الحديث عن الأسرة هو حديث عن شبكة من العلاقات والمفاهيم تشكل النواة الأساسية للمجتمع، كما تشكل المنظومة القيمية، والحاضنَ التربوي للفرد. وعقد المقارنة بين سياقين حضاريين: النموذج الحضاري الغربي والنموذج الحضاري الإسلامي، لمصطلح "الأسرة" وتَشكله وما يتصل به، من شأنه أن يثير عددًا من المفارقات بين النموذجين، ويلقي بثقله على حقول معرفية مختلفة كالفلسفة والاجتماع والدين.
ولست أبالغ إذ أقول: إن حجم المفارقة بين المفهومين تصل حالة من التناقض، ويمكن مقاربة أزمة الغرب الاجتماعية والأخلاقية من هذه المفارقة نفسها، ويمكن إدراك "أوهام" الحداثة من خلال الآثار التي ألقت بظلالها على التغيرات التي عصفت بالمجتمع الغربي والأسرة الغربية والقيم العائلية الغربية، ذلك أن للمعتقدات الدينية والفلسفية أثرها على نمط العلاقات السائد، وذلك مرتبط أيضًا بالمتغيرات الديمغرافية (السكانية) والثقافية والفيزيولوجية، كما أكدت دراسة عن الأسرة الأوربية.
ونحن سنحاول هنا إيضاح تحولات مفهوم "الأسرة" بناء على الفلسفة التي تتحكم فيه، مع عدم إغفال الأشكال المتولدة عنها، والآثار المترتبة عليها.
الأسرة في المفهوم الإسلامي
في المفهوم الإسلامي يعتبر "الزواج الشرعي" بين ذكر وأنثى هو الأساس المكين الذي تقوم عليه الأسرة، ومن هنا نلحظ قصور التعريف الفقهي للزواج الذي يكاد يقصره على مجرد "عقد استمتاع" وكأن ذلك كل غايته وأهدافه!
والأسرة في المفهوم الإسلامي ليست تلك العلاقة المحدودة بالزوجين والأبناء (الأسرة النووية)، بل تمتد بامتداد العلاقات الناشئة عن رباط المصاهرة والنسب والرَّضاع، والذي يترتب عليه مزيد من الحقوق والواجبات الشرعية، مادية كانت كالميراث، أم معنوية كالبر والصلة والصدقات.. (الأسرة الممتدة).
وتقوم في إطار الأسرة كوحدة اجتماعية علاقات بالكيان الاجتماعي العام من خلال علاقات الجوار (حقوق الجار)، والعلاقة بالفئات الاجتماعية الأدنى (الخدم) الذين أمر الإسلام بمعاملتهم على قدم المساواة مع أهل المنزل بناء على القيمة الإنسانية لا الطبقة الاجتماعية.
وتتيح الأسرة الممتدة لأطفالها فرصاً ومصادر من الاقتداء والتفاعل ومصادر العطف والحنان، فتتعاظم الموارد الوجدانية والتعليمية للطفل.
والأسرة في الإسلام تقوم على أساس ديني / إيماني، "اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله" (رواه أبو داود). ولذلك وجدنا كثيراً من الأحكام المتعلقة بالأسرة مقرونة بنداء {يا أيها الذين آمنوا} كالميراث (النساء: 19)، والعِدّة (الأحزاب: 4،9)، وحرمة البيوت (النور: 27)، والتربية (التحريم: 6)، وغيرها.
ويقرن الله تعالى بين توحيده وبين بر الوالدين (النساء: 36)، كما بين القرآن أن الالتزام بالتشريعات المنظِّمة للأسرة مبعثه الإيمان بالله تعالى (البقرة: 232)، وأن الغرض من استمرار بناء الأسرة هو إقامة "حدود الله" (البقرة: 230)، وهذا كفيل بأن يجعل الأسرة من العبادات.
والأسّ المكين في بناء الأسرة في الإسلام هو التراحم، حيث يقول تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} (الروم: 21). فالعلاقة ليست محض علاقة تعاقدية قائمة على أسس قانونية كما يريد لها دعاة "تحرير المرأة"، وكما هي في الغرب، {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا} (النساء: 19)، و "لا يَفرك (أي يبغض) مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقًا رضي منها آخر" (رواه مسلم).
وأيضاً فإن الأسرة تقوم على المسؤولية الأخلاقية "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته... الرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها" (رواه البخاري).
وهذه المسؤوليات تتحدد (شرعًا) بتفصيلاتها، واستوعبتها كتب الفقه، كما أن لها ضمانات قضائية.
وإذا كنا أشرنا إلى قصور المفهوم الفقهي للزواج فلم يكن غريبًا أن جمهور الفقهاء لا يرون من واجبات الزوجة خدمة الزوج والقيام بشؤون البيت.
تحولات في الأسرة المسلمة
وفي ظل المؤثرات الثقافية والتعقيدات الاقتصادية ظهرت أنماط جديدة وتحولات في الأسرة المسلمة؛ فشهدنا بعض الاختراقات للمفهوم الإسلامي للأسرة، فضلاً عن الممارسات الخاطئة.
ومن الأنماط التي ظهرت مثلاً زواج المسيار، والزواج العرفي، والزواج المؤقت، ونحو ذلك.
كما أننا لا ننكر أن ثمة اختراقات أخلاقية تمثلت في النزوع لإشباع الرغبة مع التحلل من مسؤوليات الأسرة والزواج، فكان أن انتشرت "الدعارة" في بعض الدول، فضلاً عن الإباحية التقنية وغير ذلك.
لكن من المهم ملاحظة أن هذه الأنماط والممارسات تبقى على الدوام في إطار "الاختراقات" ولم تشمل المجتمع، وهي ظواهر محدودة بالنسبة للمجتمع العام. والأهم من ذلك هو أن المجتمع لا يزال ينظر إلى هذه الاختراقات على أنها "لا شرعية"؛ مما يفسر كونها ممارسات سرية، ومن ثم فإن منظومة القيم لم تتبدل مع وجود هذه الانحرافات، بالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة.
وإذا كنا شرحنا أن الأسرة في المفهوم الإسلامي أسرة ممتدة فهل تعتبر غلبة الأسرة النووية على مجتمعاتنا اختراقاً آخر أو خروجاً من المفهوم الإسلامي؟
صحيح أن المنزل هو القاعدة المادية التي تحدد – إلى درجة ما – نمط العلاقات بين الأفراد الذين يقطنونه، ولذلك وجدنا بعض تعاريف الأسرة تنص على "المنزل الواحد". والأسرة النووية ذات صلة بتعدد المنازل ونشأةِ فكرة "الاستقلالية" التي تأخذ في السياق الغربي قيمة ذاتية فردية.
لكن لسنا نقول هنا: إن الأسرة الممتدة هي الأسرة الإسلامية حتى تخرج منها الأسرة النووية؛ فالعبرة كما قلنا بالروابط والعلاقات القائمة، لا بشكل الأسرة، وبهذا الاعتبار فإن التغير الذي أصاب الأسرة في مجتمعاتنا المعاصرة لم يتجاوز في كثير من الأحوال الناحية الشكلية؛ فلا تزال الروابط والعلاقات قائمة، بالرغم من أن الأبناء أصبحوا آباء، وذلك بناء على أساس ديني / إيماني (صلة الأرحام، وبر الوالدين).
الأسرة في المفهوم الغربي
أما الأسرة في المفهوم الغربي الحداثي فقد شهدت تحولات مختلفة، وربما يشكل عام 1500م وعام 1789م نقطتين بارزتين في تاريخ التحول. ففي عام 1500م وبداية القرن السادس عشر كانت الملامح الأولى للثورة الصناعية الكبرى، وفي سنة 1789م قامت الثورة الفرنسية وكانت تتويجاً لما ذهب في التاريخ باسم "عصر التنوير" (القرن الثامن عشر، وخاصة النصف الأول منه) الذي اتسم بشيوع الدعوة إلى استعمال العقل والانطلاق منه لمحاكمة الأوضاع القائمة.
ودعا فلاسفة عصر التنوير ومفكروه إلى نبذ المجتمع القديم (الإقطاعي) وإرساء مجتمع جديد بدلاً منه تسود فيه حرية الإنسان وحقوقه. والحداثة ارتبطت بعصر التنوير وفكرته عن العقلانية الكلية، أي البحث عن المعرفة اليقينية وعن وسيلة للسيطرة على قوى الطبيعة والمجتمع.
هذه المحطات التاريخية والتحولات الفكرية كان لها أثر كبير في التحولات الاجتماعية؛ ومن ثم نمط الحياة الأسرية في أوربا. ومن هنا وجدنا إحدى الدراسات عن "الأسرة في العصور الحديثة" في جامعة "يال" ركزت على المساحة التاريخية (1500-1789).
لكن التغيرات التي شهدها المجتمع الغربي (الأمريكي والأوربي) فيما يتعلق بالمسائل الجنسية والهيكلية العائلية واستعمال المخدرات، تكمن في ظلال الستينيات من القرن العشرين، وهو ما أطلق عليه ثورة الستينيات (أو الثورة الثقافية).
لكن ثمة فروقا بين المجتمعين، فبينما تم إدماج التحولات الاجتماعية في أوربا مع التقاليد والعادات، أحدثت انقسامات اجتماعية عميقة في أمريكا، لكن دايفيد بروكس يؤكد في كتابه (البرجوازيون البوهيميون في الجنة) أن ثمة مؤشرات على أن أمريكا سرعان ما ستلحق بأوربا فتستوعب ثورة الستينيات الثقافية وتدمجها في العادات والتقاليد الأمريكية.
والآن يمكن الحديث في الغرب، وفي أمريكا على وجه الخصوص، عن تحول في النسيج القيمي للأسرة، من تلك الأسرة الصغيرة بمعناها التقليدي إلى الأسر التي تنشأ بالاختيار الحر، والإرادة الحرة (اجتماع مجموعة من الناس حول عادات معينة، أو اشتراكهم في الانتماء لقيم معينة)، وصار يمكن الحديث الآن عن تشكيلات عائلية متنوعة، كالأسرة التي تشمل الأبناء بالتبني، والعائلات المختلطة والأسرة المثلية (أنثى/ أنثى، ذكر/ذكر)، والأسرة المتشكلة بالتقنيات الحديثة.
وهذه التنويعات تعتبر مجموعة من الخيارات المتاحة والمتعددة، وخصوصاً بالنسبة للشواذ؛ حيث تحول الشذوذ من "الانحراف" إلى "خيار" أو "توجه" مقبول، وحصل الشواذ على الاعتراف الرسمي "بحقهم" في الزواج ومساواتهم في الحقوق مع الزوجين الطبيعيين (ذكر/أنثى) في بعض الدول كهولندا مثلاً، بل وإقرار بعض المؤسسات أو التجمعات الدينية في أمريكا!
هذه التحولات/التنويعات في مفهوم الأسرة وأنماطها تأسست على اعتبار أن الأسرة "التقليدية" نمط اجتماعي تاريخي؛ مما يعني أنه يمكن تجاوزه وتشكيل بديل أو بدائل عنه، واستنادًا إلى الإرادة الحرة، والحق الفردي الطبيعي بمعزل عن فكرة الدين؛ الأمر الذي نتج عنه عدد من الظواهر كالأطفال غير الشرعيين، والإيدز، والممارسات الجنسية الحرة، وغير ذلك.
ففي فرنسا مثلاً بلغت نسبة الولادة دون زواج 40% من مجمل نسبة مواليد سنة 1997م، وأكثر من نصف النساء 53% يضعن أطفالهن دون زواج شرعي، وتضاعفت ظاهرة المعاشرة دون زواج شرعي سنة 1999م مما يهدد بانقراض الأسرة الفرنسية "التقليدية" بحسب التقرير السنوي للدراسات الديمغرافية في باريس، الذي أكد أن الزواج أصبح عادة "روتينية" أقلع عنها الكثيرون.
والمهم هنا أن الموقف حيال هذه الظاهرة يعكس الفلسفة التي تحكمها، ومن ثم فهي لا تعتبر في الحداثة الغربية "انحرافاً"، وإنما أشبه بالآثار الجانبية، ومن ثم يكون الحديث عن ممارسة "الجنس الآمن" وابتكار الواقي، ويأتي التبني، أو بيع وتأجير الأرحام، أو التلقيح الصناعي ليحل مشكلة "الإنجاب" للأسرة المثلية، ويأتي تقنين "الإجهاض" ليحل مشكلة الأطفال غير الشرعيين إلى غير ذلك.
والحلول لا تقتصر على التقنية، وإنما تطاول قضية المفاهيم، وقد رأينا كيف تحول الشذوذ من "انحراف" إلى "خيار"، وكيف أن الدعارة تحولت من ظاهرة لا أخلاقية إلى حالة قانونية، فصار البغاء شرعيًّا في الولايات المتحدة وعموم أوروبا.
إذن.. هذه التحولات -في نظرنا- محكومة برؤية فلسفية للإنسان والمجتمع قامت على أنقاض الدين وفكرة الإله، وكان مراد هوفمان قال: "إن المجتمع الغربي أول مجتمع يعيش الإلحاد عملياً".
المفارقة بين المفهومين
لكن السؤال المحوري هنا في سياق الحديث عن مفهوم "الأسرة" في السياق الغربي هو: ما الفلسفة التي تقوم عليها الأسرة؟
يرى البعض أن مفهوم "الدولة" في الغرب حلّ محل "الأسرة" فأصبحت الدولة هي أم الشعب، ونظراً لأن الدولة لم تقم عندنا بالمعنى الدقيق بأدوارها ووظائفها (باستثناء السلطة التي عرفناها جيدًا)؛ فإن الأسرة المسلمة بقيت متحصنة، ومحتفظة بممانعتها ضد التحديث.
حلم الغرباء كانت مكة ومازالت محرمة على غير المسلمين, ولكن هذا لم يمنع المستكشفين الأوربيين من محاولة دخولها, فقد كان لديهم نوع من الإصرار والهوس الذي جعلهم يدفعون بحياتهم إلى حافة الخطر وإلى أن يغيروا مصائرهم, كان فيهم لصوص وأفاقون ومغامرون وعلماء وقساوسة وجواسيس محترفون خرجوا من كل بلدان أوربا, دافعهم واحد هو الرغبة في معرفة المنابع الأولى لهذا الدين والتأكد من أن تلك القوة لن تعود للانبعاث من جديد, تتفاعل داخلهم مشاعر تختلط فيها النظرة الرومانسية لاكتشاف الصحراء مع الدوافع الاستعمارية والتحدي الديني في أرض الدين الذي طالما تحداهم, بعضهم كان منصفا مثل الدنماركي كارستان نبيهور الذي يقول: (ما إن تقترب من هؤلاء العرب حتى تدرك أن تاريخهم يعود مباشرة إلى العصور السحيقة التي تلت الفيضان, إننا في أوربا مغرمون بتخيل أنفسنا كآباء للبشرية, معجبون بالمغامرات الساذجة التي نقوم بها, حتى اللغة التي نتحدث بها مازالت خاضعة للتشكل اليومي, ماذا يمثل هذا كله أمام العراقة العربية?). بدأ فارس صليبي يدعى رينارد دي شتالو رحلة التسلل للأراضي المقدسة في عام 1180م, كان يريد هو وجيشه أن يصلوا إلى المدينة المنورة ليهدم مسجد الرسول [, وفي حقيقة الأمر كان يريد أن يسرق الكنوز التي كانت الأساطير تقول إنها مدفونة في قبر الرسول عليه الصلاة السلام, ولكن ما إن هبط بجنوده على شاطئ البحر الأحمر, حتى وجد فرسان الصحراء العربية في انتظاره, كان معظمهم عزل وعرايا ولكنهم دافعوا باستماتة أمام الجنود الصليبيين المتحصنين بالدروع الحديدية, وسقط الفارس دي شتالو, وسيق أتباعه إلى منى حيث تم قتلهم جميعا. لم يجرؤ جيش صليبي بعد ذلك على عبور الصحراء, ولكن محاولات المغامرين لم تتوقف, فقد خرج أفاق إيطالي يدعى لودفيكو فارسيما من فينسيا عام 1502 وسافر إلى سوريا واستطاع أن يتنكر كحاج وأن يلتحق بإحدى القوافل التي خرجت من دمشق, كان رأس فارسيما مملوءا بخرافات عصر النهضة, لذا فقد قدم وصفا غير واقعي للأماكن المقدسة, بحيث يرضي تصورات العقل الأوربي عن غرائب هذه الأرض, فقد أكد مثلا أن هناك حيوانا يشبه وحيد القرن يعيش داخل الحرم المكي ويختار فرائسه كل يوم من بين الحجيج, وبعد أن انصرف الحجيج اختبأ فارسيما وظل يتجول في الصحراء لمدة سبعة أشهر كاملة حتى ذهب إلى عدن وتم القبض عليه بوصفه جاسوسا مسيحيا. وتوالت محاولات المغامرين, بعضهم أصابه الفشل, والبعض الآخر استطاع التسلل بالفعل, وقدموا شهادات متفاوتة القيمة, ولكن أهمهم كان كارسن نبيهور الذي استشهدنا بقوله من قبل, فقد كان الشاهد الأخير على رحلة الموت التي شملت البعثة التي كان هو عضوا من أعضائها, كانت البعثة مكونة من ستة أفراد, طبيب وعالم نبات ولغوي وجيولوجي وعالم طبيعة ورسام هو نيبهور, وقد أرسل البعثة ملك الدنمارك فريدريك الثاني وكانت مهمتها اكتشاف الصحراء العربية أو بالأحرى الأماكن التي حدثت فيها وقائع الكتاب المقدس. تجول نبيهور كثيرا في الصحراء العربية بعد أن حطت بعثته في اليمن, ومات أفرادها واحدا بعد الآخر, وواصل هو السفر شمالا حتى وصل إلى منطقة الحجاز, ولكنه لم يستطع الاقتراب من مكة, فقد أخبره الأهالي أن هناك قوى سماوية تحرس هذه المنطقة من دنس الأغراب, فما إن يقترب أي كافر - مثله - حتى تخرج عليه كلاب مسعورة جائعة تنهشه نهشا, وأخاف ذلك نبيهور فاكتفي برسم معالم منطقة الحجاز بما فيها من وديان وجبال. ولكن الصحراء العربية لم تعرف مغامرا مثل بورخارت رغم أن الرحيل إليها لم يكن هدفه الأول, كان ما يريده هو الذهاب إلى إفريقيا واكتشاف منابع النيل, ولكنه ذهب أولا إلى سوريا ليتعلم اللغة العربية, وعاش في حلب بين السكان المحليين, وتطبع بطبائعهم وأجاد لغتهم, حتى أصبح حجة في علوم الدين وقيل إن والي مكة نفسه لم يكن يستطيع أن يكتشف أنه ليس مسلما, وكانت خطته هي أن يذهب إلى الحج ثم يعود مع إحدى القوافل الإفريقية إلى مدينة تمبوكتو حيث يبدأ رحلة عمره, وبمعونة والي مصر الذي كان في هذا الوقت محمد علي باشا استطاع بورخارت أن يلتحق بقافلة الحج المصرية, ولكن كل شيء تغير عندما وصل إلى مكة, لقد وقع في عشق المكان وقال: (إذا سئلت عن مكان أتمنى فيه الإقامة إلى الأبد فإن هذا المكان هو مكة). وقد ترجم هذا العشق في حوالي 350 صفحة من الكلمات الحارة ووصف مكة بطريقة لم يدع فيها مجالا لمستكشف آخر. أما الرحالة الذي لم يهدأ فقد كان ريتشارد بيرتون, ويمكن القول إنه كتب عن الصحراء العربية موسوعة كاملة, تحدث فيها عن الصقور والطقوس الدينية والآثار والثعابين والجبال والغناء, كان يملك مهارة فذة في تعلم اللغات, وقيل إنه كان يستطيع التكلم بحوالي 29 لغة, وسافر إلى القاهرة حيث أجاد اللغة العربية, وتردد على الأزهر ليعرف المزيد عن تعاليم الإسلام, ثم سافر متنكرا مع قافلة الحجاج إلى مكة, وقدم وصفا دقيقا لهذه الرحلة وخاصة المدينة المنورة, وعندما وصل إلى مكة كان قد أكمل اندماجه حتى أنه استطاع أن يدخل الكعبة, وأن يدفع الحجاج ليقبل الحجر الأسود وهو يقول: (لقد رأيت احتفالات دينية في أماكن عديدة ولكنها لم تكن بكل ذلك الجلال والرهبة مثل مشهد الطواف حول الكعبة). لكن هذه النظرة غير دقيقة، فلا يمكن – من وجهة نظرنا – الكلام عن "إحلال" مؤسسة مكان أخرى واستبدالها، فالقضية تنبع من التحولات التي طرأت على المفاهيم التي أسستها الحداثة الغربية؛ فقامت الأسرة على المفهوم الغربي "للحق" الفردي، ومن هنا كانت اتفاقيات (حقوق الإنسان، وحقوق المرأة واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضدها، وحقوق الطفل) التي سعت الأمم المتحدة باستمرار لتعميمها وفرضها على العالم باعتبارها النموذج المثال.
ومن المهم أن نشير هنا إلى أن التحولات في الأسرة الغربية -والأوربية تحديداً- كان لقضية "تحرير المرأة" دور بارز فيها عن طريق خلق "موازين قوى" جديدة داخل الأسرة تم بناء عليها -مع الاستعانة بالآراء اللوثرية (نسبة لمارتن لوثر) في هذا الميدان- إعادة أهم جزء من الخارطة الاجتماعية.
وكمثال، فإن المرأة الإيطالية بدأت "العزوف عن كثرة الإنجاب أو عن الإنجاب كلية أو حتى الزواج، وتطالب بتحول العلاقة بينها وبين الرجل إلى مفهوم المتعة التي يجب أن تتساوى فرصة الرجل والمرأة في الحصول عليها، وبالتالي تفضيل الوظيفة البيولوجية على الوظيفة الاجتماعية" (الحياة: 25/5/2002).
بل إن فكرة "المساواة" باتت في نظر "النسوية" (حركة التمركز حول الأنثى) مطلبا متخلفاً، فالأنثى هي الأصل، ويمكنها الاستغناء عن الرجل تماماً، ويمكنها وتحصيل لذتها وإنجاب طفلها من دونه أيضًا!
وبناء على مفهوم "الحق الطبيعي" في المنظومة الغربية الذي لا دخل للدين فيه، تم إعادة صياغة منظومة قيمية جديدة، كاللذة، والفردية، والاستقلالية، والحرية الجنسية، وحرية تكوين الاختيار الجنسي (الشذوذ)، وأن المرأة مالكة لجسدها ولها حرية التصرف فيه... والدولة هنا هي ضامن / مستند قانوني لحماية هذه الحقوق.
وفكرة الحق والمساواة هذه أعادت صياغة مفهوم "السلطة" فتحولت من الأسرة كمؤسسة.. إلى الدولة، ومن هنا يمكن اللجوء إليها لصون حقوق الابن أو الأب أو الأم كل منهم ضد الآخر بالتوازي، وبالتالي تقلص دور الأسرة مع وجود مؤسسات أخرى تقوم بدورها كالمدرسة والإعلام والمجتمع التعاقدي.
بل إن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979م) اعتبرت "الأمومة" وظيفة اجتماعية يمكن أن يقوم بها أي إنسان.
وهنا نفهم جيداً معنى "الفراغ العاطفي" الذي تعيشه الناشئة في الغرب. وكان الأديب الفرنسي ميشال هواليبيك تحدث عن الصورة المريعة للفراغ العاطفي في أوربا في كتابه (الجزئيات الأساسية) الذي حقق أعلى نسبة مبيعات في أوربا.
فالأسرة في السياق الغربي الحداثي تقوم على أساس تعاقدي، ومن هنا تقلصت مفاهيم وقيم التماسك بين الأفراد والتضامن والتراحم، ومسؤولية الأبوين، ومن ثم تنتهي تماماً المسؤولية العاطفية والأخلاقية عند بلوغ الطفل السادسة عشرة، وتنتهي المسؤولية الاقتصادية بعد ذلك ببضع سنين.
وفي شرح لنتيجة انهيار الأسرة، والفراغ الوجداني الذي خلفها، يذكر ألين بيور وإيميل بيريز في كتابهما (أمريكا: العنف والجريمة) أن معدل الجريمة الأمريكية - مثلاً - طبقاً لسنة 1998م بلغ ما يلي:
وقوع جريمة سرقة عادية كل 3 ثوان.
وجريمة سطو كل 14 ثانية.
وجريمة سرقة سيارة كل 25 ثانية.
وجريمة سرقة مقرونة بالعنف كل 60 ثانية.
وجريمة اغتصاب كل 6 دقائق.
وجريمة قتل كل 31 دقيقة.
ويقدر إجمالي كلفة الجريمة العنيفة في الولايات المتحدة (عدا المخدرات) بأكثر من 700 بليون دولار سنويًّا، وهو مبلغ يجاوز إجمالي الدخل السنوي الفردي في نحو 120 دولة في العالم.
ولا يوجد بلد يحمل أسماء بقدر التي تحملها مكة, فقد أوردت لنا كتب التراث حوالي أربعين اسما لها منها: بكة, أم القرى, البلد الأمين, أم رحم, القادسية, سبوحة الحرم, المعطشة, الرتاج, أم المشاعر... وغيرها أسماء كثيرة, تحمل كلها دلالات مختلفة على الدور الذي قامت به مكة على المستوى المادي والروحي, ومنذ أن رفع سيدنا إبراهيم أعمدة البيت العتيق, وقد أصبح لكل حجر في هذه المنطقة تاريخ مذكور, وأصبحت أصغر الوقائع جديرة بالحفظ والتدوين, ولا بد أمام تاريخ طويل كهذا أن يختلط خيال الأسطورة بمداد الواقع, ولكن المؤكد أن هذا الوادي قد أصبح محورا مهما, تتصارع فيه القبائل للحصول عليه والظفر بسيادته, وكان الصراع ضاريا فالذين طردوا منه كانوا أكثر من الذين استقروا فيه. كانت قريش هي القبيلة التي طال استقرارها في شعاب مكة, وهي التي أدركت الأهمية التجارية للبيت الحرام فأحاطته بالأصنام التي تمثل آلهة كل القبائل, واختارت موعدا مناسبا لموسم الحج, يكون في فصل الخريف في أعقاب الانتهاء من سوق عكاظ, بل إنها بدلت في طقوس الحج لتتناسب مع مصالحها وفرضت على الحجاج أن يلبسوا ملابس خاصة أعدتها لهم أو يطوفوا عرايا, لقد مزجت قريش وفق عبقرية خاصة بين التجارة والطقوس الدينية, وصنعت لنفسها مكانة مميزة فوق كل القبائل, إضافة إلى ذلك فقد وهبتنا - نحن أحفاد العرب العاربة - أهم مقوماتنا الثقافية, الإسلام الذي حمل رسالته واحد من أشرف أبنائها, والعربية التي هي لغة القرآن ولغة الحياة. مع قدوم الإسلام تطهرت مكة من أدران الوثنية, واستعاد البيت العتيق قدسيته, ولكن مكة عوقبت عقابا قاسيا, فحتمية وقائع التاريخ التي لا ترحم لم تنس لها أنها أرغمت آخر الأنبياء على الهجرة منها, لذا تحول مركز الثقل السياسي منها إلى المدينة المنورة رغم أن الأمراء والخلفاء كانوا من قريش, ورضيت مكة مؤقتا على مضض, ولكن هذا المركز العنيد واصل الابتعاد عنها, اتجه شمالا إلى دمشق ثم شرقا إلى بغداد ثم غربا إلى القاهرة, ورغم أن مكة قد شهدت العديد من الثورات وحركات التمرد فإنه قد تم سحقها بعنف, ولعل أبلغ دليل على ذلك هي حركة ابن الزبير الذي ثار على سلطة بني أمية ونادى بخلافته في دولة عاصمتها مكة. كان ابن الزبير طفلا سماويا, متدينا مثاليا, لا أحد يدري إن كان يصلح ليكون حاكما, أم لا ولكن الزمن لم يكن صالحا, كانت أمه هي أسماء بنت أبي بكر, وكان هو أول مولود للمهاجرين بعد أن استوطنوا المدينة, وكانت اليهود قد أشاعوا أن المسلمين قد أصابهم العقم ولن يستطيعوا الإنجاب بعد اليوم, عندما ولد عبد الله بن الزبير بدا كأنه بشرى من السماء, وحمله الرسول عليه الصلاة والسلام وظل يطوف به كل أرجاء المدينة, ولكن جيوش بني أمية لم تعامل ابن الزبير بهذا الدلال, لقد حاصرته داخل البيت الحرام, ورمته بالمنجنيق حتى دمرت الكعبة على رأسه, ولم يكتفوا بقتله ولكنهم مثلوا بجثته, وعندما انتهى المحاربون من ذلك طافوا جميعا حول بقايا البيت الحرام شاكرين الله لأنه نصرهم على عدو الله, ترى من كان عدو الله ومن كان نصيره? ربما عادت هذه الفاجعة بالخير على دور مكة ومكانتها, فقد أبعدتها تماما عن معترك السياسة بكل ما فيها من دسائس وألاعيب, وأصبحت كما قدر الله لها مدينة خالصة للعبادة, على حد تعبير الأديب السعودي حسين بافقيه, وأصبح الحرم هو الملاذ الحقيقي للفقهاء والشعراء وعلماء اللغة والمنطق والفقه والشريعة ورواة الأحاديث وجوابي الآفاق والزهاد والتائبين والركع السجود. الظرف الحجازي ولكن مكة لم تصبح متزمتة, كفت عن التمرد وتحولت إلى التظرف,فقد تدفقت عليها أموال الفتوحات الإسلامية, ورشاوى الخلفاء, وشاعت قصص العشق والمجون, وأصبح فرسان هذا العصر شعراء من أمثال عمر بن أبي ربيعة والعرجي والمخزومي, شاعت أشعار الغزل على ألسنة الرجال والنساء اللواتي كن يمضين سافرات الوجوه, وانتشرت مجالس الغناء والطرب وأصبح الصوت الحجازي هو سمة العصر الذي انتشر منها إلى بقية البلاد, ويقول أحمد السباعي الأديب والمؤرخ السعودي المعروف: (إن بعض فقهاء الحجاز ادركتهم هذه اللوثة من التظرف واصبحوا أرق شعورا وأكثر تسامحا من غيرهم من الفقهاء), هذا الظرف الحجازي كان تعبيرا عن طبيعة مختلفة لعصر مختلف, فهم لم يودعوا الشظف ويستقبلوا الترف إلا في محاولة لإخفاء نوع خيبة الأمل العميقة بسبب فشل ثوراتهم وانتهاء دورهم بعد أن انطلقت شرارة تغيير العالم من بين واديهم). وينتقد السباعي بشدة الأسلوب الذي اتبعه الحكام على مر فترات التاريخ ضد مكة, أسلوب الرشاوى وإغداق الأموال عليهم, وإبعاد أهلها عن أي مجال مؤثر في الحكم, ويقول غاضبا: (لقد كان الحكام بالتتابع يغدقون عطاياهم على الحجازيين ليعيشوا مشغولين بهذه المنح لاهين عن جد الحياة, لا هم لهم إلا أن يأكلوا ويطربوا ويزهدوا ويدعوا لخليفة المسلمين بالنصر, ولو أرادوا الإخلاص فيما كانوا يمنحونه لأبدلوا هذه العطايا بدور علمية يبنونها وأرض موات يحيونها وبيوت صناعية ينشئونها ولكنهم كانوا مغرضين, ففي ذمة التاريخ ما ورثنا من تواكل وما نشأنا عليه من فقر وما تعلمناه من استجداء الحجاج والزوار وما ضيعناه من مجد نحن أولى المسلمين بتراثه وأحقهم بحقه). لم يتسن لي أن أرى نساء مكة وإن كنت قد تحدثت إلى بعض منهن, كن أساتذة في جامعة أم القرى وفي العمل التطوعي, ثمرة حقيقية للتحديث والنهضة الحضارية التي تعيشها مكة, منفتحات على ما في العالم من أفكار رغم الحجاب الأسود الذي يغطيهن, يحملن في أعماقهن تقديرا كبيرا للثقافة والتعلم, ولم يكن هذا غريبا على المكان الذي ظل دوما منبعا لكل العلوم الإسلامية, ولكن ابن بطوطة كان قد رآهن, دون حجاب وهو يصفهن قائلا: (فائقات الحسن, بارعات الجمال, ذوات صلاح وعفاف, وهن يكثرن من التطيب, حتى إن إحداهن تبيت على الطوى لتشتري بقوتها طيبا, ويذهبن للطواف بالبيت فيبقى أثر الطيب بعد ذهابهن عبقا). لقد تطورت شخصية أهالي مكة على مر العصور, مثلما تطور عمرانها, ويقول د.أبو بكر باقادر أستاذ الاجتماع ومستشار وزير الحج: إن مفتاح مدينة مكة المكرمة هو الحج, كما أنه مفتاح شخصية المكيين, ويتمثل ذلك في قبول الآخر والانفتاح عليه, والدعوة إلى حواره, بدرجة رفيعة من (التسامح والتعددية), ويقسم أهل مكة العام إلى فترتين, (الموسم) - أي موسم الحج - و(البصارة) وهي تشمل بقية أيام العام, وما يصدم الحاج في الموسم في هذه المدينة التي يتخيل أنها مثالية هو سعي أهلها إلى الربح من ورائه بأي وسيلة, فقد ظل الموسم لسنوات طويلة مصدر الدخل الحيوي لأهل مكة, ينتظرونه من العام للعام, وأهم المهن التي كان يفضل أهل مكة امتهانها دوما هي مهنة الطوافة, ولكن د.هروخيه سنوك الذي زار مكة في القرن التاسع عشر الميلادي وأقام بين أهلها يؤكد قائلا: (إن الذي يرى أهل مكة خارج موسم الحج يجدهم عذبي المعشر, مولعين بالمرح, كرماء لدرجة التبذير, يكرسون جهودهم لحياتهم الاجتماعية, وإن الذي يراقب حياتهم عن كثب يجد بجانب الخشونة والفظاظة التي عند بعضهم أناسا نبلاء المعشر, كريمي الصفات أتقياء ذوي ورع وصلاح). ويقدر عدد المتعاطين للمخدرات بنحو أكثر من 12 مليون شخص في أمريكا وحدها، هذا مع الانخفاض الملحوظ في المعدلات التي بدأت سنة 1991م.
أما الأسرة في المفهوم الإسلامي فتقوم على أساس تراحم مبني على الإيمان الديني، وعن هذا الإيمان ينبثق الالتزام بتشريعات وقوانين الأسرة، وفي مقابل الحق الفردي في المفهوم الغربي يأتي الواجب الديني، وفي مقابل الحرية المنفلتة من أي ضابط، تأتي المسؤولية الأخلاقية، وبينما يتم إشباع اللذة بالممارسة الحرة بوصفها حقاً مدعوماً بالحرية، في الرؤية الغربية، يكون إشباع اللذة في الرؤية الإسلامية بالزواج فقط، وبتحمل مسؤولية المساهمة في بناء المجتمع الصالح، والفرد الصالح، وفي حين تشكل اللذة الجنسية نمط حياة الغربي، يتم دمج النشاط الجنسي في حياة المسلم باعتباره شكلاً من أشكال العبادة، "وفي بُضع أحدكم صدقة" (رواه مسلم).
لهذه الاعتبارات كلها وغيرها، وجدنا تفاوتاً كبيراً بين الانحرافات الاجتماعية في الغرب وبين الانحرافات في المجتمعات الإسلامية بالرغم من عدم وجود إحصائيات دقيقة.
عولمة المفهوم الغربي
ومع هذه المفارقة البالغة حدَّ التناقض بين المفهومين نرى أن ثمة محاولات عديدة لفرض النموذج الغربي وعولمته، عبر الإعلام بوسائله المختلفة، والنخبة المتغربة، باعتباره يندرج في عملية "التحديث"، ويتصل بمفهوم "حقوق الإنسان" (بالمفهوم الغربي)، ومن هنا لم يكن غريباً أن يدافع الحداثيون العرب عن الشواذ المصريين، وأيضًا عبر مؤتمرات الأمم المتحدة، وتسخير سلطتها لشَرْعنة النموذج الغربي قانونيا وسياسيًّا من خلال اتفاقيات تتعهد الدول الأعضاء بالإذعان لها، وتنفيذها عبر لجان ومؤسسات تراقب عملية التنفيذ.
ولعل أبرز تلك المؤتمرات والاتفاقيات: اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979م)، والمؤتمر الدولي للسكان والتنمية (1994م)، ومؤتمر بكين (1994م)، والتي ركزت على قضايا مركزية في المفهوم الغربي هي: الحرية الجنسية، والإجهاض، ومصطلح الجندر (بدل لفظ الجنس، ليشمل "التوجهات" الجنسية: اللواط، والسحاق)، وحقوق المرأة الفرد وليس العضو في الأسرة، والمساواة / المماثلة التامة بين الذكر والأنثى، وإلغاء مفهوم "تمايز" الأدوار، وازدراء "الأمومة"، واعتبار العمل المنزلي "بطالة"؛ لأنه من دون مقابل مادي.
والأمر لا يقتصر على مقررات الأمم المتحدة، فثمة جماعات تتمتع بسلطة التأثير في القرار السياسي، وتشكل قوة ضغط، من أبرزها "جماعة الشواذ" التي لها دورها في الضغط على إدارة مؤتمرات الأمم المتحدة، واستطاعت جذب جماعات مسيحية ومسلمة إليها، وهناك "جماعات الحق في الاختيار" و"حق المرأة في الإجهاض" واستطاعت ترجيح كفة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في انتخابات (1992 - 1996م) واستمالت قوى دينية وقساوسة إليها.
تعميم النموذج الإسلامي
فإذا كان هذا حال الأسرة في الرؤية الغربية، وهذه أدوات عولمتها دوليًّا، ومحليًّا من خلال التنظيمات النسوية، فماذا فعلنا نحن تجاه المفهوم الإسلامي للأسرة؟ وإلى متى سنبقى في مرحلة الدفاع عن "الأسرة" المسلمة ونحن "أصحاب رسالة يجب أن يصغي لها الجميع"، بحسب قول مراد هوفمان؟
إن عودة "الله" للمجتمعات الغربية تغدو الحل الحاسم باعتباره القيِّم على القيم، ويمكن لتعاليم الإسلام الكثيفة، والتي تشكل "نظرية اجتماعية" أن تقدم "دواء شافيًا" في المجال الاجتماعي، وتعيد لشبكة العلاقات الاجتماعية تماسكها ووحدتها، وتسد الفراغ العاطفي؛ فالعلاقة الروحية بين الله والإنسان هي التي تلد العلاقة الاجتماعية في صورة القيمة الأخلاقية كما شرحه مالك بن نبي، وكلما ضعف الدين ازداد الفراغ الاجتماعي بين الأفراد وهو مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا". فكيف إذا غاب؟!
لكن يواجهنا سؤال جوهري هو كيف يمكن لنا أن نقدم خطاب الأسرة الإسلامية إلى الآخر بوصفه "دواء" ليحقق الفاعلية الاجتماعية في الغرب؟ هذا يحتاج لمعالجة مستقلة مع بحث السبل والوسائل اللازمة لذلك.
