان بنبرة حزينة: "يقع أيضا جزء من المسئولية على المسلمين، فلو تابع كل واحد منا جاره المقصر أو أخاه أو صديقه وحثه على مواصلة الصلاة بعد رمضان فإن الأمر سيكون مختلفا تماما"، مؤكدا على ضرورة ارتقاء الدعاة بأدائهم وعدم الاعتماد على الأساليب النمطية والتقليدية في الدعوة إلى الله، فالعصر تغير كما يقول. واتفق الشاب أسامة السيلاوي مع سابقه في اتهام الدعاة بالتقصير، وعدم القيام بالدور المطلوب منهم على أكمل وجه، مشيرا إلى أهمية دور وسائل الإعلام في توجيه الناس نحو الخير أو الشر، وقال: "يجب على وسائل الإعلام أن تدعم الاتجاهات الدينية لدى الناس في كل السنة، وليس بث برامج دينية قليلة في شهر رمضان وغيره لذر الرماد في العيون". رمز للدين!! فيما رأى محمود حبوش طالب جامعي أن شهر رمضان أصبح لدى المسلمين رمزا للدين والصلاة، ولكن بصورة شكلية فقط، مضيفا: "بعض الناس يصلي ويصوم ويقوم الليل ثم يتابع المسلسلات والأفلام ويستمع إلى الأغاني"، محملا وسائل الإعلام مسئولية جهل المسلمين بحقيقة دينهم، وقال "لو اختفت وسائل الإعلام المرئية لصلح حال المسلمين دينيا". وحول انقطاع بعض المسلمين عن مواصلة أعمال البر بعد رمضان قال حبوش: "هذا الأمر يتوقف على شخصية المسلم، فبعض الناس محافظون على العبادات في غير رمضان، ولكنهم يزيدون في رمضان من تقربهم إلى الله بالعبادات والطاعات، وبعضهم لديه الحافز الديني في نفسه، وبعضهم يماشي المجتمع الذي يصوم ويصلى في رمضان، وهناك من يعتبره عادة شخصية لديه خاصة الإقلال من النميمة وصلة الرحم". وأكمل حبوش حديثه عن الصدقات التي تكثر في رمضان: "الصدقة لا تأتي إلا من المقتدر، والمقتدرون يجدون في شهر رمضان فرصة للتصدق حيث يكون الأجر مضاعفا؛ لذا يكونون أكثر عطاء في رمضان، وأعتقد أن الناس المقتدرين على التصدق لا يزيدون في رمضان، ولكنهم يكثرون العطاء احتسابا للأجر"، مشيرا إلى أن رمزية رمضان أصبحت تطغى على كل شيء لدرجة أن بعض الناس يعتقدون أن الله يراقبهم في رمضان فقط - حسب قوله. أما الشاب محمد صالح الحافظ لكتاب الله فيقول: "ليس كل الناس يتوقفون عن أعمال البر والخير بعد رمضان" ، مشيرا إلى أن بعض الناس يعتقدون أن الصلاة والزكاة والصدقة فقط في رمضان، موضحا أن هؤلاء يجهلون أن رب رمضان هو رب كل الشهور. ولكن هذا الرأي ليس متفقا عليه؛ فهناك من علمائهم من رد عليه، وفند شبهاته، وهذا هو الذي يجب أن نعتمده، ولا نعتمد الرأي الآخر.
والذي يجعلنا نعتمد رأي نفاة التحريف في القرآن جملة أمور:
1ـ أنهم جميعا متفقون على أن ما بين دفتي المصحف كله كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
2ـ أن المصحف الذي عند الشيعة في كل العالم اليوم هو المصحف الذي يوجد عند أهل السنة؛ فالمصحف المطبوع في إيران هو نفسه المطبوع في السعودية وفي مصر وفي باكستان والمغرب وغيرها من بلاد العالم الإسلامي.
3ـ أن هذا القرآن -الذي يدعي البعض تحريفه- هو الذي يفسره مفسرو الشيعة من قديم إلى اليوم، لا يوجد قرآن غيره يقومون بتفسيره، وهو الذي يتحدثون عن بلاغته وإعجازه إلى اليوم.
4ـ أن هذا القرآن هو الذي يستدلون به على معتقداتهم في كتبهم العقائدية، وهو الذي يحتجون به على الأحكام في كتبهم الفقهية.
5ـ أن هذا القرآن هو الذي يعلمونه لأولادهم في المدارس الدينية والحكومية، وعلى شاشات التلفاز وغيرها.
فهذا ما جعلنا نؤكد وجوب التفرقة بين المتفق عليه والمختلف فيه، والمتفق عليه هو الذي يلزمنا.
وخذ مثلا قضية حرص الشيعة في صلاتهم على السجود على حصاة؛ فالشائع عندنا –أهل السنة- أن الدافع إلى ذلك هو تقديس الشيعة لهذه الحصاة؛ لأنها من طينة كربلاء التي قتل فيها الحسين، أو دفن فيها رضي الله عنه. وقد كنت أنا شخصيا أعتقد ذلك في أول الأمر، حتى زارنا في الدوحة في الستينيات من القرن العشرين الإمام موسى الصدر الزعيم الشيعي المعروف في لبنان، ورئيس المجلس الشيعي الأعلى بها، وقد تباحثنا في بعض الأمور، ومنها هذه الحصاة، فعلمت منه أن الشيعة الجعفرية يشترطون أن يكون السجود على جنس الأرض، فلا يجيزون السجود على السجاد أو الموكيت، أو الثياب أو نحوها.
ونظرا لأن أكثر المساجد أصبحت مفروشة بما لا يجوز السجود عليه في مذهبهم؛ فقد حاولوا أن يوفروا لكل مصل حصاة من جنس الأرض يصلي عليها، وليس من الضروري أن تكون من طينة كربلاء، ولا من غيرها. وقد عرفت ذلك بالقراءة والدراسة في كتب الجعفرية، وعندي عدد منها، من (المختصر النافع) إلى (جواهر الكلام).
وعندما زرت إيران سنة 1998م تأكدت من ذلك؛ فقد زارني كثير من العلماء في حجرتي في الفندق الذي أنزل فيه، وصلوا عندي، ولم يكن معهم هذا الحجر، بل وجدتهم أخذوا ورقة "كلينكس"، ووضعوها أمامهم ليسجدوا عليها بدلا من الحجر أو الحصاة، واعتبروا الكلينكس من جنس الأرض؛ لأنه ليس من المنسوجات كالسجاجيد ونحوها.
ورغم التراجع الذي تلاه، ورغم الأصوات المنددة والمندهشة لدي الرأي العام الداخلي والخارجي، فإن زلة اللسان أو لذة اللسان هذه، تنبئ ولا شك عن التعامل بميزانين في مثل هذه القضايا الحساسة، وأن لغة المبادئ قد تندثر أمام المصلحة والمكسب، وأن للداخل خطابه وللخارج لهجته ومظاهره. لحظة اللاوعي هذه تجاه المجتمعات الأخرى تسحب البساط من جدية المواقف الداخلية وتجعلها غير مبدئية في حقيقتها، وأنها ترتبط أكثر بالأنا الثقافي أو الوجداني أو الديني، وتقوقع الموقف وتجعله وليد مصلحة القوم أو الفرقة أو القبيلة الجديدة، وترمي به في أحضان التبجيل والمحاباة لعنصر دون آخر. وهذا ما يفسر السر الكامن في قوله سبحانه: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، ولا يمكن تصور أن خليفة الله هذا مقصور دوره على أداء الصلوات والشعائر فقط دون الوصول إلى الغايات التي أقيمت لها، ما يعني أن للعبادة معنى واسعًا وشاملا. هذا المعنى الواسع الشامل من غاياته المقصودة تنقية النفس من شوائبها وتخليصها من أدرانها؛ فعندما يستشعر المرء معنى عبوديته لله سبحانه، ويدرك ضعفه ونقائصه، ويعلم أنه يشترك بهذه الصفة مع إخوانه من بني البشر، فإنه بذلك يستطيع أن يقيم جسور المودة بينه وبينهم، ويمد أواصر التعاون معهم، من دون تكبر من أحد على أحد، ومن دون تذلل من أحد لأحد، وهكذا يتحقق أمر الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم: "وكونوا عباد الله إخوانا"، وبذلك يتحقق السلام النفسي والأمن المجتمعي في آن واحد. المهم أن فكرة (الطينة المقدسة) التي كانت ثابتة عندي قد زالت بسؤال العلماء الثقات والأخذ عنهم، والاطلاع على المراجع العلمية الموثقة، بدل الأخذ بما يشاع عند عوام الناس دون استناد إلى بينة أو دليل.
قال تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ. فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ" (سورة البقرة: 278 – 279). وقال عليه الصلاة والسلام: "ربا الجاهلية موضوع. وأول ربا أضع ربانا: ربا عباس بن عبد المطلب فإنّه موضوع كلّه". وقال النووي في شرحه: (المراد بالوضع الرد والإبطال) أي أنّ العقد الربوي المعقود قبل التحريم يجب إبطاله بعد التحريم. وقد قال آية الله الشيخ جعفر السبحاني في كتابه (الإنصاف في مسائل دام فيها الخلاف): إن المستحسن عند الشيعة هو اتخاذ تربة طاهرة طيبة، ليتيقن من طهارتها من أي أرض أخذت، ومن أي صقع من أرجاء العالم كانت، وهي كلها في ذلك سواءi[1].
وهذا المبدأ -حسن الفهم- كما أطالب به أهل السنة في موقفهم من الشيعة.. أطالب به -من غير شك- الشيعة في موقفهم من السنة، وضرورة تفرقتهم بين الأصول والفروع، وبين الفرائض الأساسية والنوافل الهامشية، وبين المتفق عليه بين أهل السنة والمختلف فيه بينهم -وما أكثره!- وبين الشائع عند العوام والحقيقة عند أهل العلم الثقات، وبين عمل الناس وما يوجبه الشرع.
حسن الظن بالآخر
والمحور الثاني المطلوب في الحوار الإسلامي الإسلامي أو التقريب بين المذاهب هو حسن الظن بين الطرفين، وأساس ذلك أن الإسلام يقيم العلاقة بين أبنائه على حسن الظن؛ بمعنى أن يحمل حال غيره على أحسن المحامل، وإن كان يحتمل معنى آخر، وتصورا آخر.
إنه الإسلام الـذي لا يكــاد يــرى في الإسـلام إلا التــشريـع، ولا يكاد يرى في التشريع إلا الحدود والعقوبات. إنهم يقدمون الإسلام الذي لا يعرف التسامح مع المخالفين في الدين، ولا يقبل الحوار، مع المغايرين في الفكر، ولا يأذن بوجود للمعارضين في السياسة. إنه الإسلام الذي ينظر بريبة إلى المرأة؛ فهو يدعو إلى حبسها في البيت، وحرمانها من العمل، ومن المشاركة في الدعوة والحياة الاجتماعية، ومنعها من التصويت، بله الترشيح للمناصب. إنهم يقدمون الإسلام الذي لا تعنــيه العـدالة في توزيـع الثـروة، ولا توكيد قاعدة الشورى في السياسة، ولا إقرار الحرية للشعب، ولا مسـاءلة اللصـوص الكـبار عـما اقترفوه، لكـنه يشـغل النـاس بالجـدال في فرعيــات فقهــية، وجزئــيات خــلافيـة؛ في العـبادات أو المعاملات، لا يمكن أن ينتهي فيها الخلاف. إنهم يقدمون الإسلام الذي يتوسع في منطقة التحريم حتى يكاد يجعل الحياة مجموعة من المحرمات؛ فأقرب كلمة إلى ألسنة دعاته وأقلام كتابه كلمة "حرام". إن الإسلام بهذه الصورة القاتمة السوداء، الذي يقدمه بها نفر من أبنائه -المخلصين غالباً في نياتهم، القاصرين في أفهامهم- لن يمكنه القيام بدور المنقذ أو الوارث للحضارة الغاربة أو التي توشك على الغروب. 7- الاتجاه الحضاري: وهذا ما ينادي به اتجاه (الوسطية الإيجابية) التي تنظر إلى الإسلام باعتباره رسالة حضارية متميزة، رسالة ربانية الغاية، إنسانية المحتوى، عالمية الوجهة، أخلاقية المنهج، إيجابية المسلك. وسنتحدث عن هذه الرسالة -بعد قليل- بما يبين ملامحها، ويلقي شعاعًا على مقوماتها وخصائصها. وقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) [الحجرات: 12] وهذا الظن الآثم هو ظن السوء بالآخرين. يقول الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية ii[2]: "يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن كثير من الظن، وهو التهمة والتخون للأهل والأقارب والناس في غير محله؛ لأن بعض ذلك يكون إثمًا محضًا، فيجتنب كثير منه احتياطا. وروينا عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرا، وأنت تجد لها في الخير محملا.
وذكر ابن كثير هنا ما أخرجه ابن ماجه في سننه من حديث عبد الله بن عمرو قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: "ما أطيبك وأطيب ريحك! وما أعظمك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله تعالى حرمة منك ماله ودمه "وإن نظن به إلا خيرا" iii[3].
وذكر حديث الشيخين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا  تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا".
والواجب ظن الخير بالمسلمين ما لم يثبت لنا عكسه بيقين، قال تعالى في حديث الإفك: (لَوْلاَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ) [النور: 12]، وقال سبحانه يذم المنافقين: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) [الفتح: 12].
إن سوء الظن يجعل الناس عند صاحبه متهمين، ينظر إليهم بمنظار قاتم أسود يخفي مزاياهم وحسناتهم، وينظر إلى عيوبهم وسيئاتهم من خلال ميكروسكوب ويضخمها؛ فيجعل الحبة قبة كما يقولون.
ولقد كنت ذكرت في كتابي (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) من علامات التطرف ومظاهر الغلو (سوء الظن بالناس) وقلت هناك: (تجد الغلاة دائما يسارعون إلى سوء الظن والاتهام لأدنى سبب، فلا يلتمسون المعاذير للآخرين، بل يفتشون عن العيوب، ويتقممون الأخطاء، ليضربوا بها الطبل، ويجعلوا من الخطأ خطيئة، ومن الخطيئة كفرا)!!
وإذا كان هناك قول أو فعل يحتمل وجهين: وجه خير وهداية، ووجه شر وغواية، رجحوا احتمال الشر على احتمال الخير، خلافا لما أثر عن علماء الأمة من أن الأصل حال المسلم على الصلاح، والعمل على تصحيح أقواله وتصرفاته بقدر الإمكان.
وقد كان بعض السلف يقول: إني لألتمس لأخي المعاذير من عذر إلى سبعين، ثم أقول: لعل له عذرا آخر لا أعرفه! من خالف هؤلاء في رأي أو سلوك –تبعا لوجهة نظر عنده– اتهم في دينه بالمعصية أو الابتداع أو احتقار السنة، أو ما شاء لهم سوء الظن.
ولا يقتصر سوء الظن عند هؤلاء على العامة، بل يتعدى إلى الخاصة، وخاصة الخاصة؛ فلا يكاد ينجو فقيه أو داعية أو مفكر إلا مسه شواظ من اتهام هؤلاء. فإذا أفتى فقيه بفتوى فيها تيسير على خلق الله، ورفع الحرج عنهم، فهو في نظرهم متهاون بالدين. وإذا عرض داعية الإسلام عرضا يلائم ذوق العصر، متكلما بلسان أهل زمانه ليبين لهم؛ فهو متهم بالهزيمة النفسية أمام الغرب وحضارة الغرب.. وهكذا.
ولم يقف الاتهام عند الأحياء بل انتقل إلى الأموات الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، فلم يدعوا شخصية من الشخصيات المرموقة إلا صوّبوا إليها سهام الاتهام؛ فهذا ماسوني، وذلك جَهْمِيّ، وآخر معتزلي. حتى أئمة المذاهب المتبوعة –على ما لهم من فضل ومكانة لدى الأمة في عصورها كافة– لم يسلموا من ألسنتهم ومن سوء ظنهم.
بل إن تاريخ الأمة كله –بما فيه من علم وثقافة وحضارة- قد أصابه من هؤلاء ما أصاب الحاضر وأكثر؛ فهو عند جماعة تاريخ فتن وصراع على السلطة، وعند آخرين تاريخ جاهلية وكفر، حتى زعم بعضهم أن الأمة كلها قد كفرت بعد القرن الرابع الهجري!iv[4].
وقديما قال أحد أسلاف هؤلاء لسيد البشر صلى الله عليه وسلم بعد قسمة قسمها: "إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! اعدل يا محمد فإنك لم تعدل!"، ومنهم من قال له: "اتق الله يا محمد"v[5].
إن ولع هؤلاء بالهدم لا بالبناء ولع قديم، وغرامهم بانتقاد غيرهم وتزكية أنفسهم شنشنة معروفة، والله تعالى يقول: (فَلاَ تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [النجم: 32].
إن آفة هؤلاء هي سوء الظن المتغلغل في أعماق نفوسهم، ولو رجعوا إلى القرآن والسنة لوجدوا فيهما ما يغرس في نفس المسلم حسن الظن بعباد الله، فإذا وجد عيبًا ستره ليستره الله في الدنيا والآخرة، وإذا وجد حسنة أظهرها وأذاعها، ولا تنسيه سيئة رآها في مسلم حسناته الأخرى، ما يعلم منها وما لا يعلم.
أجل.. إن التعاليم الإسلامية تحذر أشد التحذير من خصلتين: سوء الظن بالله، وسوء الظن بالناس، وأصل هذا كله الغرور بالنفس، والازدراء للغير، ومن هنا كانت أول معصية لله في العالم؛ معصية إبليس، وأساسها الغرور والكبر (أنا خير منه).
وحسبنا في التحذير من هذا الاتجاه الحديث النبوي الصحيح: "إذا سمعتم الرجل يقول: هلك الناس، فهو أهلكهم"vi[6]. جاءت الرواية بفتح الكاف "فهو أهْلَكَهُمْ" على أنه فعل ماض؛ أي: كان سببا في هلاكهم باستعلائه عليهم وسوء ظنه بهم، وتيئيسهم من روح الله تعالى. وجاءت بضم الكاف أيضا؟ "فهو أهلكُهم" أي أشدهم وأسرعهم هلاكا، بغروره وإعجابه بنفسه، واتهامه لهم.
والإعجاب بالنفس أحد المهلكات الأخلاقية التي سماها علماؤنا (معاصي القلوب) التي حذر منها الحديث النبوي بقوله: "ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه"vii[7].
هذا مع أن المسلم لا يغتر بعمله أبدا، ويخشى أن يكون فيه من الدخَل والخلل ما يحول دون قبوله وهو لا يدري، والقرآن يصف المؤمنين السابقين بالخيرات، فيقول في أوصافهم: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) [المؤمنون: 60]، وقد ورد في الحديث أن هذه الآية فيمن عمل الصالحات، ويخاف ألا يقبل الله منه.
ومن حكم ابن عطاء: ربما فتح الله لك باب الطاعة، وما فتح لك باب القبول، وربما قدر عليك المعصية؛ فكانت سببا في الوصول، معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عجبا واستكبارا. وأصل هذا من حكمة للإمام علي رضي الله عنه قال: سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة تعجبك.
وقال ابن مسعود: الهلاك في اثنين: العجب والقنوط، وذلك أن السعادة لا تدرك إلا بالسعي والطلب، والمعجب بنفسه لا يسعى لأنه قد وصل، والقانط لا يسعى لأنه لا فائدة للسعي في نظره)viii[8] انتهى.
لهذا أرى أن أول ما ينبغي أن نطرحه من طريقنا لكي نقرب الأمة بعضها من بعض هو سوء الظن، وأن نغلب فضيلة حسن الظن فيما بيننا، كما هو شأن أهل الإيمان.
حكيت لأحد المتشددين مواقف لبعض الشيعة، رأيت فيها الصدق والاستقامة والاعتدال والإخلاص، فما كان من هذا الأخ إلا أنه قال: هذا فعله تقيّة! فالتقية جزء من تكوين الشيعة الديني.
وذكرت لمتشدد آخر أن العلماء في إيران عندما زرتهم قدموني لأصلي بهم إماما، وأنا في دارهم، فقال: هذا من باب التقيّة! قلت: وما الداعي إلى التقية، ولست ممن يرجى ويخشى، ولم أطلب هذا ولم أتوقعه؟ كان الأسلم أن يستمع أعضاؤها إلى العديد من الفتيات اللاتي يلبسن الحجاب ويتبينوا الأسباب الكامنة وراءه، عوض أن يكثر الجدل البيزنطي حوله ويغلب طابع الهمز واللمز والتشويه والرأي المسبق والحكم النهائي، في ظل غياب المتهم. كان الأجدى أن تعرف اللجنة وأن يعرف المجتمع من ورائها لماذا قررت فتيات فرنسيات المنشأ والمسقط وفي واقع متمدن ومتحضر وفي ظل علمانية مهيمنة على كل أوصال المجتمع، وأمام هيمنة الموضة واستفحال النموذج الأمريكي الزاحف على الأكل والشرب والملبس، وفي وسط إطار داخلي وخارجي ينظر بعين الريبة والشك والعداء لكل مظهر إسلامي، لماذا لم تستمع اللجنة إليهن حتى نعرف الأسباب فتكون الرؤية واضحة وأكثر صلابة، فلعل منهن من أرغمت على لباسه تحت وطأة أب أو أخ أو جماعة، وللقانون حقه وواجبه أن يتدخل لحماية حريتهن. والتقية إنما يقوم بها الضعيف، وبعد نجاح الثورة الإسلامية، وإقامة الجمهورية الإسلامية في إيران أصبح القوم أقوياء.
لا سيما أن الحياة تغيرت تغيرًا هائلاً اقتضى أن تتغير الفتوى بتغيره، كما قرر الراسخون من العلماء. وهذا ليس في الفقه وحده، بل في متون العقيدة وعلم الكلام أيضًا. فما أحوج الناس إلى علم كلام جديد يخاطب الإنسان المعاصر بلسانه. 2- الاتجاه الانتحاري: وهو الاتجاه الذي يريد من الأمة أن تنسلخ من ذاتيتها، وتتنكر لعقيدتها وشريعتها ورسالتها، وتذوب في الأمم الأخرى الأشد قوة، والأكثر تقدمًا، والأقوى حضارة في الإبداع المادي؛ بناء على نظرية تقول: إن الحضارة لا تتجزأ، وإن أخذ جزء من حـضـارة -كالجزء العلمي أو التكنولوجي في الحضارة الغربية المعاصرة- لا يغــني ما لم تأخذ الحضارة كلها بجذورها الفلسفية، وقيمها الأخلاقية، ومفاهيمها الفكرية، ومناهجها التربوية، وتوجهاتها التشريعية. إن حمل كل عمل طيب، أو تصرف صالح من الشيعة، على أنه من باب (التقية) هو ضرب من سوء الظن، لا مبرر له ولا داعي إليه.
لنتعاون في المتفق عليه.. ولنتحاور في المختلف فيه
ومن المبادئ المهمة في هذا الحوار أن نركز على مواضع الاتفاق، لا على نقاط التمايز والاختلاف، وخاصة أن معظم نقاط الاتفاق في الأمور الأساسية التي لا يقوم الدين إلا بها، بخلاف نقاط التمايز؛ فجلها في الفرعيات.
من هذه النقاط:
أ ـ الاتفاق على الإيمان بالله تعالى، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه خاتم النبيين، وأنه جاء ليتمم رسالات السماء جميعا، والإيمان بكل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الإيمان بجميع كتب الله، وجميع رسل الله، كما قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285]، فهذه قواعد الإيمان الأساسية نتفق جميعا على الإيمان بها، وهي أسس الدين وركائزه.
ب ـ الاتفاق على الإيمان بالقرآن الكريم، وأنه كتاب الله المبين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ)[هود: 1] وأنه محفوظ من التحريف والتبديل بضمانة الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9]. وأنه لا يخالف مسلم –سني أو شيعي – في أن ما بين الدفتين كلام الله.
أذكر أني قرأت هذه الرسالة؛ لأبحث عن الأسباب التي حولوا بها قضية خلافية حول المصالح إلى قضية عقيدية يفترق حولها المسلمون، فلم أجد إلا عبثاً بآيات الله، وليًّا للعقول والألسنة بالقرآن. 4- قضية الحكم بما أنزل الله بين اليهود والنصارى والمسلمين: يقول الله - تعالى -: "يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سمّاعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئًا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم * سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئًا فإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين * وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين * إنا أنزلنا التوراة فيها هدىً ونورٌ يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلاً ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون * وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون * وقفَّينا على آثارهم بعيسى ابن مريم مصدقًا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقًا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين * وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون" (المائدة: 41 - 47). وبهذا المصحف وآياته وكلماته يستدل المناظرون في العقائد، ويحتج بها المستنبطون للأحكام، ويرجع إليها أهل الدعوة والتربية والتوجيه؛ فينهلون من معينها العذب، ويقتبسون من سناها المضيء.
أما هل هناك زيادة على هذا القرآن -وهو ما زعمه قوم- فهذا لا نثيره؛ لأنه استطراد لا نحتاج إليه؛ فهذا القدر الذي اتفقنا عليه هو الذي يلزمنا، وهو المفروض علينا اتباعه والعمل به، وعدم الإخلال بأي جزء منه: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَن يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة: 50،49]. المفارقة الثالثة :حجاب وقلادة هذا العلم النسبي بأبجديات الحجاب، تاريخا وحكما وشرعية، تجلي في محاولة التمييز بين الرموز الدينية الظاهرة مثل الحجاب الإسلامي أو القلنسوة اليهودية، أو الصليب الكبير الحجم (رغم أننا نستبعد أن نري أحدهم يجر صليبا معه داخل المدرسة أو خارجها) وبين الرموز الخفية مثل نجمة داوود أو الصليب الصغير أو قلادة فاطمة! فما هي هذه القلادة التي حشرت حشرا كرمز إسلامي يمكن قبوله وتجاوزه. الحديث عن هذه القلادة هو تعبير في الحقيقة بوعي أو غير وعي عن إفلاس في فهم الحجاب، عن وظيفته، عن دوره، هو إفلاس في فهم هذا الدين، وفهم تاريخه وقواعده، وأسسه. لقد ظن الكثير إلى يومنا هذا أن قرآن المسلمين هو تصوير لحياة الرسول الكريم (ص) كما هو الشأن للسيد المسيح (ص) والإنجيل. فهنا نجد النص القرآني يحذر الرسول من اتباع أهواء أهل الكتاب وأمثالهم، وأن يفتنوه عن (بعض ما أنزل الله إليه)، إشارة إلى أن كل ما أنزل الله واجب الاتباع.
جـ ـ ومن نقاط الاتفاق: الالتزام بأركان الإسلام العملية: من الشهادتين، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت. فالفريقان –سنة وشيعة- يؤمنون بهذه الأركان أو الفرائض، وإن وجد خلاف بينهم في بعض الأحكام؛ فهو كما يحدث بين مذاهب السنة بعضها وبعض، فكم من فرق بين المذهب الحنبلي مثلا والمذهب الحنفي أو المالكي، وكم من مسائل انفرد بها المذهب الحنبلي عن المذاهب الأربعة، عرفت باسم (مفردات المذهب) ونظمها بعضهم في منظومة معروفة.
ومن يقرأ كتابا يهتم بفقه الاختلاف مثل (نيل الأوطار) للإمام الشوكاني رحمه الله يجد أنه يذكر علماء الأمصار وأئمة الفقه من أهل السنة ومن الشيعة، أو كما يسميهم هو وغيره فقهاء (العترة) أو (آل البيت) مثل الباقر والصادق والناصر والهادي وغيرهم، فلا يكاد القارئ أو الدارس يحس بفرق معتبر بين هذه المذاهب ومذاهب السنة، إلا كما يحس الفرق بين مذاهب السنة بعضها وبعض.
وإذا كان هذا واضحا بينا في العبادات، فهو أبين وأوضح في المعاملات.
وإذا كانوا هم لا يعترفون بكتب أهل السنة التي تعد مراجعهم في الحديث النبوي، مثل الكتب التسعة: الموطأ ومسند أحمد وصحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي وابن ماجه والدارمي، وغيرها من الكتب، فإن معظم ما ثبت عندنا بالسنة ثبت عندهم من طريق رواتهم، إما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، وإما عن طريق إمام من أئمتهم الذين يعتبرونهم معصومين.
والمهم: أن الفقهين في النهاية –فقه السنة وفقه الشيعة- يتقاربان إلى حد كبير؛ لأن المصدر الأصلي واحد، وهو الوحي الإلهي المتمثل في القرآن والسنة، والأهداف الأساسية والمقاصد الكلية للدين واحدة عند الفريقين، وهي: إقامة عدل الله ورحمته بين عباده.
وكثير من الآراء التي تعتبر شاذة عندنا من أحكامهم نجد بين أهل السنة من قال بها إذا أجدنا البحث والتنقيب.
خذ أشهر مسألة في الفقه حدث فيها الاختلاف بين المذهبين، وهي: زواج المتعة؛ فقد قال بها حبر الأمة ابن عباس، وإن قيل: إنه رجع عنها، ولكن ظل عدد من أصحابه في مكة وفي اليمن يفتون بها، مثل: عطاء وسعيد بن جبير وطاوس رضي الله عنهم جميعا.
التحاور في المختلف فيه
كان العلامة الشيخ محمد رشيد رضا صاحب (مجلة المنار) و(تفسير المنار) قد وضع قاعدة للتعامل بين المختلفين من (أهل القِبلة) سماها (القاعدة الذهبية) وهي القاعدة التي تقول: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه).
وقد تبنى هذه القاعدة كل المصلحين من أهل الحكمة والاعتدال، وعلى رأسهم الإمام حسن البنا الذي ردد هذه الكلمة في بعض رسائله ومحاضراته، حتى حسبها بعض أتباعه من كلمات البنا نفسه. وقد شكك بعض إخواننا من السلفيين في الشق الثاني من هذه القاعدة، وقال: كيف نعذر المختلفين إذا خالفوا النص؟ وقد رددت على هؤلاء فيما كتبته في الجزء الثاني من كتابي (فتاوى معاصرة)، وبينت أن النصوص منها ما هو قطعي الثبوت والدلالة، وهذا لا عذر لأحد في مخالفته، ولكن هذا النوع من النصوص قليل جدا.
ومعظم النصوص إما قطعية الثبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثبوت قطعية الدلالة، أو ظنية الثبوت ظنية الدلالة، وفي هذه (الظنية) مجال الاجتهاد والاختلاف، وهنا يكون عذر المخالف.
فقد يكون معك حديث في المسألة، ولكني أخالفك فيه؛ لأنه ثابت عندك، وليس بثابت عندي، ولهذا أمثلة لا تحصر. أو يكون ثابتا عند كلينا، ولكن فهمي له غير فهمك له، واستنباطي منه يخالف استنباطك، ومخالفتي لك هنا ليست مخالفة للحديث، بل لفهمك له، والحديث وحي، ولكن فهمك له ليس وحيا.
هذه القاعدة الذهبية حورها أحد إخواننا الباحثين المعاصرين، فجعلها بهذه الصيغة: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ونتحاور فيما اختلفنا فيه). هكذا عدلها أخونا وصديقنا الباحث المدقق عبد الحليم محمد أبو شقة رحمه الله، صاحب موسوعة (تحرير المرأة في عصر الرسالة). وهو يرى رحمه الله: أن كل مختلف فيه قابل للحوار، إذا كان الحوار جادا ومخلصا في طلب الحقيقة، بعيدا عن التعصب والانغلاق. وربما أدى تلاقح الأفكار، وتفاعل الآراء، إلى جلاء نقطة غامضة، أو تقريب مسافة كانت بعيدة، أو الخروج بتفسير يقبله الطرفان أو غير ذلك.
ورأيي أن نركز في الحوار على (الجوانب العملية) ونؤجل الجوانب النظرية والتجريدية، فالغالب أن الجدل فيها لا يوصل إلى نتيجة، مثل (رؤية الله في الآخرة) فالخلاف فيها بين أهل السنة والمعتزلة –ومنهم الشيعة الجعفرية والزيدية والإباضية- خلاف قديم عميق، والجدال حوله لا يقدم ولا يؤخر؛ لأن كل فريق متشبث برأيه، مُصِر على موقفه.
أما الإسلام، إذا أراد المتمسكون به النجاح، فلا بد أن يبنوا مؤسساتهم بطريقة مختلفة لأن منطلقاتهم الفلسفية مختلفة. فما يصلح من ضوابط وتعليمات لقاعدة تقوم على بُعد اجتماعي لا يصلح لقاعدة تقوم على أبعاد أخرى. لكن الإسلام لم يتجاهل الوعي الإنساني؛ فزاوجه مع المسألة الخَلقِية، وذلك من خلال التشريع. لقد ترك التشريع للإنسان حرية الاختيار بين الإيمان والكفر، التوحيد والشرك، الهداية والغواية، وحمله مسؤولية هذا الاختيار. ووضع الإسلام تعليمات وضوابط ومحفزات ومثبطات تُعنى بمختلف أوضاع السلوك الإنساني، وشجّع الإنسان على توخي الحذر والتفكير بمختلف البينات والأحكام؛ ليكون قادرًا على تكوين رأي يحكم سلوكه الذي قد يقوده إلى فوز في الدنيا والآخرة أو فوز في الدنيا وخسران في الآخرة أو خسران في الدنيا والآخرة: أي أن الشارع الإسلامي عمل على تحفيز المسلم نحو مراكمة الوعي الذي يقود التوجهات ويبرر التصرفات. وهذا واضح مثلاً في سورة النبأ التي ورد فيها:"وبنينا فوقكم سبعًا شدادا، وجعلنا سراجًا وهاجًا، وأنزلنا من المعصرات ماءً ثجاجا، لنخرج به حبًا ونباتا" (النبأ، 12-15)، وفي سور أخرى متعددة كالانفطار والتكوير وعبس وغيرها. وهناك آيات كثيرة تتحدث عن ميزات الإيمان ومساوئ الكفر والعصيان. ضمانة حرية الاختيار في الإسلام يزاوج الإسلام بين الخَلق والتشريع، بين الموضوعي الذي هو إرادة الله وبين الوعي الذي من المفروض أن يتراكم حتى يدرك الموضوعي، ويدعم الخلق والتشريع. ذكر أبو حيان التوحيدي في (البصائر والذخائر) عن شيخه القاضي أبي حامد المَرْوَرُّوذي من أعلام الشافعية: أنه كان إذا رأى تراجع المتكلمين في مسائلهم، وثباتهم على مذاهبهم بعد طول جدلهم، ينشد:
ومَهْمَهٍ دليلُـه مطـوَّح        يدأب فيه القوم حتى يَطلحوا
ثم يظلون كأن لم يبرحوا      كأنما أمسوا بحيث أصبحوا![1]
و(الجوانب العملية) التي أشير إلى جدوى الحوار فيها أقصد بها أمرين:
الأمر الأول: ما يتعلق بمواقفنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛ بحيث نجتمع حول هدف واحد، ونصدر عن موقف واحد، ونواجه المخططات المعادية بإستراتيجية واحدة.
وإذا كان في بعض الأحيان وقفت الجهات الإسلامية (الأزهر ورابطة العالم الإسلامي والجمهورية الإيرانية الإسلامية) في مؤتمر السكان بالقاهرة صيف سنة 1994م مع ممثلي الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية في جبهة واحدة.. ضد دعاة الإباحية واستحلال الإجهاض بإطلاق، ودعاة العري والحرية الجنسية المطلقة، ورفع سلطة الأسرة عن التربية الجنسية للأطفال وغير ذلك؛ فقد اقتضت المصلحة المشتركة، والموقف الفكري المشترك أن يقف ممثلو الإسلام والنصرانية في خط واحد؛ فكيف لا يقف السنة والشيعة في خط واحد إذا كان العدو واحدا يريد الخلاص منهما جميعا؟!
والأمر الثاني: ما يتعلق بالأحكام الفقهية العملية؛ فالحوار فيها أيسر وأقرب منالا من البحث في الأمور العقائدية والكلامية. وربما كان البحث في المعاملات والفقه الاقتصادي أسهل من البحث في العبادات والشعائر والأركان الدينية. ولا مانع من البحث في العبادات بروح من يريد أن يجد حلا للمشكلات القائمة، لا بروح المتعصب المنغلق، الذي لا يريد أن يفتح بابا للتفاهم والتقارب.
د – المصارف الإسلامية التي كانت الابن الشرعي الأساسي، أو أحد الأبناء الشرعيين الأساسيين لحركة المراجعة والتجديد. الشرط الثالث: الوسيط النفسي: رصد العلامة ابن خلدون من قبلُ حالة حضارية عرفها بأنها حالة ولع المغلوب حضاريًّا بتقليد الغالب، وأسماها حالة الانكسار الحضاري. غير أننا نرى أن هذه التسمية سلبية من دون داعٍ. فولع المغلوب بتقليد الغالب ليس دوما ظاهرة سلبية، بل قد يكون بداية لعلاقة جدلية بين مقومات النجاح في مشروع الآخر ومقومات النجاح في مشروع الذات، وقد يسفر عن التحامهما مشروع قومي جديد، تحمله تلك الشعوب التي ولعت ذات يوم بتقليد الغالب. هذا ليس طرحًا نظريًّا. فالخبراء قبل خمس سنوات تكلموا عن نظرية أسموها النمط الأسيوي للقيم، وقصدوا بها أن خبرة دول جنوب شرق آسيا في التنمية قامت على أساس من استلهام النموذج الغربي، لكنها – بالرغم من أنها قطعت شوطًا لا بأس به في مجال التنمية، إلا أنها انتهت إلى غير الطريق الذي بدأ منه الغرب. ومن ذلك: البحث في "الجمع بين الصلاتين" (أي بين الظهر والعصر، أو بين المغرب والعشاء) عند الشيعة: أهو رخصة يراد بها التيسير أم هو فريضة ملتزمة، كما نرى عند الشيعة اليوم في واقع الأمر؟ أم هل يقصد به مخالفة أهل السنة والتميز عنهم؟
والذي رأيته عند الشيعة ما قاله الشيخ السبحاني في كتابه (الإنصاف) الذي سبقت الإشارة إليه: "اتفقت الإمامية على أنه يجوز الجمع بين الصلاتين في الحضر اختيارا، وإن كان التفريق أفضل"[2].
ومن ذلك البحث في الشهادة الثالثة في الآذان: (وأشهد أن عليا ولي الله) أهذه الشهادة الزائدة على الشهادتين المتفق عليهما مما قرره الفقهاء وألزموا به؟ ومن أي عصر تقرر هذا؟ أم هذا من زيادات العوام، سكت عليها العلماء، خوفا من هياج العامة؟ وهو الظاهر.
وتطالب أم سندس باستحضار الإيمان والمراقبة كسبيل للاستمرار في الخير بعد رمضان عن طريق القراءة وسماع دروس العلم، مع تنظيم الوقت، والاستعانة بالكتب التي تعرفنا كيفية إدارة الوقت، وتحديد أولويات اليوم الواحد وتنظيمها، والاستفادة من خبرات الآخرين في أمور المطبخ والأولاد. ويدعو منتصر الأنصاري إلى التغلب على العقبات التي تعترض استمرار الخير بعد رمضان بإشاعة روح الالتزام والتقوى في المجتمع مثل التي كانت في رمضان من خلال تفعيل دور المسجد في الحياة في باقي شهور السنة، وألا يقتصر دور المسجد التنويري على شهر رمضان فقط. لماذا لا يستمر رمضان معنا بعد انتهاء أيامه؟ عادل الإقليعي تحتاج الأمة من حين لآخر إلى من يذكرها بحقيقة دينها، وتحتاج كذلك إلى وقفات متأنية تكون فرصة حقيقية للمراجعة والتصويب والبناء لمفهوم الناس لقيم دينية وسلوكياتهم تجاهها. فللأسف الشديد قد أصيب السلوك الإسلامي بنوع من الاستهتار، فتحولت العبادة من عبادة إلى عادة، ولا شك أن لهذا التحول آفات جمة على مستوى تدين الكثيرين ممن ينتمون إلى الإسلام. ولعل ظاهرة انقطاع كثير من الناس عن فعل الخيرات بعد رمضان وتوليهم عن أداء الفرائض، تفرض علينا الوقوف معها وقفة خاصة لمحاولة سبر أسباب الظاهرة ومظاهرها ونتائجها؛ لذلك قمنا بهذا التحقيق الميداني مع كثير من الدعاة والمدعوين كمحاولة لوضع الإصبع على مكمن الداء. أفضلية شهر رمضان إن شهر رمضان مدرسة تربوية عطرة وشاملة، وهو ربيع الشهور؛ حيث تتعدد فيه مظاهر إقبال الناس على الخير، من التزام الطاعات وألوان البر، وصلة الأرحام، وغيرها الكثير من سمات الطهارة التي تغلب على الأمة في هذا الشهر الفضيل. فلماذا ينقطع الناس عن هذه الأعمال والصدقات بعد رمضان؟ تقول الشابتان نوال وإلهام: "الناس يعتقدون أن الأجر والثواب والمغفرة تكون فقط في رمضان؛ لذلك فإنهم يضاعفون من أعمال البر والصدقات في هذا الشهر، وينقطعون عنها بانتهائه؛ فما قاموا به سيكفر عنهم ما سيتهاونون فيه في الأيام المقبلة!". مثل هذه المحاورات في الفقه العملي اليومي تكون مجدية إذا بحثت بروح الجدية والأخوة والتسامح، دون تشنج أو اتهام.
تجنب الاستفزاز.. والمصارحة بالحكمة
ومن المبادئ المهمة في الحوار الإسلامي الإسلامي والتقريب بين المذاهب الإسلامية تجنب الاستفزاز من أحد الطرفين للآخر، فالحوار المنشود –أو الجدال بالتي هي أحسن كما سماه القرآن- يقتضي أن يتوخى كل من الطرفين في خطاب الآخر العبارات المثيرة، والكلمات المستفزة التي تحدث التوتر في الأعصاب، والإيغار في الصدور، واختيار الكلمات التي تقرب ولا تباعد، وتحبب ولا تبغض، وتجمع ولا تفرق.
ومن ذلك: ترك الألقاب التي لا يحبها أحد الفريقين: كتسمية الشيعة – بـ(الرافضة) وأهل السنة بـ (الناصبة). مقدمة التفجيرات الهائلة التي وقعت يوم 11/9/2001 في مركز التجارة العالمي في نيويورك، وفي مبنى وزارة الدفاع الأميركية بواشنطن، تؤسّس لمرحلة جديدة ستكون لها انعكاسات كبيرة على النظام العالمي الجديد، من حيث قدرة الولايات المتحدة الأميركية على الاستمرار في قيادة العالم، وفي ممارسة دور الوصيّ على الشعوب المستضعفة وإذلالها، ومصادرة خيراتها والتحكّم في سياساتها ومصيرها. وخطاب كل فئة باللقب الذي تسمي به نفسها وقد قال تعالى: (وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ) [الحجرات: 11] ومن أدب المسلم إذا لقي أخاه المسلم أن يدعوه بأحب الأسماء إليه. وقد اعتاد العرب أن ينادي بعضهم بعضا بكنيته، مثل: يا أبا حفص، أو يا أبا الحسن، أو يا أبا ذر.
ويحاول الآن الوصول إلى الكواكب الأبعد في الفضاء الكوني، مثل الكوكب الأحمر، المريخ. ولا ريب أن إنجازات العلم المادي في عصرنا إنجازات هائلة، لو ذكر عشر معشارها لمن كان قبلنا لاتهموا قائله بالجنون. وهي تدخل تحت قوله تعالى في القرآن: "ويخلق ما لا تعلمون" (النحل: 8). شقاء الإنسان في هذه الحضارة ولكن يبقى هنا سؤال في غاية الأهمية، وهو: هل استطاع العلم الذي رفع الإنسان إلى سطح القمر أن يحقق له السعادة على ظهر الأرض؟ الواقع المر يقول: لا. فإن العلم بمفهومه الغربي - وهو علم مادي بحت - وفر للإنسان راحة الجسم ولم يوفر له راحة النفس، حقق له الرفاهية المادية ولم يحقق له السكينة الروحية، هيأ له الوسائل والأدوات ولم يهيئ له المقاصد والغايات؛ ولهذا عاش الإنسان مزوق الظاهر، خرب الباطن، أشبه بقبور العظماء، مشيدة مزخرفة، وليس فيها إلا عظام نخرة. ومن ثم رأينا الناس الذين يعيشون تحت سلطان هذه الحضارة يشكون من القلق، والاكتئاب، والخوف، والأسى، واليأس، والغربة النفسية، والشعور بالضياع وتفاهة الحياة، يحسون أن هذه الحياة لا هدف لها ولا رسالة ولا طعم ولا معنى. وهذا يحطم الإنسان من داخله. ولا غرو أن كثرت العيادات النفسية والعصبية، حتى غدت تعد بالألوف، ومع هذا لا تكفي زائريها، وقلما يجدون عندها ما يشفي عليلاً، أو يروي غليلاً. إن الناس يشكون في هذه الحضارة من الانحلال الأخلاقي، والقلق النفسي، والتفسخ العائلي، والاضطراب العقلي، والتفكك الاجتماعي، ومن انتشار الجريمة إلى حد يثير الخوف والذعر لدى جماهير الناس. ومن ذلك: البعد عن الموضوعات ذات الحساسية الخاصة التي إذا أثيرت اشتعلت النار، وارتفع الدخان، مثل الإساءة إلى آل البيت من قبل السنة، أو إلى الصحابة من قبل الشيعة. ومن النادر –بل الشاذ- أن يمس أحد من السنة آل البيت؛ لأن لآل البيت عندهم من الكرامة والمنزلة والقرب ما يجعلهم محببين إلى كل قلب، ممدوحين على كل لسان، ومَن من أهل السنة لا يحب أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه، وفاطمة الزهراء رضي الله عنها أحب الناس إلى رسول الله رضي الله عنها، وابنيها الحسن والحسين سبطي رسول الله وسيدَيْ شباب أهل الجنة؟!
ولذلك تبقى المشكلة في (سب الصحابة) من قبل الشيعة، وخصوصا الكبار منهم، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم  وهو عنهم راض، مثل الخلفاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان، رضي الله عنهم، ومن كان من العشرة المبشرين بالجنة مثل طلحة والزبير، وهؤلاء جميعا من السابقين الأولين من المهاجرين، الذين كان لهم فضل السبق إلى الإيمان برسول الله، فصدقوه حيث كذبه الناس، وآمنوا به حيث كفر به الناس، ولذا أثنى عليهم الله تعالى في كتابه، ورضي الله عنهم ورضوا عنه.
ومثل ذلك: من برّأها الله من فوق سبع سماوات؛ الصديقة بنت الصديق، أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وغيرهم من الصحابة الذين هم دون هؤلاء في المنزلة، ولكنهم سعدوا بصحبة محمد صلى الله عليه وسلم، وكلهم على خير، كما قال تعالى: (لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [الحديد: 10].
وهذه هي النقطة الحساسة، بل الشديدة الحساسية بيننا وبين إخواننا من الشيعة، فليس يمكن أن نتفاهم ونتقارب فيما بيننا، وأنا أقول: أبو بكر رضي الله عنه، وأنت تقول: أبو بكر لعنه الله!! فكم من الفرق البعيد بين الترضي عن شخص وقذفه باللعنة؟!
وقد تحدثت مع عدد من علماء الشيعة ممن أعرفهم من ذوي الأناة والحكمة، وقلت لهم: إن هذه القضية هي الحاجز الأول أمام التقارب، ولا بد للعقلاء أن يحاصروها، أو على الأقل يخففوا من آثارها، فإنها إذا تركت لغرائز العوام المشحونة بالغضب والحقد جديرة بأن تأكل الأخضر واليابس، ولا تدع لأهل العلم والحكمة فرصة في التوحيد أو التقريب.
والحق أقول: إن هؤلاء العقلاء -أمثال آية الله محمد علي التسخيري، وآية الله واعظ زاده وغيرهما- وافقوني تماما على ذلك، وأكدوا لي أن هذا الاتجاه يقوى عندهم وينتشر شيئا فشيئا، حتى إن المناهج الدارسية الجديدة في إيران تذكر في بعض كتبها مواقف تاريخية لأبي بكر وعمر فيها تمجيد لهما وثناء عليهما.
قلت لهم: هذا ما يجب أن يتبنى ويتوسع فيه في مؤسسات التربية الحكومية، وفي مجال التربية الأسرية الخاص؛ فإن الثقافة الشيعية الشعبية كثيرا ما تحمَّل بأوهام ومبالغات وخزعبلات، لا تثبت أمام النقد العلمي، ولكنها عند العامة حقائق -أو معتقدات- تحرك سواكنهم، وتثير كوامنهم.
والحقيقة أن هذه القضية الخطيرة في حاجة إلى تمحيص ومصارحة؛ لتصفيتها، وجلاء الغبار عنها، أو على الأقل للوقوف موقفا إيجابيا حكيما منها.
وأحب أن أضع هذه النقاط أمام إخواني الشيعة، لا أقصد بها إلا ابتغاء وجه الله، وخدمة دينه، وجمع الأمة كلها عليه..
أولا: أن هذا الذي حدث بين الصحابة بعضهم وبعض من خلاف -وإن دخلته المبالغات ولوثته الأهواء، وضخمته أجواء الفتن- قد أصبح تاريخا انتهى وطويت صفحاته بحلوه ومره، وخيره وشره، وسيسأل الله أصحابه ويجزيهم بأعمالهم ونياتهم، وأولى بنا أن ندع ذلك إلى الله ولا نكلف أنفسنا حسابهم. وقد قال تعالى: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134].
وهذا ما جعل الخليفة الراشد المرضيّ عمر بن عبد العزيز يقول حينما سئل عن تلك الفتن وما جرى فيها: تلك دماء طهر الله فيها أيدينا، فلا نلطخ بها ألسنتا!
إن من قواعد التسامح بين المختلفين من أهل الديانات أن حساب الضال منا على ضلاله، والكافر على كفره، إنما هو إلى الله تعالى، وليس إلينا، وأن موعد هذا الحساب إنما هو في الآخرة، وليس في هذه الدنيا، كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [الحج: 17].
فإذا كان هذا شأن المختلفين من أهل الديانات المتباينة؛ فكيف بالمختلفين من أهل الدين الواحد؟
إن الأجدر بنا هنا أن نكل هؤلاء المختلفين إلى نياتهم وسرائرهم، وقد أفضوا إلى ما قدموا.
على أن هؤلاء الصحابة لو سلمنا أنهم أخطئوا أو أذنبوا، لكان لهم من صحبتهم لرسول الله، ومن جهادهم معه ما يشفع لهم عند الله، كما قال الرسول لعمر في شأن حاطب بن أبي بلتعه، وقد قام بعمل من أعمال التجسس لحساب قريش قبيل فتح مكة، فقال عمر لرسول الله: "دعني أضرب عنقه فقد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شهد بدرًا: وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"i[1].
وقد قال الإمام القرطبي في تفسيره (الجامع لأحكام القرن): (لا يجوز أن يُنسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبّدنا بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بحسن الذكر، لحرمة الصحبة، ولنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وأن الله غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم. هذا مع ما قد ورد من الإخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن طلحة شهيد يمشي على وجه الأرض، فلو كان ما خرج إليه من الحرب عصيانا لم يكن بالقتل فيه شهيدا. وتذهب ليلى خميس إلى أن شهر رمضان له خصوصية، وفضله من الناحية الدينية والروحانية كبير، واستدلت بما جاء في كتاب "مختصر منهاج القاصدين" عن شهر رمضان إنه قهر لعدو الله؛ لأن وسيلة العدو الشهوات وإنما تقوى الشهوات بالأكل والشرب، وما دامت أرض الشهوات مخصبة فالشياطين يترددون إلى ذلك المرعى، وبترك الشهوات تضيق عليهم المسالك. وأكدت أنها لا تشغل نفسها في رمضان إلا بالعبادة ويعطيها الصيام متسعًا من الوقت يمكنها من قراءة القرآن أكثر من مرة ولا يتوافر ذلك بعد رمضان. أما سامي حبيب فيقول: إن الحياة تأخذ الإنسان بعيدًا بعد رمضان، ومشاكل العملاء تعكّر صفو النفس، ورغم ذلك فهناك بعض الأعمال الخيرية الثابتة التي أحافظ عليها مثل كفالة الطفل اليتيم، وأتمنى ألا نعطي الفقير أموالاً فقط، بل نساعده على العمل والإنتاج كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين قال للرجل السائل: "اذهب واحتطب". وتؤكد أم سندس -27 سنة- مديرة حضانة أن أسباب قلة مظاهر الخير ترجع إلى الشياطين ووسوستها؛ لأنها كانت مصفدة في رمضان، لكنها تتحرر بعده، إضافة إلى ما يعتري النفس من كسل ومشاغل الأسرة والعمل. عقبات يمكن تجاوزها يؤكد محمود جاد أن حسن الصلة بالله أهم نقطة في استمرار الخير بعد رمضان؛ لأن ربّ رمضان هو ربّ جميع الشهور، فالاقتراب من الله يدفع الإنسان إلى الاستمرار في الخير، ولي تجربة مع شخص أعرفه بدأ في الصلاة في رمضان منذ عام، ولم يترك صلاة فجر حتى الآن، وأؤكد أن التردد ليس من صفات المؤمنين، كما أن التردد يدل على عدم عمق الصلة بالله، فالأساس هنا هو ربط الإنسان بربه قبل ربطه بشهر معين. ويطرح نبيل صلاح فكرة التنسيق بين أوقات العمل وبين الأوقات المخصصة للعبادة حتى يستمر المسلم في فعل الخير، ويؤكد ضرورة اعتبار العبادة أمرًا لا بد من تأديته مهما كانت الظروف، كذلك من الضروري أن ينتقي المسلم من العبادة أمسها وأقربها لنفسه مع إشراك أسرته في العبادة وأعمال الخير؛ حتى يجد الشخص من يعينه في بيته، وعدم ربط العبادات بمواسم معينة. أما عبد الله عيد فيدعو إلى ضرورة توعية الناس بأهمية وضرورة الاستمرار في الخير بعد رمضان ويقول: "والناس من خلال تجربتي فيها خير كثير والتذكرة ضرورية لإيقاظ الإيمان، ويؤكد أن خطيب الجمعة لا يعطي لفعل الخير وحثِّ الناس عليه نصيبًا ذا أهمية في خطبته، فينعكس ذلك على حجم الخير في المجتمع، فكل مزكٍّ عندما يقابل ويرشد ويوعى فإن الخير سيزداد، ومن عجيب ما رأيت من الخطباء أنني طلبت من أحدهم أن يحض الناس على التبرع للجنة الزكاة، ومشروع كفالة الطفل اليتيم فقال لي: كفاية على الناس كده.. فاستغربت من إجابته لهذا فمن الضروري احتكاك الداعية والخطيب بجوانب الخير ومشاريع البر في المجتمع؛ حتى يطلع عن قرب عن حاجة المجتمع لفعل الخير حتى ولو بالمساهمة بالقليل فالخطيب مصدر هام للتوعية، وقادر على تفريغ شحنة الناس عن يقين وإيمان ودفعهم للخير. ويؤكد عبد الله أنه قام بمساهمة بعض الميسورين بالتفكير والبدء في اتخاذ خطوات عملية لإنشاء مشروع للجنة الزكاة يعود بالخير على المجتمع وبدخل ثابت للفقير والمحتاج، وبالتالي لا يكون عمل الخير في انتظار ما تجود به الناس فقط، ونستطيع بذلك تجاوز مراحل الجفاف التي تواجه مسيرة الخير بالمجتمع، وكما تقول الحكمة: "أعطني سنارة ولا تعطني سمكة" كما أنه من الضروري العمل على أن يستغني الفقير عن لجنة الزكاة من خلال توفير مشروع له يسترزق منه. أما أمينة محمد فتدعو إلى التخطيط السليم والدقيق للتغلب على العقبات التي تعترض مسيرة استمرار الخير بعد رمضان، وتقول: فمثلاً ضيق الوقت من الممكن أن نتغلب عليه بتجهيز بعض الأعمال في فترات الإجازات، وبالنسبة للعامل المادي نستطيع أن نتحرك في حدود ظروفنا، أما الإعراض والسخرية فنواجهها بأن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من حمر النعم. فمن الناحية الداخلية، على المسلمين أن يبتعدوا عن الفساد الإداري وقمع الآراء والاحتكار الاقتصادي واضطهاد غير المسلمين وعن كل الأمور التي يمكن أن تقوض دعائم التماسك الداخلي: أي عليهم إقامة العدل. ومن الناحية الخارجية، على المسلم أن يدافع ضد كل القوى التي تسعى إلى هدم الأمة الإسلامية واستبدالها بأمة أخرى. الدفاع عن الأمة أو النظام السياسي ليس سمة إسلامية فحسب، وإنما هذا هو حال كل الأنظمة. لا يوجد نظام لا يضع آلية للدفاع عن نفسه بما في ذلك النظام الديمقراطي. وكذلك لو كان ما خرج إليه خطأ في التأويل وتقصيرا في الواجب عليه، لأن الشهادة لا تكون إلا بقتل في طاعة، فوجب حمل أمرهم على ما بيناه.
ومما يدل على ذلك ما قد صح وانتشر من إخبار عليّ بأن قاتل ابن صفية في النار. وقوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بشر قاتل ابن صفية بالنار". وإذا كانت كذلك فقد ثبت أن طلحة والزبير غير عاصين ولا آثمين بالقتال؛ لأن ذلك لو كان كذلك لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في طلحة: "شهيد". ولم يخبر أن قاتل الزبير في النار.
وكذلك من قعد غير مخطئ في التأويل بل صواب أراهم الله الاجتهاد. وأهم ما في الجهاد أن النية الفردية فيه على مستوى الفرد، والنية الجماعية على مستوى الأمة، والنية الرسمية على مستوى الدولة كلها، في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وليست للعلو والإفساد. فالله تعالى يقول: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين" (القصص: 83). 2 - الجــــــــزية يقول تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29). وقد نقل "محمد أسد" في ترجمته تفسير الأستاذ الإمام "محمد عبده" لهذه الآية ونلخصه فيما يلي: "هناك (من) الذين أوتوا الكتاب قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومن ثم فانتسابهم لأهل الكتاب انتساب كاذب. ثم تمضي الآية فتقول "ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق"، فإذا كانوا لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فما معنى لا يحرمون ما حرم الله ورسوله (الرسول الذي يتبعونه)؟ الشيء المؤكد الذي أوضحناه في هذا البحث أن القتال في الإسلام شرعه الله كما قلنا من أجل التحرير ومنع الفتنة، ومن التحرير مقاومة الاعتداء، ومن ثم فيكون الذي لم يحرمه هؤلاء المنافقين المنتسبين زورا لأهل الكتاب هو الاعتداء على المسلمين وعدم اتباعهم قواعد دينهم الذي يأمرهم بألا يعتدوا". وتستطيع أن تدخل في هؤلاء الفرنجة الذين جاءونا زوراً باسم الصليب؛ فهؤلاء لا يتبعون تعاليم رسولهم المسيح عليه السلام، ولا يدينون بدينه الحق؛ ولأن الله أمرنا أن نقاوم كل من يعتدي على أرضنا وحرياتنا؛ فإن الله أمر المؤمنين أن يقاتلوا هؤلاء المنتسبين لأهل الكتاب زوراً وبهتاناً؛ حتى يخضعوا للدولة الإسلامية خضوعاً سياسياً (وليس عقيدياً) ويعطوا الجزية عن يد (أي عن سعة حسب مقدرتهم) بعد أن يخضعوا لسلطان الدولة الإسلامية. والدولة الإسلامية - لأنها دولة عقيدية - قامت لتحقق مبادئ الإسلام في الحياة؛ تخير أفرادها القادرين على حمايتها من غير المسلمين بين الانضمام للجيش للدفاع عن الدولة أو بذل ضريبة دفاع تسمى الجزية والمأخوذة من فعل جزأ: أي دفع مقابلاً لعدم رغبته في المشاركة في الجيش. وإذا كان كذلك لم يوجب ذلك لعنهم والبراءة منهم وتفسيقهم، وإبطال فضائلهم وجهادهم، وعظيم غنائهم في الدين، رضي الله عنهم.
وقد سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم فقال: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [البقرة: 134].
وسئل بعضهم عنها أيضا فقال: تلك دماء قد طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يعني في التحرز من الوقوع في الخطأ، والحكم على بعضهم بما لا يكون مصيبا فيه.
قال ابن فُورَك: ومن أصحابنا من قال: إن سبيل ما جرى بين الصحابة من المنازعات كسبيل ما جرى بين إخوة يوسف مع يوسف، ثم إنهم لم يخرجوا بذلك عن حدّ الولاية والنبوة؛ فكذلك الأمر فيما جرى بين الصحابة.
وقال المحاسبي: فأما الدماء فقد أشكل علينا القول فيها باختلافهم. وقد سئل الحسن البصري عن قتالهم، فقال: قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغِبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا، واختلفوا فوقفنا. قال المحاسبي: فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عند ما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل، إذ كانوا غير متّهمين في الدين. ونسأل الله التوفيق.ii[2]
ثم إن علينا -من ناحية أخرى- أن نشتغل بحاضرنا، بدل أن يشغلنا ماضينا، وحاضرنا مليء بالمصاعب والآفات والعقبات التي تقف في وجوه المصلحين والمجددين، وهي تحتاج منا إلى جهود مضنية، كفيلة بأن تشغل عقولنا وقلوبنا وسواعدنا.
وقد سمعت شيخنا محمد الغزالي رحمه الله يرد على رجل يجادله فيما كان بين الصحابة، ويثير سؤالا لا معنى له: أيهما كان أحق بالخلافة: أبو بكر أم علي؟ فقال له الشيخ: لقد ذهب أبو بكر وذهب علي، وذهبت الخلافة الراشدة والأموية والعباسية والعثمانية، وألغيت الخلافة نهائيا من ديار الإسلام، وأصبح الذين يتحكمون فينا هم الخواجات الأجانب، لا أبو بكر ولا علي.. فإلى متى نظل في هذه المفاضلات الحمقاء؟!
ثانيا: أن مسألة "السب" في ذاتها ليست محمودة شرعا؛ فالمؤمن ليس سبابا ولا لعانا، والقرآن ينهى عن سب الأصنام، خشية أن يثير ذلك المشركين، فيسبوا الله تعالى دفاعا عن آلهتهم كما قال تعالى: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [الأنعام: 108].
ومن قرأ السنة النبوية وجد جملة من الأحاديث تنهى عن السب؛ ففي صحيح الجامع الصغير وزيادته تقرأ عدة أحاديث كلها تنهى عن السب من رقم
(7309) إلى (7322) iii[3]، ومنها:
"لا تسبوا أصحابي.. فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهبًا، ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه".
"لا تسبوا الأموات، فإنهم أفضو إلى ما قدموا".
"لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر".
"لا تسبوا الديك، فإنه يوقظ للصلاة".
"لا تسبوا الريح، فإنها من رَوْح الله".
"لا تسبي الحُمّى فإنها تذهب خطايا بني آدم".
وأعجب هذه الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الشيطان، وتعوذوا بالله من شره" حتى الشيطان الرجيم ينبغي ألا نشتغل بسبه، ولكن نتعوذ بالله من شره؛ لأن السب عمل سلبي، والاستعاذة من شر الشيطان عمل إيجابي.
والغربيون يقولون: بدل أن تسب الظلام أضئ شمعة. أي أن سب الظلام ولعنه لا يغير من الواقع شيئًا، وخير منه أن تعمل شيئا يضيء لك الطريق في الظلام، ولو كان شمعة صغيرة.
ثم إن عدم السب واللعن مطلقا لا يحمل أي مسؤولية، فليس سب الأشرار أو الكفار ولعنهم واجبا دينيا إذا لم يقم به المكلف كان معاتبا عليه أمام الله، حتى قال بعض الأئمة: لو عاش إنسان طول عمره دون أن يلعن فرعون، أو أبا جهل، أو إبليس، ما كان محاسبًا يوم القيامة على ذلك. ولو أنه لعن مرة واحدة من لا يستحق اللعنة لكان محاسبا أمام الله تعالى يوم الدين: لماذا لعنه؟
ولذا قال الإمام الغزالي: المؤمن ليس بلعان؛ فينبغي ألا يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم، دون الأشخاص المعنيين، فالاشتغال بذكر الله أولى، فإن لم يكن ففي السكوت سلامة.
قال مكي بن إبراهيم: كنا عند ابن عون، فذكروا بلال بن أبي بردة (الوالي) فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه؛ وابن عون ساكت، فقالوا: يا ابن عون؛ إنما نذكره لما ارتكب منك! فقال: إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة: "لا إله إلا الله"، "ولعن الله فلانا"، فلأن يخرج من صحيفتي: "لا إله إلا الله"؛ أحب إلي من أن يخرج منها : "لعن الله فلانا"!
د – تعدد الخطابات الإسلامية في الأقطار العربية والإسلامية، وهو ما يعكس وعيًا بالخصوصية عند التعامل مع هموم الذوات القطرية، ووعي بمعطيات ومتطلبات الحالة العالمية الراهنة عند التعامل مع الذوات القطرية والحضارية المخالفة أو المتوافقة. الشرط الثاني: تمويل العودة إلى الذات: لا يمكن لأي حركة نهضة أن تزدهر من دون توفر تيار تمويلي، ولو محدود يساندها في مسيرتها. وكان التيار التمويلي المرتبط بانتعاشة اقتصاديات النفط هو الأساس الذي تحرك التيار التمويلي المنشود في إطاره خلال الستينيات وحتى أواخر الثمانينيات، وتعددت صور هذا التيار بين ما هو أهلي أو حتى فردي، وما هو جماعي مؤسسي يرقى لكونه تيارا تمويليا في بعض الأحيان. ومع اتجاه الدول العربية لتوسيع حجم الإنفاق على مشروعاتها التسليحية والتنموية والاجتماعية والترفية، ومع الضغوط المالية على موازنات الدول العربية، ثم مع ضغوط الديون الداخلية والخارجية الكبرى التي باتت تعاني منها بعض الدول العربية.. بدأ التيار التمويلي الرسمي في التقلص والتراجع، مفرغًا الساحة تقريبًا لمصادر التمويل الفردية أو الأهلية، وعلى الرغم من أن الفراغ الذي خلفته المصادر التمويلية الرسمية كان كبيرًا.. فإن المصادر المتاحة استطاعت أن ترتب أولوياتها لتستثمر التمويل المتاح على الوجه الأمثل؛ فكانت المشروعات الفكرية التي عرضناها من قبل. لكن قبل أن نبارح هذين الشرطين ينبغي ألا نعتبر حالة هذين الشرطين وردية بالنسبة للأمة، بل كانت حالة خانقة، تضافرت فيها على حملة مشعل المراجعة قوى أمنية وسياسية وثقافية واجتماعية ومالية طاغية استهدفت كسر هذه الحركة؛ فنجحت حينًا وأخفقت حينًا، وقيض الله تعالى لهذه الحركة أن تخرج ببعض الحصيلة التي واصلت بها مسيرتها. ومن بين مصادر التمويل التي واصلت المسير وتبنت عملية الإحياء الإسلامي نجد ما يلي: أ – مؤسسات الوقف المنتشرة في بعض الدول العربية والغربية. وقال ابن عمر: أبغض الناس إلى الله كل طعان لعان"iv[4].
ثم إن سب الصحابة خاصة غير لائق بالمسلم، لصلتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم أصحابه وأخص الناس به، فهم قد تخرجوا في مدرسته، وتعلموا في حجره، واقتبسوا من مشكاة نبوته، وشاهدوا تنزيل القرآن، ووقائع السيرة، ومن الطبيعي والمنطقي أن ينالهم قبس من نور النبوة، وأن ينهلوا من فيض الرسالة، ومن سب أقرب تلاميذ الأستاذ له، فكأنما سب الأستاذ نفسه.
ولهذا كان التابعون أقرب في الفضل إليهم؛ لأنهم تتلمذوا عليهم، وأخذوا عنهم، ومن بعد التابعين بعدوا عن نور النبوة أكثر، وكل عصر يبعد أكثر من غيره.
وقد أثنى القرآن على الصحابة في مواضع منه، كما في سورة التوبة، وأواخر الأنفال، وآخر الفتح، وسورة الحديد، وسورة الحشر، وغيرها. فالفرح الذي يظهر هنا وهناك هو نتيجة للرغبة بالانتقام ولمشاعر الحقد ضدّ الطغيان الأمريكي، ولكن أصحابه غفلوا عن أنّ هذا الإذلال قد تمّ بوسائل غير مشروعة، وبالاعتداء على المدنيين. وهو أمر يجب استنكاره وإدانته في جميع الظروف. ولذلك نرى أنّ مظاهر الفرح والابتهاج كانت قليلة إجمالاً بين المسلمين، وقد صدرت عن بعض الأطفال والأغرار في الشوارع والحارات. حول الضربة العسكرية المحتملة ضد أفغانستان تتوارد الأخبار عن استعدادات عسكرية تجري لضرب أسامة بن لادن باعتباره المشتبه به الرئيسي، وضرب أفغانستان باعتبارها البلد الذي يستقبله ويؤويه. • لا نريد أن نكرّر ما قاله الكثيرون من الخبراء والمحلّلين عن استبعاد وجود أيّة إمكانية لدى أسامة بن لادن للقيام بمثل هذه الأعمال، وعن حتميّة مشاركة كثيرين من الأمريكان أنفسهم في هذه الأعمال، كما حصل في انفجار أوكلاهوما الشهير. بل أثنى القرآن على من اتبع الصحابة بإحسان، فقال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 100].
كما أثنى الرسول عليهم عموما وخصوصا في أحاديث انتشرت واستفاضت وبلغت مبلغ التواتر.
فما لم تؤخذ الحضارة بخيرها وشرها، وحلوها ومرها؛ فلن يجتني من ورائها ثمرة، ولن تستطيع منافسة أهلها في مضمار التقدم. وإنما سمينا هذا الاتجاه (الانتحاري) لأنه إعدام للأمة وإلغاء لشخصيتها وتميزها، وهذا هو الانتحار بعينه، فإن بقاء الأمة -بوصفها أمة- إنما يكون ببقاء شخصيتها وخصائصها الذاتية، فإذا ذابت في غيرها، وفنيت فيه، كما يذوب الملح في الماء، فلم يعد لها وجود متميز؛ فحياتها -كأمة- وموتها سواء، ولا سيما إذا كانت هذه الأمة ذات رسالة عالمية دينية وأخلاقية وحضارية. فذلك أكبر جناية عليها؛ حيث تنسى نفسها، وتنكر ذاتها. وأخذ جزء من حضارة لا يستلزم أخذ الحضارة كلها، وقد تكرر هذا قديمًا وحديثًا. أخذ الغرب المنهج العلمي التجريبي من الحضارة الإسلامية دون أن يأخذ قيمها الروحية والأخلاقية والتشريعية، وأخذت اليابان في عصرنا هذا المنهج من الغرب، ولم تأخذ عقائد الغرب ولا قيــمه ولا تقاليـده، واستفـادت اليابان بما أخذت من الغرب، كما استفاد الغرب قديمًا بما أخذ من حضارة الإسلام. هذا الاتجاه الخطير يمثله دعاة التغريب بفصائلهم المختلفة، وفلسفاتهم المتباينة: من اليمين الليبرالي، إلى اليسار الماركسي؛ فكلهم شركاء في رفض مرجعية الإسلام للأمة، متفقون -رغم اختلاف وجهاتهم- على إخراجها من هويتها، وسلخها من جلدها؛ لتتبع أممًا أخرى في فكرها وقيمها وسلوكها، شبرًا بشبر، ذراعًا بذراع! فكل هؤلاء بمدارسهم المتعددة لا يؤمنون بأصالة الأمة، وقيمة ما لديها من رسالة وثقافة وحضارة، وأنها لا يمكن أن تعيش -بله أن تتقدم- إلا بالاستيراد من غيرها. ولو قالوا باستيراد الأساليب والكيفيات والآليات لوافقناهم تمامًا، ولكنهم يريدون استيراد الأصول والفلسفات والقيم؛ لتبقى الأمة بلا أساس ولا جذور. والتاريخ شاهد صدق على فضل هؤلاء؛ فهم الذين حفظوا لنا القرآن ونقلوه إلينا بالتواتر، وهم الذين رووا لنا سنن النبي وأقواله وأفعاله وتقريراته. وهم الذين فتحوا الفتوح، ونشروا الإسلام في آفاق الأرض، فلولاهم ما كنا نحن اليوم مسلمين، فهم الذين علموا الأمم الإسلام، بعد أن تعلموه من رسولهم عليه السلام.
نصيحة للفريقين:
وأود أن أنصح الفريقين من السنة والشيعة أن يحرصوا على نقل الأقوال التي من شأنها أن تجمع ولا تفرق، وأن تقرب ولا تباعد، وأن تزرع المحبة لا الأحقاد ولا البغضاء؛ فإنها هي الحالقة، لا تحلق الشعر ولكن تحلق الدين.
من ذلك ما نقله العلامة الهندي الشيخ رحمة الله في كتابه القيم (إظهار الحق) الذي رد به على المنصِّرين فأفحمهم؛ قال رحمه الله: (وأنقل خمسة أقوال لأهل البيت عليهم السلام، على عدد الخمسة الطاهرين عليهم السلام.
(1) في "نهج البلاغة" الذي هو كتاب معتبر عند الشيعة، قول علي رضي الله عنه هكذا: (لله در فلان فلقد: 1: قوم الأَوْد، 2: وداوى العمد، 3: وأقام السنة، 4: وقمع البدعة، 5: ذهب نقي الثوب، 6: قليل العيب، 7: أصاب خيرها، 8: وسبق شرها، 9: أدى إلى الله طاعته، 10: واتقاه بحقه، رحل وتركهم في طرق متشعبة لا يهتدي فيها الضال، ويستيقن المهتدي) انتهى.
في حين أن الأوقات التي تكون فيها كل العائلات مجتمعة يعرضون عليهم المسلسلات الضاحكة الفارغة من أي معنى. إن عدم ترشيد وسائل الإعلام يُعتبر من أهم أسباب جهل الناس برمضان وما بعده، والناس يتأثرون بما يعرض عليهم في الشاشات الصغيرة، تقول الآنسة أبحون نزهة: "وسائل الإعلام في رمضان تلتزم في شكلها بتقديم برامج دينية؛ فمثلا القناة الثانية المغربية في رمضان ترفع أذان صلاة المغرب فقط وبعده تترك ذلك.. ماذا يعني هذا بالنسبة للبسطاء؟.. إن الناس يقلدون ويتبعون فقط". غفلات الدعاة في التوجيه والإرشاد يقول السيد بابا ميلود: "المسؤولية الكبيرة فيما يحدث من تراجع الناس عن الاستمرار في الطاعات يرجع إلى نوعية خطاب الدعاة والخطباء والوعاظ؛ فهم يركزون اهتمامهم فقط بالمدة الرمضانية؛ ولا يثيرون اهتمامات الناس إلى ما بعد رمضان الذي هو الأساس، حتى يعتقد الناس –من غير قصد- أن العبادة مرتبطة فقط بشهر الصيام؛ بحيث يركز بعض الدعاة على المقولة التي أصبحت خارقة [الذي لا يصلي صومه لا يقبل]، ولكن نتيجة هذه التوعية أن الناس يتركون الصلاة بعد رمضان". وتضيف الفتاة نوال -طالبة-: "لقد حضرت لمحاضرة دينية هذه الأيام، وكان كلام المحاضر كله حول 30 يوما من رمضان: قراءة القرآن في رمضان، التراويح في رمضان، الصدقات في رمضان، غض البصر في رمضان، ولكن أن نحافظ على هذه الأعمال بعد رمضان فهذا لم يتطرق إليه، مع أنها بالأهمية بمكان، وكذلك شأن القائمين على المساجد لا يقومون بدورهم التوجيهي كما يجب؛ فأنا أندم أحيانا على دخولي المسجد الخاص بالنساء حيث تجد الصفوف في الصلاة معوجة وكثرة اللغو أثناء الدرس وبعده". وفي هذا السياق يعلق الدكتور محمد أبو الفتح البيانوني على مثل هذه الغفلات قائلا: "غفلة بعض الدعاة عن الإفادة من السنن الربانية الثابتة في حياة الدعوات، أو ضعف تعاملهم معها.. هو ما أوقع كثيرا منهم في التخبط والاستعجال للنتائج من جهة، وفي اليأس والقنوط من جهة أخرى، كما ترك أثرا كبيرا في بناء الدعوات المعاصرة وحركتها، وأخّرها عن الوصول إلى أهدافها". ويضيف قائلا: "وجود الأخطاء الدعوية أمر طبيعي؛ نظرًا للضعف البشري وقصوره، ولكن المستنكر في ذلك تكرار الخطأ وعدم الإفادة من التجارب السابقة.. فكم من أخطاء دعوية تتكرر من زمن إلى آخر أو في موطن بعد آخر دون تحرز منها. والمراد بفلان -على مختار أكثر الشارحين، منهم البحراني- أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وعلى مختار بعض الشارحين: عمر الفاروق رضي الله عنه، فذكر علي رضي الله عنه عشرة أوصاف، من أوصاف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فلا بد من وجودها، ولما ثبتت هذه الأوصاف له بعد مماته بإقرار علي رضي الله عنه، فما بقي في صحة خلافته شك.
(2) وفي "كشف الغمة" الذي هو تصنيف علي بن عيسى الأردبيلي الإثنا عشري الذي هو من الفضلاء المعتمدين عند الإمامية: (سئل الإمام جعفر عليه السلام عن حلية السيف: هل تجوز؟ فقال: نعم، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. فقال الراوي: أتقول هكذا؟ فوثب الإمام عن مكانه، فقال: نعم الصديق، نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل له: الصديق، فلا صدّق الله قوله في الدنيا والآخرة).
فثبت بإقرار الإمام الهمام أن أبابكر الصديق رضي الله عنه صديق حق، منكره كاذب في الدنيا والآخرة.
(3) ووقع في بعض مكاتيب علي رضي الله عنه -على ما نقل شارحو نهج البلاغة- في حق أبي بكر وعمر رضي الله عنهما هكذا: "لعمري إن مكانهما من الإسلام لعظيم، وإن المصاب بهما لحرج في الإسلام شديد، رحمهما الله، وجزاهما الله بأحسن ما عملا".
(4) ونقل صاحب "الفصول" الذي هو من كبار علماء الإمامية الإثنا عشرية عن الإمام الهمام محمد الباقر رضي الله عنه هكذا: "إنه قال لجماعة خاضوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم: ألا تخبروني.. أنتم من المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم، يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وينصرون الله ورسوله؟ قالوا: لا. قال: فأنتم من الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم؟ قالوا: لا. قال: أما أنتم فقد برئتم أن تكونوا أحد هذين الفريقين، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: 10].
فعندما قرر المسلمون خوض الانتخابات فعلوا ذلك بناء على معرفة مسبقة بأن النظام الذي ينشطون من خلاله ليس نظاماً إسلاميًا، وأنهم فعلوا ذلك بناء على اتفاق ضمني أو صريح مع الأحزاب الأخرى ومع الناس داخل النظام أن قواعد النظام يجب أن تحترم. أي أن قبول المسلمين لمنطلقات النظام الديمقراطي عبارة عن عهد يجب أن يتقيدوا به، ليس فقط من قبيل الاحترام المتبادل بين مختلف الأطراف، ولكن لأن الإسلام يصر على احترام العهود والمواثيق. فمثلاً يقول سبحانه وتعالى: "إن الذين آمنوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير" (الأنفال، 72) وتنص آية: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا." (الإسراء، 34) وهناك آيات كثيرة تؤكد على احترام العهود والمواثيق. وبإمكان المسلمين أن يحوّلوا النظام الديمقراطي إلى إسلامي بحسن أدائهم والعودة إلى القرآن الكريم ليستوعبوا أن الإسلام دين انطلاق وليس دين كهنوت قهري. فالخائض في الصديق والفاروق وذي النورين رضي الله عنهم خارج من الفرق الثلاثة الذين مدحهم الله بشهادة الإمام الهمام رضي الله عنه.
(5) وفي التفسير المنسوب إلى الإمام الهمام الحسن العسكري رضي الله عنه وعن آبائه الكرام: (إن الله أوحى إلى آدم ليفيض على كل واحد من محبي محمد وآل محمد وأصحاب محمد: ما لو قسمت على كل عدد ما خلق الله في طول الدهر إلى آخره، وكانوا كفارا، لأداهم إلى عاقبة محمودة، وإيمان بالله، حتى يستحقوا به الجنة، وإن من يبغض آل محمد وأصحابه أو واحدا منهم يعذبه الله عذابا لو قسم على مثل خلق الله لأهلكهم أجمعين).
فعلم أن المحبة إنما تكون بالنسبة إلى الآل والأصحاب رضي الله عنهم لا بالنسبة إلى أحدهما، وإن بُغض واحد من الآل والأصحاب كاف للهلاك، نجانا الله من سوء الاعتقاد في حق الصحابة والآل رضوان الله عليهم أجمعين، وأماتنا على حبهم، ونظرا إلى الآيات الكثيرة والأحاديث الصحيحة اتفق أهل الحق على وجوب تعظيم الصحابة رضي الله عنهمv[5].
المصارحة بالحكمة
ومن مبادئ الحوار الإسلامي الإسلامي أن يصارح بعضنا بعضا بالمشاكل القائمة، والمسائل المعلقة، والعوائق المانعة، ومحاولة التغلب عليها بالحكمة والتدرج والتعاون المفروض شرعا بين المسلمين بعضهم وبعض.
فليس من الحكمة أن نخفي كل شيء، أو نسكت عنه، أو نؤجله وندعه معلقا دون أن نجرؤ على إثارته أو الكلام فيه؛ فهذا لا يحل مشكلة، ولا يقدم علاجا، أو يقرب بين الفريقين خطوة واحدة.
من ذلك ما ذكرته للإخوة من علماء الشيعة حين زرتهم في إيران، وهو أن من المهم أن نراعي (فقه الموازنات) و(فقه الأولويات) في العلاقة بين بعضنا وبعض. فقد يتراءى للبعض أن ينشر المذهب الشيعي في البلاد السنية الخالصة مثل مصر أو السودان، ورأيي أن هذا عمل ضرره أكبر من نفعه؛ لأنه يثير فتنا وبلبلة في مجتمع واحد مستقر على السنة، ويحدث توترا وغضبا ضد الشيعة، في حين لا تكسب للشيعة من وراء ذلك إلا أفرادا معدودين هم في غنى عنهم. وهذا ما جعل عديد الأطراف الخارجية تعبر عن قلقها من هذا الموقف المناهض لحرية المعتقد، فالبيت الأبيض اعتبر عن طريق مسئول الحريات الدينية في الخارجية أن الحجاب وما سواه من المظاهر الدينية يجب أن يكون متاحا، كما عبر التقرير السنوي للوزارة حول الحريات الدينية عن قلقه وانشغاله بالعقبات التي تضعها فرنسا لحرية المعتقد. فأيهما أرجح في ميزان المصالح الحقيقية: إثارة شعب بكل فئاته ضد المذهب أم كسب أفراد منه؟
وأذكر أني تكلمت في هذا الموضوع، وكان العلامة الشيخ التسخيري حاضرا، فقال: صدقت والله، ولنا في ذلك تجربة حية؛ فقد كانت علاقتنا جيدة مع (ثورة الإنقاذ) في السودان، وفتحنا مكتبا هناك وتصرف مدير المكتب تصرفا أثار الإخوة هناك، بأن وزع عدة مئات من كتاب عنوانه (ثم اهتديت) على لسان رجل كان سنيا ثم تشيع، فما كان من الإخوة في الخرطوم إلا أن أغلقوا المكتب نهائيا، وطردوا مديره.
ومن هنا أقول: ينبغي للشيعة ألا يحاولوا نشر المذهب الشيعي في بلاد السنة الخالصة، ولا لأهل السنة أن ينشروا مذهبهم في البلاد الخالصة للمذهب الشيعي، إبقاء على الود، واتقاء للفتنة.
ومما صارحت به الإخوة في إيران ضرورة مراعاة حقوق الأقلية السنية بين الشيعة، أو الحقوق الشيعية بين السنة. فمثلاً أنظر الآيات التالية: "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين" (سورة ص، 75-83). وكان مما قلته للإخوة هناك أن في مصر أقلية قبطية، ولهذا يراعى في كل حكومة أن يكون لها وزيران أو ثلاثة على الأقل.
وفي إيران أقلية كبيرة من أهل السنة من الأكراد ومن العرب، وهم شافعية، ومن البلوش وهم حنفية، ولكنهم لا يمثلون في الحكومة ولا بوزير واحد، وكل المحافظين الذي يولون عليهم من الشيعة. فقيل لي: هم ممثلون في مجلس الشورى، قلت: ولكن ليس بنسبة عددهم، على أن مجلس الشورى شيء، ومجلس الوزراء شيء آخر.
ومما قلته للإخوة أيضا في إيران: إن أهل السنة في طهران يقدرون بمليونين أو أكثر، وهم يطالبون منذ سنين بإقامة مسجد لهم، يجتمعون فيه لأداء فريضة صلاة الجمعة، ويشاركهم في ذلك السفراء العرب والمسلمون، فلم تستجب السلطات لهم حتى الآن.
وهي - بالنسبة للمجتمع - فريضة كفائية، يأثم المجتمع كله إذا لم يقم من أبنائه عدد كاف يسد كل الثغرات، ويلبي كل الحاجات، التي يتطلبها المجتمع في كل مجالاته المدنية والعسكرية. إن مما تميز به الإسلام عن غيره من الأديان الأخرى، هو احترامه للعقل، ودعوته إلى النظر والتفكير، وحثه على العلم والتعلم، وإشادته بالعلماء وأصحاب العقول، وحملته على الجمود والجهل، وتمجيده للقراءة والكتابة والقلم، من أول آيات أنزلت من القرآن. قال لي أحد المشايخ: ولماذا لا يصلي أهل السنة مع الشيعة في مساجدهم؟ قلت: إن صلاة الجمعة ليست مطلوبة عند الشيعة طلبها عند أهل السنة ما دام الإمام غائبا، ولهذا لا تقام جمعة في طهران إلا في مسجد واحد هو مسجد الجامعة.
على أن من حق كل طائفة أن تصلي في المسجد الذي يحقق مطالبها، ولا يجوز أن يفرض على الناس ما يخالف معتقداتهم ومذاهبهم.
وفي مصر جمعية دينية معروفة، هي (الجمعية الشرعية) التي أسسها العلامة الشيخ محمود خطاب السبكي، وهذه لها مساجدها الخاصة بها، تبنيها على طريقتها وذوقها، فليس لها مآذن في العادة، ومنبرها من ثلاث درجات، ولهم فيها صلاة طويلة في القراءة والتسبيح والركوع والسجود، ينفردون بها عن غيرهم. ولم ينكر أحد في مصر لا من العلماء ولا من غيرهم حق الجمعية الشرعية في إقامة هذه المساجد، وإقامة الصلاة بها على الوجه الذي يرضونه.
والوضع الآن في العراق -بعد زوال حكم الطاغية صدام حسين، وسقوط النظام البعثي- يجب أن تعالج العلاقة بين السنة والشيعة بالمصارحة اللازمة في هذه الآونة الخطيرة، وأن يراعى العدل في اقتسام تركة البعث. فالحق أن أهل السنة في العراق يشكون من أن إخوانهم الشيعة يريدون أن يرثوا التركة وحدهم، ولا يكادون يتركون للسنة إلا الفتات. حتى المساجد التي في مناطق أهل السنة استولى عليها الإخوة الشيعة، ومنها: مسجد صدام الكبير، الذي بني في منطقة ليس فيها شيعي واحد!
وحجة الشيعة: أن "صدام" كان سنيّا، وأنه مالأ أهل السنة. وهذا قول مردود. وعقلاء الشيعة يعرفون ذلك. فلم يكن صدام بالسني ولا بالشيعي، ولا علاقة له بالإسلام. وعلاقته بالإسلاميين -عسكريين ومدنيين، سنيين وشيعيين- دموية. فلم يكن يهتم بالدين أصلا، لا عقيدة ولا شريعة، ولا قيمًا ولا أخلاقًا. فنسبته إلى السنة ظلم، ومعاقبتهم بسبب طغيانه أمر منكر؛ فقد أصاب العراق كله منه شر كثير، أصاب العرب والأكراد، وأصاب الشيعة والسنة جميعا.
البعد عن شطط الغلاة
ومن المبادئ التي تجب رعايتها في حوار المسلمين بعضهم مع بعض.. لقد ارتبط العلاج بالقراءة منذ مطلع القرن التاسع عشر بتطور الخدمات المكتبية في المستشفيات خاصة مستشفيات الأمراض العقلية في الولايات المتحدة، ولكن على وجه العموم يعتبر العلاج بالقراءة ثمرة هامة من ثمرات النصف الأول من القرن العشرين، مع ازدياد عدد المستشفيات الداخلة إلى مجال القراءة العلاجية، ومع زيادة عدد مكتبات المستشفيات التي أصبحت مراكز للتدريب على أعمال العلاج بالقراءة. وخلال الحرب العالمية الأولى لقيت عمليات العلاج بالقراءة دفعة قوية ممارسة وتنظيرا؛ فقد قام المكتبيون والأشخاص العاديون وعلى رأسهم الصليب الأحمر واتحاد المكتبات الأمريكية ببناء المكتبات وتجهيزها بالمجموعات في المستشفيات العسكرية. البعد عن شطط الغلاة والمتطرفين من كلا الفريقين، الذين يثيرون الفتن في حديثهم إذا تحدثوا، وفي كتابتهم إذا كتبوا، وإذا كانت الفتنة نائمة أيقظوها، أو ساكنة حركوها، أو ضعيفة تبرعوا لها من دمائهم حتى تحيا وتقوى.
فبعد أن حررته الأديان من عبودية المجتمع، وعبودية الفرد، ليتجه إلى الله وحده، عاد الإنسان إلى سجن المجتمع، فتضاءل ليصبح مجرد (نملة اجتماعية) في مجتمع النمل!!". وقال أيضًا: "لقد استطاعت الأديان أن تُعلِّم الإنسان أنه ليس حشرة اجتماعية. ولكنه إنسان ذو كرامة وإدراك واختيار. ولن تستطيع الأيديولوجيات أن تنسيه هذه الحقيقة. لأنها لا تستطيع أن تحقق له الانعتاق الروحي الذي منحته له الأديان". وقد خلص توينبي إلى أن: "الدين هو قلب الحياة للإنسان، وهو جوهر الحياة للإنسانية، هو النور الذي يغمر القلوب، فلا غنى للإنسان عن الدين. إن المعوّل عليه هنا هم: المعتدلون من أهل البصيرة والحكمة، الذين لا يتشنجون، ولا يتنطعون، وينظرون إلى الأمور بهدوء وعقلانية ووسطية، لا ينظرون إلى الأمر من زاوية واحدة، بل من جميع زواياه، ولا يكتفون بالنظر إلى السطح، بل يحاولون أن يغوصوا في الأعماق، ولا يقتصرون على آثاره اليوم، بل يمتدون ببصرهم إلى المستقبل، وهؤلاء هم الذين رزقوا (الفقه) بمعناه الواسع.. ونعني به: فقه السنن، وفقه المقاصد، وفقه المآلات، وفقه الموازنات، وفقه الأولويات.
إننا إذا نظرنا في ضوء هذا الفقه الرحب المنشود نجد أن المصلحة تقتضي توحيد المسلمين في مواجهة القوى الكبرى المتربصة بهم، والمعادية لهم، ويكفي أن يتوحدوا أو يتجمعوا على (الحد الأدنى). وأدنى الحدود هو: (ما يصير به المسلم مسلما). وإنما يصير مسلما بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومعنى هذا: أن أهل لا إله إلا الله، وبعبارة أخرى (أهل القبلة) أي الذين يتجهون في صلاتهم إلى القبلة يجب أن يتحدوا ويجتمعوا في صورة من الصور.
إن الأمة لا تستطيع أن تواجه أعداءها وهي متفرقة، ولا تستطيع أن تحقق أهدافها وهي متفرقة، ولا تستطيع أن تطور إمكاناتها وهي متفرقة، ولا أن تكسب لها مكانا في عالم اليوم –عالم الثورات العلمية– وهي متفرقة.
وأقل مظاهر الاتحاد: الجانب السلبي منه، وهو طرح العداوة، وترك الجفوة؛ فلا يعادي بعض الأمة بعضا، ولا يجافي بعضها بعضا، ناهيك من أن يكيد بعضها لبعض، أو يقاتل بعضها بعضا.
وإن كنا قد بينا أن المسيحية - باعتبارها دينًا - عاجزة عن القيام بهذا الدور، وأن اليهودية أشد منها عجزًا، فلم يبق غير الإسلامِ دينًا يمكنه أن يقوم بهذا الدور الخطير في هذا الزمن البائس، الذي تتلمس فيه البشرية الخلاص، وتبحث عن طوق للنجاة. ترى هل يستطيع الإسلام المعاصر أن يقوم بهذه المهمة بجدارة واقتدار؟ وأيّ الاتجاهـات الفكريـة التي نشهـدها في السـاحة اليـوم، ونــرى لها دعـاتـها وأنـصارها، هـو المرشح للقيام بهذا الدور المنشود؟ وهذا يقتضي البحث في الاتجاهات السائدة بين مفكري العالم الإسلامي. الاتجاهات السبعة السائدة في موقفها من الإسلام: سنعرض هنا بوضوح وأمانة للاتجاهات الفكرية الأساسية التي تتحدث عن الإسلام، وتتخذ منه موقفًا بالإيجاب أو بالسلب، بالقبول والولاء، أو بالرفض والعداء. ومن درس الاتجاهات الفكرية في الساحة، وموقفها من الإسلام وجدها سبـعة؛ ستـة منها نرفضها لأنها لا تمـثـل الإسـلام الحــق في رأينا، وواحد منها فقط هو الذي نؤمن به، وندعو إليه. وسنجتهد أن نعرضها هنا بإيجاز ما استطعنا، محاولين تحديد أهـم ملامحها ومعالمها، مختارين لهـا عناوين معبرة، وهي من عندنا ولم يسمها بها أصحابها طبعًا. 1- الاتجاه الاجتراري: وهو الذي يعيش على الماضي وهو يجتره، ويعيد مضغه من جديد ولا يضيف إليه شيئًا، هذا مع أنه في واقع الأمر قد مُضِغ وهُضم وامُتص من قبل؛ فالاجترار المعروف عند الأنعام له وظيفة مهمة، وهو استعادة ما أُكل بسرعة واخُتزن ولم يُمضغ جيدًا، حتى يُعاد مضغه في تؤدة وأناة. ومن أبرز مظاهر الغلو الذي يجب أن يُجتنب: السقوط في هاوية (التكفير). وهو أمر خطير، تترتب عليه آثار هائلة؛ لأن مقتضى الحكم بالكفر على إنسان: أنك حكمت عليه بالإعدام المادي والأدبي: أي أهدرت دمه، وأخرجته من الملة، وحرمته من ولاء الأمة والأسرة، حتى لو لم يقم عليه حد الردة؛ فهو ميت أدبيا ومعنويا.
الوباء العظيم ولكن هذا لا يعد شيئا أمام انتشار الأوبئة, فلم تكن تقتصر على موسم ومكان الحج, ولكنها كانت ترحل مع الحجاج إلى بلادهم, أي أنها تخرج من مكمنها الضيق إلى عالم واسع حيث تصبح الكارثة محققة, وإنصافا للحقيقة فإن مكة بريئة من تخليق هذه الأوبئة, فهي منطقة جافة, مرتفعة الحرارة دوما بصورة لا تسمح للجراثيم بالنمو والتكاثر, ولكن الالتقاء السنوي للحجاج هو الذي كان يخلق هذه المشكلة, وإذا أضفنا إلى ذلك قلة المياه وندرة النظافة الشخصية, كما أن نحر الذبائح وتركها في العراء أياما طويلة حتى تتعفن, كل هذا يقلب موازين البيئة في هذه البقعة الضيقة, وقد كانت المشكلة دوما تأتي مع حجاج الجنوب من الهند وجاوة وماليزيا وإندونيسيا الذين يحملون أمراضا مثل الكوليرا والطاعون كانت تستوطن في بلادهم بشكل دائم, وعندما يحدث الاحتكاك بينهم وبين المسلمين القادمين من الشمال مثل حجاج الشام ومصر والمغرب العربي يحدث الانتقال لهذه الأمراض المميتة. ويعد الوباء الذي حدث عام 1865م هو أكبر الأوبئة التي شهدها العالم والذي استمر فترة طويلة, فقد عادت الباخرة البريطانية (سيدني) من جدة وهي محملة بأكداس من الركاب المرضى بالكوليرا, ورغم أن القبطان الإنجليزي كان قد ألقى في البحر عشرات من الجثث إلا أنه كذب عندما وصل إلى ميناء السويس وقال للسلطات إن كل شيء على ما يرام, وبعد يومين فقط انتشر الوباء في مدينة السويس, وكانت أولى ضحاياه هو الربان وزوجته, ثم بدأ انتشار الوباء إلى كل بلدة عاد إليها الحجاج بواسطة القطار, وفي خلال ثلاثة أشهر فقط كان قد حصد 60 ألف شخص, ومن الإسكندرية تسلل الوباء إلى أوربا فاجتاحها, كما اجتاح أسيا الوسطى, بل إنه عبر المحيط الأطلسي ليستقر في مدينتي نيويورك وجودالوب, ولم يختف الوباء إلا بعد تسع سنوات كاملة. كما قلت فإن المعجزة الحقيقية كانت استمرار أداء هذه الفريضة رغم كل فخاخ الموت, أما المعجزة الثانية بحق فهي أن معظم هذه المشاكل قد انتهت وأغلقت الفخاخ أفواهها, وتقلصت أعداد الموتى إلا بسبب التدافع والزحام, إن من يشاهد تلك الأعداد الغفيرة من الحجيج التي تنام على الأرصفة والشوارع والأنفاق وحتى في المناطق الجبلية المنعزلة دون خوف, يدرك مدى الأمن والسكينة اللتين تسودان مكة الآن, كما أن مصادر المياه متوافرة ومجانية في كل مكان, وقد تحولت الدواب التقليدية إلى أساطيل من الحافلات والسيارات, وارتفعت نسبة الرعاية الصحية إلى درجة مذهلة, ورغم أن مكة واحدة من أكثر مدن العالم ازدحاما فإنها من أكثرها نظافة, ومن يعرف التاريخ ويتأمل الحاضر يدرك أن ما يحدث اليوم هو معجزة حقيقية. من يكسو الأحجار? لا يوجد منظر أشد وقعا في النفس من مشهد الكعبة المشرفة وهي مكسوة باللون الأسود الذي أصبح لونها التقليدي منذ عشرات السنين, وفي موسم الحج ترفع هذه الأستار قليلا حتى تبتعد عن الأيدي المتدافعة التي يمكن أن تمزقها, وحتى يرى الجميع أيضا أحجار البيت المتواضعة الخالية من أي زينة, وتعود بهم الذكرى إلى أصله الصحراوي. لم أستطع الاقتراب ولمس أستار الكعبة كما كنت أتمنى, فقد كان التدافع بالقرب منها مميتا, كما كانت هناك صفوف أخرى من أشخاص أنصاف عرايا يجلسون على الأرض وهم يمسكون بالاحبال التي تحيط بالكعبة حتى لا يقتلعهم الزحام, لم أتصور أنني استطعت التراجع وأنني وجدت طريقا للخروج سالما, وقد أدركت أن محاولة الاقتراب من الكعبة في موسم الحج هي مغامرة لا تحمد عقباها, ولكن الفرصة لم تضع مني كليا, فقد استطعت أن ألمس, بل وأتفحص الكسوة التي كانت ستوضع على الكعبة بعد أيام قلائل, حدث ذلك عندما قمت بزيارة مصنع كسوة الكعبة المشرفة في ضواحي مكة. كانت خيوط الكسوة من الحرير الأسود تنسج ببطء بواسطة الأنوال اليدوية, طريقة تقليدية لم تتغير منذ مئات السنين, فالخيوط من الرقة بحيث لا تحتمل عنف الماكينات الحديثة, يقف على كل نول عاملان, واحد يقذف المكوك والآخر يقوم بإرشاده للخيوط التي عليه أن ينسجها حتى تكتمل النقشة المطلوبة, للمرة الأولى ألاحظ أن هناك نقوشا على الكسوة السوداء لا نستطيع رؤيتها إلا على درجة قريبة, مربعات بارزة من نقش الجاكارد مكتوب فيها: (يالله - لا إله إلا الله محمد رسول الله - يا حنان - يا منان), وفي القاعة الأخرى كان هناك عشرات من الصناع يعكفون على تطريز الحزام الذي يحيط بالكعبة ويبلغ طوله خمسة وأربعين مترا وعرضه خمسة وسبعين سنتيمترا, كانت الخيوط المصنوعة من الفضة المطلية بالذهب تكتمل لتحيط بجدران الكعبة من كل جهة وتصبح علامة مميزة لها, كما كانت آيات سورة الإخلاص تكتب في كل زاوية من زوايا الكعبة, وتحت الحزام توجد آيات أخرى وزخارف منفصلة, ويحتوي الحزام على مجموعة من الآيات, مأخوذة من سورة الحج. ولا يقوم المصنع على مدار العام بصنع الكسوة فقط مهما كانت دقتها ورهافتها, ولكنه يقوم أيضا بعمل الستارة الخارجية التي تغطي باب الكعبة وهي أية فنية من آيات الخط العربي, كما يقوم بصنع الأستار الخضراء التي تكسو الكعبة من الداخل, وكذلك الأستار التي تكسو الروضة الشريفة في قبر الرسول [ بالمدينة المنورة, وفي نهاية الجولة التي شملت بالإضافة إلى ذلك أقسام التصميم والطباعة والصباغة سألت المشرف في جدية تامة: - هل يمكن أن أحصل على قطعة من كسوة الكعبة القديمة? قال الرجل ضاحكا ومشفقا على سذاجتي: - طبعا, احضر لي أمرا من جلالة الملك وسوف أعطيك ما تريد. إن أشد ما يعاقب به الإنسان المسلم: أن يُحكَم عليه بالكفر، وهذا باب لا يجوز فتحه لكل من هب ودب من الناس، يكفر من يشاء بغير ضابط ولا رابط ولا أصل ولا قاعدة.
إن الأصل: أن من دخل الإسلام بيقين لا يجوز أن يخرج منه إلا بيقين مثله أو أشد منه، فإن من القواعد المتفق عليها: أن اليقين لا يُزال بالشك. وقد حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم من التكفير تحذيرا بليغا، حين قال: "أيما رجل قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء بها أحدهما"i[1] أي رجعت وصمة الكفر إلى أحدهما. فإذا رميت مسلما بالكفر –ولم يكن  كافرا بيقين– ارتدت تهمة الكفر إليك، وهذا خطر جسيم.
القيم التي تحكمه في موقعه الخاص قيم ذاتية بحتة، يضعها هو لنفسه، وبالطريقة التي يراها مناسبة في نسج علاقاته الخاصة، وفي توجهه نحو اختيار الموقع العام. فإذا رأى أن الإباحية مثلاً هي القيمة العليا المحمودة فلا كوابح على ترتيب شؤونه الخاصة بهذا الاتجاه، ولا كوابح أمامه للعمل في مؤسسة أو الانتماء لجماعة تتخذ الإباحية قيمتها العليا. لقد ابتليت الأمة من قديم بداء التكفير، حتى وجد من كفر بعض الصحابة رضي الله عنهم، بل وجد من كفر فارس الإسلام، وابن الإسلام البكر، زوج فاطمة البتول، وابن عم الرسول، وسيفه المسلول: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حتى استحلوا دمه وقتلوه، وأثنى شاعرهم على قاتله:
يا ضربة من تقي ما أراد بها     إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا!
إني لأذكـره يوما فـأحسبه      أوفـى البرية عند اللـه ميزانا!!
ولقد رأينا لهؤلاء المكفرين القدامى ورثة جددا، ممن يسمونهم (جماعات التكفير) وممن لا يسمون بذلك، ولكنهم يحملون روحهم وتفكيرهم. إنهم يوزعون (تهمة الكفر) على الناس بالجملة والمفرّق، ولا يكادون يستثنون أحدا من المسلمين، ما لم يدخل في جماعتهم، ويسرْ في ركبهم.
إنهم يكفرون الحكام والمحكومين، ويكفرون العلماء والأميين، ويرتبون على هذا التكفير آثاره من استباحة الدماء والأموال، فلم تعد دماء هؤلاء ولا أموالهم معصومة، على خلاف الأحاديث الصحاح التي تقول: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله"ii[2].
ومن ذلك: حديث أسامة بن زيد الشهير الذي قتل في إحدى المعارك رجلا، بعد أن قال بلسانه: "لا إله إلا الله" فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قتلته بعد أن قال: "لا إله إلا الله؟" قال: إنما قالها تعوذا من السيف! قال: هلا شققت عن قلبه! وظل الرسول يكررها على أسامة: أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟! حتى قال أسامة: ما زال يكررها، حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم!iii[3].
وعن المقداد بن الأسود: أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار، فاقتتلنا، فضرب إحدى يدي بالسيف فقطعها، ثم لاذ مني بشجرة، فقال: أسلمت لله؟ أأقتله يا رسول الله بعد أن قالها؟ "هنا علاج الروح" "هنا بيت علاج النفس" كلمات كانت تُكتب على جدران المكتبات المصرية القديمة، مثل: مكتبة معبد رمسيس، ومكتبة معبد إدفو، مكتبة معبد دندرة، ثم ينتقل هذا الشعار إلى البابليين والآشوريين، ثم إلى الرومان واليونان.. في دلالة واضحة على أن الكتاب يمكن أن يُستخدم في علاج الروح إذا سقمت، والنفس إذا اعتلت. هكذا بدأ حديثه الأستاذ الدكتور "شعبان عبد العزيز خليفة" أستاذ المكتبات والمعلومات بجامعة القاهرة في الندوة التي عقدت بـ"مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار" التابع لمجلس الوزراء المصري، بالتعاون بين قطاع المكتبات بالمركز والجمعية المصرية للمكتبات والمعلومات، في السادس والعشرين من شهر مايو الماضي تحت عنوان: "العلاج بالقراءة"، وهو نفس عنوان ذلك المرجع الضخم الذي عكف الأستاذ الدكتور خليفة على جمع مادته طيلة عشرين عاما، ليكون بذلك أول مرجع باللغة العربية في هذا المجال الشائق الممتع. التعريف.. من هنا يبدأ الاختلاف لا تنتهي الأزمة الحقيقية في قضية العلاج بالقراءة  –كما يقول د. شعبان خليفة– بالاتفاق على تعريف محدد لهذا العمل، ولكنها في الواقع تبدأ به. فقد تعددت تعريفات العلاج بالقراءة Bibliotheraby وتنوعت بتنوع وجهات نظر واضعيها واختلاف مشاربهم؛ فالتعريف الذي يضعه الأطباء يختلف عما يرتضيه علماء النفس، ويختلف هذا وذاك عما يراه المكتبيون مناسبا. فبعض التعريفات قد تجنبت ربط الببليوثيرابيا ربطا مباشرا بالطب، واعتبرتها عاملا مساعدا في الطب البدني والنفسي، لا علاجا في حد ذاتها، بينما يرى البعض الآخر أنها -أي الببليوثيرابيا – علاج في حد ذاتها، تقف على حد سواء مع الطب البدني والنفسي، من منطلق أن من يمرض بكلمة يشفى بكلمة. وحتى لا نلقي بأنفسنا في معركة التعريفات يمكننا أن نستخلص هذا التعريف العام الذي يعرف الببليوثيرابيا بأنها "علاج المرض باستخدام الكتب وغيرها من مواد القراءة". ويقسم الدكتور شعبان خليفة الأمراض التي تصيب الإنسان إلى أربع فئات في مقابل أربعة أنواع من العلاج؛ فهناك المرض البدني البحت الذي يعالج بالعقاقير والجراحة فقط، وهناك المرض الروحي البحت الذي يعالج كلية بالقراءة، وهناك المرض النفسبدني الذي يعالج بالقراءة والعقاقير معا، وهناك المرض البدني النفسي الذي يعالج بالعقاقير والقراءة معا. فقال رسول الله: "لا تقتله" فقال: يا رسول الله، إنه قطع إحدى يدي ثم قال ذلك بعد قطعها! فقال رسول الله: "لا تقتله"، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال"iv[4].
ذلك أن الإسلام يَجُبُّ ما قبله من الكفر وأعماله، والإسلام هنا هو كلمة التوحيد، وقد قالها. واستباحة قتل الرجل بعد إسلامه يحبط عمل قاتله، والعياذ بالله.
والشريعة فيه تحل لبني إسرائيل ما تُحرِّمه على غيرهم، فالربا حرام إذا تعامل اليهودي مع مثله، أما مع غيره من الناس فهو حلال زلال. أما تعاليم التلمود فتجعل من اليهود عصابة أشبه بعصابات ألمافيا في عصرنا، تستحل دماء البشر وأموالهم وحرماتهم، باسم الدين، فكل مَن عداهم من الأُمم يجب أن يكونوا عبيدًا لهم، وأن يكون لهم السيادة على العالَم وكل من دونهم أحط من البهائم. وإذا كان في المسلمين اليوم أناس متخصصون في تكفير المسلمين جميعا: سنيهم وشيعيهم، عربيهم وعجميهم، أحيائهم وأمواتهم؛ فهناك فئة متخصصة في تكفير الشيعة دون غيرهم، وربما أضافت إليهم بعض طوائف أخرى من المسلمين.
أـ هؤلاء يقولون: إن الشيعة يؤمنون بتحريف القرآن، وأنه ناقص، وهذه العقيدة تكفي لتكفيرهم، لإنكارهم معلوما من الدين بالضرورة.
ب ـ ويقولون أيضا: إن الشيعة ينكرون السنة مصدرًا ثانيا للشريعة الإسلامية، ولا يعترفون بكتب السنة المشهورة لدى الأمة: البخاري ومسلم وغيرهما، ومثل هذا كاف لتكفيرهم، ولذلك ينكرون رؤية الله في الآخرة مما ثبت بصريح السنة.
إن القول بهذه المبدئية الصارمة والرافضة للغة الحوار والتجاذب، يحمل في حد ذاته تناقضا جوهريا مع ما حملته اللائكية في دعوتها من أنها تشكل إطارا سليما للقاء بين الأضداد وعدم الإقصاء والاستثناء، رغم أنها تأسست على أنقاض معركة شاحنة بين الجمهورية والكنيسة، بل إن علاقتها التي بنتها مع الأديان كان فيه من المرونة ولو كانت محتشمة ما جعلها تحدد أطر التفاعل رغم تضييق منابر العمل. فالفصل بين الدين والدولة، وطرد الكنيسة من الفضاء العام، وخاصة القطاع التعليمي العمومي، تولد عنه نشأة قطاع تعليمي خاص ضخم، تسهر عليه الكنيسة وتموله الدولة بضرائب المواطنين. جـ ـ ويقولون كذلك: إن الشيعة يسبون الصحابة، بل يكفرونهم، مخالفين بذلك القرآن والسنة وإجماع الأمة. وخصوصا سب الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
د ـ ويقولون أيضا: الشيعة يدّعون العصمة لأئمتهم، ولا عصمة لغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يدّعون أنهم أفضل من الأنبياء، وأنهم يعلمون الغيب.
هـ ـ ويقولون: إن الشيعة لا يعرفون توحيد الإلهية، ولذا يدعون أئمتهم وأولياءهم عند الشدائد، ويستغيثون بهم من الكروب، وينذرون لهم النذور، وإذا زاروا مشاهدهم وأضرحتهم: خروا من بعيد سجدا، لا يصلون إليها إلا زاحفين على ركبهم، وهذه كلها ضروب من الشرك الذي ينافي حقيقة التوحيد الذي جاءت به الرسل، ويوافق ما كان عليه مشركو العرب الذين قالوا عن آلهتهم وأصنامهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) وقالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى).
التوازن لا المغالاة كما اكتشفت أن هناك نوعين من المغالاة في التعامل مع المرأة: أولهما الغلو في التعامل مع خصوصية المرأة البيولوجية، وما يترتب عليه من وظائف اجتماعية، واختزال المرأة في وظائف بيولوجية واجتماعية محددة؛ حتى أصبحت المرأة كأنها أداة لتفريخ البشر وحسب، وعلى الجانب الآخر يتجلى هذا الغلو في بعض المجتمعات بانتفاء تلك الخصوصية من المرأة من أجل مساواتها بالرجل/الند، ويتم ذلك تحت شعار "تحقيق إنسانيتها". وفي الحقيقة نجد أن الحالتين لم ولن يحققا المساواة ولا تحقيق الذات للمرأة.. ونستطيع أن نرد على هذه الاتهامات كلها بأنها لا تؤدي إلى الكفر المخرج من الملة.
أـ فقد بينا أن الشيعة جميعا يؤمنون بأن ما بين دفتي المصحف كلام الله المحفوظ المعجز الملزم للأمة، ولهذا يحفظون هذا القرآن، ويتعبدون بتلاوته، ويحتجون به في مسائل العقيدة، وفروع الأحكام، وهذا مجمع عليه عندهم. ولم نجد لهم مصحفا يخالف مصحفنا، والمصحف الذي يطبع في إيران هو نفس المصحف الذي يطبع في مصر والسعودية.
وأما دعوى أن هناك أجزاء ناقصة من القرآن، فليسوا متفقين عليها، بل ينكرها محققوهم. على أن هذه الزيادات المزعومة، لا يترتب عليها أي أمر عملي.
والآن وبعد أن تقطعت الأمم إلى طوائف عدة، كل طائفة عاكفة على ما عندها، ورثته من الأجداد مقطعاً ممزقاً، وحسبته وتحسبه مقدساً... ولم تقم هي بالتقطيع والتمزيق ... تلك أمة سابقة فرحت بالتقطيع والتمزيق، فماذا يقول القرآن في نجاة هؤلاء الورثة؟ هؤلاء الورثة أنواع، وليسوا جميعاً سواءً. الأغلبية العظمى منهم تعيش حياتها في ظل طائفتها مؤمنة بالله الواحد وباليوم الآخر وتعمل الصالحات، ورثوا الدين عن آبائهم وقدسوه في قلوبهم وليسوا فلاسفة ولا علماء مقارنة بين الأديان … هؤلاء يحدثنا القرآن أن "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وهناك طائفة قليلة من ذوي الطبائع الباحثة عن الحق في دياجير الظلام والتي يخفق قلبها مخافة الله، وأفرغت نفسها باحثة عنه وفي طبائعها تواضع جم. ب ـ وأما السنة فهم يؤمنون بها مصدرا ثانيا للأحكام، ولكنهم لا يأخذونها إلا من طريق رواتهم خاصة، وهذه لا تقتضي تكفيرا مخرجا من الملة، قد تقتضي الحكم بالبدعة، لا بالكفر.
جـ ـ وأما سب الصحابة –وإن كان أمرا جللا- فلهم فيه شبهة وتأويل، يبعدهم عن الكفر الكامل، وقد يدخلون في فسق التأويل.
د ـ وأما دعوى (عصمة الأئمة) فنحن نخطئهم في ذلك، ولا نرى في هذا (كفرا بواحا) فإن ما جاء عن أئمتهم: إما أنها عندنا أحاديث نبوية، وإما أنها (آراء اجتهادية) ككثير مما روي عن فقهاء المدينة السبعة، وأمثالهم من فقهاء الحجاز والعراق واليمن والشام ومصر وغيرها، وما جاء عن الأئمة الأربعة وغيرهم، ولذا كانت ثمرة هذا كله: الفقه الجعفري بما فيه من استنباط واختلاف، وهو لا يفترق في مجموعه عن الفقه السني، إلا كما تختلف مذاهب السنة بعضها مع بعض.
هـ ـ وأما مسألة التوحيد والشرك، وما وقع فيه الشيعة من شرك العوام، فهو أشبه بما وقع فيه غالب أصحاب الطرق الصوفية عند أهل السنة، فما عند الشيعة من دعاء واستغاثة بأئمتهم موجود عند السنة بالنسبة للأولياء المقربين عندهم، وبعضهم من آل البيت مثل الحسين والسيدة زينب وغيرهما، وبعضهم من غيرهم.
ومن رأى ما يفعله عوام أهل السنة عند قبور الأولياء المشاهير مثل عبد القادر الجيلاني، وأحمد البدوي، وأحمد الرفاعي، وابراهيم الدسوقي، وغير هؤلاء.. علم أن الداء مشترك بين الجميع، مع اختلاف الدرجة في بعض الأحيان.
ويقول تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون * قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون * قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعَبَدَ الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل * وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون * وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون * لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون" (المائدة: 57 - 63). ويقول تعالى: "وجعل منهم القردة والخنازير" أي جعلهم مثل القردة نتوقع منهم أي شيء، ومثل الخنازير في حبهم للشهوات. ("محمد أسد": نقلاً عن المنار، وعن الطبري، وعن التابعي مجاهد). أولاً: ما هي الموالاة ؟ الموالاة كلمة ذات إيحاءات متعددة، منها التحالف، ومنها القدوة، ومنها النصرة، ومنها الاطمئنان إلى الجانب. ومثلها جماعة (المعهد العالمي للفكر الإسلامي) في واشنطن وفروعه، ويقوم عليه رجال ثقات، مثل: د. عبدالحميد أبوسليمان، و د.طه جابر العلواني، وإخوانهما، ويعمل المعهد جاهدًا في مشروع (إسلامية المعرفة) ولا سيما العلوم الاجتماعية والإنسانية، وقد أصدر مجموعة من الكتب القيمة والمنشورات النافعة. والإسلام في نظر هذا الاتجاه ليس إسلام عصر من الأعصار، ولا إسلام قطر من الأقطار، ولا إسلام مذهب من المذاهب، ولا إسلام فئة من الفئات. وإن كان هناك ميزة للسنة على الشيعة في هذا الجانب، وهو أن كثيرا من أهل العلم ينكرون هذه البدع ويشنعون عليها، ويدعون الناس إلى التوحيد الخالص، ولا نجد مثل هذا واضحا عند الشيعة.
وقد اتفق العلماء على تصحيح العقد السابق إذا كان فساده مبنياً على انتفاء أحد شروطه كالولي أو الشاهدين، وأجمعوا على إبطال عقود الزواج السابقة إذا كان سبب فساده راجعاً لحرمة المحل، كما لو كانت الزوجة من أقرباء الزوج بالنسب أو بالمصاهرة قرابة تجعلها محرّمة عليه، أو كان للزوج أكثر من أربع زوجات فيجب عليه أن يستبقي أربعة منهنّ ويفارق الباقي، أو كان يجمع بين زوجتين لا يحلّ له الجمع بينهما فيخيّر في استبقاء إحداهنّ .. وقد وردت في أكثر هذه المسائل نصوص نبوية صحيحة. ولا أظنّ أنّ شيخنا القرضاوي يعارض في أيّ من هذه المسائل. وكان من الطبيعي أن يلحق علماؤنا مسألة المرأة إذا أسلمت وبقي زوجها على دينه، بالعقود التي ينبغي إبطالها لحرمة المحلّ أسوة بسائر العقود المطلوب إبطالها لنفس السبب. وقد أجمع على ذلك الجمهور الأكبر منهم، وخالف العدد القليل. من هنا يمكن الاستنتاج أيضًا بأن الإرهاب الفكري حرام في الإسلام. لا يجوز أن يُمنع إنسان من التعبير عن رأيه أو من أن يُكوّن رأيًا خاصًا به أو أن يُحرم من الوصول إلى مصادر المعلومات والاطلاع على ما يتوفر وما يمكن أن يتم توفيره من مصادر. ولهذا لا يجوز أن يتعرض صاحب الرأي المخالف للقمع، سواء من ناحية التشويه الاجتماعي أو الإيذاء الجسدي أو الطرد من الوظيفة أو أي أسلوب آخر. جاء الإسلام لتحرير الناس وليس لاستعبادهم، ولتبيان الحق في مواجهة الباطل وليس لإهدار فرص المواجهة بين الحق والباطل. كما أنه لا وصاية في الإسلام ولا يوجد تفويض إلهي يمنح أحدًا الحق بإرهاب الناس واستعمال أدوات القمع ضدهم. رابعًا: حرية التنظيم ينقسم التنظيم إلى قسمين رئيسين فيما يتعلق بالأعمال العامة التي تهم الجمهور أو أي قطاع منه: تنظيم يهدف إلى تحقيق أهداف أو مصالح محدودة دون السيطرة على الأمة وإدارة شؤونها، وهذا ما يُسمَّى بمجموعة الضغط أو مجموعة المصالح المحددة، وتنظيم يسعى إلى إدارة الشؤون السياسية والعامة أو إلى إدارة الأمة. ما يحكم مسألة التنظيم هو غاية المسلم ألا وهي إقامة الأمة الإسلامية التي يستطيع من خلالها تطبيق أمور دينه والارتقاء إيمانيًا وماديًا. من خلال الأمة تتحقق فرص العمل الجماعي الذي يقود إلى التقدم والعطاء والبناء وإلى تقديم النموذج الاجتماعي والإنساني للعالم غير المسلم. من أقوال الشيعة المعتدلين:
وينبغي لنا في حوارنا الإسلامي الإسلامي، لكي يؤتي ثمرته في التقريب بين أبناء الأمة أن نشيع أقوال المعتدلين من الفريقين، كما نغض الطرف عن أقوال الغلاة والمهيجين، الذين يريدون أن يؤججوها نارا حامية، لا تبقي ولا تذر، كأنما هي سقر، اللواحة للبشر.
وعلى هذا المنوال أنقل هنا ما ذكره العلامة الشيخ رحمة الله الهندي الكيرانوي من أقوال عن أئمة الإثنا عشرية في عصمة القرآن من التحريف والتبديل، ذكرها ليرد بها على المبشرين من دعاة التنصير الذين شككوا في القرآن بدعوى أن الشيعة يقولون بنقصانه وتحريفه، فنقل عنهم ما نقل، لرد هذه الدعوى، بشهادة شهود من أهلها.
قال رحمه الله:
(وأما الجواب عنه تحقيقا فلأن القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإمامية الإثنا عشرية محفوظ عن التغيير والتبديل، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه؛ فقوله مردود غير مقبول عندهم.
1ـ قال الشيخ الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه، الذي هو من أعظم علماء الإمامية الإثنا عشرية في رسالته الاعتقادية: "اعتقادنا في القرآن أن القرآن الذي أنزل الله على نبيه هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس ليس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة، وعندنا الضحى وألم نشرح سورة واحدة، ولإيلاف وألم تر كيف سورة واحدة، ومن نسب إلينا أنا نقول: إنه أكثر من ذلك فهو كاذب) انتهى.
2ـ وفي تفسير (مجمع البيان) الذي هو تفسير معتبر عند الشيعة (ذكر السيد الأجل المرتضى، علم الهدى ذو المجد، أبو القاسم علي بن الحسين الموسوي أن القرآن كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجموعا مؤلفا على ما هو الآن، واستدل على ذلك بأن القرآن كان يدرس ويحفظ جميعه في ذلك الزمان حتى إن جماعة من الصحابة كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم عدة ختمات، وكل ذلك بأدنى تأمل يدل على أنه كان مجموعا مرتبا غير منشور ولا مبثوث، وذكر أن من خالف من الإمامية والحشوية لا يعتد بخلافهم، فإن الخلاف مضاف إلى قوم من أصحاب الحديث نقلوا أخبارا ضعيفة ظنوا صحتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته) انتهى.
3ـ وقال السيد المرتضى أيضا: (إن العلم بصحة القرآن كالعلم بالبلدان والحوادث الكبار، والوقائع العظام المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإن العناية اشتدت، والدواعي توفرت على نقله، وبلغت حدا لم تبلغ إليه فيما ذكرناه؛ لأن القرآن معجزة النبوة، ومأخذ العلوم الشرعية والأحكام الدينية، وعلماء المسلمين قد بلغوا في حفظه وعنايته الغاية، حتى عرفوا كل شيء فيه، من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته؛ فيكف يجوز أن يكون مغيّرا أو منقوصا مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟) انتهى.
4ـ وقال القاضي نور الله الشوستري الذي هو من علمائهم المشهورين، في كتابه المسمى بمصائب النواصب: (ما نسب إليه الشيعة الإمامية بوقوع التغير في القرآن ليس مما قال به جمهور الإمامية، إنما قال به شرذمة قليلة منهم لا اعتداد بهم فيما بينهم) انتهى.
5ـ وقال الملا صادق في شرح الكليني: (يظهر القرآن بهذا الترتيب -المعروف الآن- عند ظهور الإمام الثاني عشر ويشهر به) انتهى.
6ـ وقال محمد بن الحسن الحر العاملي، الذي هو من كبار المحدثين في الفرقة الإمامية، في رسالة كتبها في رد بعض معاصريه: (هركسيكه تتبع أخباره وتفحص تواريخ وآثار نموده بعلم يقيني ميداندكه قرآن درغاية وأعلى درجة تواتر بود وآلاف صحابة حفظ ونقل ميكردندآن راودر عهد رسول خدا صلى الله عليه وسلم مجموع ومؤلف بود) انتهى.
فظهر أن المذهب المحقق عند علماء الفرقة الإمامية الإثنا عشرية أن القرآن الذي أنزله الله على نبيه هو ما بين الدفتين، وهو ما في أيدي الناس، ليس بأكثر من ذلك، وأنه كان مجموعا مؤلفا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحفظه ونقله ألوف من الصحابة وجماعة من الصحابة، كعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم عدة ختمات، ويظهر القرآن ويشهر بهذا الترتيب عند ظهور الإمام الثاني عشر رضي الله عنه، والشرذمة القليلة التي قالت بوقوع التغير؛ فقولهم مردود، ولا اعتداد بهم فيما بينهم، وبعض الأخبار الضعيفة التي رويت في مذهبهم لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته، وهو حق؛ لأن خبر الواحد إذا اقتضى علما، ولم يوجد في الأدلة القاطعة ما يدل عليه وجب رده، وعلى ما صرح ابن المطهر الحلي في كتابه المسمى بـ"مبادئ الوصول إلى علم الأصول"، وقد قال الله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9] في (تفسير الصراط المستقيم) الذي هو تفسير معتبر عند علماء الشيعة: (أي: إنا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان) انتهىv[5].
من أقوال أهل السنة المعتدلين:
وكما حبذنا النقل عن المعتدلين من علماء الشيعة ينبغي أن نحبذ النقل عن المعتدلين من أهل السنة؛ مما يخفف حدة التوتر، ويساعد في التقريب بين الفريقين.
من ذلك: ما ذكره علامة المتأخرين من علماء الحنفية ابن عابدين في حاشيته الشهيرة، المسماة (رد المحتار على الدر المختار) في قضية (ساب الشيخين) الذي أفتى بعضهم فيها بكفره، بل قال: إنه لا توبة له لو أراد التوبة: فقد ذكر الحصكفي في كتابه (الدر المختار شرح تنوير الأبصار) نقلا عن (الجوهرة) من كتب الحنفية: أن من سب الشيخين (أبا بكر وعمر) أو طعن فيهما كفر، ولا تقبل توبته. وبه أخذ الدبوسي وأبو الليث، وهو المختار للفتوى. انتهى. قال: وجزم به في (الأشباه) يعني: ابن نجيم في كتابه (الأشباه والنظائر) وأقره المصنف (صاحب تنوير الأبصار) قائلا: وهذا يقوي القول بعدم قبول توبة ساب الرسول صلى الله عليه وسلم. وهو الذي ينبغي التعويل عليه في الإفتاء والقضاء، رعاية لجانب حضرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. اهـ.
قال الشارح في (الدر المختار): لكن في (النهر) وهذا لا وجود له في أصل (الجوهرة) وإنما وجد على هامش بعض النسخ، فألحق بالأصل، مع أنه لا ارتباط له بما قبلهvi[6]. انتهى.
وعلق على ذلك العلامة ابن عابدين في حاشيته الشهيرة، فقال: (قوله: لكن في النهر.. إلخ) قال السيد الحموي في حاشية الأشباه: حكي عن عمر بن نجيم: أن  أخاه أفتى بذلك، فطلب منه النقل، فلم يوجد إلا على طرّة الجوهرة. اهـ.
هذه اللحظة التي تعيشها الأقلية المسلمة في فرنسا خاصة وفي بلاد الغرب عامة، تظهر مدي ما يحمله هذا الواقع الجديد من خاصيات ومميزات تدفع إلى الإسراع بإنشاء فقه للأقليات لا يكتفي بدور النصيحة والإفتاء ودعها حتى تقع، ولكن يفرض الجرأة على خوض هذه التجربة المصيرية والهامة في مستوي الفروع، فإذا كان هذا الفقه جزء من الفقه العام، فإنه يجب أن يتميز عليه بواقعه الذي يتنزل فيه وبخصوصية أوضاع طالبيه. إن بروز فقه جديد بقواعد جديدة يعبر عن حالة جديدة لم يعرفها الإسلام سابقا، حيث أصبح قلة في كثير، يعتبر أمرا ضروريا وحاسما لاندماج هذه الأقليات في أوطانها الجديدة مع احترام قوانين بلدانها دون تفسخ أو اندثار أو انعزال. - أصبحت المرأة رمزا للإسلام وهي حقيقة جديدة ومكسبا لم يكن يحلم به أصحاب المشروع نفسه، فحقوق المرأة ودورها الاجتماعي كان الثلمة التي يجب رتقها، وحلقة الضعف الرئيسية في الخطاب الإسلامي وممارساته. كانت دونية المرأة وحقوقها المهضومة عنوانا سلبيا للإسلام عند الضفة الأخرى، وببروز الحجاب ودخوله معترك المطالب النسوية والحقوق الشخصية، وتبنيه كوسيلة تحرير للمرأة من تقاليد العزلة والانسحاب، و من خطاب الإبعاد والإقصاء، وممارسات الدونية والاستخفاف، وتأويلات قرون الانحطاط والسقوط، لتصبح المرأة المتحجبة صورة حية للمرأة الحرة التي لها رأيها في الشأن الخاص والعام. (وأقول: على فرض ثبوت ذلك في عامة نسخ الجوهرة، لا وجه له يظهر، لما قدمناه من قبول توبة من سب الشيخين، بل لم يثبت ذلك عن أحد من الأئمة فيما أعلم. اهـ.
ونقله عنه السيد أبو السعود الأزهري في حاشية الأشباه.
لقد كان ثمة إدراك دائم لشروط النهضة والبقاء على شاهد الأمم، والذي حدث تمثل في فقدان حركة المراجعة التي تقول لقادة الأمة وزعمائها: إن المتغيرات والمستجدات جعلت من المسير في الطريق القديمة أمرًا محفوفًا بالمخاطر، وإن على الربان أن يتخير طريقًا جديدًا وفق اعتبارات موضوعية، وليس ترك العجلة تدور من دون وعي بمسارها، وبالعراقيل التي من الممكن أن تحيد بالعربة وسائقها عن المسار المنشود والمتوقع. أقول: نعم نقل في البزازية عن الخلاصة: أن الرافضي إذا كان يسب الشيخين ويلعنهما فهو كافر، وإن كان يفضل عليا عليهما فهو مبتدع. اهـ. وهذا لا يستلزم عدم قبول التوبة.
على أن الحكم عليه بالكفر مشكل، لما في (الاختيار): اتفق الأئمة على تضليل أهل البدع أجمع وتخطئتهم، وسب أحد من الصحابة وبغضه لا يكون كفرا لكن يضلَّل.. إلخ.
وثانيًا: لبَلْورة الرؤية الإسلامية، ورسالتها العالمية، وأن بإمكانها أن تشكل مدخلاً نظريًّا لإنقاذ أنفسنا من متواليات الاختراقات المجتمعية، وإنقاذ الآخر من أزماته التي تعصف به، على المستوى الاجتماعي والنفسي على الأقل، الذي ربما يكون الجانبَ الوحيدَ الذي لا يقع في كثير من الإشكاليات المشار إليها بداية، ويقترب فيه واقع المسلمين -وإن بدرجات متفاوتة- من قيم الوحي التي تشكل أنموذجًا عالميًّا ينبغي عولمته. وسام فؤاد: الثقة في الذات مفتاح البعث الحضاري هذا العنوان بالغ الأهمية؛ إذ إنه يلخص جملة القول في تبرير إعادة طرح السؤال: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" مرة أخرى. من خلال استقراء كتابات بعض مفكري الأمة ذوي الاهتمام بالموضوع الذي بين أيدينا: موضوع البعث الحضاري للأمة حاملة رسالة الهدى للعالمين، وجدنا أنهم قد حددوا شروطًا ثلاثة للنهضة. تلك الشروط هي: الشرط الأول: حركة المراجعة: الشرط الأول يتمثل في توفر حركة مراجعة فكرية، بما تمثله هذه الحركة من موارد ذهنية للأمة، عبر آليات النقد، والتجديد، والاستشراف. وذكر في (فتح القدير): أن الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم ويكفرون الصحابة: حكمهم عند جمهور الفقهاء وأهل الحديث حكم البغاة، وذهب بعض أهل الحديث إلى أنهم مرتدون.
قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدا وافق أهل الحديث على تكفيرهم. وهذا يقتضي نقل إجماع الفقهاء.
وذكر في المحيط: أن بعض الفقهاء لا يكفر أحدا من أهل البدع، وبعضهم يكفرون البعض، وهو من خالف ببدعته دليلا قطعيا، ونسبه إلى أكثر أهل السنة، والنقل الأول أثبت، وابن المنذر أعرف بنقل كلام المجتهدين. نعم يقع في كلام أهل المذهب تكفير كثير، ولكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من كلام غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء، والمنقول عن المجتهدين ما ذكرنا. اهـ.
فلا غرو أن وجدنا من القسس في كنائس عدة في أوربا وأمريكا من يزوج الرجال بالرجال، والنساء بالنساء، خلافًا لفطرة الله التي فطر عليها الناس، والتي دعت الديانات السماوية جميعها إلى رعايتها. ورأينا بعض هؤلاء القسيسين يستخدم بعض الأغاني المثيرة للجنس في كنيسته لجذب الشباب إليها، والغاية تبرر الوسيلة (لديهم). خامسًا: إن جمهرة المسيحيين الغربيين اليوم في أوربا وأمريكا - كما تدلّ الإحصائيـات، وكما تظهر المشاهدات - ليسوا في الواقع مسيحيين إلا بالاسم أو بالميراث، أو بالجغرافيا، أي بالعيش في بلاد المسيحيين. إنهم لا يعتنقون المسيحية لا عقيدة ولا سلوكًا، وكثيرًا ما يسأل الواحد منهم عن عقيدته، فيجيب: "لم أفكر في هذا الأمر، لأنه لا يعنيني". إنهـم لا يشـغلـون أنفسهم بالتفـكير في الألوهـية ولا في النـبـوة ولا في الآخـرة، ولا في الجنة أو النار، ولا يعرفون حلالاً من حرام. إن أكبر همهم ومبلغ علمهم هو هذه الدنيا ومنافعها ولذاتها، وكأنهم يقولون ما قال الأولون: نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر، وما نحن بمبعوثين. وقد ذكـرت بعض الإحصاءات: أن نسبة الذين يرتادون الكنائس في أيام الآحاد لا تزيد عن5%. هذا مع أن كثيرًا ممن يزور الكنيسة يوم الأحد، ليس بدافع ديني خالص، بل ربما كان لتغيير رتابة الحياة، أو اللقاء بمن يحب أو بمن تحب، أو التعرف على وجوه جديدة، أو غير ذلك. قال ابن عابدين:
(ومما يزيد ذلك وضوحا ما صرحوا به في كتبهم متونا وشروحا من قولهم: ولا تقبل شهادة من يظهر سب السلف، وتقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية.
كذلك فإن ما يفرضه هذا الإيمان على العبد من شعور بالعبودية للرب الخالق الرازق المعطي المانع الضار النافع الرحمن الرحيم العزيز الحكيم يجعل الإنسان في منأى من الخوف أو القلق، والمؤمن لا يخاف فوات رزقه؛ لأنه يقرأ الآية: (وفي السماء رزقكم وما توعدون)، ولا يخاف غير الله (أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد). وقال ابن ملك في شرح المجمع: وترد شهادة من يظهر سب السلف، لأنه يكون ظاهر الفسق، وتقبل من أهل الأهواء: الجبر والقدر والرفض والخوارج والتشبيه والتعطيل. اهـ. ولقد كان لي شرف المساهمة في هذا السبيل، عندما التقينا في الستينيات في الولايات المتحدة الأمريكية بآلاف من الطلبة المسلمين من كل أنحاء العالم، وينتمون إلى فرق ومذاهب متعددة؛ منهم الشيعة ومنهم السنة. وعندما التقينا على قلب رجل واحد بالنسبة لآفاق العمل الإسلامي في الولايات المتحدة سرعان ما نسينا خلافاتنا، وصلى بعضنا وراء الآخر، وساد بيننا الفكر الإسلامي الحديث، سواء أفرزته النخبة السنية أو أفرزته النخبة الشيعية. وفي سنوات قليلة نسينا كل خلافاتنا، وسمى الشيعي ابنه عمر، ورأس جمعية الطلبة المسلمين هناك ثلاثة من الشيعة العراقيين والإيرانيين والأفغان من عام 1963 وحتى عام 1971. ولكن للأسف الشديد عندما أزور أوروبا الآن أو الولايات المتحدة أجد تياراً جديداً من جماعات التفريق بين المسلمين باسم العقيدة، يكفرون الناس جميعاً. وقال الزيلعي: أو يظهر سب السلف، يعني الصالحين منهم، وهم الصحابة والتابعون؛ لأن هذه الأشياء تدل على قصور عقله، وقلة مروءته، ومن لم يمتنع عن مثلها لا يمتنع عن الكذب عادة بخلاف ما لو كان يخفي السب. اهـ.
(ولم يعلل أحد لعدم قبول شهادتهم بالكفر كما ترى، نعم استثنوا الخطابية، لأنهم يرون شهادة الزور لأشياعهم أو للحالف، وكذا نص المحدّثون على قبول رواية أهل الأهواء، فهذا فيمن يسب عامة الصحابة ويكفرهم، بناء على تأويل له فاسد، فعلم أن ما ذكره في الخلاصة من أنه كافر: قول ضعيف مخالف للمتون والشروح، بل هو مخالف لإجماع الفقهاء كما سمعت.
وقد ألف العلامة ملا علي القارئ رسالة في الرد على الخلاصة. وبهذا تعلم قطعا أن ما عزي إلى (الجوهرة) من الكفر مع عدم قبول التوبة -على فرض وجوده في الجوهرة- باطل لا أصل له، ولا يجوز العمل به، وقد مرّ: أنه إذا كان في المسألة خلاف -ولو رواية ضعيفة- فعلى المفتي أن يميل إلى عدم التكفير؛ فكيف يميل هنا إلى التكفير المخالف للإجماع، فضلا عن ميله إلى قتله وإن تاب؟ وقد مرّ أيضا: أن المذهب قبول توبة ساب الرسول صلى الله عليه وسلم.. فكيف ساب الشيخين؟
والعجب من صاحب (البحر) -يعني: ابن نجيم- حيث تساهل غاية التساهل في الإفتاء بقتله مع قوله: وقد ألزمت نفسي أن لا أفتي بشيء من ألفاظ التكفير المذكورة في كتب الفتاوى، نعم لا شك في تكفير من قذف السيدة عائشة رضي الله عنها، أو أنكر صحبة الصديق، أو اعتقد الألوهية في عليّ، أو أن جبريل غلط في الوحي، أو نحو ذلك من الكفر الصريح المخالف للقرآن، لكن لو تاب تقبل توبته.vii[7] انتهى).
الحذر من الدسائس.. وضرورة التلاحم
ومن المبادئ المهمة هنا أيضا أن نكون على حذر من كيد أعداء الأمة، ودسائسهم التي يريدون بها أن يفرقوا جمعها، ويشتتوا شملها، ويمزقوا صفوفها؛ فلا تتوحد على غاية، ولا تجتمع على طريق.
وقد حفظنا من فلسفتهم منذ بدأ استعمارهم لبلادنا وغيرها هذه الكلمة المعبرة عن غايتهم وطريقتهم (فرّق تسد). فهم يجتهدون كي يفرقوا كلمتنا من أجل أن يحكمونا ويسودونا.
ومن المعروف أن الاتحاد قوة، بل الاتحاد يقوي القلة، والتفرق يضعف الكثرة، وما نال أعداء الأمة المسلمة منها إلا يوم تفرقت واختصمت واختلفت راياتها، وتعددت قياداتها، وتنازعوا فيما بينهم، فهيؤوا الفرصة لعدوهم أن ينفذ إليهم، وأن ينفث سمومه فيما بينهم، حتى يكيد بعضهم لبعض، ويذوق بعضهم بأس بعض، وحق عليهم قوله تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46] وقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"i[1].
وليس أغيظ لأعداء الأمة من اجتماع شملها، ووحدة كلمتها، وليس أسر لقلوبهم وأسعد لنفوسهم من اختلاف الأمة على نفسها، وتفرقها من داخلها.
فإذا رأوا الأمة قد التفت جموعها حول هدف واحد، وعقيدة واحدة، وقيادة واحدة؛ فإن هذا يسوؤهم، ويشعل جمرة الحسد والغيظ في صدورهم، ويدفعهم لأن يعملوا بكل وسيلة، وكل حيلة، لإحالة الوحدة إلى فرقة، والأخوة إلى عداوة.
وهذا ما حدث في عهد النبوة؛ حيث رأى بعض اليهود -شاس بن قيس– الأوس والخزرج، وقد جمعتهم عقيدة الإسلام، وضمتهم أخوة الإسلام، ونسوا ما كان بينهم في الجاهلية من حروب ودماء وثارات، استمرت أزمانا طويلة، بدلهم الله بالحروب سلاما، وبالمخاوف أمنا، وبالعداوات إخاء وحبا، ساء هذا المشهد الأخوي: اليهودي الخبيث، فآلى على نفسه أن يذكرهم بالجاهلية وأيامها، وما كان فيها من انتصار لفريق على فريق، وطفق ينشد الأشعار المهيجة التي أنشدها شاعر هؤلاء، فيرد عليه الآخرون بما قال شاعرهم، حتى ثارت حمية الجاهلية، وتنادى رجال الأوس: ياللأوس! ورجال الخزرج: ياللخزرج! وقال الجميع: السلاح السلاح!!
أمّا فسخ العقد فلا يكون إلاّ إذا تراضيا عليه، أو إذا حكم به القضاء سواء في دار الإسلام أو خارجه. ويجب عليها أن تطلب فسخ العقد بعد انتهاء عدّتها إذا لم يسلم. أولاً: هل يوجد في المسألة نص قاطع: أقول: في المسألة نصّان واضحان كلّ الوضوح وهما: آية البقرة وآية الممتحنة، وإن حاول البعض إخراج المسألة المطروحة من حكم هذين النصّين بالتأويل، وسأذكر فيما يلي مرتكزات هذا التأويل الفاسد. النصّ الأول: آية سورة البقرة: قال تعالى: "وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ، وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ. وَلا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا، وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ. أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِه،ِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ" (البقرة: 221). دلّت هذه الآية على حكمين: الأول: تحريم زواج المسلم من المشركة حتّى ولو أعجبته، طالما بقيت على شركها. الثاني: تحريم زواج المسلمة من المشرك حتّى ولو أعجبها وأعجب أهلها، طالما بقي على شركه. وبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل إليهم يقول: أبدعوى الجاهلية، وأنا بين أظهركم؟ دعوها، فإنها منتنة! وذكرهم الله، وتلا عليهم القرآن.. فبكوا وندموا وتابوا، وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج، وعلموا أنها نزغة شيطان.
وفي ذلك نزلت الآيات الكريمة من سورة آل عمران: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (أي بعد وحدتكم متفرقين، وبعد أخوتكم متعادين كما يدل السياق) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ (أي تتفرقون) وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.. ومثله ما رواه ابن أبي شيبة بسنده عن الحسن: أن نصرانية أسلمت تحت نصراني، فأرادوا أن ينزعوها منه، فرجعوا إلى عمر فخيرها. وروى ابن أبي شيبة بسنده أيضا عن إبراهيم (النخعي) قال: يقران على نكاحهما. وروى عنه عبد الرزاق بسنده قال: هو أحق بها ما لم يخرجها من دار هجرتها. وهذا هو نفس ما روي عن علي رضي الله عنه. وروي عن الشعبي قال: هو أحق بها ماكانت في المصر ( أي في مصرها). إلى أن قال: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُمْ مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران: 100-103].
وشاس بن قيس اليهودي القديم الذي حاول أن يفرق بين الأوس والخزرج، لا يزال موجودا بأسماء أخر، وعناوين أخر، ولكن هدفه باق ومستمر، وسيظل هو وأعوانه وأبناؤه وإخوانه يمارسون مهمتهم في الكيد لأمتنا وإغراء بعضها ببعض، وتخويف بعضها من بعض، وتبغيض بعضها لبعض. وهم يلعبون على كل حبل، وينفذون من كل ثُغرة، ليمزقوا الأمة شر ممزق، حتى تتفرق أيدي سبأ.
فأحيانا ينفذون من ثُغرة اختلاف الديانة، ليقولوا: مسلم ومسيحي، كما يفعلون في مصر.
وأحيانا ينفذون من ثُغرة اختلاف العِرْق، كما يقولون في العراق: عرب وأكراد، وفي الجزائر والمغرب: عرب وبربر.
فلا يجب على الإنسان أن يوقت نفسه كالساعة على رمضان "سأفعل"، وبعدها يوقت نفسه مجددا على أن يترك "لن أفعل والمبرر جاهز"، ودليل ذلك أنه يتكرر في كل عام. ويرجع د. بدران أسباب ظهور هذه الفئات إلى ما يلي: أ. الفهم الخاطئ للعبادات، وبالتالي ضعف الإيمان: فهناك من يعتقد أن رمضان موسم يجب استغلاله كالمواسم التجارية، ممكن أن يعملوا خلالها، ويجمعون الأموال لبقية الأشهر التي لا عمل فيها، وهذا تصور غير صحيح؛ فالصلاة في غير رمضان فرض على المسلم كما هي في رمضان، وتركهم لها لا يعني سقوطها عنهم. ب. الجو العام الذي يسود المجتمع خلال رمضان: سواء في البيوت والمدارس والجامعات والمؤسسات ووسائل الإعلام، وكذلك في المساجد ودور العبادة والأسواق؛ فالناس قبل رمضان بأشهر يقومون بالتهيؤ له، ويستعدون لاستقباله؛ فتمتلئ الأسواق بالرواد، وتقوم المؤسسات والمدارس والهيئات الحكومية والخاصة بوضع ترتيبات خاصة للشهر، وتروج وسائل الإعلام لبرامجها خلال الشهر، وتتنافس في تقديم الجديد والمميز، كما أن أوقات الدوام تتغير في رمضان، وتكثر الإجازات والحوافز التشجيعية، كل هذا المظاهر لا تلبث أن تنتهي بعد رمضان؛ وهو ما يعطي انطباعا لدى الناس بضرورة استغلال الشهر من كافة الجوانب الدينية منها والحياتية. الإنسان يتأثر ويرى الدكتور ماهر أبو زنط رئيس قسم علم النفس في جامعة النجاح الوطنية أن الإنسان بطيعته يميل للعمل الجماعي؛ إما للتقليد وإما لمجاملة الناس، وهو ما نسيمه "الالتزام الاجتماعي"، هناك بعض الأشخاص الذين لا يصلون في الأيام العادية، إلا أنهم يذهبون لصلاة الجمعة، وذات الأمر ينطبق في رمضان؛ فالذي لم يكن يصلي يرى الناس يصلون ويقرءون القرآن ويتوجهون للمساجد؛ فهناك من يتحرك عندهم الدافع الديني، ويظهر نوع من الخجل من الناس، وآخرون يتوبون، ويعودون لله بصورة فعلية، ويستمرون في العبادات بعد رمضان. كما أن الإنسان يتأثر بصورة كبيرة بالمحيطين به؛ فالطقوس الدينية والعادات والتقاليد الخاصة برمضان تسيطر على الإنسان، وتجعل التقرب لله يزداد، وتجعله وبصورة عفوية يسلك سلوكا متدينا، وإن اختفى أو قل هذا الالتزام، إلا أننا لا يمكن أن نسميه انقطاعا فهناك من يستمر بأداء الصلوات وقراءة القرآن بعد رمضان، ولكن لا يذهب للمسجد بل يصلي في البيت. ما العمل؟ وإن أردنا القضاء على هذا الظاهرة –إن صح التعبير- خاصة أنها تتكرر في كل عام، فلا يجب أن ننسى أن الإنسان بحد ذاته تقع على عاتقه المسؤولية الأولى "فردية"، بصفته من يقوم بالفعل ومن يتركه بعد ذلك، ومهما كانت الأعذار فهي بالإجماع غير مقبولة؛ لأن العبادة غير مقتصرة على رمضان؛ حيث يعقل أن يكون شهر رمضان بداية العودة وليس نهايتها، وتشجيع للزيادة في الطاعات والعبادات، وليس موسما ينتهي مع دخول أول أيام العيد. وكما تقع المسؤولية على أئمة المساجد والدعاة، خاصة أن المسجد في رمضان يغص بالمصلين ومن كافة الشرائح الاجتماعية -ومن ضمنهم طبعا من نقصدهم في مقالنا هذا- فيحسن بالإمام استغلال هذا العدد الكبير الذي يصعب جمعه في غير أيام رمضان، فاعمل أخي الداعية على ربط الناس بالمسجد وبرمضان بأسلوب جميل وبلغة بسيطة سهلة، من غير تشديد عليهم وزجرهم وتخويفهم بما قد يأتي بنتائج سلبية لا مبرر لها. وللأسف هناك بعض الدعاة والأئمة لا يحسنون استغلال المواقف؛ فيبدأ الواحد منهم بوصف من يصلون في رمضان ويتركونها بعده بـ"يا عباد رمضان" أو "من تعبدون رمضان ولا تعبدون رب رمضان"، ويقول لهم بأن صلاتهم مردودة عليهم، وصيامهم غير مقبول، ودعاءهم غير مستجاب.. وما إلى ذلك من الكلام المنفر، خاصة لمن جاء تائبا، ودخل المسجد للمرة الأولى في حياته؛ حيث تحدث عنده ردة فعل عكسية لا تحمد عقباها. إذن كيف نحدثهم؟ الجواب بكل سهولة ويسر: تحدث أخي الداعية لهم بأسلوبك المعهود؛ فلا داعيَ لأن تغيره في رمضان عما كان عليه قبله، وأن تستغل من جاء يتوب إلى الله، وتعتبره صيدًا ثمينًا للإسلام والمسلمين لا يجب تفويته، وتتدرج معه بالكلام الجميل والقصص الهادفة لمن عاد إلى الله وقبلت منه توبته. وأحيانا ينفذون من اختلاف المذهب، كما يفعلون بين المسلمين بعضهم وبعض، في العراق ولبنان ليقولوا: سني وشيعي، أو في عُمان، ليقولوا: سني وإباضي.
حتى إذا لم يجدوا شيئا من ذلك قالوا: قومي وإسلامي، أو يميني ويساري، أو ثوري وليبرالي... إلى آخر هذه التقسيمات.
ولكن المراقبين الأيقاظ يلاحظون أنهم يركزون منذ مدة على الاختلاف المذهبي بين المسلمين؛ فهم يتمنون من أعماق صدورهم أن يشعلوها فتنة تأكل اليابس والأخضر، وأن يوقدوها حربا أهلية صريحة بين السنة والشيعة؛ فقد كانت حرب العراق وإيران يغلب عليها الطابع القومي: حرب العرب والفرس، وهم يريدونها حربا دينية مكشوفة القناع بين السنة والشيعة!! يريدون أن يتحارب الجميع وهم يتفرجون، وأن يأكل بعضهم بعضا، ليتولوا وهم فرحون (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30].
ومهما تختلف الأمة بعضها مع بعض فلا يجوز بحال أن يتحول خلافها إلى قتال بعضها بعضا؛ فهذا ما حذر منه رسولهم صلى الله عليه وسلم أبلغ التحذير في حجة الوداع، حين قال: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"ii[2].
بل المفروض في الأمة المسلمة أن تكون يدا واحدة على أعدائها، كما في الحديث: "المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم"iii[3].
وإن من  أشد المصائب على الأمة: أن يصبح بأسها بينها، كما وصف الله اليهود قديما (بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى) [الحشر: 14].
ومن العقوبات القدرية الإلهية للأمم: أن يذوق بعضها بأس بعض، كما قال تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ) [الأنعام: 65].
قال شعبة: أخبرني أبو إسحاق الشيباني قال: سمعت يزيد بن علقمة يقول: إن جده وجدته كانا نصرانيين، فأسلمت جدته، ففرق عمر بن الخطاب بينهما. وليس في هذا دليل على تعجيل الفرقة مطلقا بنفس الإسلام، فلعله لم يكن دخل بها، أو لعله فرق بعد انقضاء العدة، أو لعلها اختارت الفسخ دون انتظار إسلامه، أو لعل هذا مذهب من يرى أن النكاح باق حتى يفسخ السلطان. وقد روي عن عمر في هذا آثار يظن أنها متعارضة، ولا تعارض بينها، بل هي موافقة للسنة، فمنها هذا، ومنها ما تقدم حكايته عنه أنه خير المرأة، إن شاءت أقامت عليه، وإن شاءت فارقته.ومنها ما رواه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام عن أبي إسحاق الشيباني عن يزيد بن علقمة أن عبادة بن النعمان التغلبي، كان ناكحا امرأة من بني تميم، فأسلمت، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إما أن تسلم وإما أن ننزعها منك؛ فأبى فنـزعها عمر رضي الله عنه، وقد تمسك بها من يرى عرض الإسلام على الثاني، فإن أبي فرق بينهما. (وهو القول الثاني: قول أبي حنيفة). قال ابن القيم: وهذه الآثار عن أمير المؤمنين لا تعارض بينها، فإن النكاح بالإسلام يصير جائزا بعد أن كان لازماً، فيجوز للإمام أن يعجل الفرقة، ويجوز له أن يعرض الإسلام على الثاني، ويجوز إبقاؤه إلى انقضاء العدة، ويجوز للمرأة التربص به إلى أن يسلم ولو مكثت سنين. إن الأمة -بجميع طوائفها ومدارسها ومذاهبها وعروقها وأقاليمها- مدعوة لأن تستيقظ لما يراد بها، وأن تقف مع نفسها وقفة طويلة للحساب والمراجعة، وأن تعرف من لها، ومن عليها، من صديقها ومن عدوها، وخصوصا بعد حرب العراق وما وراءها من تداعيات وآثار، وظهور أمريكا قوة وحيدة، متألهة مستكبرة في الأرض، لا تُسأل عما تفعل، ولا تسأل عما تريد.
آن للضعفاء أن يتحدوا ليواجهوا القوة الطاغية، وآن للمؤمنين أن يتحدوا ليواجهوا الفرعونية الجديدة التي تقول للناس: أنا ربكم الأعلى.
ضرورة التلاحم في وقت الشدة
وإذا جاز لبعض الناس أن يتفرقوا ويختلفوا في أوقات العافية والرخاء والنصر؛ فلا يجوز لهم بحال أن يتفرقوا في ساعات الشدة والعسرة والمحنة؛ فالمفروض أن المحن تجمع المتفرقين، وأن المصائب تجمع المصابين، وقديما قال الشاعر: عند الشدائد تذهب الأحقاد.
ونحن الآن نعاني محنا قاسية، وقوارع شديدة، في كل وطن من أوطاننا، وفي أمتنا بصفة عامة، وخصوصا بعد أحداث 11سبتمبر 2001م؛ فقد دخلت الأمة من مشرقها إلى مغربها في امتحان عسير، وموقف خطير، يستوجب منها عامة، ومن علمائها ودعاتها وفصائل صحوتها خاصة.. أن ينسوا خلافاتهم الجانبية، ومعاركهم الهامشية، ويقفوا في جبهة واحدة متراصة في المعركة التي يواجهها الإسلام وأهله؛ فعند المعركة يجب أن يتلاحم الجميع، ويتساند الجميع، ولا يعلو صوت نشاز، يفرق الأمة في ساعة الخطر، كما قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف: 4].
وإن من أشد المخاطر أن يتلاحم خصوم الأمة من أهل الكفر، ويوالي بعضهم بعضا، في حين يتباعد أهل الإيمان ويتخاذلون، وهو ما حذر منه القرآن في قوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ) [الأنفال: 73] أي إن لم يوال بعضكم بعضا، ويتكاتف بعضكم مع بعض كما يفعلون، تكون الفتنة والفساد الكبير؛ لأن معناه أن أهل الباطل يتجمعون، وأهل الحق يتفرقون، وأن هناك عملا وهنا فراغا، هذا هو الخطر كل الخطر.
وقد رأينا غير المسلمين يتجمعون ويتوحدون، على الرغم من وجود أسباب للخلاف بينهم، بعضها تاريخي، وبعضها واقعي، كما رأينا في الاتحاد الأوربي، الذي حدث بين بلاده بعضها وبعض حروب وحروب، آخرها الحربان العالميتان، اللتان سقط فيهما ملايين الضحايا، ومع هذا طرحوا هذه المآسي وراءهم ظهريا، ووجدوا مصلحتهم الكبرى في أن يتحدوا.
أم أن الخوف من الاحتواء الإسلامي للثقافة الأوروبية ولتاريخها يبرر مثل هذه القوانين ويبشر بالمزيد منها؟ الحالة الإسلامية على مفترق طرق إن الحملة الفرنسية وما سوف ينجر عنها من قوانين وأحوال تؤكد على ثلاث استنتاجات هامة ومصيرية وفريدة تتجاوز الواقع الفرنسي، لتلمس حالة الأقليات المسلمة في الغرب فقها وممارسة، و دور المرأة كإنسان وكمسلمة، والعلمانية كإطار مستقبلي مهتز كان ينشد حلولا لأطر متخلفة : - يحمل المظهر الإسلامي خاصية ذات بعدين، وظيفي ورمزي. وقبل ذلك رأينا التقارب بين المذاهب المسيحية بعضها وبعض، وبين  المسيحية عموما واليهودية، برغم العداء التاريخي بينهما، حتى أصدر الفاتيكان وثيقته الشهيرة بتبرئة اليهود من دم المسيح!
إلاّ أنّه الآن من المرجّح أن يتأخّر الحكم إلى ما بعد انتهاء فترة العدّة بسبب طول الإجراءات القضائية الحديثة، فهل تبقى الزوجيّة قائمة بكلّ مفاعيلها بما فيها حقّ الوطء؟ لم أجد فيما قرأت جواباً على هذا السؤال. لكن في مذهب الأحناف (أنّ الزوجة إذا أسلمت في دار الحرب أو في دار الإسلام تبين عن زوجها إذا لم يسلم عند انتهاء فترة العدّة) . ولكن لا بدّ أن تكرّس البينونة بحكم القضاء، فمقتضى مذهب الأحناف أنّ القاضي المسلم لو تأخّر في التفريق إلى ما بعد انتهاء فترة العدّة، فإنّ الزوجيّة باقية كعقد، لكن بدون أن يكون له حقّ الوطء. والمسلمون -وحدهم- هم الذين يختلفون ويتنازعون بعضهم مع بعض، مع توافر الكثير من أسباب الوحدة بينهم، وحسبهم أنهم جميعا من أهل القبلة، وأنهم جميعا من أهل (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، وأنهم جميعا رضوا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا.
ولقد ذكر القرآن الكريم في قصة موسى عليه السلام: حادثة فيها تبصرة وعبرة لأولي الأبصار، وهي قصة هارون عليه السلام مع قومه، حين ذهب موسى إلى مناجاة ربه أربعين ليلة، فأضلهم السامري، وأخرج لهم عجلا جسدا له خوار، فقال: هذا إلهكم وإله موسى. وأطاعه القوم وعبدوا العجل، الذي لا يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولا يهديهم سبيلا. (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه: 90،91].
ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا لما فعلوه في غيبته، وألقى ألواح التوراة في الأرض غضبا لله وللحق، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، قائلا له: (مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاَّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لاَ تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلاَ بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) [طه: 92-94].
وقد رضي موسى بهذا الجواب من أخيه، وأقره القرآن الكريم، فدل على أن ما رعاه هارون أمر له اعتباره في ميزان الدين، وهو: الحرص على وحدة الجماعة، حتى لا تتمزق، والسكوت على منكر كبير، بل هو أكبر منكر -وهو الإشراك بالله تعالى بعبادة غيره سبحانه- حرصا على وحدة الجماعة، وهو قطعا سكوت مؤقت، حتى يرجع موسى من رحلته، ويتفاهم الأَخَوان معا في علاج الموقف الخطير بما يلائمه.
بل هو كيان متميز ناجح في إنتاج نظام تشغيل فعَّال، لكنه كيان آلي، كيان مات فيه الإنسان، وحلت محله مجموعة من الآلات الظالمة الباطشة الطاغية المستكبرة التعيسة المسكينة، التي تشقى بنفسها وتسبب لكل من حولها الشقاء، برغم ما تحياه من وفرة وأريحية.. وفي هذا الإطار سيكون هذا الملف "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟" ملفًا مفتوحا.. نستكتب فيه أفاضل علمائنا، كما لن نبخل بالمساحة فيه على شباب مبدعينا. إنها بالفعل دعوة لمشاركة كل مبدع شاب في بناء هذا الملف، سواء بتقديم اقتراحات، أو بتقديم كتابات. وسوف يتم تقسيم هذا الملف إلى عدة محاور تمثل كافة الأبعاد التي نريد تغطيتها في الظاهرة محل التناول، حيث سنتناول البعد الفلسفي، والبعد السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والبيئي.. فحول ما ورد في القرآن الكريم يقول سبحانه وتعالى: "إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" (البقرة، 174)، ويقول: "إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم". (البقرة، 174) ويقول: "إن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون" (البقرة، 159). بناء على هذا، فإنه يمكن الاستنتاج بأنه لا يجوز حجب الحقيقة عن الناس وأن الحقائق يجب أن تكون في متناول الجميع. فالمسلم مثلاً لا يستطيع أن يُكوّن رأيًا صائبًا إذا لم تتوفر لديه مختلف المعلومات، ويبقى الرأي المستند على حقائق معينة دون أخرى أو على معلومات غير وافية رأيًا ضعيفًا من السهل أن ينهار أو أن يقود صاحبه إلى الفشل. بمعنى أن على المجتمع المسلم أن يعمل أولاً على إظهار القرآن تمامًا دون تحايل ودون التركيز على آيات دون أخرى، وثانيًا على توفير الفرص للاطلاع على الحقائق من مختلف الجهات والآراء. لا يملك أحد من المسلمين حق إخفاء آية لصالح آية أخرى، ولا يملك أحد حقًا في إخفاء حقيقة لصالح أخرى. ماذا يعني هذا على مستوى النشر والصحافة؟ إنه يعني أنه لا يجوز أن تعكس دار النشر أو الصحيفة أو المجلة وجهة نظر واحدة فقط، بل يجب أن تفتح صفحاتها ونشاطاتها أمام الجميع. من الممكن أن تكون هناك صحافة حزبية أو دار نشر حزبية لكنه ليس من الإسلام أن تمنع نشر الآراء المخالفة أو المغايرة. ولا يقول أحد: إن هذا كان شرع من قبلنا، فإنما يذكر القرآن هذه القصص لنأخذ منها العبرة والدروس، كما قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الألْبَابِ) [يوسف: 111].
وقال تعالى لرسوله بعد أن ذكر له عددا من أسماء رسله الكرام: (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) [الأنعام: 90]iv[4].
إن توحيد الأمة الإسلامية مطلوب في كل حين، وهو أشد ما يكون طلبا في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ أمتنا. وقد تهتم بتيسير المواصلات بين البلدان، على حين تغفل الاهتمام بالصلات الاجتماعية والنفسية بين الناس. وأعظم من ذلك الصلة بين الإنسان وربه. ولكن الإسلام - منهج الله - يعنى بإشباع حاجات الإنسان كله: جسمه وعقله وروحه، ويهتم بالإنسان في كل أحواله، فردًا، وعضوًا في أسرة، وعضوًا في مجتمع، ومواطنًا في دولة، ويوجه عنايته التوجيهية والتشريعية إلى الإنسان في كل مراحله وأوضاعه، الإنســان طفـــلاً، والإنسان شابًا، والإنسان شيخًا. الإنسان رجلاً، والإنسان امرأة. الإنسان حاكمًا، والإنسان محكومًا، الإنسان من حيث هو إنسان: أبيض أو أسود، شرقي أو غربي، غني أو فقير، يعيش في ناطحات السحاب أو في الغابات والأدغال. كما يوجه الإسلام عنايته إلى إنشاء المجتمع الفاضل، والأمة الواحدة، التي أخرجها الله للناس، لخير الناس، وهداية الناس، والدولة الصالحة، التي تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر. تكامل العلم والإيمان في الإسلام ومن أظهر ما يتجلى فيه التكامل الإسلامي، هو: تكامل العلم والإيمان. فمن مظاهر التكامل في رسالة الإسلام: أن التقى فيها العلم والإيمان جنباً إلى جنب، ولم يقم في مجتمعه ما قام في المجتمعات الأخرى من نزاع بين العلم والدين، راح ضحيته الألوف من أهل العلم والفكر، ومن رأى رأيهم أو سار على دربهم. وتاريخ أوروبا في العصور الوسطى حافل بالمجازر البشرية الرهيبة التي سيق إليها العلماء والدارسون في ظل محاكم التفتيش وغيرها. وقد حكى الشيخ محمد عبده في كتابه: (الإسلام والنصرانية، مع العلم والمدنية) جملاً من هذه الوقائع تقشعر لمجرد ذكرها الجلود، وتستنكرها في عصرنا أدنى العقول. فاتحادها فريضة وضرورة فريضة يوجبها الدين، وضرورة يحتمها الواقع الإسلامي، والواقع العالمي. إنه ذاتي لأن اجتهاد الإنسان يُعمل عليه ولأن للإنسان أن يختار بين تطبيقه والتخلي عنه. من خلال التشريع. يقول الله سبحانه للإنسان بأن هذا هو التشريع الإلهي الذي ينسجم مع النواميس الكونية وله أن يطبقه إن شاء مع العلم بأن لاختياره عاقبة. فإن اتبع الإنسان التشريع يكون قد انسجم مع نفسه (التوافق مع الذات) ومع العالم خارج ذاته (التوافق مع الموضوع)؛ لأن التشريع يعكس التناغم الذي يجب أن يتوفر بين الطاقات الداخلية للإنسان ذاتها، وبينها وبين العالم خارجها، وبه يتحقق التلاؤم والانسجام الطبيعيين. أي أن الإنسان يتصرف طبيعيًا عند التزامه بالتشريع وهذه هي حريته، ويخرج عن الطبيعة التي فُطر عليها إذا خالف التشريع ويكون بذلك قد قيَّد نفسه ووقف ضد حريته. فالاتحاد قوة لها، والتفرق يجعلها ضحية سهلة يمكن للأعداء أن يأكلوها قطعة قطعة.
وأختم بحثي هذا بقول الله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات: 10].
وأدعو الله تعالى بما دعا التابعون بإحسان، الذين جاؤوا من بعد المهاجرين والأنصار، يقولون: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [الحشر: 10].
"التاريخية".. مدخلا للتقريب بين السنة والشيعة
معتز الخطيب
ترددت كثيرًا في الكتابة في هذا الملف عما يسمى بـ"التقريب بين السنة والشيعة"، وذلك لأسباب متعددة ومتشابكة، بدءًا من مشكلة تحديد المفهوم نفسه، ثم الاتهامات التي أحاطت به منذ نشأته ولا تزال بقية باقية منها، وانتهاء بحصيلة المؤتمرات والمؤسسات التي اشتغلت عليه، والتي غلب عليها طابع "المجاملات" وتجميل المواقف والصورة أمام الآخر أحيانًا، أو تنظيرات لا تملك رصيدًا عمليًّا، من شخصيات فردية لا تملك مرجعية معتبرة يُؤتمر بأمرها، وخاصة في الفضاء الشيعي المرجعي.
والأهم من ذلك –ربما- هو تركيبية المسألة بأبعادها المتشابكة تعقيدًا من طبيعة الخلاف العقدي والفقهي والفكري- السياسي إلى التوظيف السياسي للصراع والتقارب على حد سواء، بحسب مؤشرات المصالح ورغبات الحكام. وبما أنني قاومت ذلك التردد وذكرت أسبابه فلا بد من إثارة وتثوير الخلافات -بمستواها الفكري فقط- في فضاءاتها المتعددة؛ لأن المجاملات والنزعات العاطفية والمواقف التكتيكية لا تثمر التقارب الذي ينشده الفريقان.
مشكلة الإمساك بالمفهوم.. واختلاف العناوين
من المهم ملاحظة الاختلاف في التعبير عن عنوان تلك المحاولات التواصلية بين السنة والشيعة منذ بدايتها وحتى الآن؛ ففي حين نجد أن المسألة تاريخيًّا أخذت صيغة "التصالح" و"الاصطلاح"[1] بين الفريقين وهو ما يسبقه -بحسب المفهوم اللغوي- الشقاق والفتنة، نجد في مرحلة لاحقة أنها أخذت صيغة "تفاهم"[2] إلى أن تبلورت فيما بعد بصيغة "التقارب" مع طرح فكرة إنشاء "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية" التي طرحها السيد محمد تقي القمي سنة 1364هـ وأنشئت في مصر فيما بعد. 3- الاتجاه الاعتذاري: وهو الاتجاه الذي يقدم الإسلام وكأنه في قفص اتهام، أمام مُدَّعٍ يطالبه بأن تكون فلسفته كلها، وقيمه كلها، ومفاهيمه كلها، وتشريعاته كلها متماشية مع الغرب؛ فما خـالف الغرب منــها فـلا بــد لـه مـن عــذر، ولا مــفر مـن البــحث لــه عــن مُســوّغ أو (مُبرِّر). ومن هنا وقف الكثيرون من قضية الحجاب في مجال المرأة، والطلاق وتعدد الزوجات في مجال الأسرة، والربا في مجال الاقتصاد، والجهاد في مجال العلاقات الدولية، وغيرها من القضايا الإسلامية الأصيلة موقف المحامي المدافع عن متهم تنتظره أقصى العقوبة! وكثيرًا ما ينزل هؤلاء عن هذا الموقف إلى موقف تبريري أضعف، يحاولون فيه تسويغ الأوضاع التي صنعها لنا الغرب، وفرضها علينا أيام سطوته الاستعمارية؛ بإعطائها سندًا شرعيًا، وتغطيتها بفتاوى إسلامية؛ أي إنهم -كما قلت مرة- يُلبِسون (الخواجة) الأوربي أو الأمريكي عمامة عربية إسلامية! وفي هذا من الضحك على النفس والتضليل للغير ما فيه. مدرسة الاعتذار والتبرير كانت ظاهرة في النصف الأول من القرن العشرين، ولا يزال لها صوت إلى اليوم؛ يتمثل في أولئك الذين يريدون أن يحللوا الربا وفوائد البنوك بمماحكات شرعية، وأن يحللوا الخمر، أو يُسقطوا الحدود بمجادلات بيزنطية، ومثلهم الذين يريدون أن يخلعوا عن المسلمة حجابها بمثل هذا المراء العقيم. 4- الاتجاه الافتخاري: وفي مقابل الاتجاه الاعتذاري يوجد هذا الاتجاه الافتخاري، الذي يتحدث عن الإسلام وتاريخه وحضارته بالأمس، وعن صحوته وحركاته اليوم، حديث المختال الفخور، الذي لا يرى إلا الأمجاد يسردها، والمناقب يعددها، مغفلاً العيوب والآفات والعاهات الدينية والأخلاقية والفكرية والحضارية التي أصابتنا بالأمس، حتى دمرت بنيان حضارتنا، ولا تزال تصيبنا اليوم بصورة أخرى، وفي مجالات أُخَر، وعلى مستـوى آخر، حتى غـدونا في مـؤخرة القـافلة البـشرية، نُنــسـب إلى العــالم الثـالـث، أو الرابع لو كان هناك، ونُحسب على بلاد التخلف التي جاملوها فسموها النامية! لا أريد أن نشعر بالدونية ولا أن نحقر أنفسنا؛ فنحن نملك المؤهلات والطاقات التي ترشحنا لأن نسود ونقود، لو أننا استخدمناها كما ينبغي، وكما أمرنا ديننا، وانتقلنا من القول إلى العمل، ومن الانفعال إلى الفعل، ومن الغوغائية إلى العلمية، ومن التقليد إلى التجديد، ومن الاغتراب -سواء كان مكانيًا (أي عن أمتنا) أم زمانيًا (أي عن عصرنا)- إلى الأصالة والإبداع. عندنا القوة المادية، والقوة البشرية، والقوة التاريخية، والقوة الروحية، التي تعدنا لنكون شيئًا مذكورًا، لو حددنا الوجهة، وأخلصنا النية، وأعددنا العدة، ووحدنا الصف، وبدأنا السير، عازمين متوكلين على الله، مستفيدين من أخطاء الماضي، وزلات الحاضر، وتجارب الآخرين، ولكن ينبغي أن نقوّم أنفسنا تقويمًا عادلاً. يمثل هذا الاتجاه بعض الدعاة العاطفيين للإسلام، ممن ينسبون إلى بعض الجماعات الدينية والإسلامية، ممن لم يتعمقوا في دراسة الإسلام وثقافته وحضارته وتاريخه، ولم يحيطوا علمًا بما عند الآخرين، واعتبروا كل ما عندنا وردًا لا شوك فيه، وما عند الآخرين شوكًا لا ورد فيه؛ فظلت نظرتهم قاصرة، وإن كانت سريرتهم طاهرة. 5- الاتجاه الاختصاري: وهو الـذي يـريـد أن يختــصر الإســلام في العقــيدة والعبادة، وإن كانت صـــورة بلا حقيقة، وشبحًا بلا روح، ويحذف من الإسلام كل ما يجعل منه رسالة لإصلاح المجتمع، وبناء الأمة، وهداية العالم، وتجديد الحياة. وإذا كان اتجاه بعض المسلمين في الأزمنة الماضية (الزيادة في الإسلام) بالابتداع فيه، وهو مردود، فإن كل بدعة ضلالة، فإن اتجاه هؤلاء هو: الانتقاص من الإسلام؛ بإخراج بعض مـا هو من صُلبه منه، وقد امتن الله تعالى علينا بإكمال هذا الدين، فقال تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا" (المائدة: 3)، والكامل لا يقبل الزيادة عليه، ولا النقص منه. غير أن هذا التقريب أخذ صيغة "الوحدة" أيضًا في بعض الأحيان وهو ما نجده مثلا في كلام الشيخ مهدي شمس الدين رحمه الله، وأخذ صيغة "حوار" في سياق الحديث عن حوار الحضارات وحوار الأديان والحوارات الأخرى.
هذا هو الرأي السائد والمشهور والمتعالم عند الناس عامة، والعلماء خاصة. وأذكر منذ نحو ربع قرن: كنا في أمريكا، وفي مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين هناك، وعُرضت قضية من هذا النوع، وكان الدكتور حسن الترابي حاضراً، فلم ير بأساً بأن تبقى المرأة إذا أسلمت مع زوجها الذي لم يسلم، وثارت عليه الثائرة، ورد عليه عدد من الحاضرين من علماء الشريعة، وكنت منهم، وقد اعتمد الرادون عليه: أنه خرج على الإجماع المقطوع به، المتصل بعمل الأمة. وثمة تسعة أقوال ذكرها ابن القيم في المسألة: ثم إن المسلم يظل بطلب العلم من المهد إلى اللحد، وليس هناك أحد أحاط بالعلم كله. وقد قال الله لرسوله: "وقل رب زدني علماً" (طه:114)، وقال تعالى: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً" (الإسراء: 85). ولا غرو أن اطلعت على ما ذكره الإمام ابن القيم في هذه المسألة المهمة،وذلك في كتابه(أحكام أهل الذمة)، فقد ذكر ـ رحمه الله ـ فيها تسعة أقوال، لأئمة وعلماء معتبرين، ذكرها كلها، واختار سادسها، وهو اختيار شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا. ذكر العلامة ابن القيم المسألة ثم قال: اختلف السلف والخلف في ذلك اختلافاً كثيراً. القول الأول: انفساخ النكاح بمجرد إسلامها: قالت طائفة: متى أسلمت المرأة انفسخ نكاحها منه، سواء كانت كتابية أو غير كتابية، وسواء أسلم بعدها بطرفة عين أو أكثر. ولا سبيل له عليها إلا بأن يسلما معاً في آن واحد؛ فإن أسلم هو قبلها انفسخ نكاحها ساعة إسلامه ولو أسلمت بعده بطرفة عين. ويبدو أن حساسية الموضوع التي كانت تشتعل بين الفينة والأخرى عبر التاريخ بفعل عوامل مختلفة، واختلاف السياقات التاريخية والسياسية والتحديات التي يواجهها الفريقان كانت تؤثر في شكل الصيغة التي يأخذها عنوان هذه الاتصالات بين السنة والشيعة، مع استمرار محاولات "التبشير" خصوصًا من جانب الشيعة، تلك المحاولات المسكونة بهاجس تكثير الأقلية[3] وتوسيع جغرافية السلطة[4].
ويضيف يوسف أن قدوم العيد مباشرة بعد رمضان يلعب دورا في انشغال الناس عن العبادات، حيث إنه ومن الساعات الأولى لأول أيام العيد تظهر الكثير من الأمور التي تلهي الناس وتنسيهم ما كانوا عليه قبل يوم واحد فقط، فزيارة المقابر بعد صلاة العيد ومن ثم يستريحون قليلا لتبدأ بعدها جولة قد تستمر لأيام في زيارة الأقارب والأهل وخاصة الذين يقطنون في أماكن بعيدة، ومع كل ما ذكر من أسباب إلا أنها لا تشكل ذريعة مقنعة للتخاذل والقعود عن العبادات. وترى أم ياسر الحمد – ربة بيت- إن الإعلام يلعب دورا كبيرا في اهتمام الناس برمضان، حيث تتسابق المحطات الفضائية والمحلية على عرض البرامج التي تجذب انتباه المشاهدين، وتشعرهم بالشهر الفضيل، وخاصة البرامج الدينية ونقل صلاة التراويح مباشرة من المساجد، وكذلك الدروس والمسلسلات التاريخية، ولا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فتقول أم ياسر: إن هناك عشرات البرامج التي تهتم بالطعام والموائد في رمضان؛ بحيث لا تكاد تخلو محطة تليفزيونية من برنامج يقدم أشهى المأكولات والمشروبات، ويقدمه أشهر الفنانين والفنانات. غير أن استمرار محاولات التبشير هذه مع الدعوة إلى "التقريب" وخصوصًا في البلاد السنية الخالصة ربما دفع إلى تقويض الجهود المبذولة للتقريب، وربما يكون هذا أحد الأسباب التي دفعت بعض العلماء من أهل السنة الذين انضموا إلى دعوة التقريب بادئ الأمر إلى النكوص عنها، والتحذير منها[5] مضافًا إلى ذلك مسألة "التقية" التي تأخذ بعدًا إيمانيًّا بارزًا، وتكاد تكون من الطبيعة التكوينية "للتشيع"، وأحد أبرز خصائصه، وهي المسألة الكبيرة التي وقفت حجر عثرة باستمرار أمام دعوة التقريب وقبلها؛ لأنها بـ"بابها الواسع"[6] ستبقى تُفقد أو -على الأقل- تشكك في مصداقية أي كلام يصدر عن الشيعة ليبقى أهل السنة يتيهون في احتمالات لا نهاية لها، بسبب عدم الشفافية هذه، بل هذا دفع ببعض أهل السنة إلى أن يحمل كل تصريح يخالف "الشائع" عن الشيعة على أنه من باب "التقية" ليحافظ على صورة الآخر الشيعي المقصي والمستبعد -لدى هذا البعض- من دائرة الإيمان!
هذه القضايا مجتمعة جعلت من فكرة "التقارب" -منذ نشأتها- محل اتهام لدى عدد من العلماء أهل السنة[7]، ويبدو أن قيام دولة للشيعة في إيران سنة 1979م زاد من تعقيدات المسألة ليبرز حضور "النفوذ السياسي" الإيراني المرتبط بالمرجعية جنبًا إلى جنب مع "التبشير الشيعي"؛ الأمر الذي بقي يعوق محاولات التقارب، فضلا عن الخلافات العقدية بين الفرقتين التي لا نجد بدًّا من إثارة عدد من قضاياها التي ستبقى تمارس دورًا في تعويق هذه الجهود، ويكاد يغلب على جهود "التقريب" التهوين من هذه الخلافات أو التستر عليها وهو ما يؤول إلى ممارسة دور سلبي تجاه العلاقة بين الفريقين؛ لأن التقريب بهذه الصورة ينبني على خطابات تأليفية لا تغادر حدود الأقوال.
ونظرًا لالتباس مفهوم "التقريب" أو "الوحدة" نجد المقولات الاحترازية تتقدم بيان المفهوم وشرحه، خاصة من قبل المنخرطين في عملية التقريب أو المشاركين فيها، فنجدهم يلحون على الاحترازات السالبة كـ"ليس المراد بالتقريب أو الوحدة كذا وكذا..."، وغالبًا ما يكون في مقدمة المنفيات في هذا السياق التخلي عن فكرة المذهبية، أو عن المعتقدات لدى السنة أو الشيعة[8]، غير أن المفهوم لا يمكن الإمساك به بشكل ثابت وواضح لدى الجميع، فبينما يعتبر الكوثري أن التقريب بمعنى "التصافي بين طوائف تحمل اسم الإسلام غاية نبيلة ينشدها كل مسلم مفكر غيور" نجد أن البوطي وشمس الدين يتفقان على "قبول الاختلاف" باعتباره تنوعًا اجتهاديًّا. و"الوحدة" عند شمس الدين هي "الارتكاز إلى الثوابت العامة المشتركة في مجال العقيدة والشريعة باعتبارها أساسًا للأمة". بعض آخر يرى أن المقصود بالتقريب هو التقريب بين أتباع المذاهب؛ لأنه -كما يرى- لا توجد مشكلة بين المذاهب نفسها، لكن هذه الرؤية تبدو منسجمة لمن هو داخل الدائرة الإسلامية، في حين أنها ليست كذلك لمن ينظر إليها من خارج. لكن البوطي كان صريحًا حين فسّر "التقريب" بأن "يتسع صدر كل منا بل فكره وعقله لقبول ما عند الآخر، وذلك عن طريق الاحتكام إلى المصير الذي لا بد منه ولا بديل عنه في القضايا الاجتهادية"[9]، ثم عاد ليقول: إن المذاهب المراد التقريب بينها هنا تشمل الاعتقادية والفقهية ما دمنا نسميها مذاهب إسلامية.
ومن المهم التأكيد هنا على أن هاجس الخوف من التماهي بين معتقدي الفريقين لم يكن وحده الحاضر في محاولات تحديد المفهوم والإمساك بمدلوله وفق كل رؤية، بل انضم إليه الخوف من أن يكون هذا "التقريب" أو تلك "الوحدة" مدخلا للعبور إلى شرعنة "التبشير" بمعتقد كلٍّ من الطرفين بين صفوف الآخر، وهو ما نجد تصريحات بشأنه لدى كل من شمس الدين والبوطي والقرضاوي.
الاختلافات المذهبية.. ولهذا أقول بكل ثقة واطمئنان: إن لدى أمتنا رسالة حضارية متميزة تستطيع أن تقدمها للعالم الذي تدل كل الدلائل أنه في أشد الحاجة إليها، لو وجدت من يحسن تقديمها إليه، ولا سيما العالم الغربي الذي حقق الثورات العلمية الهائلة في دنيا الذرة، ودنيا الفضاء، ودنيا الإلكترونيات، ودنيا الهندسة الوراثية، ودنيا الاتصالات والمعلومات. هذه الرسالة تستطيع أن تقدم للغرب الإيمان ولا تســلبه العلم، وتعطيه الدين ولا تحرم عليه الدنيا، وتصله بالسماء ولا تمنعه من عمارة الأرض، وتمنحه نور الوحي ولا تحرمه نور العقل، وتقوي صلته بالخالق ولا تقطعه عن الخلق. بين الخلط والتهوين
غير أنه من المفارقة حقًّا أنه في الوقت الذي يلح فيه الطرفان على احتفاظ كل فريق "بهويته" -يتعبير البعض!- و"خصوصياته" يتم التهوين من الخلافات القائمة بين السنة والشيعة، في سياق يكاد يستأثر بالحديث عن أدبيات الحوار وآدابه، حتى بدا ذلك علامة بارزة في عدد من الأوراق المقدمة لمؤتمر البحرين (20-22/9/2003) والمناقشات التي دارت فيه، وبعض أوراق هذا الملف أيضًا، حتى ليكاد يبدو أن المشكلة هي أخلاقية بالمعنى القيمي، أو شكلية بالمعنى الإجرائي![10].
وإذا كان البعض يذهب إلى أن "الخلافات بين السنة والشيعة هي من طبيعة الخلافات بين مذاهب أهل السنة نفسها وبين فقهاء كل مذهب من هذه المذاهب، كما هو الشأن في الخلافات بين الشيعة والشيعة"[11] فإن آخر يذهب إلى أبعد من ذلك، وهو أن كثيرًا من الخلافات "لفظية"[12]، وبناء على حصر الخلاف في "الفقهي" يرى شمس الدين أن "هيئة قضايا الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية ستُعنى بالتواصل مع الدوائر الفقهية والفكرية في كافة المراكز الإسلامية"، وأن "أحد أهم مقاصد هذه الهيئة العمل من أجل الانفتاح الفقهي على المذاهب الإسلامية"[13]. من الطبيعي أن ينصرف ذهنه إلى الغريزة والأنوثة، في الوقت الذي تستطيع المرأة بستر تلك المفاتن أن تفرض على الرجل أن ينظر إليها كإنسان مكافئ لها، لا كمغرية تتبارى في منافسة الأخريات، وتُبرز كل يوم مع كل موضة قدرا ونوعا من المفاتن. ومع أن الحركات النسوية الراديكالية تنكر وجود أي فروق حقيقية بين الجنسين فكيف تناهض تغطية الفروقات الظاهرية التي تذكر دوما بتلك الفروق وتكرسها، وتوحي بأن المرأة شيء والرجل شيء آخر؟ حيث إن المرأة هي نفسها بحاجة إلى فرض نفسها كإنسان على الآخر وعلى المجتمع معا لتنطلق وتحقق ما تريد. حماية المرأة والنقطة الثانية: التي يراها التيار النسائي الإسلامي أن الحجاب تم فرضه على المرأة من أجل حمايتها من الإيذاء والاعتداء، بعد أن تمكنت هي من فرض شخصيتها كإنسانة؛ وذلك لترسيخ هذه الحماية في إطار ثقافي ثم اجتماعي؛ وهو ما يؤدي إلى تفادي المجتمع من الاستغراق في حماية المرأة بقوة القانون والبوليس ومحاكم الدولة وسجونها، وهذا ظاهر وجلي للمتابع لما يجري في المجتمعات الغربية التي تقوم بحل قضايا، مثل: التحرش الجنسي، والاغتصاب، وهما ظاهرتان ناتجتان عن الانحلال الأخلاقي الذي يسود المجتمع، ويعد عدم حجاب المرأة من العوامل الأساسية التي أدت إلى تفاقم معاناة المرأة من التحرش الجنسي والاغتصاب حتى وصلت الإحصائيات إلى مستوى مخيف. وليس معنى هذا أنه بقيام الحجاب سوف يتم القضاء على التحرش الجنسي والاغتصاب، ولكن لا يمكننا إغفال أثر هذا العامل الرئيسي عند تحليلنا للإحصائيات التي لا تبشر بخير لا للمرأة ولا للمجتمع الإنساني، ولا يمكن لباحث علمي أن ينكر العلاقة بين حجاب المرأة وتقليل عوامل الإثارة، وانخفاض نسبة هذه الجرائم في أي مكان؛ فالمقارنة الرقمية من خلال الإحصائيات فقط بين الدول الإسلامية والدول الغربية في هذه القضية تدل على صحة هذا القول، بالرغم من أن المجتمعات الغربية لا تعرف المحرمات في العلاقة الجنسية، ومَن يطلب تلك العلاقة يجدها دون عناء! ومع ذلك نجد تلك الأرقام المخيفة من الحالات التي تعرضت للاعتداء. وربما يقول قائل: إن ظواهر مثل التحرش والاغتصاب ربما تكون موجودة في مجتمعاتنا الإسلامية المنتشر بها الحجاب، ولكن الأرقام والإحصاءات ليست متوافرة؛ إما بسبب عدم كفاية المؤسسات الراصدة لهذا الأمر، وربما بسبب الإخفاء العمدي للمعلومات، والرد على هذا القول: إن هناك بالفعل منظمات نسائية/نسوية تقوم برصد هذه الأمور، والدليل على ذلك جهود ما تقوم به هذه المنظمات فيما يتعلق بقضايا الشرف. الحرية الشخصية والنقطة الثالثة: هي أن ما تم تطبيقه حتى الآن في أكثر من دولة وفي إطار النظم السياسية العلمانية التي تحتضن التيار النسوي الراديكالي من منع للحجاب وحرمان للمرأة المسلمة بسبب حجابها من حقوقها الأساسية في التعليم والمشاركة المدنية والسياسية في مؤسسات الدولة وحتى العلاج أحيانا، ولا فرق بين هذه النظم من حيث إنها تحكم شعوبا إسلامية، مثل تركيا وتونس أو شعوبا غير مسلمة كفرنسا التي تناقش منع الحجاب حاليا، وتطلق يد مسئولي المؤسسات التعليمية في مضايقة البنات المسلمات في ذلك. وهنا يظهر جليا غلبة التيار النسوي الراديكالي بكل مسمياته على حساب بقية التيارات النسوية، وإخفاقه في تحقيق مناخ تتمتع فيه المرأة ولو بحريتها الشخصية، وحقها في الاختيار حين يكون حصولها على مساندة النظم السياسية أمرا واقعا، بل بدل ذلك أطلقت لنفسها عنان التمثيل نيابة عن كل النساء في قضايا تمس المرأة، هذا إن تعاملنا مع قضية الحجاب منطلقين من مبدأ الحرية الشخصية التي تناضل النسوية من أجلها ولكن بمعيار مزدوج؛ إذ منع الحجاب وحرمان المرأة المسلمة بسبب حجابها من حقها في دخول المدارس والجامعات والبرلمان وبقية مؤسسات الدولة لا تعد انتهاكا صارخا لحقوقها كإنسان!! حيث أصبحت العلمانية والنسوية الراديكالية في جبهة واحدة لخلق نوع جديد من التمييز القانوني ضد أغلب شرائح النساء في مجتمعاتهم فيما يخص قضية الحجاب، وأصبحت النسوية الراديكالية التي كانت بالأمس تنتقد وصاية الدين والرجل على المرأة تفرض وصايتها ووصاية الدولة بالقانون على المرأة، وقس على ذلك وصاية التيار النسوي الراديكالي من خلال مؤسسات الأمم المتحدة والمواثيق والاتفاقيات الدولية على نساء العالم، بعيدا عن أي اعتبار لتعدد الثقافات والأديان بين الأمم والشعوب. وفي المقابل نرى أن الاتجاه السلفي يحصر الخلاف في "العقدي"، وتقوم العلاقة بينه وبين الشيعة على المفاصلة الحدية؛ لأنها تنحصر في دائرة الإيمان والكفر، وهذا ما يفسر غياب الرموز السلفية عن قضايا ومؤتمرات التقريب أو الوحدة، وكذلك يبرر عدم دعوتهم إلى مثل هذه المؤتمرات[14]، وإن حدث اتصال بين السلفية والشيعة فيكون تحت عنوان "المناظرة" (حق/باطل)[15].
ويبدو أن هذا الالتباس أو تضييق "صورة" الخلافات بين الفريقين رغبة في "التقريب" أحاطت أيضًا بمؤتمر البحرين الذي جعل موضوعه التقريب بين المذاهب السبعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي، والشيعي الإمامي، والزيدي، والإباضي)، وهو خلط بين المذاهب الفقهية والعقدية، ربما أوقع فيه تلك النظرات الأحادية في التقريب التي تهون من شأن الخلافات القائمة، فتقصر الحديث على الخلاف الفقهي فقط، فتمارس أحادية معاكسة للأحادية السلفية، وهو تبسيط للخلاف[16]، ومعلوم أنه لا توجد مشكلة بين المذاهب الفقهية الأربعة التي تمثل مدارس أهل السنة، ولا يوجد بينها فروق معتبرة في المعتقد، ومن ثم لا يبدو من المنهجي والعلمي مساواة مذهب عقدي فقهي كالشيعة الإمامية بمذهب فقهي كالشافعية مثلا، إلا إذا كان المراد بالتقريب "التقريب الفقهي" بين المذاهب، وهذا لا يسلم ولا يحقق الأهداف المعلنة، مع صعوبة الفصل التام بين الفقهي والعقدي.
وتنص آية أخرى: "ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون" (الذاريات، 49)؛ حتى أن خلق الزوجين كان من ذات النفس وذلك حسب الآية: "سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون" (يس، 36)، وآية أخرى تؤكد الخلق من نفس واحدة وجَعٌل (الخلق ليس ابتداء) الزوجية: "خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج..." (الزمر، 14). الزوج ليس فردًا وإنما مكمل لآخر، وبذلك يكون غير مهيأ لأن يبقى منفردًا، وليس بإمكانه أن يفعل ذلك حسب خلقه الذي هو طبيعته. هذا والخلاف بين المذاهب السنية الفقهية الأربعة يكاد ينحصر في الثلث؛ "فإن ثلثي المسائل الفقهية مسائل وفاق بينهم، والثلث الباقي يدور أمره بين أن يكون مقتضى التقوى في مسألة خاصة منه في مذهب، ومقتضى الفتوى في تلك المسألة في المذاهب الأخرى، وبين أن يكون المقتضيان على خلاف ذلك في المسائل الأخرى؛ فتكون المذاهب متحدة في مسائل الوفاق ويدور الأمر بين الأحوط والأيسر في مسائل الخلاف؛ فلا يكون هذا في شيء من الخلاف الحقيقي، بل هذا جرى على مقتضى اختلاف طبيعة الدليل في نظر ونظر"[17].
إن عدم شعور المرء بمسؤوليته أمام خالقه يجعل بعض البشر يرتكبون كل الحماقات الممكنة، دون أن يردعهم أي قانون؛ لأن ارتكاب الأخطاء بعيدا عن أعين واضعي القانون ممكن، لكنه ليس كذلك بالنسبة لله الذي يعلم السر وأخفى؛ ثم إن الظلم موجود في هذه الحياة الدنيا، فما لم يكن هناك يوم يرجع فيه الناس إلى خالقهم، ويحاسبون فيه على أعمالهم، ويؤخذ للمظلوم حقه من الظالم؛ لبغى أغلب الناس على بعضهم، وهذا ما نراه في أيامنا عندما تغيب التقوى أو ينعدم الشعور بمراقبة الله سبحانه، وبالتالي ينعدم الاطمئنان النفسي ويزول الأمان من المجتمع. كان فولتير في حياته المبكرة لا يعتقد أن الإيمان بالأبدية والخلود ضروري لتدعيم الأخلاق وتقويتها، وكان يقول بأن العبرانيين القدماء كانوا مجردين من الأخلاق، ومع ذلك كانوا يعتقدون بالأبدية وبكونهم شعب الله المختار. لكنه لم يجد بدًّا في أيامه المتأخرة من تصحيح اعتقاده فقال: "لا بد للبلد ليكون صالحا من أن يكون له دين، أريد من زوجتي وخياطي ومحامي أن يؤمنوا بالله، وبذلك يقل غشهم وسرقاتهم لي؛ وإذا كان لا وجود لله يجب أن نخترع إلها!". ولا بد للإيمان أن يترافق بالتقوى والعمل الصالح، والتقوى هي أن يراك الله حيث أمرك ويفتقدك حيث نهاك، وهي موجهة لسلوك الإنسان ليرقي ذاته ويرتقي في سلم الإنسانية، والتقوى بهذا المعنى تجنب السلوك المنحرف والشاذ والسيئ، وهي بالتالي من العوامل الرئيسية في نضوج الشخصية وتكاملها واتزانها لبلوغ الكمال الإنساني، وتحقيق السعادة والصحة النفسية . بينما سنجد لدى الشيعة الإمامية اختلافًا أعمق من ذلك بكثير، وليس من طبيعة الخلاف بين المذاهب الفقهية السنية الأربعة؛ فهم يؤمنون بعصمة بعض البشر، والرجعة والغيبة وهي مسائل عقدية خالصة[18]، ولا يوجد على مستوى مذاهب أهل السنة العقدية -وليس الفقهية- مثيل لها مع وجود الاختلاف بين أهل الحديث (السلفية حاليًّا) والأشعرية والماتريدية. بل يبدأ من قبل ذلك من اختلاف الشيعة فيما بينهم حول مسألة تحريف القرآن، وموقفهم من روايات "الكافي" في ذلك والتي رواها الكليني (328هـ) دون أن يقدح فيها، بل إن المجلسي صرح في "بحار الأنوار" بتواترها معنى، في حين أن الشيخ الصدوق ابن بابويه (381هـ) ينفي ذلك ويثبت الاعتقاد بما بين الدفتين، وأشير هنا إلى طرف من القضية لإثبات أصل الخلاف لديهم، وكذلك ما يرويه الكليني بخصوص ما يسمى "مصحف فاطمة" فهذه قضية أساس ينبغي من القوم أن يتخذوا منها موقفًا جامعًا ويقدموا دراسات نقدية مفصلة لها، كخطوة مهمة وأولى في عملية "التقريب"، فلا يليق بالمسلم أن يسمح لمثل هذا اللغط حول كتاب الله أن يستمر، أو تبقى منه أثارة من شك، أو أن يبقى معلّقًا.
ومما يدل على عمق الخلاف بين الفريقين هو اختلافهم في "السنة/الحديث" لجهتين: جهة تحديد الثابت ومنهجية هذا التحديد، وجهة حدود السنة التشريعية. والانتقام سيصيب كثيرين من المدنيين والأبرياء، وسيزيد بالتالي من مشاعر الحقد والكراهية ضدّ الولايات المتحدة. هذه المشاعر التي كانت بلا شكّ وراء هذه التفجيرات. والانتقام سيشعل فتيل الصراع العالمي بين النفوذ الأمريكي الطاغي، وبين جميع المعترضين عليه أو المتضرّرين منه، ومثل هذا الصراع لن يبقى في نطاق الدول، بل سيمتدّ إلى الشعوب، ولن تنجو منه الولايات المتحدة نفسها. فمن الجهة الأولى سنجد اختلافًا جوهريًّا في طبيعة السنة المقبولة عند كل من الفريقين، فالشيعة لا يقبلون من السنة إلا ما كان عن أهل البيت؛ يعني أن ثمة إقصاء لكل ما روي عن الصحابة وهو معظم السنة المقبولة لدى أهل السنة، ومقولة: إن معظم هذه السنة وردت عن طريق أهل البيت لا يخفف من حدة هذا الخلاف. ولا يبدو أنه مبني على استقراء أيضًا. فضلا عن أن هذا القبول والرفض عن أهل البيت لا يبدو أنه خضع لمنهجية صارمة وواضحة كما هي عند أهل السنة فيما سمي بـ"منهج النقد" أو "علم مصطلح الحديث"؛ فعلم مصطلح الحديث لم يظهر عند الشيعة إلا متأخرًا جدًّا، وأول من كتب فيه هو أبو القاسم ابن طاوس (673هـ)، وتأخره بعد ابن الصلاح (643هـ) جعل المصطلح الشيعي يتقاطع مع المصطلح السني في مجاله النظري دون التطبيقي[19]، في حين أن عملية انتخاب السنة ونشوء منهج النقد لتمييز الزائف ومواجهة ظاهرة الوضع والكذب ظهرت لدى أهل السنة في مراحل مبكرة جدًّا زمن الصحابة أنفسهم، وتتابعت. وهو ما يعني أن السنة الشيعية لم تخضع للنقد والتمحيص كما هو الحال لدى أهل السنة.
ولكنّ الله تعالى ذكّره فقال: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ" (سورة النحل: الآية 126)؛ فصبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يُمثّل بأحد من المشركين. 2 - وإذا كانت هذه التفجيرات، تُعتبر جرائم لحقت بمدنيين أبرياء، فهل كان من المعقول أن يطرب لها بعض المسلمين هنا وهناك، ويعلنون فرحهم أو شماتتهم؟ نبادر إلى القول: إنّه لا يمكن لإنسان مسلم أن يشمت أو أن يفرح لقتل بريء، وهو الحريص على رفع الأذى عن جميع الناس، بل حتّى عن الحيوان، والأحاديث الصحيحة حول الكلب العطشان ومن سقاه الماء، وحول الهرّة المحبوسة الممنوعة عن الطعام معروفة من الجميع. لكن التفجيرات في نيويورك وواشنطن لها وجه آخر، إلى جانب هذا الوجه المُدان. وإذا كان منهج النقد لدى أهل السنة يخضع لمحاولات نقدية حديثة لإعادة النظر في بعض جزئياته، وخصوصا ما يتعلق منها بنقد المتن؛ وهو ما يرشح لإمكان القول برفض بعض الأحاديث التي كانت تعد في حيز المقبول؛ فالمنتظر أن يتم فتح هذا الباب لدى الشيعة، وهو بتقديري سيكون أوسع من مجرد نقد المتون؛ لأن ثمة مشاكل منهجية تتعلق بالأسانيد والرجال ابتداءً واستكشاف آثار حركة الوضع لديهم والتي لا يبدو أنها أخذت حظها من الدرس والفحص.
أما ما يخص الجهة الثانية وهي حدود السنة التشريعية لدى الشيعة، والتي تتسع جدًّا لتشمل كل أقوال وأفعال وتقريرات الإمام المعصوم أيضًا، وليس فقط النبي، فهذه من القضايا المركزية أيضًا التي ستبقى مثار نقاش طويل؛ لأنها تقوم بتضخيم "نصوص الوحي"؛ إذ تجعل من أقوال الأئمة -وهم بشر- مرجعًا موازيًا لقول الله وقول الرسول صلى الله عليه وسلم[20]، وهو ما يشكل إخلالا بفكرة ختم النبوة وانقطاع الوحي واكتمال الشريعة من جهة، وإلغاء للبعد التاريخي والبشري من جهة أخرى، وهنا يتقاطع العرفان الصوفي السني مع المعتقد الشيعي في المبدأ، مع أنهما يختلفان في الحجم والتأثير والتقعيد والتطبيقات العملية، فبينما هو معتقد طائفة من أهل السنة ليس له اعتبار في الفقه والأصول ومناهج العلوم لديهم؛ حيث يقتصر أمره على "سلوكيات" لدى تلك الطائفة، نجد أنه هو المعتقد الشيعي وهو جزء من الفقه الشيعي كلية.
وإذا كان في أهل السنة مراجعة للوحي وغير الوحي، للتشريع وغير التشريع في السنة النبوية التي هي فقط ما صدر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات، وثمة تساؤلات منهجية عن معايير الفرز بين النصوص لتمييز ما هو تشريع مما هو غير تشريع، وهي محاولات جادة ومهمة لتحرير الوحي من التاريخي بدأت لدى الأصوليين السنة حين فرقوا بين الجِبِلّة والعادة وبين الوحي مرورًا بالتفريق بين تصرفات النبوة والقضاء والإمامة إلى غير ذلك؛ فإن الشيعة مطالبون بشكل جادّ بإعمال النظر النقدي العميق في القول بعصمة بعض البشر، وإضفاء صفة الوحي على أقوالهم وأفعالهم[21]. فالمسألة ليست فقط -كما يطالب الشيخ مهدي شمس الدين رحمه الله- في "البحث الموضوعي في الأسباب السياسية التي أدت إلى مقاطعة السنة المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وهجرها، وعن الأسباب الموضوعية الداعية إلى الاعتراف بمرجعية أئمة أهل البيت عليهم السلام في السنة"؛ لأن المسألة بهذه الصورة تشخيص لحالة مذهبية شيعية وهو ما نريد أن ننأى بأنفسنا عنه، سواء لجهة سنية أم شيعية، مع اتساع معارفنا ومعطيات المعارف الحديثة التي توجب علينا ممارسة النقد المعرفي لمراجعة أفكارنا ومعتقداتنا.
ولعل السيد المرجع الكبير البروجردي سجل شجاعة نادرة حين قال: "أما أن الأئمة كانوا مرجعًا للأحكام فهي حاجة تختص بزمان دون زمان"، وهو نص استشهد به الشيخ شمس الدين نفسه.
التاريخية.. فها نحن قد ودعنا رمضان المبارك بأيامه الجميلة ولياليه العطرة الفواحة بالروحانيات، ودعناه ومضى ولا ندري هل سندركه في العام المقبل أم لا؟ الدعاة يتحملون مسئولية هجر المساجد بعد رمضان!! محمد ياسين ما إن ينتهي شهر رمضان المبارك حتى تعود المساجد تشكو إلى الله هجر المصلين لها، وتئن المصاحف من تراكم الغبار على أغلفتها؛ فيهجر كثير من المصلين المساجد التي امتلأت بهم في أيام رمضان، مكتفين بأداء الصلاة في البيوت أو في أماكن العمل، وبعضهم يترك الصلاة، وكأنها فرضت في شهر رمضان فقط. وربما يعود الناس إلى ما كانوا عليه من قطع للأرحام، وقلة الصدقات، وهجر للقرآن الكريم، والكثير من أعمال البر التي تظهر في الشهر الفضيل. ويقول الشاب محمد برغوت: "إن الأمر مرتبط بمدى رسوخ العقيدة في نفوس الناس؛ فالإنسان المؤمن يحافظ على الصلاة طيلة العام ويجتهد في رمضان، أما الإنسان المقصر فيحافظ على الصلاة في رمضان أكثر من غيره من الشهور"، موضحا أن شهر رمضان يرفع الهمم، ويقوي العزائم. ويضيف: "في شهر رمضان تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران وتصفد الشياطين؛ لذا يقبل الناس على الطاعات والعبادات أملا في الفوز بالجنة ونعيمها"، وقال: "إن الناس تعتبر رمضان نهرًا تغتسل فيه من الذنوب". أمر طبيعي ويرى د.سالم سلامة عميد كلية أصول الدين في الجامعة الإسلامية بغزة: أن هجران المصلين للمساجد بعد رمضان هو أمر طبيعي، مرجعه طبيعة البشر الذين يقبلون على الخير إذا كان فيه مرغبات ومقبلات، وهذا ما يجدونه في شهر رمضان من أجر عظيم من الله عز وجل. ويشير د.سلامة إلى وجود بعض التقصير من قبل الدعاة فيقول: "لا يستطيع أحد أن يقول بأنني قمت بالواجب كاملا؛ فكل ابن آدم يقصر ويخطئ ويستلهم الرشد من الله عز وجل". ويضيف: "في رمضان نجد الدعاة يكثرون من إعطاء الدروس والنصائح والتوجيهات أكثر من بقية شهور السنة الأخرى، ولو استمروا على ما هم عليه لكان الأمر أفضل بكثير مما هم عليه الآن". محور للتقريب
إن إحياء فكرة "التاريخية" والوعي التاريخي يشكل محور هذه المراجعات جميعًا، ومن ثم فهو يجب أن يكون القضية الأساسية في عملية "التقريب" على المستوى المعرفي، وهي كافية للقيام بممارسات تجديدية في أصول الفقه -والفقه تبعًا- وعلم الكلام؛ ما يعني أننا يجب أن نتحمل ونمارس تعديلات جوهرية في تصوراتنا من منطلقات معرفية لا مذهبية، بعيدًا عن ملابسات التاريخ والسياسة وردود الأفعال بين الطرفين وهذا في تصوري سيكون أجدى، وأطول عمرًا، ومن شأنه أن يقرب لحمة الأمة المسلمة لأنه ينطلق من ضرورات معرفية وليست آنية وتكتيكية، فقد آن الأوان لذلك، ومن الغريب أن نشهد تحولات معرفية كبيرة ونبقى نجادل حول من كان أحق بالإمامة، أو أن نتحدث عن الإمامة كمنصب إلهي بطرائق مغرقة بالميتافيزيقا ويستمر الاستبداد باسم الدين في تصوراتنا وباسم مصالح الأمة في واقعنا! • وحتّى الكافر الحربيّ، لا يُقتل لمجرّد كفره، بل يُقتل حين يحارب المسلمين وبسبب محاربته الفعلية، ولذلك يقول جمهور الفقهاء من المالكية والحنفية والحنابلة: إنّ (علّة القتال هي الحرابة – أي المحاربة – وليس مجرّد الكفر). هذا القول هو الصحيح، يؤيّده: - قوله تعالى: "وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ" (سورة البقرة: الآية 190). والسيد البروجردي كان واضحًا هنا أيضًا حين قال: "إن قضية الخلافة لا تحتاج إليها الأمة الآن، والبحث فيها مثار الاختلاف من دون أن يكون له ضرورة، وإنما هي في عهدة التاريخ، فلا داعي للخوض فيها" لكن المطلوب تحويل مثل هذه القناعات إلى حالة عامة.
إن التخلص من أسر التاريخ، والبحثَ في التاريخية من شأنه أن يقرب بين الفرقتين؛ لأن الانقسام الفِرَقي قام بناء على طبيعة سياسية بعد اجتماع السقيفة[22]، وهذا كما يُطلب أن يتم على المستوى المعرفي لا بد أن يسلك سبيله إلى الممارسات الشعبية وخصوصا لدى الشيعة؛ "فإن الربط بين تلك الملابسات التاريخية الحزينة [التي أحاطت بنشأة الاعتقاد الشيعي] وبين الانتماء المعاصر للمذهب الشيعي مسؤول -جزئيًّا على الأقل- عن بقاء شقة الاختلاف قائمة وحية في النفوس كما لو كانت الطائفتان لا تزالان تعيشان في عصر الإسلام الأول"[23].
يبقى مفهوم "التقريب" ملتبسًا، والتباسه أحد عوامل عدم تحقيق مضمونه؛ فبالرغم من أن جهود التقريب هذه بدأت منذ أواخر الأربعينيات من القرن الماضي فلا يزال يسود خطابات الفريقين من السنة والشيعة خطاب "أدبيات الخلاف والحوار"، وأن المشترك بينهم أكثر من المختلف فيه، وأن بعضهم يريد تحويل "فقه الاختلاف" إلى "فقه ائتلاف"، وأن الظروف الآن توجب التقريب؛ ما يعني أن خطاب التقريب لا يزال يراوح مكانه. غير أن الإنجاز المهم هو أن الخلاف ابتعد عن جحيم الوقوع في الكفر والإيمان الذي تراشق به بعض من الطرفين، والتقريب (يبدو التعبير الأقرب عما يجري من جهود هو "التعايش") إن أريد له أن يتحقق ويدوم فلا بد أن يقوم على أسس معرفية تعي الخلاف وتمارس النقد بعمق على الشكل الذي شرحناه، وهذا سيجعل من ثنائية الأخيار والأشرار التي يأتسر لها بعض الفريقين غاية في السذاجة. ويحدد معنى الإيمان في آية أخرى، حيث يقول: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة: 62). قلنا إن الدين يشتمل على العقائد والقيم والشرائع والمناهج، وإن الجزء الثابت في كل رسالات الله هو العقائد والقيم، والجزء المتغير هو الشرائع والمناهج. وقلنا إن أي جماعة بشرية تجنح إلى التفرق والتقطع مع مرور الزمن إلا أن يعصمها من الله عاصم، ثم تصل هذه الرسالات للأتباع في الأجيال اللاحقة مقطعة ممزقة. "وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون * فذرهم في غمرتهم حتى حين" (المؤمنون: 52 - 54). والمسلمون ليسوا بدعاً من الخلق، ورسول الله يقول ما معناه "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". والسبعة في الاستخدام العربي يراد بها أحياناً الكثرة. والحديث يقول إن هذه الكثرة درجات ... كثرة أولى لليهود، وكثرة ثانية للنصارى، وكثرة ثالثة للمسلمين. ونحن في هذا البحث لا نتعرض للطرائق التي يجب أن نتبعها في محاولة منع هذا التفرق ولا للطرائق التي تعيد هذا الشتات إلى حظيرة الوحدة، ولهذا حديث آخر بإذن الله. وهذا التعايش يتحقق على أساس المواطنة والبعد عن اعتبار الاعتقاد أساسًا للاجتماع على مستوى الدولة، واعتبار الاجتماع الإسلامي اجتماع أمة لا اجتماع ملة.
بين منهجية الاستدلال الفقهي وإغراء الفتنة الاختلاف المذهبي
كاتب ورجل دين لبناني شيعي. السيد هاني فحص
المصدران الأولان والمتفق على مصدريتهما للفقه (العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية) لدى عموم المسلمين، هما: القرآن الموجود بين دفتي المصحف من دون زيادة أو نقصان، والسنة. والقائل بغير ذلك  شاذ لا يلتفت إليه، وفي القرون المتأخرة لم تراود فكرة التحريف، زيادة أو نقيصة، ذهن أحد من مختلف المذاهب. ويحظى الفريق العلماني بتأييد شريحة من الإسلاميين المتشددين الذين يرون الديمقراطية كفرًا؛ لأنها تجعل الحاكمية للشعب، في حين ينبغي أن تكون هذه الحاكمية لله. وبعض الإسلاميين يرى أن الإسلام له تصوره الخاص للحريات. وأن هذا التصور أرقى من التصور الديمقراطي، بحيث يصير من قبيل ظلم الشريعة وإحباط تميزها أن نقول بأن الإسلام ديمقراطي. وشريحة رابعة من الإسلاميين ترى أن الإسلام وسّع نطاق الحقوق والحريات، لكنه جعل الحرية مسؤولة ومرتبطة بحدود الله وشرعته. أما المراودات القديمة فهي موزعة بين الجميع ومنبوذة من الجميع.
ومن المدهش إن جدي عاد سالما ولكن معذبا ونحيفا وفاقدا لمادة الحياة, كان قد أصبح مفقودا لمدة أربعة أشهر كاملة, واعتبر في عداد الموتى, ولا يعرف أحد على وجه التحديد إن كان قد استطاع القيام بفريضة الحج أم لا, وهل استطاع اللحاق بالموعد المحدد للقيام بالمناسك, ففي ظل الأسر تتشابه كل الأيام, لم يتحدث جدي عن هذا الأمر, ولكنه اعتبر أن كل الأيام التي عاشها بعد هذه الرحلة قد وهبت له فوق عمره الأصلي, لذا فقد احتفظ بالملاحف التي كان يرتديها وعطرها بالشيح والزعفران حتى يتكفن بها عند موته. ربما كانت رحلة الحج إلى مكة من أصعب الرحلات في تاريخ البشرية, ولعلها معجزة حقيقية أنها استمرت وتواصلت خلال مئات من السنوات بالرغم من الموت والقحط والحروب وانتشار الأوبئة وقلة المياه وهجوم البدو, لقد ظل توافد الحجاج على هذه المنطقة متواصلا, بل إن الأعداد كانت في ازدياد رغم شدة المخاطر, لقد كان الرحيل إلى مكة حلما أقوى من مخاوف الموت, بل إن الموت نفسه عد ثمنا رخيصا من أجل الوصول والتعلق في أستار الكعبة, لقد كانت رغبة الجميع في التوبة والغفران حارقة. ولم يتصور أحد أن توهب له هذه الأشياء دون القيام برحلة الحج. لم يكن جوزيف كونراد يدري بالضبط ماذا يعني الحج, فقبل أن يكون كاتبا من أشهر الروائيين الذين كتبوا باللغة الإنجليزية كان بحارا ونصف قرصان يعمل في بحار آسيا الجنوبية على ظهر سفن ضخمة ومتهالكة تمخر وسط بحار العواصف, سفينة أشبه بالتوابيت العائمة, يصف كونراد في روايته الشهيرة (لورد جيم) كيف تتحول هذه السفن في موسم الحج إلى شاحنات للبشر, آلاف من البشر الفقراء يخرجون من كل موانئ آسيا المسلمة ليتكدسوا في القيعان المظلمة وسط البضائع والفئران دون نسمة من الهواء النقي أو وجبة حقيقية من الطعام, ولا تنتهي الرحلة إلا وقد ماتت منهم أعداد كبيرة, وبعد ذلك يبقى الجزء الأكبر رعبا في هذه الرحلة داخل الصحراء العربية نفسها. لقد ظل الطريق إلى مكة والمدينة على حالته البدائية منذ ظهور الإسلام حتى وقت قريب من أوائل القرن الماضي, ويبدو أن كل الحكام المسلمين على اختلافهم قد اتحدوا على إبقاء الحجاز منطقة بعيدة ومعزولة من الصعب الوصول إليها أو الخروج منها, وكانت مهمة الولاة - أمويين وعباسيين وفاطميين وعثمانيين - هي تحويل الصحراء بينهم وبين الحجاز إلى حجاب عازل, ولم يكن أحد منهم يتذكرها إلا في مناسبتين, عندما تهب ثورة أو تمرد فيقمعونه بمنتهى العنف, أو عندما يخطر لأحد الأمراء أو الخلفاء أن يقوم بالحج, وفي هذه المناسبة تحفر بعض الآبار المؤقتة التي سرعان ما تردمها الرمال, أو يسترضون بعضا من القبائل التي ما تلبث أن تعود لدأبها السابق من السرقة والنهب, لم يتذكر مكة والمدينة إلا فقراء المسلمين والعلماء بقلوبهم المتوهجة التي ترى في مجاورة الحرم عودة إلى منابع العلم الأولى. ولكن ظل الحرم بعيدا ونائيا, لا توجد حوله إلا قبائل جائعة لا تجد في موسم الحج إلا فرصة كبرى للاستغلال ولا تجد في الحجاج إلا ضحايا يجب مص دمهم وقتلهم إذا لزم الأمر. وقد زادت حدة هذا الأمر في عهد الأشراف, وهم من سلالة آل البيت, وقد توالوا على حكم مكة والمدينة بتشجيع من الحكام الفاطميين واصبح لهم نوع من الاستقلال الذاتي, وقد قاموا ببعض الإصلاحات العمرانية والإدارية, إلا أنهم كانوا شديدي القسوة على حجاج بيت الله فقد فرضوا الضرائب لا على رأس الحاج فقط ولكن على متاعه وعلى الدابة التي يركبها, وفي عهد صلاح الدين الأيوبي بلغ من جشع أحد هؤلاء الأشراف أنه كان يفرض على رأس كل حاج سبعة دنانير ذهبية كاملة, وكان يحبس الحجاج وجمالهم في حظائر ضيقة في ميناء جدة, وبالرغم من سطوة صلاح الدين فإنه أدرك أن القوة لن تجدي نفعا مع هذا الشريف, لذا فقد اتفق معه على أن يرفع هذه الضريبة الجائرة في مقابل شحنات من القمح يرسلها له كل عام, وأوقف صلاح الدين خراج عدة قرى في مصر من أجل هذا الغرض, بل ويقال أيضا إن صلاح الدين أبطل ثمانين نوعا من الضرائب والمكوس كانت تفرض على الحجيج, ولا بد أنه حتى سيور نعال الحاج لم تكن تنجو من الضريبة, وعلى أي حال فلم يستمر هذا الاتفاق طويلا, فما إن مات صلاح الدين وكف خلفاؤه عن إرسال القمح إلى الشريف حتى عاد إلى سيرته في حبس الحجيج وسلب أموالهم. يصف لنا إبراهيم رفعت باشا أمير الحج المصري في مذكراته الشهيرة كيف كان العربان يحاصرونه ويفرضون عليه الرسوم والإتاوات رغم أنه كان رجلا عسكريا وبصحبته حامية من العساكر, ولكنه كان يدرك أن المقاومة لن تتسبب إلا في خسارة المزيد من الأرواح, ولكنه ما إن ينتهي من التفاوض مع قبيلة حتى تظهر له قبيلة أخرى تطالب بإتاوات جديدة, بل إن دلائل القوافل أنفسهم كانوا يتعمدون تضليل القوافل بعيدا عن الطرق المألوفة حتى يتركونها فريسة للصوص الذين سبق الاتفاق معهم, وكان الأمر يتحول إلى مذبحة حقيقية إذا بدر من القافلة أي نوع من المقاومة, وعلى حد تعبير الإمام محمد رشيد رضا فإن الحجاج الوحيدين الذين كانوا يشعرون بالأمان هم الحجاج الأفارقة لأنهم كانوا يسيرون على أقدامهم دون أن يملكوا من حطام الدنيا شيئا يمكن أن يسرق, وقد كتب الشاعر أحمد شوقي قصيدة طويلة بعنوان (ضج الحجيج) يستصرخ فيها السلطان العثماني عبدالحميد أن ينقذ رعاياه المسلمين من سطوة العربان, ولم يكن الشاعر يدرك أن السلطان قد بات عاجزا عن صيانة عاصمة ملكه بل وحياته نفسها من سطوة الإنكشارية, وأن الأقدار كانت تعد العدة لخروج رجل آخر من عمق الصحراء هو الذي سوف يعيد الآمان المفتقد لحجاج بيت الله ويضع الأساس لإنشاء أول دولة حديثة هو (عبد العزيز بن سعود). كانت المشكلة الأخرى التي تواجه الحجيج في تلك الصحراء الجافة هي الماء, فقد كان سعره في موسم الحج يرتفع إلى أسعار مضاعفة, وربما ندر وجوده تماما, فبئر زمزم وغيرها من عيون مكة لم تكن في متناول الجميع وكان يتولى أمرها من يتحكم فيها ويفرض السعر الذي يراه, كما أن معظم الماء الذي كان متوافرا كان مالحا ومتسخا ومليئا بالرمل, وكان الحمالون يأخذون الثمن مضاعفا إذا كانت خيمة الحاج بعيدة بعض الشيء, بل إن الحجاج كانوا يتوضأون من نفس الحوض الذي تشرب منه الدواب. وقد كتب (ميرزا داود) وزير الوظائف في إيران في سفرنامته عن الحج (لا أستطيع أن أنسى منظر تلك المرأة المصرية التي يبس لسانها من العطش, وعرضت علي سوارا في يدها مقابل جرعة ماء, فلما أعطيتها الماء ورفضت أخذ السوار منها, عمدت إلى يدي فقبلتها, وأرادت السجود أمام شخصي الحقير, لقد وهبت اليوم كل ما لدي من ماء فلم يبق لدي شيء منه حتى للوضوء). إذن فالكتاب والسنة -وسواهما موضع خلاف- لا يفترق المذهب الشيعي الإمامي الإثنا عشري، والأصولي منه أساسًا (وهو مختلف عن الإخباري)، وهو الأوسع انتشارًا، لا يختلف عن بقية المذاهب الإسلامية في المسألة السابقة التي ترقى إلى مستوى البداهات، فضلا عن كونها من المسلَّمات.
الخلافات.. ومنطلقاتها النظرية
وإنما يأتي الخلاف أو الاختلاف في مناطق أخرى، منها منطقة الأدلة الأخرى، أي الإجماع والعقل اللذين يضيفهما الشيعة (المدرسة الأصولية) إلى الكتاب والسنة، من دون أن يدعوهما خارج الجدل الدائم حول تعريفهما ومصدريتهما، وحول آلية وصدقية مطابقة العقل للشرع، واشتراط حجية الإجماع بالكشف عن رأي المعصوم؛ مما جعل بعض علماء الشيعة المعاصرين لا يعتبرونه دليلا بذاته، بل من حيث كونه كاشفًا عن السنة، أي سنة، كما يضيف السنة على خلاف متحرك بين المذاهب الأربعة، خاصة فيما يعود إلى القياس، والاستحسان والاستصلاح، والمصالح المرسلة، وسنة الصحابة، فضلاً عن القياس والإجماع.
وهناك لدى علماء الشيعة والسنة من يدعون إلى توسيع مساحة الاجتهاد، أي نقله من مساحة المذهب إلى الفضاء المنهجي والعملي المشترك بين جميع المذاهب، مما يلزم الفقهاء منهجيًّا بالتدقيق في حقيقة الاختلاف بين المباني التي تتحرك عليها عملية الاستنباط، وتتكون منها المنظومة الخلافية، بحيث تدل بعض التجارب البحثية الجادة في أصول الفقه المقارن (السيد محمد تقي الحكيم) والمتخففة من القبليات والأنماط الجاهزة فيما يعود إلى الذات والآخر، والمتراكمة على مر تاريخ الخلاف انقطاعًا أو سجالا أو حوارًا، تدل على أن الخلاف في المباني يمكن أن يؤول أغلبه على موجب البحث المعمق إلى خلاف شكلي، وما يتبقى منه يبقى في حدود الطبيعي ويمكن استيعابه وتجاوزه، من دون حاجة إلى إلغائه تقديرًا لضرورة وجوده نسبيًّا كمصدر حيوية، إلى ذلك فإن إلغاءه يتضمن تعسفًا لا مكان له ولا مسوغ في حركة المعرفة الجادة.
والمنطقة الأخرى التي يأتي منها الخلاف، موصولة بالأصول، أي أصول العقائد، أي أنها متأثرة أو نابعة من الخلاف في علم الكلام التقليدي إلى حد كبير، في حين أن علم الكلام الجديد وفلسفة الدين، التي انفتح بابها أخيرًا على أساس أن الاجتهاد الضروري فيها تم تخطيه لأسباب غير معرفية، مما يعني أن هذه المنطقة من الخلاف سوف تكون عرضة في المستقبل إلى كثير من الاكتشافات والمكاشفات التي تقرِّب المسافات أو تلغي المفتعل منها، وتدوِّر الزوايا وتنقل التعدد الفكري من موقع الثنائية الحادة والتقابل الفصالي إلى حال من التكامل على موجب الاختلاف الطبيعي الذي لا يعطل الحوار، بل تقتضيه كما لو كان شرطه الديني والمعرفي.
وتتركز المسألة المذكورة أعلاه في إلزام أو التزام الشيعة الإمامية بسنة الأئمة الاثني عشر من خلال التعريف الشيعي الإمامي للسنة بأنها "قول المعصوم أو فعله أو تقريره"، متعدين بذلك تعريف المذاهب السنية المختلفة للسنة بأنها: "قول الرسول صلى الله عليه وسلم أو فعله أو تقريره". مع إضافة قيد أو شرط كونه -أي الرسول صلى الله عليه وسلم- في مقام التشريع بناء على حصر العصمة في دائرة التبليغ أو مقامه.
وبناء على اعتقاد الشيعة الإمامية بالعصمة المطلقة لأئمة أهل البيت بسبب ربطهم بين مقام الإمامة ومقام النبوة، إلى حد أن بعض علمائهم يحيلون الأصول ثلاثة بدل الخمسة (أي التوحيد والنبوة والمعاد)، بدل "التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد"، كما هو العدد لدى الآخرين، على أساس أن العدل لدى الثلاثيين هو مقتضى التوحيد وبه يتم معناه، كما أن الإمامة هي مقتضى النبوة، والدليل على النبوة هو الدليل على الإمامة.. بناء على القول بعصمة الأئمة إذن يصبح الأئمة الاثنا عشر في المنظار الشيعي هم الطريق الأول -وربما كان الطريق الحصري- إلى معرفة السنة النبوية أي ثبوتها، أو ثبات الصدور عن الرسول صلى الله عليه وسلم، في حين يكون الرواة الثقات طريقًا لإثبات سنة الأئمة أو وقوع الأئمة في سند السنة النبوية.
وعودًا على بدء لا بد من التنبيه إلى أن إسقاط قيد أو شرط كون الرسول أو المعصوم في مقام التشريع من تعريف السنة مشفوعًا بالعصمة المطلقة للرسول أو الإمام لدى الشيعة الإمامية؛ يعني أن كل سنة هي تشريع، وأن المعصوم حسب المنظار الشيعي هو دائمًا في مقام التشريع، وفي كل شيء؛ مما يعني أن دائرة التشريع تتسع للسياسة، أي لنظرية الحكم والدولة الدينية وغيرها، كولاية الفقيه التي تتحدى الفقهاء من غير القائلين بها حسب قراءتهم للأدلة التقليدية التي يستند إليها القائلون بالولاية المطلقة، غاية الأمر في الاختلاف أن غير القائلين بولاية الفقيه إنما يستبعدون الإطلاق فيهما من دون أصلها، في الأمور الحسبية، وهذا التحدي مصدره المشتركات المبنائية المتفق عليها في عملية الاستنباط الفقهي، أي الأصول التي تتداخل فيها أصول الفقه مع أصول العقائد (علم الكلام) ومن دون فرق جوهري بين قائل بولاية الفقيه المطلقة أو المقيدة.
وإلى أين يذهب الفقيه السني الذي يقول بالدولة الشرعية أو الدينية، ليستدل على وجوبها أو مشروعيتها، إذا لم يكن لديه اقتناع أو عقيدة بالمباني الشيعية نفسها؟
كما هو ملحوظ فإن الفقيه السني يذهب إلى قراءة تأويلية (ألسنية) لعموميات في الكتاب والسنة، أي أنه لا يخضع نظرية الحكم لمنظومة مبنائية في الفقه، بل يتعامل مع النص مباشرة كمنجز نظري، ودلالي (أي معرفة) غير مسبوقة بمعارف قبلية، بل برغبات سياسية تبحث عن مسوِّغاتها بعد تكوينها في ذهن أهل الرغبة، لما يعني أن إشكالية الفقيه السني في مكان وإشكالية الفقيه الشيعي في مكان آخر.
إشكالية الفقيه السني في الافتقار إلى المسوغ الإلزامي، وهذا ليس عيبًا، وإشكالية الفقيه الشيعي أن إلزامية رؤيته لا تتأتى من السياق الفقهي، وهي عرضة لتقلبات الرؤية في علم الكلام؛ مما يعني أن الاستمرار في البحث في علم الكلام الجديد يمكن أن يصل إلى المساس بالمباني، وحينئذ يصبح لزامًا أن تبحث مسألة الحكم والدولة على نصاب معرفي مختلف، أي على أساس الإجابة الشافية عن السؤال عن موقع الدولة في أنظمة الاجتماع البشري، الذي يكيفه الدين فقهيًّا ولا يخترعه وجودًا ولا حراكًا، حتى إذا ما انتهى البحث إلى الاقتناع الآخذ في التعاظم سعة وعمقًا الآن، بأن الدولة ضرورة اجتماع؛ فإن العالم أو الفقيه سوف يعود إلى قراءة النصوص التأسيسية والمحطات التاريخية متحررًا من إلزامية الدولة شكلاً لينتقل إلى قبول مشروط بتعريف الدولة الحديثة وعدم وقوعها في موقع التضاد مع الرؤية الإسلامية لمسألة الحكم.
المنهج الفقهي.. والمشتركات النظرية
إن السؤال الذي يلح بعد كلامنا السابق والمركز على الخلافات بين المذاهب الإسلامية موصولة بمنطلقاتها النظرية، هو: هل منع ذلك -أو يمنع- أن يتسع الفضاء المنهجي للاستنباط الفقهي محكومًا بالمنطق الداخلي والمعياري والمقاصدي المتفق عليه إجمالاً لدى الجميع، أن يتسع هذا الفضاء لمشتركات نظرية تترتب عليها موافقات متحركة في تشخيص الموضوعات وترتيب أحكامها عليها؟ خاصة إذا ما انفتح فقه الجميع على حقول المعرفة المختلفة (الإنسانية والألسنية والأدبية عمومًا والبحتة والدقيقة والتطبيقية.. أمّا الجواب على هذه التساؤلات فهذه خلاصته: 1 - العلاقة الزوجية التي كانت قبل نزول آية المهاجرات، وكان اختلاف الدين موجوداً. الجواب: كان اختلاف الدين موجوداً، ولكن لم يكن قد نزل حكم منع زواج المسلمة من غير المسلم، ثمّ نزل هذا الحكم بعد ذلك، كما هو شأن كثير من الأحكام الشرعية. فهل هناك مشكلة إذا قلنا: إنّ هذا الأمر لم يكن ممنوعاً ثمّ منع؟ ألا يمكن اعتبار هذا الأمر من نوع التدرّج في التشريع الذي كان سمة هذا الدين. إلخ) والتي من شأنها إذا ما اندمجت في حركة المعرفة الدينية، أن توسع المساحة المشتركة لدى علماء المسلمين في الرؤية والمرئي والرأي؟
على هذا الأساس تصبح المسافة بين المذهب الفقهي الإثنا عشري والمذهب السني أقصر من مسافة نوعية بين مذهبين غير محكومين بمصدر واحد وغاية واحدة؛ لتتماثل هذه المسافة مع مسافة الاختلاف القائم والمتحرك -طولاً وقصرًا، أو بعدًا وقربًا- بين أي مذهب سني وأي مذهب سني آخر، أو داخل المذهب السني الواحد، على أساس تعدد المدارس والاجتهادات وحتى المباني داخل المذهب الواحد، هذا فضلاً عن المسافة المعروفة والمتأسسة على فتح باب الاجتهاد لدى الشيعة وسدّه لدى السنة -وهذه ليست مسلمة لدي- ولا تتلاءم مع حيوية التراث الفقهي للمذاهب الأربعة بعد الربع الأول من القرن الخامس الهجري، أي تاريخ فرض الخليفة العباسي القادر لرؤيته التقليدية على فقهاء المذاهب؛ مما أدى في البداية إلى حالة من جمود الفقه السني من دون أن يكون الفقه الشيعي قد استطاع أن يتحرك -وحده- على مقتضى فتح باب الاجتهاد، خاصة بعد استيلاء طغرلبك السلجوقي على بغداد ووفاة الشيخ "الطوسي" -شيخ الشيعة  ومجتهدها الأكبر في عصره- مما جعل الفقه الشيعي يتوقف، ويصبح تكرارًا لفقه "الطوسي" كمظلة وحيدة لحالة البطالة التي أصابت العقل الإسلامي تحت ظل السلاجقة؛ وهو ما امتد أثره السلبي لدى الشيعة إلى القرن الثامن الهجري.
وفي المحصلة كان فتح باب الاجتهاد لدى الشيعة، خاصة بعد نهاية السلاجقة واجتراء الفقيه الشيعي "ابن إدريس الحلي" على الدعوة إلى الخروج عن الطاعة العمياء للشيخ "الطوسي" وتعطيل النظر في فقهه واجتهاده.. كان كل ذلك مدعاة إلى تكون دائم للمسافات العظمى أحيانًا بين فقيه شيعي وفقيه شيعي آخر، ما تمظهر -ويتمظهر دائمًا- اختلافًا في أحكام غاية في الحساسية (ولاية الفقيه مثلا) إلى غيرها مما يتصل بالفقه السياسي والدستوري، بناء على حجم الجرعة المتحققة في عملية الاستنباط من مسلمات المنظومة العقائدية.
بين الأصوليين والإخباريين
ولا بد أن نتذكر هنا ونذكِّر بأن المسافة بين الفقه الشيعي الإثنا عشري الأصولي (نسبة إلى أصول الفقه) والفقه الشيعي الإثنا عشري الإخباري تبلغ في البعد والعمق حد عدم القدرة أو صعوبة تشخيص الصلة المذهبية الفقهية بين الفقهين، ما كان هو الكامن وراء الصراع الذي احتدم بين الأصوليين والإخباريين في القرن التاسع عشر الميلادي، واصطبغ بالدم أحيانًا، ثم عاد ليهدأ بعد ما سلم الإخباريون بغلبة الأصوليين، واندمجوا في إطار الحوزات العلمية حتى قربت المسافة العملية بينهم وأثرت بشكل ملحوظ على المسافة العلمية ولمصلحة المنهج الأصولي الاجتهادي أكثر الأحيان، وحتى أصبح عدد من علماء الإخبارية يبلغون درجة الاجتهاد ويقدمون أنفسهم كمجتهدين.
هل الخلافات مسؤولة عن التباعد عن مقتضيات الوحدة؟
والشريعة لغة: هي الطريق الموصل إلى مورد ماء، والماء هو سر الحياة المادية. فالشريعة إذاً هي الطريق إلى الحياة الطيبة. 3- الدفاع عن التدين عقيدة قرآنية: والمبدأ الثالث الثابت بين أيدينا أن من حق أي مجموعة من المؤمنين بالله أن تدافع عن تدينها، وتحافظ عليه، وإلا فسدت الأرض. والله – تعالى - يقول: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (البقرة: 251). والله جعل من سنن الوجود أن يمنح أهل التدين باسمه القدرة على الدفاع عن أنفسهم وعقائدهم "دفْعُ الله الناس بعضهم ببعض"، ومن هنا كان واجباً على دولة تسود فيها شرائع الإسلام أن تعمل على حماية التدين عقائد ومعاملات. وفي زمن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أفزعه أن يعرف أن من بين رعيته أقواما يتزوجون أمهاتهم وأخواتهم: وهم المجوس، فأرسل إلى الحسن البصري فقيه عصره يسأله عن الأمر، فأبرق إليه الحسن البصري هذه البرقية التاريخية: "إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: هذا مما جرت به عقائدهم، وإنما أنت متبع ولست مبتدعاً، فالـزم، والسلام". فلزم أمير المؤمنين شريعته، وانتهى إلى ما أمره به فقيه عصره، وتركهم على ما هم عليه. 4- الشرعة والمنهاج "جَعْلٌ رباني" و"عمل إنساني": قلنا إن الشرعة والشريعة تعني في اللغة الطريق إلى مورد ماء، وتستخدم في القرآن؛ لتصف مجموعة القوانين التي طورتها الأمة منبثقة من عقائدها وقيمها، وشاملة كذلك النصوص القانونية التي جاءت وحياً. أما المنهاج: فهو يعني في اللغة "الطريق المفتوح"، ويعني في الاصطلاح القرآني طريق حياة في الاجتماع والاقتصاد والعمران والتنمية والسياسة. وهناك سؤال آخر: هل تتحمل هذه المسافة بين الفقه السني والفقه الشيعي -على صعوبة التعريف الجامع المانع لكل منهما- مسؤولية التمايز أو التباعد عن مقتضيات الوحدة في التاريخ الإسلامي؟ بحيث نعود لنحملها مسؤولية ما قد يترتب على إذعاننا لإملاءات الآخرين على طريق التفرقة والصراع الآن؟
سأحاول هنا أن أرسم علامات أو مفاتيح للشروع في تدبر الإجابة المتأنية والمشتركة على السؤال. مبتدئًا في استرعاء نظر وعلم ودين الجميع وحرصهم، إلى أننا الآن -كمسلمين شيعة وسنة- على أهبة الدخول في معمعة صراعية تعيد إلى الذاكرة تاريخًا بعيدًا لا علاقة لمشاهده الجارحة بعلمنا وعلمائنا، فضلا عن عقائدنا، وسوف تضيف إليه ما يجعله أقل مرارة في ذاكرتنا من الراهن والآتي. إذا تمت ترجمة الطبيعة الخَلقِية في حرية الاختيار إلى فكر سياسي نجد أن فهمنا لها يمنعنا من ممارسة كبت الحريات؛ لأن ذلك عبارة عن تعرض لمسألة خلقية لها علاقة بالإرادة الإلهية، وفي هذا عبث. إنه من السذاجة والغباء أن يقف امرؤ في وجه قدر إلهي أو إرادة إلهية؛ لأنه لن يقدر على أية مقاومة أو تغيير. وهو بذلك كمن يحاول طي الشمس لتظهر علينا من الغرب أو الجنوب. أما إذا حاول أحد القيام بذلك، وقد تمت المحاولات تاريخيًا في كل مكان، فإنه يصنع أجواء غير صحية تتميز بالكبت والقهر والظلم والشعور بالضعة والهوان والكراهية والتآمر وعدم الاستقرار... إلخ. والثابت تاريخيًا فشل محاولات حرمان الناس من حريتهم في الاختيار في الاستمرار، وأن هذه المحاولات العقيمة ولدَّت ردود فعل متعددة الأنواع، وانتهت إلى التغيير. إسلاميًا، السبب واضح وهو أن الاعتداء على حرية الاختيار عبارة عن اعتداء على شيء طبيعي خلق به الإنسان؛ مما يولد تناقضًا ما بين الطبيعي والاجتماعي. وبما أن الطبيعي متأصل، فإن الإنسان، رضي أم لم يرض، سيثور حتمًا ضد ما يناقض طبيعته مهما طال الزمن. قد يطول عمر الممارسة الاجتماعية السلبية، والتي هي في هذه الحالة الاستبداد والطغيان، لكنها لن تعمر أبدًا، وتبقى تناقضاتها مع الحالة الموضوعية الخَلقِية مصدرًا للمشاكل والهموم والآلام. إذن فلا بد أن نسعى -معًا- لتفادي مشهد جارح متوقع وواسع، إن لم يكن مدمرًا لكل شيء، فلا بد أن يكون إعاقة نوعية على طريق دنيانا وآخرتنا.
إننا لا نبالغ عندما نقول: إن حركة الفتنة في هذا العصر، وعلى إيقاع المتحولات العلمية وثورة الاتصالات والمواصلات.. لم تعد تنحصر في أماكن نشوئها، بل هي تجنح إلى العموم والشمول بسرعة فائقة، خاصة عندما يتولى الإعلام -والفضائيات بصورة خاصة- نقل وقائعها كاملة أو منقوصة أو مزيدًا عليها ما يتحول إلى زيت يؤجج نارها.. إنه يعرف ما يقوم به من عمل ومدى جنوحه عن الطريق الحق، فتقول الآية: "بل الإنسان على نفسه بصيرة" (القيامة: 10). إنه قادر على محاكمة نفسه ومحاسبتها. القدرة التمييزية خلقية وحرية الاختيار مترتبة عليها، وإلا انتفت حكمة التمييز وانتفت معها صلاحية بعض التشريعات الإسلامية، مثل حرية الاختيار بين الإيمان والكفر، وانتفت معها أيضًا مسؤولية الإنسان عما يقوم به من أفعال وأعمال. الحرية الخلقية تعني أن الإنسان لم يختر أن يكون حرًا، وإنما قدّر الله له أن يكون حرًا. ولم يخترع فكرة الاختيار، وإنما ولد وهي جزء لا يتجزأ من تركيبته النفسية الذهنية. إنها قدر إلهي كما أن كل نواميس الكون قدر إلهي لا رادّ لها ولا يملك الإنسان طاقة أو قدرة على إلغائها أو تخفيفها أو تجنبها. إنها ناموس كوني ثابت لا يملك الإنسان إلا دراسته، ومحاولة اكتشاف أسراره وتبعاته، والعوامل التي تؤدي إلى رقي الإفادة منه، وصقل الطاقات الإنسانية نحو مزيد من الاكتشاف والابتكار والمعرفة. أما محاولة القفز عن هذا القَدَر أو الحقيقة الخلقية أو إلغائه لا تقود فقط إلى إلحاق أضرار بالإنسان والمجتمع؛ وإنما تشكل اعتداء على ما قدّر الله. ولقد تعزز خلق الله للحرية مع خلقه الإنسان نفسه بتشريعات واضحة، حيث تقول الآية الكريمة: "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف، 29)، وتقول أخرى: "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى…" (البقرة، 256): بمعنى أن سلب حرية الاختيار من الناحية التشريعية عبارة عن اعتداء على حدود من شأنها تنظيم العلاقات بين الناس. وما من حادث جزئي يحدث الآن في حي من أحياء بغداد وفيه رائحة صراع مذهبي، أو فيه قطرة دم حرام مراقة مجانًا، من هنا أو هناك، إلا ويصل مع كل البهارات الحادة وذات النكهة الكاوية إلى باكستان مثلا.. وبعد أيام أو أسابيع يلد الدم العراقي دمًا باكستانيًّا أغزر وأشد هدرًا أو إيلامًا.
وإذا كان الترجيح من حيث السند قد انتهى إلى صحّة رواية التخيير وضعف رواية التفريق، فإنّنا نرى من حيث المتن ترجيح رواية التفريق، لانسجامها مع النصوص، ولقبولها من جمهور العلماء والمذاهب، ولأنّ رواية التخيير نفسها تختلف ألفاظها بين (قرّت عنده) و (أقامت عليه). وقد فسّر العلماء ومنهم ابن القيّم (أقامت عليه) بأنّها تبقى زوجته بالعقد ولا يحلّ لها أن تقربه. 3 - الرواية الصحيحة والأكثر شهرة عن ابن عبّاس التفريق. 4 - أمّا التابعون فقد أخذ جمهورهم برواية ابن عبّاس، ولم يأخذ برواية التخيير المنسوبة إلى عمر وعلي إلاّ النخعي والشعبي وحمّاد. 5 - حتّى إذا انقضى عصر التابعين، لم نعلم لدى جميع العلماء والمذاهب السُنّية والجعفرية والزيدية والظاهرية من قال بجواز حِلّ المعاشرة الزوجيّة بينها وبين زوجها غير المسلم. لذلك يصحّ أن نقول: إنّ الإجماع انعقد بعد عصر التابعين على هذه المسألة، لم نعلم في ذلك خلافاً، وعلى من يدّعي غير ذلك أن يأتينا بقول واحد يؤيّد رأيه. ومن المعروف عند الأصوليين أنّ الإجماع لا يُشترط فيه أن يكون في جميع العصور، بل يكفي أن يكون في عصر واحد. ثالثاً: وجوب فسخ عقد النكاح السابق إذا أسلمت الزوجة: أولاً: كيفية فسخ العقد: إنّ عقد النكاح السابق لإسلام الزوجة كان صحيحاً، ولكنّه بعد الإسلام يُصبح واجب الفسخ. ودعك مما يثيره في أماكن أخرى، وما يحدثه ذلك من تضييق مساحة الاتفاق الإسلامي على القضايا الكبرى (فلسطين مثلا)، والتي كانت منذ كانت نصابًا للتوحيد والوحدة والشراكة الجهادية، لموقعها في نظام حياتنا وحضارتنا وكرامتنا المقارب لموقع التوحيد في نظام عقيدتنا؛ وهو ما يعني أن المس بها مس بالتوحيد، والمس بالتوحيد مس بها، ولا مجال في هذا المجال لتبرئة فاعل أو منفعل، ولا داعي لتمجيد محق وترذيل مبطل؛ لأننا جميعًا نكون مبطلين؛ لأن الحق هو الذي يتوسط ويحث على التسوية، والعدل هو الذي يعم الجميع.
وماذا بعد؟
لو تركت خلافاتنا منذ القرن الهجري الأول، أي اجتهاداتنا، أي معرفتنا المتعددة بالإسلام، والتي يقرها الإسلام ويريدها "اختلاف أمتي رحمة".. لو تركت هذه الخلافات تنمو وتتحرك بشكل طبيعي وحر وإيماني، ومن داخلها، لكان حالها وحالنا أقرب إلى الصواب والسلامة، أي لكان الحوار بين المعارف المتعددة والمختلفة وبين العارفين من العلماء أنشط وأقرب إلى التكامل وترجيح الوفاق وضبط الخلاف، ولما كان من شأنها أن تنفجر دماءً وصراعًا، لولا أن مؤثرًا خارجيًّا تداخل مع نسيجها الداخلي، السياسة، السياسة السلطانية، بعد العهد الراشدي، أي بعد عهد السياسة الإمامية أو الخلافية، (بمعنى الخلافة عن الرسول صلى الله عليه وسلم)، أي التأسِّي والاتباع والاجتهاد في ذلك.
وأحسن المسلمون الأوائل في هذا السياق فن التنازل الدائم عن الفرعيات حفظًا للأصول، لموارد الاحتياط، وصيانةً لمقاصد الشريعة، أحسنوا التسوية وظلوا يتعاطونها حفاظًا على الوجود وطموحًا إلى تحقيق كمالات هذا الوجود، إلى مقتل الحسين، وإباحة المدينة، وهدم الكعبة... إلخ.
لا ألح على الاستذكار؛ فالآن المسألة أشد خطرًا؛ فالأعداء أكبر وأخطر بكثير مما عرفنا، والمؤثرات الخارجية والرياح العاصفة تمتد مصادرها علينا من أقصى الأرض إلى أقصى الأرض، وحكامنا ودولنا أضعفوا من حالهم وحالنا -وليس الوقت وقت محاسبة- حتى استُضعفوا واستضعفنا، وأتانا الآخرون، الأعداء دائمًا، ليقولوا لنا: لستم جديرين أو مؤهلين لبناء دول ومجتمعات، نحن نبنيها لكم على مقتضى مصالحنا. وأخيرًا يقول لسان حالهم لنا: لستم مؤهلين لأن تكونوا مجتمعات، نحن نفرقكم لنعيد جمعكم على نصابنا!!
هل يتسع فقهنا الخلافي الآن -مع كل المستجدات المعرفية العظيمة والواسعة- لتغطية سلوكنا الآيل إلى صراع دموي يقع في دائرة وإرادة غيرنا؟ هل الصراع المذهبي المدمر الموعود -لا حقق الله موعده ووعده؛ بشرط جهودنا وجهادنا طبعًا- هل هذا الصراع هو غير تطبيق لنظرية تكونت منذ حرب فيتنام؛ أي عدم جواز أن يقاتل الأمريكيون بلحمهم؟ بل بلحم غيرهم؛ أي لحمنا؟! كانت هناك ضرورة أمريكية في حصر احتلال العراق. أما الآن فموجبات الحصرية انتهت، ومن هنا عادوا إلى الأمم المتحدة والقوات المتعددة الجنسية.. فماذا نحن فاعلون؟ هل نخرج من فضائنا الدولي؟ هل نخرج من ذاتنا؟ هل نتقاتل لنوفر على الآخرين دماءهم وأموالهم؟!
المسألة الآن هي بحجم وجودنا ومستقبلنا، ولا بد من مبادرة جادة، عربية إسلامية، فكرية علمية وسياسية تحصينًا للعراق، تحصينًا لنا في العراق من أخطار ماحقة.
إيقاظ الذاكرة.. من أجل سلامة الرؤية
وإذا كان لا بد من إيقاظ الذاكرة احتياطًا لسلامة الرؤية راهنًا والاستشراف الدقيق مستقبلا؛ فإن في تاريخنا الإسلامي الأول -ومنذ بدرت بوادر الاختلاف الطبيعي- ألف دليل ساطع وملموس وملزم، على أن أهل العلم والصلاح من الخلفاء الراشدين إلى التابعين وتابعي التابعين، من الصحابة والمتأسين بهم، لم يسمحوا للخلاف بأن يتحول إلى دم حرام وخراب عام، والذين اقترفوا ذلك كانوا أقرب إلى الجهل والجاهلين منهم إلى العلم والإسلام، وكان الدين ذريعتهم لا غايتهم، والدنيا مقصدهم لا الآخرة، ونحن الآن أين من أولئك وأولئك؟
أما تاريخنا الحديث في إيثار الوحدة على الفتنة؛ ففيه أن السنة والشيعة في الجليل وعامل في بلاد الشام تقاتلوا، ولكن ظاهر العمر وناصيف النصار قائدي الفريقين تصالحا، وقاتل الجميع -معًا- أهلَ الجور والطغيان، وقدموا أمثولة تستحق أن تستعاد، وعانى الشيعة مع سائر المسلمين من جور العثمانيين وجهلهم، من دون ظلم أو افتئات على العظماء من سلاطين آل عثمان وخاصة سليمان، ولكن الشيعة مع المسلمين -إلا من شذ منهم لأسباب مختلفة- مالوا في اللحظات الحرجة إلى جانب السلطنة، وأنصفوا عبد الحميد من دون أن يسوِّغوا أخطاءه في مواجهة الهجمة الاستعمارية عليه، وعطلوا تناقضاتهم مع "الاتحاديين" على مفصل الحرب الكونية الأولى إيثارًا للوحدة في مواجهة الأخطار العظمى، وعندما سقطت الدولة وأعلن فيصل نفسه ملكًا على بلاد الشام ناصروه علنا وبحماسة، وهو لم يكن يغري الشيعة منهم بتشيع ذرائعي، بل كان صريحًا في تسنّنه.
وفي محطة الشورى الدستورية (المشروطة) التي تأسست في إستانبول وكان لها صدى عظيم في طهران اندمج مجتهدو الشيعة في سياق المطالبة بالحرية والتحديث الأصيل، وعندما بدا أن الشاه القاجاري يتلكأ في تطبيق الدستور، وأن السلطان محمد رشاد في إستانبول ماضٍ في وعده بتطبيق هذا الدستور أرسل مجتهدو النجف العشرة الكبار رسالة تهديد إلى الشاه القاجاري، ورسالة تأييد إلى محمد رشاد مشفوعة بالولاء والبيعة، على موجب الدستور باسم الشيعة من دون أن يعترض أحد، اللهم إلا أولئك القلة من دعاة الاستبداد، وتبعًا للاختلاف على هذه المسألة (الاستبداد والدستور) لا على أساس الاختلاف بين السنة والشيعة.
نحو ميثاق تأسيسي لهيئة قضايا الوحدة والتقريب
الشيخ محمد مهدي شمس الدين , رحمه الله تعالى
رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان سابقًا
إن الأمة تعاني من نوعين من الخلافات التي تصدّع وحدتها، وتوهن تماسكها، وتفرق كلمتها:
1.خلافات المصالح والمخاوف السياسية الناشئة من عوامل التفاعل والتدافع في المجال الدولي والإقليمي، وفي صميم ذلك نفوذ القوى الأجنبية غير المسلمة في العالم الإسلامي (أوروبا وأمريكا). وهذا النوع من الخلافات قائم بين الدول الإسلامية نفسها (بين دولة ودولة، بين دولة ومجموعة دول، وبين مجموعات دول).
2.خلافات المذاهب على المستوى العقائدي والفقهي، وهذه خلافات تتمظهر داخل كل دولة في علاقات المواطنة بين المواطنين أنفسهم، وفي علاقات فئة من المواطنين بالحكومة التي تختلف عنهم في الانتماء المذهبي.
يتولد من تمظهر الخلاف في علاقات المواطنة شعور النبذ والعزل، ويتولد من تمظهر الخلاف في علاقات السلطة الاضطهاد السياسي والحرمان في مجال التنمية والمشاركة في جسم الدولة.
يفترض أن منظمة المؤتمر الإسلامي والمنظمات الإقليمية الأضيق نطاقا (الجامعة العربية، مجلس التعاون، الاتحاد المغاربي) وهذه كلها منظمات حكومية تعالج الخلافات على المستوى الأول، ولكن لا توجد هيئة أو (هيئات) تهتم بهذا المستوى من الخلافات.
أما المستوى الثاني من الخلافات فقد كان مدار اهتمام القيادات الواعية في الأمة منذ النهضة الحديثة، بعد هجمة الاستعمار، وانهيار النظام العثماني (جمال الدين الأفغاني ومدرسته) . وقد عبرت عن هذا الاهتمام جهود فردية أول الأمر (نداءات وأبحاث لمفكرين وفقهاء)، ثم تمظهر في المؤتمر الأول الذي عقد في القدس سنة 1931م وكان همّ الوحدة أحد همومه البارزة. ثم تمظهر في مؤسسة متخصصة متفرغة لهذا الشأن هي دار التقريب بين المذاهب الإسلامية التي شكلها في القاهرة نخبة من الفقهاء والباحثين من الشيعة والسنة، ورعاها الأزهر من جهة، والمرجع الديني الشيعي الكبير السيد البروجردي من جهة أخرى، كما تمظهر في العلاقات التي أرساها الشيخ المرحوم حسن البنا مع علماء ومفكري الشيعة في تلك المرحلة.
خطاب الوحدة في العقيدة والشريعة
إن خطابات التأسيس تركز على وحدة الأمة في مجال الفكر والعقيدة وفي مجال العمل والسلوك.
أ‌.  خطاب العقيدة:
إن الأمة المسلمة تكونت على قاعدة التوحيد في التصور والعقيدة، ومن ثم تكون موحدة في الولاء والانتماء، وموحدة في الموقف والفعل. وقد حفل القرآن الكريم بالآيات الكريمة التي تضمنت بيان هذه الحقيقة في مجال العقيدة ومجال التشريع، وحث المسلمين على رعايتها:
(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا) [آل عمران/ 301].
(وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [آل عمران/105]
(وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ) [الأنعام/153]
(وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال/646 ]
(إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ) [الصف/4]
ب. الخطابات العملية:
كما أن الخطابات العملية إلى الأمة تقتضي الوحدة:
1.(وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ) [الأنفال/60]
وأحد أعظم مظاهر القوة هو الوحدة. وفي هذا التحقيق تتناول مظاهر الخير في رمضان، والعقبات التي تعترض استمرارها، وكيفية التغلب عليها لنجعل من العام كله رمضان حتى ولو في بعض الأمور الضرورية. من مظاهر الخير في رمضان تتنوع مظاهر الخير والبر التي يحرص المسلمون فتذهب ليلى خميس (31 سنة) -مدرس مساعد بكلية الألسن- أن مظاهر الخير التي تحرص عليها تتركز في محورين أساسيين، أولهما: العبادة والتي تأخذ شكلاً خاصًّا في رمضان فتحرص على صلاة القيام كل ليلة، وتختم القرآن الكريم أكثر من مرة، أما المحور الثاني فهو السلوكيات والمعاملات وتقول: "فأحب مظاهرها إلى مشاركتي في أعمال الخير تجاه أهل الحاجة، وصلة الأرحام، وزيارة الأقارب ودعوتهم على إفطار جماعي". أما سامي حبيب (42 عامًا) تاجر – فيقول: "أبرز أنشطتي الخيرية في رمضان إخراج زكاة المال؛ لأن بيوت الفقراء تكون في هذا الشهر محتاجة إلى المساعدة وأستطيع بذلك تنفيس كربة عن المسلمين، إضافة إلى تصريف الزكاة في مصارفها الشرعية، وعلى اعتبار أني تاجر فأنا أبحث عن الثواب الأكبر في إخراج الزكاة في رمضان حيث الحسنات مضاعفة. ويوافقه في هذا الاتجاه عبد الله عيد (45 سنة) -تاجر- في إخراج الزكاة في رمضان، وحيث إنه يرأس لجنة زكاة فيؤكد "أنه يلحظ زيادة منسوب الإيمان في رمضان، وزيادة فعل الخيرات فتصبح الطاعة محببة إلى النفوس في أي شيء؛ لذلك نجد إقبالاً على المساهمة في "شنطة رمضان" وتوفير أقمشة للعيد، وأنه يسعى من خلال لتحقيق الكفاية لليتيم والمحتاج، وليس سدّ الرمق فقط، فالإحساس بالآخر هو الأساس في فعل الخير. إن هذا الخطاب للأمة، ولا يمكن أن تملك الأمة القوة العسكرية إذا كانت منقسمة على نفسها، سواء كان الانقسام على مستوى الأمة أم على مستوى هذا المجتمع أو ذاك من مجتمعاتها.
2.النهي عن اختلافات المواقف في القضايا المصيرية:
(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُو) [النساء/88] هذا لا ينافي الشورى وتعدد وجهات النظر، ولكن لا بد من التوحد على المستوى العملي. وهذا أمر متعذر إذا كانت الأمة منقسمة على نفسها، سواء كان الانقسام على مستوى الأمة أم على مستوى هذا المجتمع أو ذاك من مجتمعاتها.
3.وجوب الإصلاح في حالة الاختلاف:
افترض التشريع حصول خلافات تصل إلى حد الاقتتال:
(وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ) [الحجرات/9].
عالمية الإسلام.. والتمذهب
الإسلام دين عالمي، والأمة الإسلامية هي مظهر لعالمية الإسلام، لكن تركيز الخلافات المذهبية وترتيب الآثار عليها يلغي عالمية الإسلام، ويحوله إلى دوائر متحاجزة لا تتمتع بأي عمومية، ولا تستطيع أن تنشئ خطابا عالميًّا.
إن فعلية وفاعلية عمومية الإسلام وعالمية الأمة الإسلامية تتوقف على التخلي عن كل ما يؤدي إلى التحزب والتشرذم؛ فوجود الأمة الإسلامية ووحدتها حقيقة عقائدية وتشريعية وتاريخية، لا مجال للمراء في ذلك على الإطلاق، وإن كون هذه الوحدة تنتظم المسلمين في جميع تنوعاتهم العرقية واللغوية والمذهبية أمر يجب الاعتراف به، وترتيب آثاره في جميع علاقات المسلمين في مجال المصالح فيما بينهم وفي مواجهة الأغيار.
لا بد من تجاوز الوقائع التاريخية التي أدت إلى نشوء انقسامات سياسية تلابست بعد ذلك مع الاختلاف في الرؤية العلمية أو الرؤية الفكرية في مجال التشريع، إن كان في مجال الأدلة أو في مجال الاستنباط.
كما أنه لا بد من اعتماد أسلوب يراعي وحدة الأمة في تثقيف عامة الناس بهذه الوقائع التاريخية وبتفاعلاتها السياسية، ويتجنب ما يؤدي إلى القطيعة، ذلك أن التحزب ينقل تفاعلاتها إلى حاضر الأمة وواقعها الراهن، ويتسبب في القطيعة بين مجموعات الأمة، وهو ما حرص عليه الإمام علي عليه السلام وأبناؤه على تجنب الوقوع فيه، بل قدموا تضحيات كثيرة مادية ومعنوية لتفاديه حفاظًا على وحدة الأمة وسلامة كيانها.
يجب أن نلاحظ الواقع الذي نعيش فيه؛ فلا يمكن أن نبني الوحدة بإحياء خلافات الماضي، بل نبني الوحدة بالتركيز على حاجات الحاضر، وعلى المسلمات الثوابت في العقيدة والشريعة الإسلامية التي تجعل من المسلمين أمة واحدة.
من جهة أخرى لا بد أن نعيد الاعتبار، على مستوى المجتمعات والحكومات الإسلامية، إلى حكم شرعي إسلامي تنظيمي أساسي هو تولي المسلمين بعضهم بعضًا، قبل أن ينساق هذا المجتمع أو ذاك، أو هذه الدولة أو تلك، إلى تحالفات مع قوى أجنبية غير مسلمة تؤدي إلى وقوف بعض المسلمين ضد بعضهم الآخر نتيجة لتعدد الولاءات والأحلاف مع الأجانب.
وهذا المبدأ نص عليه الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بالنهي عن تولي غير المسلمين بما يؤدي إلى الفرقة بين المسلمين وإيجاد الشقاق والخلاف بينهم، ولا يمكن أن يبرر ذلك أي سبب أو أية ذريعة يتذرع بها هذا المجتمع أو ذاك، أو هذه الدولة أو تلك. كذلك نصت عليه السنة الشريفة في جملة من الأحاديث الصحيحة.
يجب أن يلاحظ أيضا أن البحث المجرد الموضوعي من قبل علماء ومفكري وباحثي كل مذهب وطائفة لعقائد الطوائف الأخرى ومناهجها الفقهية سيكشف للجميع أن المساحات المشتركة واسعة جدا. أما الخلافات فيمكن الوصول في كثير منها إلى نقاط وفاق، وأما ما لا يمكن الوصول فيه إلى نقاط وفاق فيترك لكل مذهب؛ بحيث يكون من خصوصياته ومميزاته، ولا يُجعل ذريعة لاعتبارها أساسا للخلاف والنزاع وإفساد العلاقات الإسلامية.
ومن هنا فإن التنوع المذهبي الذي اعتبر عامل انقسام هو واقع قائم ضمن الوحدة، ولا يجوز على الإطلاق الاسترسال مع هذا التنوع أو هذا الاختلاف؛ لأن ذلك يؤدي إلى الإخلال بوحدة الأمة باعتبارها وحدة عقائدية وتشريعية. وإذا كان يراد بحث وقائع التنوع والاختلاف فلتُبحث في الدوائر العلمية الضيقة والمتخصصة، ولا تُجعل مادة للحديث اليومي أو الموسمي.
من الأمور الأساسية التي يجب أن تلحظ في قضية الوحدة والتقريب بين المذاهب أن هذه الاتجاهات الفقهية في الشريعة، والتنوعات الكلامية في تفريعات العقيدة موجودة في جميع أنحاء العالم الإسلامي وبين جميع الشعوب الإسلامية. ومن النادر أن يكون هناك مجتمع إسلامي خالٍ من أي تنوع مذهبي. وقد أشرنا في فقرة سابقة إلى أن التمذهب ظاهرة طبيعية داخل الإسلام، ولا يمكن أبدا فرض مذهب معين على الناس بقرار سياسي.
ومن الصعب أن تعثر على أهل مكة خلال موسم الحج, فهم يتحولون إلى قطرات غير مميزة وسط الزحام العظيم, ولا تخلو مكة أبدا من الغرباء, فالزوار لا يكفون عن رحلات العمرة طوال العام, كما أن العاملين والمقيمين فيها هم عينات واقعية لكل العالم الإسلامي, وقبل أن يسود مصطلح العولمة كانت مكة هي المثل الحقيقي للقرية العالمية التي تتشارك فيها كل الملامح البشرية, ومن المؤكد أن أهل مكة قد تأثروا بكل هذه الطبائع الوافدة عليهم, لقد تداخل هذا الفسيفساء البشري في تلك الملامح المكية المؤتلفة على حد تعبير د.باقادر, وعلى الرغم من تكونها من عناصر مختلفة فإنها تصب في النهاية في جماع الشخصية المكية, وقد وصف محمد لبيب البتانوني الأديب المصري في كتابه الرحلة الحجازية هذه الخلطة البشرية قائلا: (خليط في خلقهم, فتراهم قد جمعوا إلى طبائعهم وداعة الأناضولي, وعظمة التركي, واستكانة الجاوي, وكبرياء الفارسي, ولين المصري, وصلابة الشركسي, وسكون الصيني, وحدة المغربي, وبساطة الهندي, ومكر اليمني, وحركة السوري, وكسل الزنجي, ولون الحبشي, بل تراهم جمعوا بين رفعة الحضارة وقشف البداوة). أصعب الرحلات في العشرينيات من القرن الماضي عزم جدي على الخروج للحج, وكان هذا الأمر مخاطرة حقيقية, إلا أن هذا لم يجعله يتردد, طاف على بيوت أقاربنا جميعا حتى يودعهم, كان يدرك ويدركون أنها قد تكون رحلة بلا عودة, سافر جدي شمالا إلى (الفرما) ومنها إلى بلدة المدورة وبذلك استطاع أن يلحق بقطار الحجاز الذي كان قد بدأ عمله منذ عشر سنوات تقريبا, القطار ثورة حقيقية, فقد كان يختصر الرحلة إلى المدينة المنورة إلى ثلاثة أيام فقط بعد أن كانت تأخذ في البحر حوالي ثلاثة أسابيع, ولكن رحلة جدي بالقطار لم تكن تقل خطورة, فقد تعرض إلى أسر القبائل المتحاربة, وسقط جدي أسيرا أكثر من مرة, واعتبرته كل قبيلة حليفا للقبيلة المعادية, فقد ماله, وأمتعته, ونام في العراء أياما طويلة, وتوسل إلى آسريه بأنه مجرد حاج غريب لا يعرف من يحارب من ولا يبالي بذلك. لقد حدث كثيرا أن حاول بعض المتسلطين والحكام القيام بشيء من ذلك، ولم يفلحوا، بل انتهى الأمر بكوارث. رأينا هذا في محاولات المعتزلة لفرض رؤيتهم الكلامية، ثم رأينا المحاولات المقابلة للاعتزال، وهي محاولات أهل الحديث السلفيين، لفرض رؤيتهم الكلامية في العهد العباسي الثاني منذ عهد المتوكل.. وحدث الصراع المشئوم الذي نعرفه.
كما حدث أن قامت محاولات كثيرة لفرض اتجاه مذهبي محدد وإلغاء المذهب الآخر أو المذاهب الأخرى، كما لاحظنا ذلك في العهد الفاطمي. قام الفاطميون في مصر بمحاولة إلغاء المذاهب الأخرى غير مذهبهم وفشلوا، ثم جاء الأيوبيون فحاولوا نفس المحاولة ضد الفاطميين، وكان بعض المذاهب مستهدفا بصورة دائمة كما هو الشأن في مذهب الشيعة الإمامية.
وقد خلفت هذه المحاولات في الذاكرة العامة لأتباع هذا المذهب أو ذاك ذكريات أليمة كونت موقفا نفسيا وجدانيا يتنافى مع ما تقضي به عقيدة الوحدة من تصور بالأخوة والانتماء وكون المسلمين بعضهم أولياء بعض. لماذا نحتاج لطرح صيغة جديدة من صيغ الإجابة على سؤال: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"، وهو ذلك السؤال الذي كان العلامة "أبو الحسن الندوي" قد أثاره قبل أكثر من 50 عامًا، يحاول فيه إعادة الثقة للمسلم في دينه ونظريته الحياتية. هل هناك حاجة حقيقية لإعادة طرح مثل ذلك التساؤل مرة ثانية؟ وما هي إن وُجدت؟ ولماذا يرى البعض أنه سؤال إشكالي ضار نسبيًا ما لم يتم توجيهه الوجهة الصحيحة؟ هذه الأسئلة تحاول تلك المقدمة البسيطة الإجابة عليها. معتز الخطيب: سؤال إشكالي.. بالنظر لمضمونه الأيديولوجي السؤال المطروح -من دون شك- سؤال كبير يتعلق بتاريخ يربط مجموعة كبيرة من الأطراف فيما بينها، والمطلوب تحديد –بدقة- ماذا خسرت هذه الأطراف جميعًا؟ وهو في ذات الوقت يفترض أن لدينا تصورًا واضحًا ودقيقًا عن الحال التي كان من المفترض أن يبلغها المسلمون ولم يبلغوها، وبناء على هذا التصور يتحدد حجم الخسارة! أو أن معيار الخسارة -في ظل واقعنا المتردي، وما شهدناه من كتابات- سيكون عودة إلى الماضي لنرى واقع المجتمع الإسلامي النموذجي الذي مثَّل تجسيدًا لقيم الوحي الإلهي، وهذا من دون شك يفترض أن المسلمين كانوا من المفترض أن يبلغوا هذا المبلغ نفسه؛ ما يعني استنساخ ذات المجتمع النموذجي في عصور لاحقة وهو غير ممكن إلا إذا توقف الزمن! والسؤال نفسه يعيدنا إلى سؤالين آخرين، حضرت -الأسئلة الثلاثة- بقوة في التاريخ الحديث للعرب والمسلمين: الأول: "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟"، الذي عَنون به شكيب أرسلان أحد كتبه، والثاني: "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟"، الذي طرحه أبو الحسن الندوي، ودوَّى في العالم الإسلامي، والثالث: "ما الدور الحضاري للأمة المسلمة في عالم الغد؟"، الذي كان حاضرًا في ثنايا السؤالين السابقين، وبَلْوره مؤخرًا مركز البحوث والدراسات في قطر. هذه الحقيقة المرة يجب أن تثبت في وعينا جميعا في هذا العصر، بأن الموقف السليم والاتجاه الشرعي المستقيم يقتضيان الاعتراف بكل مذهب.
وهنا تُذكر مأثرة الإمام مالك بن أنس الذي رفض عرض المنصور العباسي عليه بأن يحمل الناس على "الموطأ" في القضاء والفتيا ويجعله للناس إماما، ولكن الإمام مالكا رفض هذا العرض، وقال: "إن أصحاب رسول الله قد تفرقوا في الأمصار فحدثوا عند أهل كل مصر حيث حلوه، وكلٌّ مصيب".
ولا يجوز لها أن تقرّ عنده، ولو لم يكن محارباً لدينها، ولو كانت ترغب في إسلامه، لأنّ النصّ جاء مطلقاً "لا هنّ حِلٌّ لهم ولا هُم يَحِلّونَ لَهُنَّ". وإذا قرّت عنده – بعذر أو بدون عذر – فلا يجوز لها أن تمكّنه من نفسها لأنّها لا تحلّ له. أمّا طريقة فسخ العقد فهي رفع الأمر إلى القضاء في جميع الحالات. - ففي دار الإسلام يُعرض الإسلام على الزوج فإن أبى يفرّق القاضي بينه وبين زوجته. وعلى هذا الأساس كان أئمة أهل البيت يوجهون المفتين من أصحابهم إلى احترام المناهج الفقهية الأخرى والإفتاء لأتباعها بما انتهت إليه من آراء فقهية. فمن ذلك توجيه الإمام جعفر الصادق عليه السلام للفقيه الشيعي الإمامي أبان بن تغلب، وكان يجلس للإفتاء في المسجد النبوي "انظر ما علمت أنه من قولهم فأخبرهم بذلك"[1]، إذن علينا أن نتجه هذا الاتجاه. لقد تحقق هذا الهدف في المذاهب الأربعة؛ حيث نجد غالبا أن الاعتراف المتبادل بين هذه المذاهب هو السمة العامة الظاهرة في معظم أنحاء العالم الإسلامي، ولكننا لا نزال نواجه صعوبات في هذا الحقل بين هذا المذهب أو ذاك من هذه المذاهب، أو بين جميع هذه المذاهب والمذهب الشيعي الإمامي الإثنا عشري أو المذهب الزيدي، أو المذهب الإباضي، وبين كل مذهب من هذه المذاهب والمذاهب الأخرى.
هذه النقطة هي ما نستهدف الوصول إلى حل الإشكال بشأنها إلى أن يتم الاعتراف المتبادل المبني على التفهم العلمي والوعي الحقيقي؛ لأن كل واحد من هذه المذاهب يستحق على المذاهب الأخرى الاعتراف بإسلاميته.
الاعتراف بالمسلم أو محاولة الإلغاء
والوحدة تارة تقوم على أساس وعي حقيقة الوحدة والعمل من أجل التقريب، وتارة تقوم على أساس الطلب إلى الآخر أن يلغي نفسه أو يهذب نفسه، وتارة تقوم على أساس الاعتراف بالآخر.
من الناحية المنطقية، لو كان الاعتقاد جبريًا لانتفى الحساب والعقاب، ولما كان هناك مؤمنون وغير مؤمنين بالاختيار. لكن الله لم يرد جعل الناس كلهم أمة واحدة، وترك كل شخص يقرر من الأمة التي يريد الانتساب إليها، وذلك حسب قوله تعالى: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (المائدة، 48)، وحسب قوله تعالى: "ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا" (الأنعام، 107)، وحسب قوله تعالى: "فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إن عليك إلا البلاغ...." (الشورى، 48). هذه الآيات وغيرها تؤكد حرية الإنسان في اختيار العقيدة التي تروق له دون ملاحقة أو مضايقة أو اضطهاد. على المسلمين، أسوة بالأمر الموجه إلى الرسول الكريم، أن يبلغوا الدعوة ويشرحوا معتقدهم دون ذيول قمعية. الواقع أن الدعوة إلى إلغاء الذات ليست في الحقيقة دعوة إلى الوحدة، ولن تتحقق هذه الوحدة على الإطلاق، ولن يتحقق أي تقارب بهذا الأسلوب. المهم هو الاعتراف بالآخر. الاعتراف بخصوصيته، والاعتراف بإسلاميته. نفس المنهج الذي تم في التقريب بين المذاهب المنتمية إلى الخط الأشعري، ما يسمى المذاهب السنية، يجب أن يسود فيما بين هذه المذاهب وبين المذاهب الإسلامية غير الأشعرية. إن هذا الهدف هو أحد الأهداف الكبرى التي يجب أن ينصب عليها اهتمام المعنيين بالإجماع الإسلامي العام.
في مجال آخر نلحظ أن السدود الثقافية والمعرفية أو التعليمية التي تواجه مذهبا تجاه مذهب آخر قد بدأت تتقلص، وأن طوق العزلة الثقافية قد بدأ يتبدد وينكسر. ونحن نلاحظ بسعادة كبيرة أن التواصل الثقافي والفكري، وأن التثاقف بين القيادات الفكرية والفقهية لكل المذاهب في حالة نمو وتكامل: وهذه اتجاه صحيح يؤدي إلى تعميق الشعور بالوحدة والشعور بالانتماء إلى الأمة الواحدة، ويزيل حالة الشعور بالانفصال، بل ينمي حالة الشعور بالتكامل.
مشكلة التبشير داخل الإسلام
والمهم أن نتجنب حالة التبشير في داخل الإسلام، ومحاولة حمل أتباع مذهب على ترك مذهبهم واتباع المذهب الآخر بالأسلوب التبشيري؛ حيث إن التكامل الثقافي لا يكون بمحاولة الاستفزاز، وإنما يكون بمحاولة الإغناء والإضافات والتكامل.
ومن هنا يجب إعادة النظر في جميع المؤسسات التي تقوم على أساس فكرة التبشير والدعاية المذهبية في مقابل المذاهب الأخرى، وهذه المؤسسات تعوق بشكل مدمر نمو عوامل التقريب، وتخرب الوحدة تخريبا عميقا، ونحن نشاهد بعض مظاهر ذلك بين الفنية والأخرى.
هيئة قضايا الوحدة والتقريب
إن هيئة قضايا الوحدة والتقريب بين المذاهب الإسلامية ستعنى بالتواصل مع الدوائر الفقهية والفكرية في كافة المراكز الإسلامية، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، للمشاركة بأي صيغة ممكنة في هذا الجهد الذي تقوم به هذه الهيئة.
وعلى أساس هذا الميثاق التأسيسي لهيئة الوحدة والتقريب بين المذاهب ستعمل الهيئة على إصدار مجلة عالمية بلغات حية، وفي مقدمتها اللغات الإسلامية: العربية والفارسية والتركية والأوردية، تهتم بنشر عقيدة الوحدة وأفكار التقريب بين المذاهب.
كذلك ستعمل على إنشاء هيئات تمثيلية لها في كافة المناطق في العالم الإسلامي، كما ستدعو إلى مؤتمرات بحثية عامة فيما يتعلق بقضايا الوحدة، ومؤتمرات أو ندوات ذات طابع خاص تعنى بقضايا محددة ذات أولوية وأهمية استثنائية فيما يعود إلى الوحدة الإسلامية.
إن أحد أهم مقاصد هذه الهيئة العمل من أجل الانفتاح الفقهي بين المذاهب الإسلامية على مستوى الدراسة والاجتهاد، ومن أجل ذلك ستعمل "هيئة قضايا الوحدة" على أن تعنى كليات الشريعة ومعاهد الدراسات العليا في العالم الإسلامي بالتدريس الجاد لكل المذاهب على قاعدة أصول الفقه المقارن، وكذلك تشجيع كل ما يمكن أن يؤدي إلى تعميق أواصر الوحدة والشعور بالانتماء وإلى اكتشاف المسلم الآخر وقبوله كما هو ومحاورته من منطلقات مشتركة بين الجميع.
الوحدة الإسلامية وقبول الآخر غير المسلم
وهنا نضيف أن عناية هذه الهيئة بقضايا الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب تحمل في ثناياها توجها أساسيا على مستوى العالم، وعلى مستوى الأمة الإسلامية، وعلى مستوى كل وطن وكل بلد من أوطان وبلاد المسلمين، وهو أن هذه الدعوة تستبطن مبدأ قبول الآخر غير المسلم، والحوار معه، ومحاولة بناء حياة مشتركة تقوم على القيم الإيمانية الكبرى.
ويقوم هذا التوجه على أساس المبدأ الأساس العام في الإسلام في مجال الفقه السياسي، الذي صرح به القرآن الكريم والذي يتجلى في سورة الممتحنة (لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة/8].
الخلافات السياسية وأسبابها الطائفية والمذهبية
نحن نلاحظ بقلق عميق أن بعض الخلافات السياسية التي تحدث بين المجتمعات الإسلامية أو في ضمن تلك المجتمعات تعود إلى أسباب طائفية ومذهبية، وهذا يشكل عنصرا مدمرا لقضية الوحدة.
هل يمكن أن يصبح الحكم الاستثنائي قاعدة أصلية يُقاس عليها؟ الرابع: سبب النزول: قد يقول بعض العلماء: إنّ الآية تحدّثت عن وضع خاص: مسلمة هربت بدينها ممّن يسعون إلى فتنتها فيه وهم الكفّار المحاربون، إلى من اعتقدت أنّهم ينصرونها فيها وهم مسلمون … هذا الوضع اقتضى شرائع مناسبة، فأوجب إيواء المؤمنة الهاربة بدينها، ومنع من تمكين العدوّ منها بإرجاعها إليه. فحاصل النظر في سبب نزول الآية وما احتفّ بها من حيثيّات: عدم قطعيّة سبب المنع من إرجاع المهاجرات إلى الكفّار. وإذا كان الاحتمال على دلالة هذه الآية وارداً، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ للاجتهاد فيها مجالاً. وفي هذا المجال نذكر أن التعارض الكبير الذي يظهر بين حين وآخر بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبين محيطها والذي يعود قسم منه إلى اعتبارات مذهبية.
فهذا قول علي رضي الله عنه لم يختلف عنه: أن الرجل الكتابي (من يهودي أو نصراني) أحق بزجته إذا أسلمت، ما لم يخرجها من مصرها، أو من دار هجرتها، وجاء في بعض الروايات: لأن له عهدا. يقصد: عهد الذمة. وقول عمر رضي الله عنه في أكثر من رواية: أن المرأة تقر عند زوجها، أو تخير بين بقائها وبين تركه ومفارقته. ولم يخالف ذلك إلا رواية عن عمر في قصة الرجل التغلبي الذي عرض عليه الإسلام، فأبى، وانتزع منه امرأته. وفي بعض الروايات: أنه قال لعمر: لم أدَعْ هذا إلا استحياء من العرب أن يقولوا: إنما أسلم على بضع امرأة! ونذكر التعارض الكبير الدموي الذي حدث داخل أفغانستان بين فئات الشعب الأفغاني، أو بين حركة طالبان وإيران.
ونذكر التعارض الدامي والأليم الذي حدث بأشكال متنوعة في العراق أو في بعض دول الخليج. ونذكر بعض التعارضات التي تحدث بين حين وآخر في باكستان مثلا.
إن بعض علماء الدين الذي قد لا يتمتعون بالكفاءة العلمية المناسبة ولا بالورع الذي تقتضيه مناصبهم ينطلقون من التنوع المذهبي لإصدار فتاوى علنية أو مقنعة ضد أتباع المذهب الآخر أو المذاهب الأخرى، وهذه ظاهرة كانت موجودة قديما على نطاق واسع ولا تزال بعض مظاهرها تتكرر الآن بين الحين والآخر، وهي تظهر لدى الشيعة والسنة على السواء. على مستوى الجماعية، يسود في الأوساط الفلسفية تعبير العضوية كمصطلح يدلل على أن الجماعية ليست مجرد نسيج قانوني وسياسي، وإنما عبارة عن كل حي تتشابك فيه الحيوات والنشاطات ويشكل قاعدة التقدم وإطاره. يفترض العضويون أن الدولة أو المجتمع عبارة عن كائن حي متكامل ولا يختلف جوهريًا عن أي كائن حي آخر. الدولة أو المجتمع عبارة عن كائن حي ومميز، وأن أجزاء هذا الكائن (الأفراد والمؤسسات) تعتمد على بعضها البعض اعتمادًا متبادلاً، وأن هذه الأجزاء لا قيمة لها ولا معنى بدون الكل، ولا يكون لها هدف إلا من خلال الكل. وعليه فإن كل جزء منها يعمل على القيام بوظيفته أو واجبه خير قيام، تمامًا كالجسد الإنساني الذي يتكون من أجزاء تعتمد على بعضها البعض في تحقيق المعنى والهدف والقيام بالوظيفة. هذا الأمر ينعكس على علاقات المسلمين العامة فيما بينهم فيسممها، ويؤدي إلى انعكاسات سياسية وإلى حالات تربص وحذر سياسي يشل قدرة الأمة ويصدع وحدتها، ويطيح بعوامل التقريب بين مذاهبها.
علم الكلام الجديد وقضية الوحدة
1.إن المبدأ الأساسي الذي يجب أن يلحظ عند النظر في قضايا الوحدة والتقريب، هو أن وحدة المسلمين باعتبارهم أمة واحدة هي من أهم الحقائق الأساسية في الاعتقاد الإسلامي كما بينا مرارا، وهي ركن من أركان الإسلام، وينبغي أن يدرس هذا المبدأ في علم الكلام باعتباره أحد الاعتقادات الأساسية، وهذه نقطة مهمة؛ حيث إن علم الكلام لا ينظر إلى الاجتماع الإسلامي المتمظهر في الأمة باعتباره من مجالات الاعتقاد الإسلامي. ولذلك يجب أن يكون هذا المجال أحد مجالات التجديد في علم الكلام الإسلامي.
2.مما يجب أن يعنى به علم الكلام الجديد التركيز على الأثر العملي لأصول الدين الإسلامي في مجال الحياة اليومية للمسلم: أصول العقيدة الإسلامية التوحيدية بالله الواحد، بالنبوة الخاصة لمحمد صلى الله عليه وسلم التي تتضمن الإيمان بالأنبياء على أساس البيان القرآني في هذا الشأن، والإيمان باليوم الآخر بالتفاصيل التي وردت في القرآن الكريم، والعبادات الإسلامية الأساسية (الصلاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالوحي القرآني، الإيمان بالقبلة) وغير ذلك.
3.من الأمور الأساسية التي يجب وعيها في هذا الشأن هو أن الدعوة إلى الوحدة لا تعني إلغاء المذاهب كلا أو بعضًا، ونحن لا نوافق على دعوة "إسلام بلا مذاهب". كما لا يجوز لدعوة الوحدة أن يراد بها محو الخصوصيات المذهبية، أو دمج المذاهب ببعضها. فالوحدة لا تعني التلفيق بين المذاهب، ولا تعني دعوة كل مذهب إلى أن يلغي خصوصياته ليتماثل ويتماهى مع المذهب الآخر، بل تعني الارتكاز إلى الثوابت العامة المشتركة في مجال العقيدة والشريعة باعتبارها أساسًا للأمة وأن التنوع الموجود هو تنوع في الوحدة وليس اختلافا أساسيًّا.
4.ينبغي التركيز على أن الخلافات بين السنة والشيعة هي من طبيعة الخلافات بين مذاهب أهل السنة نفسها، حيث نجد خلافات فقهية وأصولية، خلافات في مناهج الاستنباط وخلافات في الاستنباط داخل كل مذهب بما يقارب - أو ربما يماثل ويساوي - الخلافات بين المذاهب. ومن هنا فلا يمكن اعتبار مجرد الخلاف في المنهج الأصولي أو في المنهج الفقهي داعيا إلى الإخلال بمبدأ الوحدة.
5.من المناهج التي يجب اعتمادها في قضايا تعميق وإحياء الوحدة وتحقيق التقريب هو الدراسات المقارنة المشتركة في مجال تفسير القرآن، وفي مجال السنة، وذلك في سبيل تحقيق الفهم المشترك أو المتقارب.
أ‌.  وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له"، وفي هذا تعبير عن حالة متقدمة جدًّا في الصحة النفسية. ويصف عالم النفس يونج كيف يمكن التوصل إلى تحقيق سلام العقل بعدما يكون قد حدث من صراعات طويلة وغير مثمرة؛ فيقول: "إذا أنت لخصت ما يقوله لك الناس عن خبراتهم، فإنك تستطيع أن تصوغ ما يقولونه على النحو الآتي: إنهم رجعوا إلى أنفسهم، وقد استطاعوا أن يقبلوا أنفسهم، وكانوا قادرين على أن يصيروا على وفاق مع أنفسهم، وبذا يكونون على وفاق مع الظروف والأحداث المعاكسة. في مجال القرآن:
لا نقصد التوصل إلى حصر القرآن في فهم واحد؛ لأن هذا أمر لا يمكن الموافقة عليه، بل نقصد أن يتسع نظر المفسر والمفكر والفقيه عند الرجوع إلى القرآن الكريم، لمناهج البحث القرآني عند سائر المدارس الإسلامية، فلا يكون أسير نظرة واحدة.
ب‌.  في مجال السنة:
يجب تطوير مبنى يعتمد على وثاقة الراوي وعلى التحقق من الصدور، وهذا يؤدي إلى النظر في قضايا "الرجال"، وقد لحظنا في إحدى محاوراتنا أن الشيعة لا يعتمدون على أية رواية سنية، إلا بنحو ثانوي وهامشي جدًّا، والسنة لا يعتمدون على أية رواية شيعية على الإطلاق تقريبًا، وهذه قطيعة ليس لها ما يبررها على الإطلاق.
وأمر آخر هو أننا نظن أن الاختراقات التي تشهدها مجتمعاتنا في ظل العولمة هي حالة "تآمرية" لنخبة متغربة، في حين أنها حالة حضارية يقلد فيها المغلوبُ الغالبَ كما يرى ابن خلدون، فضلاً عن أنه في مجتمع الفقر والعِوز يغالب المنطق "العملي" القيم والمبادئ. وسؤال "ماذا خسر الآخر؟" يتجاهل واقع الفجوة الحضارية الحاصلة بيننا وبين الآخر (الخاسر). يجب البحث الموضوعي في الأسباب السياسية التي أدت إلى مقاطعة السنة المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام وهجرها، وعن الأسباب الموضوعية الداعية إلى الاعتراف بمرجعية أئمة أهل البيت عليهم السلام في السنة.
لقد زالت الأسباب السياسية للقطيعة، فيجب أن تزول آثارها، وأن يصحح وضع السنة بالعودة إلى مصدرها الطبيعي بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهو أئمة أهل البيت عليهم السلام، مع عدم إهمال المصدر الآخر وهو الصحابة.
ينبغي أن تنشط الدراسات الحديثة المقارنة لتكشف مجالات وحدة النص أو وحدة المضمون بين السنة المروية عن أهل البيت التي تشكل معظم السنة عند الشيعة، وبين السنة المروية عن الصحابة والتابعين التي تشكل معظم السنة عند أهل السنة.
دور الحكّام في تسييس الخلافات المذهبية
يجب البحث بعمق عن دور السياسة في إذكاء وتعميق الخصوصيات المذهبية وشحنها بأسباب القطيعة وربما أسباب العداء، ويجب البحث عن الخلفيات السياسية المصلحية للحكام أو للأسر الحاكمة، وللأحزاب الحاكمة في وضع مناهج حديثية وفقهية وتفسيرية ودمجها في النظام المعرفي أو الهيكل المعرفي للإسلام، بحيث غدت عند أصحابها تمثل الإسلام المقدس المستقى من الكتاب والسنة، بينما هي في حقيقتها تعكس توجهات سياسية لا علاقة لها بالكتاب والسنة.
هنا يجب أن نلحظ أن منهج أهل البيت عليهم السلام مثال يحتذى به في النظر إلى قضية الوحدة واعتبارها عقيدة مقدسة لا يجوز التهاون في رعايتها، ونرى أنهم -كما بينا في كتبنا- كلما تعرضت الوحدة للخطر يهبون لدعمها وحمايتها وتحصينها، وهذا المنهج الذي ساروا عليه من أول الأمر حينما تعارضت قضية توليهم للسلطة مع قضية الوحدة؛ فإنهم آثروا قضية الوحدة على قضية السلطة، وحافظوا على وحدة الأمة في جميع الحالات، وكانوا يتجاوزون مواقفهم السياسية في سبيل وحدة الأمة. فنلاحظ مثلا أن الإمام زين العابدين عبر عن رؤيته هذه في عدة نصوص دُعائية من أبرزها "دعاء الثغور" وما إلى ذلك.
الوحدة والكيانات الوطنية والإقليمية الخاصة
في هذا النطاق نلاحظ مسألة عظيمة الأهمية تتصل بطبيعة الوحدة، وهي أن الوحدة لا تعني محو الكيانات الخاصة بكل مجتمع أو بكل إطار من الأطر، حيث نرى أن التعددية السياسية في صميم هذه الرؤية لا تتنافى مع الوحدة، بل نرى أن منهج أهل البيت في هذا الأمر ينسجم ويوفق بين التعددية السياسية والتنظيمية وفي نفس الوقت يحافظون على حقيقة الوحدة الجامعة لهذه التنوعات.
وفي هذا السياق يمكن أن نعتبر أن مبدأ التقية الإسلامي الذي شرعه الله تعالى في القرآن الكريم، كما عبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة، وطبقه أئمة أهل البيت عليهم السلام في الاجتماع الإسلامي بعد أن تفاعلت الاختلافات المذهبية الكلامية والفقهية على المستوى السياسي.. هو إحدى المحاولات العملية التي بذلها أئمة أهل البيت عليهم السلام من أجل المحافظة على الوحدة، وإلا فلنتصور أن مبدأ التقية لم يحكم المسيرة السياسية والاجتماعية لأهل البيت عليهم السلام، إذن لحدثت انشقاقات على مساحة الإسلام كله أشد وأدهى مما حصل الآن، ولما أمكن على الإطلاق المحافظة على المكاسب التي حققتها الأمة الإسلامية في عصور ازدهارها، وكانت إلى حد كبير هي العاصم من الانحلال والذوبان في عصور الضعف والوهن.
أسس الميثاق التأسيسي
إن الميثاق التأسيسي لهيئة قضايا الوحدة الإسلامية والتقريب بين المذاهب يقوم على الأسس التالية:
الأساس الأول:
هو أن المسلمين اتفقوا على أمر جامع يوحدهم في دائرة الإسلام، وعلى هذا الأساس يتشكل منهم جميعا كيان الأمة وينتزع من هذا الواقع مفهوم الأمة الإسلامية الذي ثبت له في الشرع أحكام شرعية وضعية وتكليفية. ولمّا كان محمد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) هو آخر الرسل، كانت رسالته موجّهة إلى جميع بني البشر منذ بُعث إلى أن تقوم الساعة. وبعد وفاته انتقلت هذه المهمّة إلى جميع المسلمين. قال تعالى: "وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ" (سورة آل عمران، الآية 104)، "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ" (سورة فصّلت: الآية 33). إن الثوابت الكبرى في الإسلام التي أجمع المسلمون على الإيمان بها والالتزام بها هي أساس الإسلام، حيث إن المسلم هو من آمن والتزم بها، وأن من أنكرها أو أنكر بعضها ليس مسلما، وهذه موضع وفاق بين المسلمين. وبهذا يتبين أن الواقع التنظيمي للأمة هو الوحدة.
ونحن لا نسعى إلى إيجاد وحدة مفقودة ومعدومة، وإنما نسعى إلى تأصيل وحدة قائمة وتفعيلها وجعلها حية فاعلة في حياة المسلمين العامة، فيما يتعلق بقضاياهم المحلية والإقليمية والعالمية، وهذا الأساس يجب أن يكون -كسائر الأسس الآتي ذكرها- موضوع تبصر من قبل قيادات الأمة في جميع المستويات، وخاصة في مستوى التفقه ومستوى التثقيف.
الأساس الثاني:
إن التمذهب ظاهرة طبيعية في كل عالم ثقافي حضاري وهو ما يتفق مع الفطرة. إننا لا نعتبر التمذهب بالمعنى الفقهي تمزقا في الإسلام، بل هو منسجم مع طبيعة اختلاف الأفهام والمدارك والرؤى في ضمن الإطار الواحد الجامع. إن الاختلافات المذهبية أمر طبيعي، وهي ناشئة من الاختلاف الاجتهادي في فهم ظواهر الكتاب وفي تقييم السنة، إن من حيث الصدور أو من حيث الظهور.
ومن حسن حظنا نحن المسلمين أن ديننا لا يضيق بالدعوة إلى العلم والتقدم، كما قد يتوهم الذين لا يعرفون الإسلام، ويريدون أن يُجروا عليه ما جرى على الأديان الأخرى. نحن نعتبر التقدم العلمي وما يُثمره في الحياة من استخدامات تكنولوجية نافعة - تيسر على الإنسان حياته، وتوفر عليه جهده البدني والعقلي - عبادة بالنسبة للفرد المسلم، يتقرَّب بمعرفتها وإتقانها إلى ربه، كما يتقرَّب بالصلاة والصيام. جوهر الخلاف ناشئ من اعتبارات عقلية ترجع إلى الفهم الفقهي، ولا يجوز أن تكون لهذه الخلافات تعبيرات سياسية وتنظيمية على مستوى علاقات المواطنة وعلى مستوى علاقات المواطنين بالدولة والحكومة وموقعهم في النظام السياسي. ألم تُعرّف النساء المتحجبات بالحرائر وغيرهن من الإماء والعبيد اللاتي ليس لهن أدني دور في الحياة العامة! - انهيار العلمانية في مفهومها العام كراعية للحريات ومدافعة عن حقوق الإنسان، وتلوثها بلغة المصالح الإثنية والقومية وبالمكاسب الانتخابية على حساب المبدأ والنموذج. هذه الرجات المتوالية التي ما فتئت تهز ديار العلمانية حينا واللبرالية حينا آخر، من مثل قوانين الهجرة في أميركا وانتهاكها لأبسط الحقوق والحريات العامة، إلى مسجونين بدون حساب ولا عقاب ولا يحملون أي صفة قانونية، ومن مثل ما يقع من مضايقات وتهديدات لوسائل إعلامية لا تمشي وراء الركب وفضلت التغريد خارج السرب. كل هذه النقاط السوداء التي بدأت تنهمر ويكثر وقعها على أرض متعطشة لزرع آخر وزارع جديد، جعلت من العلمانية والليبرالية قصور رمل واهية لأي موجة قادمة مهما ضعف زبدها. ولهذه الترهلات وقع شديد في البلدان العربية والإسلامية التي شهدت وما زالت تشهد تعاظم العودة للإسلام الفطري، وانهيار المقولات والشعارات العلمانية والليبرالية التي ساهم آباؤها في الضفة الأخرى في اهتزاز صورتها، مما جعلتها تفقد مصداقيتها وتستعد لمغادرة المشهد السياسي والاجتماعي وهي في حيرة من أمرها. ربما كان يوجد اعتبار سياسي في خلفيات بعض الخلافات القديمة، ولكن هذا زمن انقضى وانقطعت مقتضيات الخلاف فيه. أما الآن فيجب أن يحصر الاختلاف في المسالك والمناهج الفقهية في اختلاف فهم ظواهر الكتاب والاختلاف في السنة من حيث الصدور ومن حيث الظهور.
هذه المذاهب تتمتع بالشرعية الكاملة من كل مذهب تجاه المذاهب الأخرى، من دون اعتبار لكونهم أقلية أو أكثرية، بل لا يجوز اعتبار التنوع المذهبي أساسا للتصنيف إلى أقلية وأكثرية، ويجب أن تحترم عقائدهم وأفهامهم الخاصة، وألا ينعكس تنوعهم إذا كانوا أقلية على إمكانات اندماجهم في المجتمع وتمتعهم بحقوق عضوية المجتمع وعضوية الأمة في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، لا يجوز أن تؤدي الاختلافات المذهبية داخل المجتمع الإسلامي الوطني في أي دولة إسلامية أو على مساحة العالم الإسلامي كله، إلى اعتبار أي فريق من المسلمين أقلية لا تتمتع بحقوق الأكثرية المذهبية في ذلك المجتمع أو على مستوى العالم الإسلامي. بل يجب أن يعتبر الجميع سواء في حقوق المواطنة وواجباتها.
الأساس الثالث:
إن المرجع في فهم منهج كل مذهب ورؤيته العقائدية ومنهجه الفقهي هو أئمة وعلماء المذهب نفسه، والكتب المعتمدة فيه على نطاق واسع ورسمي وليس الآراء الشاذة منه، وليس ما يقوله عنه أو ما قاله عنه في الماضي خصومه ومناوئوه في المذاهب الأخرى. ولا يجوز أن تكون موضوع اجتهادات أو أحكام من قبل مصادر أخرى في مذاهب أخرى.
الأساس الرابع:
تحريم التبشير في داخل الإسلام، فلا يجوز للشيعة أن يقوموا بنشاط تبشيري داخل هذا المذهب الإسلامي أو ذاك، ولا يصح من أي مذهب منفرد أن يقوم بنشاط تبشيري على مستوى عام داخل المذاهب الأخرى. كما لا يجوز ولا يصح أن يقوم أهل السنة باعتبارهم كتلة عقائدية بأنشطة تبشيرية مبرمجة وممنهجة داخل الشيعة، وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب على صعيد فردي فهذا شأن من شؤون كل شخص بحسب قناعاته التي يكونها نتيجة لقراءاته وتفكيره الخاص. وإذا قرر مسلم من المسلمين، من مذهب معين، الانتقال إلى مذهب آخر فإن إرادته، ورغبته يجب أن تحترم، وتطبق عليه باحترام أحكام المذهب الذي اختاره بحرية ضميره.
الأساس الخامس:
لا يجوز أن تؤدي الاختلافات المذهبية داخل المجتمع الإسلامي الوطني في أي دولة إسلامية أو على مساحة العالم الإسلامي كله، إلى اعتبار أي فريق من المسلمين أقلية لا تتمتع بحقوق الأكثرية المذهبية في ذلك المجتمع أو على مستوى العالم الإسلامي، بل يجب أن يعتبر الجميع سواء في حقوق المواطنة وواجباتها.
فتح باب الاجتهاد
على هذه الأسس ندعو إلى تعزيز الاتجاه العام الذي وفق الله له في الأعصار الأخيرة على مستوى الأمة الإسلامية وهو فتح باب الاجتهاد.
وعلى هذا الأساس نلاحظ أن الاجتهاد لا يزال اجتهادا مذهبيا عند الجميع، بحيث إن كل أئمة وفقهاء كل مذهب يعملون على الاجتهاد في نطاق منهج وأصول وقواعد مذهبهم الخاص، وهذا أمر حسن في ذاته، ولكن هذا لا يخدم مقصد الوحدة والتقريب، وإنما يعزز الحيوية الفكرية والفقهية في داخل هذا المذهب المعين بالخصوص.
نحن ندعو -في نطاق مشروع تأصيل وحدة المسلمين والتقريب بين المذاهب- إلى تأسيس منهج الاجتهاد المطلق العام في جميع المذاهب. ومن هنا يجب أن تعزز في جميع الدوائر العلمية عند جميع المسلمين الدراسات الأصولية والفقهية المقارنة، بهدف العمل على تكوين مجتهدين مطلقين في المذاهب الإسلامية كلها، على مستوى الإسلام كله، وليس على مستوى مذهب معين.
فليكن هناك مستويان من الاجتهاد: مستوى الاجتهاد المذهبي الخاص الذي يلبي حاجة أتباع المذهب، واجتهاد مطلق عام يلبي حاجة الأمة في قضاياها الكبرى. وفي هذا الإطار يجب أن تتكون مجامع فكرية وعلمية تقوم على أساس قضية وحدة الأمة والتقريب بين اتجاهاتها الفقهية، وهذا أمر حاصل الآن بالجملة من خلال ما يعقد من مؤتمرات وندوات وما إلى ذلك، ولكن نأمل أن تؤصل فكرة إنشاء مؤسسات بحثية دائمة في هذا الشأن، ولعل مجامع الفقه الإسلامي هي بعض مظاهر هذه المؤسسات التي نشير إليها.
وهنا أرى من المناسب أن أثبت كلمة عظيمة الأهمية للمرجع الديني الكبير السيد/ البروجردي الذي قال: "إن عقيدة الشيعة مبنية على ركنين: الأول الاعتقاد بإمامة علي والأئمة عليهم السلام من بعده، وأنه كان خليفة الرسول الأول. الثاني: أن الأئمة من أهل البيت عليهم السلام هم المرجع لحل المشاكل الدينية والأحكام بنص من الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث الثقلين، حيث قال: "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي". ويتابع المرجع البروجردي: "أن قضية الخلافة لا تحتاج إليها الأمة الآن، والبحث فيها مثار الاختلاف من دون أن يكون له ضرورة، وإنما هي في عهدة التاريخ، فلا داعي للخوض فيها. وأما أن الأئمة كانوا مرجعا للأحكام فهي حاجة تختص بزمان دون زمان فعلينا أن نكتفي في بحث الإمامة بهذه، ونسكت عن الأولى، ولا ضير في ذلك" .
إن هذه الكلمة للمرجع الإمام البروجردي تكشف عن الرؤيا القائمة على اعتبار وحدة الأمة، والناظرة إلى التقريب بين المذاهب، وهي عظيمة القيمة في أطروحتنا التي نقدمها للأمة الإسلامية في مشروع ترسيخ الوحدة والتقريب بين المذاهب.
إن ملاحظة مقتضيات عقيدة الشيعة الإمامية تكشف عن أنهم هم أهل الجماعة؛ حيث إنهم يذهبون إلى عدم جواز تفريق كلمة المسلمين، ويقفون في قضية الوحدة موقفا صارما لا لبس فيه، ولا تردد، فيجزمون بتحريم ما يؤدي إلى الفتنة بين المسلمين. وقد كان نهج أئمة أهل البيت عليهم السلام في زمن اشتعال الفتن والحروب الأهلية يقوم على تجنب الدخول في الحروب الأهلية وعدم التعاون مع أطرافها، مع الالتزام بعدم التعاون مع السلطة القائمة. ولكن هذا الموقف من الفتن ومن السلطة لا يؤدي إلى الاعتزال عن الأمة أو عدم الالتزام بوحدتها. بل يقوم على الاندماج الكامل بالأمة، وتجنب كل ما يؤدي إلى تفريق الكلمة والإخلال بالوحدة.
ومن هنا لا يمكن القول بأن الشيعة الإمامية يتمارون عن أهل السنة والجماعة في هذا الشأن. وهنا ملاحظة مهمة جدا، وهي أن تسمية أتباع المذاهب الأربعة (الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي) بـ"أهل السنة" لا تعني السنة النبوية فقط، وإنما السنة بمعناها الأوسع عندهم، وهي تشمل الماضي كله؛ يعني أنهم يمثلون الخط الفكري الذي يحترم كل الماضي وكل التراث، وكل ما وقع من المسلمين، وربما يكون هذا هو الأساس لقول من قال بحجية رأي الصحابي أو رأي التابعي أيضًا (هذه النقطة يجب التوسع والتعمق فيها).
إن موقف الشيعة الإمامية من قضية ثبوت الإسلام لشخص هو اعتبار كل من نطق بالشهادتين مسلمًا، وكذلك اعتبروا أن الإيمان يزيد وينقص، كما هو الحال في عقيدة أهل السنة والجماعة. ومن السياسيين الذين عنوا بهذا الجانب جون فوستر دالاس وزير الخارجية الأمريكي الشهير في عهد الرئيس الأميركي: أيزنهاور صاحب كتاب (حرب أم سلام) فقد خصص فصلاً من كتابه بعنوان (حاجتنا الروحية) بيَّن فيه ما ينقص أمريكا، فقال: "إن الأمر لا يتعلق بالماديات، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية، إن ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي. ومن هنا فهم يحرمون دماء أهل القبلة، ويجرون أحكام الإسلام على كل أهل القبلة، ما لم يثبت عن بعضهم العمل على خلاف ما يقتضيه اعترافه المعلن بالشهادتين؛ حيث إن المعلن للإسلام تارة يطبق بنحو جزئي أو كامل في حياته العملية أحكام الإسلام في مجال العبادات والمعاملات، وتارة لا يطبق شيئًا من هذه الأحكام، فإذا عمل فينبغي أن يكون عمله منسجما مع الاتجاه الفقهي العام والسائد، أما أن يعمل بما يخالف الاتجاه الفقهي والسائد، ويدعي أن هذا هو ما تعنيه الشريعة، من قبيل ما يقوم به الدروز في فقههم وفي اعتقاداتهم العملية أو بعض الفرق الباطنية الأخرى.. فإن هذا يبعث على الشك في صدق عنوان الإسلام عليهم.
فالإسلام عند الإمامية دين مفتوح ومتحرك، وليس منغلقا على فئة بعينها، هي خصوص الملتزمين بالعقيدة التفصيلية في قضية الإمامة وقضية العصمة، بل الإسلام دين مفتوح ينظمهم وينتظم غيرهم من سائر المسلمين وهو منفتح لكل من دخل فيه على قاعدة الإعلان بالشهادتين، سواء انتسب في انتمائه الخاص إلى اتجاهاتهم أم إلى الاتجاهات الأخرى داخل الدائرة السنية حسب الخط الأشعري أو المعتزلي أو الماتريدي أو ما إلى ذلك.
