لم لا تظهر بعض الداعيات على المستوى الإعلامي؟ لماذا لا يكون لهن تسجيلات مسموعة أو مرئية معروفة؟ انتهي دور المجتمع المدني في هذه المرحلة بكل إيجابياته وسلبياته، وكانت المرحلة الموالية إصباغ الرداء الرسمي والجمهوري للموقف في أعلى مستويات الدولة، فأخذ اقتراح التقنين مساره الطبيعي نحو مجلس النواب الذي سوف يؤكد هذا الاتجاه، نظرا لالتقاء الحكومة والمعارضة حول ضرورة منع الرموز الدينية الظاهرة أو البارزة في المدارس العمومية، وهي المحطة الأخيرة في هذا المسار الديمقراطي في أخذ القرار. لماذا لا توجد داعيات يشاركن في قيادة العمل الإسلامي؟ ولماذا؟ ولماذا؟...
أسئلة كثيرة تطرح نفسها وتلح في طلب الإجابة عليها، وملفات تحتاج بالفعل إلى فتحها حتى لا نكون قد قصرنا في فتح أبواب تسهم في فتح قلوب الناس لدعوة الله.
ودعونا نبدأ في هذه السطور بمحاولة الإجابة على بعض هذه الأسئلة، وليكن موضوع ظهور الداعيات على المستوى الإعلامي، وقبل أن نناقشه أرى أنه علينا أن نعود قليلاً إلى قضية تغييب طاقات الداعيات في معظم الحركات الإسلامية بالرغم من تزايدهن وانتشارهن على مدى القارات الخمس.
إننا إذ نقول: "هو تغييب لطاقات الداعيات" فإننا لا نبغي التجني على أحد، ولكنه الواقع الذي مورس عبر تاريخ حركاتنا الإسلامية، وعلى امتداد الوطن العربي والإسلامي؛ مما لم يدع المجال لأسماء نسائية بالبروز في العمل الدعوي أو الشهرة إلا النزر اليسير.
إذن فعلينا أن نعترف بأن الداعية ما زالت تواجه عقبات في مجتمعها الإسلامي بل حتى في التنظيم الذي تنتمي إليه؛ فلا المجتمع الإسلامي ولا التنظيم الملتزم استطاعا حتى اليوم أن يتفاعلا إيجابياً مع الحقوق التي منحها الإسلام للمرأة؛ وهو ما أدى إلى فهم قاصر عن إقامة مشروع حضاري متكامل تبدع فيه المرأة والرجل على السواء.
إن المشروع الإسلامي الذي يجب أن يُطرح في هذا العصر وبقوة من قبل الحركات والتنظيمات الإسلامية والدعاة والعلماء هو المشروع الذي يتبنى ضرورة إسهام المرأة في بناء المجتمع، وبالتالي إعطاء الدور الكامل غير المنقوص لها في العمل الدعوي.
ولا بد من وقفة جادة وجريئة نعلنها على منابرنا الدعوية والتعليمية والسياسية والاجتماعية، تطالب برفع الهيمنة والتسلط عن المرأة بشكل عام، وعن المرأة الداعية بشكل خاص، بل وبدعمها، وإفساح المجال لها لتأخذ دورها الحقيقي كما أراده لها الإسلام.
كما لا بد من توضيح أن القوامة التي يمارسها الرجل على المرأة على الإطلاق منافية للإسلام وللتوجهات الربانية التي أعطت القوامة للرجل الزوج ورب الأسرة فقط. فليس من حق أي رجل أن يفرض قوامته على أي امرأة.. إنما هي قيادة الرجل لبيته وأسرته، وهي كأي وظيفة يقوم بها الرجل في المجتمع، ولكنها هنا تصب في صالح أسرته.
ثم إن القيادة تعني المحبة والاستيعاب وليس الاستبداد والتحكم. وهذه هي القوامة التي تتمناها كل امرأة، ولا يعني هذا أن المرأة مرفوض منها المشاركة في القيادة في حال قدرتها فكرياً وحسياً؛ لأنها هي راعية أيضاً كالرجل في البيت والمجتمع.
أما موضوع الإعلام فلا شك أن عصرنا هذا أصبح يوصف بعصر الإعلام وثورة الاتصالات؛ فهو الإعلام العابر للقارات والبيوت والعقول؛ ذلك أن التطور الهائل المتسارع في شكل ومضمون وسائل الإعلام فاق كل تصور وحسبان، وقد تعاظم شأنه من وسيلة مقروءة إلى مسموعة ثم مرئية، وأخيراً عبر الأقمار الاصطناعية التي تزول معها الحدود، معلنة عصر الفتح الإعلامي.
والجميع يدرك أن تطور التكنولوجيا الإعلامية أصبح حلقة هامة في الحضارة الإنسانية؛ لما يمكن أن تلعبه من دور في تطوير الإنسان وتنميته ورقيه، ولقدرتها البالغة على بثّ معاني الإخاء والمودة بين الناس، وفتح المجال للحوار الموضوعي بين كل الاتجاهات.. إلا أن المعيار الحقيقي لأداء الوسائل الإعلامية يبقى محصوراً في السؤال التالي: "من يسيطر على وسائل الإعلام؟ ولمصلحة من تعمل؟ وإذا أحسنّا الإجابة على هذا السؤال استطعنا أن نفهم حركة الإعلام المعاصر وواقعه.
وحتى سنوات لا تزيد على أصابع اليد الواحدة بدأ الإسلاميون يدركون أهمية الإعلام وأهمية التواصل، وبدءوا يفكرون بمواكبة العصر إعلامياً؛ فأُنشئت بعض الإذاعات والمحطات التلفزيونية الخاصة والمواقع على الإنترنت، كما بدأ ظهور المرأة خجولاً في المحطات الرسمية في البلاد العربية إلى أن أصبح واضحاً في العديد منها وليس للملتزمات فيها من حصة وافية أو من حضور لافت.
أما على صعيد الداعيات فما زال عددهن قليلاً إذا أردنا أن نقيس الأمر بمقاييس ومواصفات الداعية الأصيلة.
فكم نملك من عناصر نسائية في العالم العربي -مثلاً- نستطيع أن نطلق عليها لقب الداعية، رغم كل ما نلمس من صحوة إسلامية عند النساء؟!.
كم نجد من النساء في العالم العربي يعشن الدعوة ويحملن همها ويدعين الناس إليها بلسان الحال والمقال ويجعلن هذه الدعوة شغلهن الشاغل وهمهن الأكبر بل الأول؟!
كم نجد بين نسائنا المؤمنات والعظيمات من يستطعن أن يتفقهن في الدين، ويفقهن عصرهن، ويعرفن الناس، ويسلكن درب نبي الله وزوجاته أمهات المؤمنين في الدعوة إلى الله من حيث الإخلاص، والصدق، والحكمة، والصبر، والرفق، والجرأة في الحق، والوسطية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاستقامة، والقدوة الحسنة، والبدء بأقاربها، والاستمرارية وعدم الانقطاع، والقدرة على تنمية الثقافة، ومجاهدة النفس، والمراقبة، والتقوى، والخوف، والرجاء، وخشية الله، والورع، والمبادرة إلى الخيرات، والمحافظة على الأعمال، والانقياد لحكم الله تعالى، والأمانة، وقضاء حوائج المسلمين، والإصلاح بين الناس، وبر الوالدين، والزهد في الدنيا والقناعة، والاقتصاد في معيشتها، والإيثار، والمواساة، والتواضع، وخفض الجناح، وحسن الخلق، واحتمال الأذى، والانتصار للدين، والجرأة، والغضب لله تعالى، والحياء، وحفظ السر، والوفاء بالعهد، وطيب الكلام، والوقار، والسكينة، والكرم وعدم البخل، والمحافظة على العبادات والسنن والنوافل، وحفظ اللسان من الغيبة والنميمة واللغو والكذب وشهادة الزور، والبعد عن التباغض، والحسد، والتجسس، وسوء الظن، والثبات، ومراقبة عيوب النفس، وأمراضها، وترك عيوب الناس، وقلة الكلام بغير ذكر الله، وفهمها للدين والثقافة الإسلامية، والاهتمام بواجباتها البيتية والأسرية، والجهاد، والتضحية، والبذل؟!
أين لنا هذه الداعية التي آمنت واستقام إيمانها، والتزمت وحسن إسلامها، وعملت فأتقنت عملها؟!
ولقد حرَّكت أفكار المسيحية القدرات البشرية في أعمال جماعية مدهشة، كبناء الأديرة، والكاتدرائيات ذات الفن القوطي والروماني. ولكن بعد ذلك انشغل المسيحيون باطراد في مجالات لاهوتية مكررة، وتحوَّلت المسيحية من عقيدة روحانية من المحبة إلى اعتقاد جامد محافظ خال من أي إلهام، والآن كثيرًا ما نراها - أي المسيحية - تتفتَّت لتصبح فئات متعددة تتبنى أخلاقًا اجتماعية مبهمة. فاللاهوتيون مشغولون بمناقشات فلسفية زائفة لمحاولة التوفيق بين المسيحية والرأي الذي لا معنى له عن (موت الإله)!". ليت دوبو عرف الإسلام بحق، إذن لوجد فيه ما افتقده في المسيحية! ولا بد لهذه الأخت الداعية من أن تكون محدثة لبقة، وتملك شخصية جذابة ومؤثرة في غيرها، ومتخصصة متقنة لاختصاصها، ثم هي تملك الوقت الذي تحتاجه لدعوتها دون إفراط أو تفريط..
وإذا سلمنا جدلاً بأن لدينا داعيات بهذه المقاييس والمواصفات.. كلمة أخيرة هذه رسالة الإسلام الحضارية، تقدمها أمته إلى العالم الحائر الذي شقى بالحضارة المادية الاستهلاكية التي تسوده اليوم. على الأمة أن تجتهد وتستفرغ وسعها في تبليغ هذه الرسالة إلى البشرية التائهة: بالأسوة الحسنة والنموذج العملي أولا، ثم بالكلمة المقروءة، وبالكلمة المسموعة، وبالكلمة المشاهدة، وباللغات المختلفة، حتى تقوم على الناس الحجة، وتبرأ الذمة. فقد تحول أنظمة وحكومات دون قيامهن بدورهن الدعوي والرسالي عبر المرئي والمسموع، تبعاً لقناعات فقهية معينة أو بممانعة من الزوج، واستهجان من تنظيمات وحركات وجماعات تعارضنها جهلاً بالدين أو حسداً من عند أنفس البعض لاعتبارات مصلحية خاصة متخفية وراء أقنعة دينية أو سياسية أو غيرها، في حين ترغب كثير من وسائل الإعلام تشجيع وإبراز دور المرأة المسلمة ببرامجها الإعلامية.
الشكل والجوهر والنقطة الرابعة: هي انغماس الراديكاليين في شأن الحجاب؛ لدرجة أن كل من ترتدي الحجاب لا تعتبر من وجهة نظر أغلبية هذا التيار مدافعة عن حقوق المرأة، ويختلق هذا التيار علاقة عكسية بين قضية الحجاب وقضية الدفاع عن المرأة، ويعتبر الحجاب وعدمه معيارا لتحديد من يوصف بالمدافع عن قضية المرأة، وكأن الحجاب يعطل فكر المرأة من أن تناضل من أجل الحصول على حقوقها وحقوق من تمثلها، وهذا التعامل السطحي مع الحجاب خلق حاجزا نفسيا بين الناشطات في مجال قضايا المرأة داخل المجتمعات الإسلامية، نلاحظها من خلال المناشط اليومية والمؤتمرات، وأعتبره شخصيا عاملا مؤثرا وأساسيا في ضعف التواصل بين مختلف المؤسسات والجمعيات والمراكز الناشطة في مجال المرأة والاتفاق على أرضية مشتركة للعمل عليها من أجل المرأة نفسها، حين كانت مجتمعاتنا عامة والمرأة فيها خاصة في غنى عن هذه الحالة. وهذا التعامل ليس مقصورا على الراديكاليين من النسوية؛ بل إن هناك من المتشددين الإسلاميين من يرون نفس الرأي تجاه سفور المرأة. فبالرغم من أهمية الحجاب وكونه فريضة دينية فإنه ليس أهم من الإيمان والواجبات الخمسة المتعلقة بالإسلام، وليس الشكل أهم من الجوهر، وفي كلتا الحالتين تتضرر المرأة لوحدها، وتنغمس مختلف تيارات نسائية/نسوية في إشكاليات لا تقدم للمرأة شيئا، بل تعرقل النضال من أجل حصول المرأة على حقوقها وكذلك تمكينها. والنقطة الخامسة: هي نظرة التيار النسائي للحجاب على أنه جزء من هويتها الدينية والثقافية، وأن تمسكها بالحجاب من القضايا التي لا يمكن التهاون فيها، وأنها من مقتضيات الحفاظ على نظامها الثقافي في زمن تغزوه العولمة، وأن هذا التمسك يعكس واقع مجتمعاتها الإسلامية، ويعبر عنها. ورغم قلة البرامج الدعوية في محطاتنا العربية فإننا نتمنى أن يأتي اليوم الذي يصبح للداعيات مكان ملحوظ في هذه البرامج، كما نتمنى أن تزداد لحاجة مجتمعاتنا إليها.
وإن واقع العالم العربي والإسلامي.. رغم كل الظلامات التي فيه التي تطال المرأة إبعاداً واستغلالاً وتهميشاً لمقوماتها وقدراتها.. أقول: رغم كل ذلك فإن المستقبل يبشر بخير عظيم، وما طرح هذا المحور الآن على شبكة "إسلام أون لاين.نت" إلا بداية الخير؛ لأننا بدأنا مع جيل من الشباب الواعي ننعطف نحو الطريق الأصوب والله أعلم.
إن دور الإعلام خطير جداً، وإذا استطعنا أن نجيب على سؤال: من يسيطر على وسائل الإعلام؟ ولمصلحة من تعمل؟ العلاقة بين الإيمان والصحة النفسية كما أكد هايكو إيرنست على أنه تبدَّى من خلال عدد متزايد من الدراسات وجود تأثير وثيق وإيجابي متبادل بين الإيمان/التدين والحالة الصحية؛ فمن يؤمن بإله خيِّر أو بأي قوة سامية أو حتى "بمجرد" معنى أعمق للحياة فإنه يتغلب على أزمات الحياة والمشقة (الإرهاق) والصراعات النفسية الاجتماعية بسهولة كبرى؛ فالإيمان يسهل وجود "إستراتيجيات تأقلم" فاعلة، وبالتالي فهو أقل تعرضا للأمراض النفسية والجسدية. فالإيمان يؤثر وقائيا، ويبدي -إذا ما وقع المرض- ثقة كبرى بسيرورة الشفاء وينمي هذه السيرورة. إنه يسهل حصول الشفاء". وقد قوم النفساني العيادي ديفيد لارسون بصورة منهجية كل الدراسات التي نشرت في أكبر مجلتين متخصصتين في الطب النفسي بين عامي 1978 و1989 فيما يتعلق بالعلاقات بين الإيمان والصحة النفسية، وتوصل إلى نتيجة مفادها أن التدين يؤثر في 84% من الحالات بشكل إيجابي، وفي 13% بشكل حيادي، وفي 3% فقط ظهر أن التدين مضر صحيا. إنه لا يمكن مغالبة الفطرة التي يعتبر الإيمان جوهرها. وتؤكد آية أخرى: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين". (يونس، 38). أي أن الإنسان يملك الحرية، بل هو مدعو أن يحاول تأليف سورة، وأن يحشد من يستطيع ويراه مناسبًا لإنجاز هذا التأليف. المجال مفتوح تمامًا للتعبير دون أدنى نوع من الكبت أو القهر. والمسألة لا تقف عند هذا الحد، وإنما لدى الإنسان الفرصة للدفاع عن آلهة من دون الله يؤمن بها ويحاجج لإقناع الآخرين بها. إذا أحسنّا الإجابة على هذا السؤال استطعنا أن نفهم حركة الإعلام المعاصر وواقعه، واندفعنا بكثير من الوعي والتبصر والحكمة إلى المواقف الصحيحة، وتعاملنا مع أمراضنا بأفضل الأدوية وأنجعها.
ويعجبني ما جاء في تحديد لأبرز ما يميز واقع الإعلام المعاصر حيث يصنفها المؤلف بالآتي:
1- احتكار الغرب لصناعة تقنية المعلومات والاتصال والإعلام.
2- سيطرة وكالات الأنباء الخمس الكبرى على الساحة الإعلامية من حيث استقاء الأنباء وتوزيعها على النطاق الدولي.
3- هيمنة المادة الإعلامية الغربية والمضمون البرامجي المنتج في بيئات غربية على النطاق الدولي.
ونقول: إنّه حتّى لو لم يوجد مثل هذا النصّ في حقّ النساء المسلمات وهو قوله تعالى: "لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ" فإنّ قياس النساء على الرجال يكون هنا من باب أولى، ولذلك قلنا إنّه لا يجوز للمرأة المسلمة أن تتمسّك بزوج كافر، وعليها أن تبادر إلى طلب فسخ زواجها منه وتفريقها عنه. 4 - إنّ رأي الإمام ابن القيّم وشيخه ابن تيميه، وهو أنّ الزواج موقوف حتّى تنكح زوجاً غيره، على وجاهته غير ممكن التطبيق في العصر الحاضر. 4- توظيف العديد من القوى الدولية لوسائل الإعلام لخدمة أغراضها الأيديولوجية والسياسية والثقافية.
5- استغلال وسائل الإعلام من قبل العديد من أصحاب الأديان والعقائد الفاسدة والاتجاهات الفكرية، وتسخيرها لخدمة أغراضهم (عبد القادر طاش: "الدعوة والإعلام الإسلامي" - كتاب الأمة - المحاكم الشرعية والشؤون الدينية - قطر - 1411هـ - ص 46-49).
وفي الختام، وقد قاربت المساحة المكانية والزمانية المعطاة لي نهايتها، فإنني أعود لأؤكد أنه لا مشروع إسلامياً حضارياً بدون المرأة، ولا إعلام هادفاً بدون المرأة، وعبثاً يحاول الدعاة والعلماء والحكام الإصلاح إذا لم يلحظوا دور شقهم الثاني الذي يفوق دور الرجل خطورة وأهمية بسبب الهدم الذي تمارسه المرأة في مؤسسات الآخرين.
كما أذكّر بأن الدعوة جاءت للرجل والمرأة على السواء، ويكفينا فخراً أن أول من اعتنق هذه الدعوة امرأة، وأول من استشهد من أجلها امرأة.
وصدق الله تعالى حيث يقول: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَابًا مِّن عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ" (آل عمران: 195).
فإذا أعملنا هنا قاعدة "البقاء أسهل من الابتداء" فقد وقعنا في مخالفة النصّ الصريح الذي يمنع نكاح المسلمة من غير المسلم وهو آية البقرة. لكن حتّى لو سلّمنا أنّه لم يرد نصّ في هذه الحالة بعينها، أو أنّ النصوص الواردة قابلة للتأويل، فإنّ قياس هذه الحالة على حالات منع استمرار العقود الزوجية لحرمة المحلّ، أولى من قياسها على حالة إباحة استمرار هذه العقود إذا كانت أسباب فسادها لا تتعلّق بصلب العقد. النصّ الثاني: آية الممتحنة: قال تعالى: "يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ، اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ، فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ، لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ، وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا، وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ، وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر،ِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا، ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" (الممتحنة: 10). أولاً: حول سبب النـزول: اتفقت الروايات أنّ هذه الآية الكريمة نزلت بعد صلح الحديبية بين النبيّ * ومشركي قريش. وقد جرى في هذا الصلح الاتفاق على أنّ من لحق بالكفّار من المسلمين لم يردّوه، ومن لحق من الكفّار بالمسلمين رُدّ إليهم. وهو نصّ عام يشمل الرجال والنساء. فكلّ من لحق بالمسلمين من الرجال ردّه رسول الله * إلى قريش التزاماً بالعهد كأبي جندل وأبي بصير. لكن عندما لحقت بعض النساء بالمسلمين نزلت هذه الآية فأبى رسول الله * أن يردّهنّ إلى المشركين، وكان منهنّ أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي غير متزوّجة، وسبيعة بنت الحارث الأسلمية وكانت متزوّجة، وبذلك اعتبر صلح الحديبية خاصّاً بالرجال دون النساء. ثانياً: ما تضمّنته الآية من أحكام: 1 - أنّ المرأة المسلمة إذا جاءت مهاجرة فيجب امتحان إيمانها، فإذا علمناها مؤمنة فلا يجوز إرجاعها إلى الكفّار. أخيرًا أقول: إن الأمة تحتاج لمكامن القوة، والإسلام يدعو إلى الإعداد الدائم على كافة المستويات. وهكذا فالمساهمات النسوية تحتاج للدعم والرفد والتضافر؛ لأنه في كثير من الأحيان ينتشر الباطل والضلال بسبب تخاذل واستهتار أهل الحق، وليس بقوة أهل الباطل وحدها.
نسأله تعالى أن يوفقنا لما فيه خير الأمة وصلاحها، ويجعلنا من الذين عناهم بقوله: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" (التوبة:71).
