منذ أكثر من عامين قامت الولايات المتحدة بإطلاق شعار "الحرب على الإرهاب"، وكرست أجهزتها الدعائية لترويجه في جميع أنحاء العالم، حتى صار عنواناً مميزًا لحقبة تاريخية كاملة، ويبدو أن فرنسا الآن هي الأخرى بصدد صياغة شعار مماثل وهو "الحرب على ا
حجاب". ومن الواضح أن الشعار الفرنسي بدأ يلاقي بعض الرواج الذي لقيه الشعار الأمريكي من قبل (خصوصًا لدى الكثيرين من علمانيي العالم العربي!). وعلى المستوى التحليلي هناك أوجه تشابه بين الشعارين؛ فكلاهما صادر عن إحدى المؤسسات الحاكمة في الغرب، وموجه بالأساس ضد الإسلام وأهله، كما أنه لا يتخللهما فاصل زمني كبير؛ حتى إننا يمكن أن نستنتج أن الثاني نتيجة مباشرة للأول، بالرغم من أن مشكلة الإسلام في فرنسا مشكلة قديمة الجذور.
أما وجه الخلاف فيكمن في أن "الحرب على الإرهاب" تحولت إلى حرب فعلية خاضتها الولايات المتحدة خارج أراضيها ضد دولتين مسلمتين. أما "الحرب على الحجاب" فهي حرب بلا سلاح؛ "حرب ثقافية" تشنها فرنسا ضد المسلمين المقيمين فوق أراضيها، بغرض محو هويتهم الدينية وخصوصيتهم الثقافية. ومن المحتمل أن تمتد هذه الحرب إلى دول أوربية مجاورة (كما يحدث في ألمانيا؛ فقد نقلت مجلة "دير شبيجيل" الألمانية 3-12-2003 عن ماري لويز بيك مفوضة الأجانب والاندماج في الحكومة الألمانية انتقادها الشديد لعزم عدد من الولايات الألمانية إصدار قوانين جديدة لحظر الحجاب في الوظائف العامة بها).
"إسلام أوربي".. أم "إسلام الجيتو"؟
يأتي قرار الرئيس الفرنسي بحظر ارتداء الطالبات المسلمات الحجاب داخل المؤسسات التعليمية ليفتح الباب مجددا للتساؤل عن مصير الأقليات الإسلامية في ظل القمع الديني الذي صار يمارَس بواسطة الأجهزة الرسمية في الغرب، بعد أن كان يمارَس قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر على أيدي أنصار اليمين المتشدد فقط.
ولا نغالي إذا قلنا: إن القرار يستهدف وضع الأقلية المسلمة أمام خيارين لا ثالث لهما؛ فإما "إسلام أوربي" بمعنى أن الانصهار والذوبان تماما داخل المجتمع الغربي مع ما يحمله ذلك من مخاطر فقدانها لعقيدتها وخصوصيتها الثقافية المميزة، وإما "إسلام الجيتو" بمعنى الانفصال عن المجتمع الغربي والتقوقع داخل مجتمع إسلامي بديل يسمح بممارسة الشعائر الدينية بحرية، ولا شك أن هذا المسلك يدفع المسلمين إلى الاغتراب والتهميش، وفي المحصلة النهائية يتحول الإسلام إلى "ثقافة فرعية وهامشية" داخل المجتمع الغربي.
وهذه النقطة الأخيرة بالتحديد هي ما ترمي إليه النخبة الفرنسية؛ ذلك لأنها اعتبرت أن انتشار الحجاب يمثل تحديا خاصا لهوية الجمهورية الفرنسية وقيمها العلمانية التي باتت مهددة أكثر من أي وقت مضى بسبب عدم اندماج ملايين من المهاجرين المسلمين في المجتمع الفرنسي؛ فالكثير منهم لا يزال تربطه وشائج دينية وثقافية بمجتمعاته الإسلامية الأصلية، وهم "لا يريدون لفرنسا أن تظل فرنسا" -حسبما صرح رئيس لجنة العلمنة الفرنسية-. ورغم ذلك فإن أبعاد المشهد الفرنسي لا تتضح إلا إذا ألقينا بعض الضوء على رؤية العقلية الغربية للحجاب.
تاريخية الرؤية.. وعقلية الرفض
تصورات تاريخية متوارثة يحملها الغرب عن الشرق والإسلام، وأغلبها ينصب على المرأة المسلمة القابعة على الدوام داخل المنزل، ولا يسمح لها بالمشاركة الفعلية في الحياة العامة، وإذا اضطرتها الظروف للخروج فإنه يُكرهها على ارتداء ملابس محتشمة، وحجاب يغطي شعرها.
بعض اللمسات المعاصرة أضيفت لهذه الصورة العتيقة، وأدت إلى ازدياد قتامتها؛ لعل أبرزها أن المسلمين يخلطون ما بين المظهر والجوهر، والشكل والمضمون، بل إنهم ينحازون في أغلب الأحوال إلى الجانب الشكلي فقط، حيث يعتبر ارتداء الحجاب معيارا للحكم على إيمان المرأة المسلمة على أهمية ذلك.
ولسنا بصدد مناقشة تلك الصورة التي يُستشف منها أن هناك نقصا كبيرا في المعلومات المتوفرة عن الإسلام، وحتى هذا القدر الضئيل من المعلومات شابه الكثير من المغالطات التي بثتها أجهزة الإعلام عامدة بغرض إثارة الذعر من الإسلام؛ وهو ما أدى إلى تشوه الرؤية لدى الغربيين تماما؛ فتم الخلط بين ما هو رمز وما هو تشريع ديني ملزم؛ إذ عُدّ الحجاب كأحد الرموز الدينية إلى جوار الصليب والقلنسوة، وهو ما يخالف الحقيقة وبدهيات الثقافة الإسلامية؛ فالرمز في اللغة هو الإيماء والإشارة، وغاية الرمز الديني الدلالة على أيديولوجيا صاحبه. أما الحجاب (باللفظ الشائع، واللفظ القرآني هو "الخمار" و"الجلباب") فقد شُرع -في الرؤية الإسلامية- لأداء وظيفة محددة لا تتحقق إلا به، وهي الستر، يضاف لهذا أن ارتداء الرموز الدينية يعد أمرا اختياريا، أما الحجاب فهو تشريع ملزم للمسلمات، ولا يجوز تركه بحال.
وفي الجانب المقابل يحمل بعض المفكرين الغربيين ممن اعتنقوا الإسلام وجهات نظر تلتقي -في نهايتها- مع وجهة النظر الأوربية الرافضة للحجاب، وإن كانت ترتكز على منطلقات مغايرة تماما؛ فروجيه جارودي المفكر الفرنسي البارز يرى أن التمسك بالحجاب يعد تمسكا بالحرفية النصية، وأنه يندرج ضمن "المواقف التمامية" القائمة على خلط العقيدة بالشكل الثقافي المؤسسي الذي استطاعت هذه العقيدة أن تتخذه على مدى تاريخها الطويل!
أما المفكر الألماني مراد هوفمان الذي  تسببت آراؤه في إحداث خيبة أمل كبيرة بالنسبة للمسلمات الأوربيات؛ فقد أوضح أنه يميل لرأي أقلية من الفقهاء(*) ترى أنه يمكن تطبيق الحجاب بدون تغطية الرأس، وخاصة في أمريكا وأوربا؛ حيث لا يمثل شعر المرأة إثارة للرجل!! وأضاف أنه يعتقد "أن غطاء الرأس يصبح ضروريًّا فقط عندما يؤدي كشفه إلى إحداث إثارة جنسية"! كانت قطع الكسوة هي هدية الملك للملوك والرؤساء الذين يتوافدون على المملكة كل عام, وعلي أن اكتفي فقط بشرف الرؤية, وعلى مر التاريخ كانت كسوة الكعبة شرفا لا يناله إلا من يستحقه, وقد ظلت الكعبة بعد بنائها عارية لمئات السنين, ولكن الملك أسعد الحميري الذي خرج من اليمن يريد هدم البيت العتيق كان أول من كساه, كان البيت يسبب أرقا دائما لملوك اليمن, الذين يريدون أن تصب عندهم كل قوافل التجارة التي تأتي شمالا من الشام, والتي تأتي شرقا من الهند, بدلا من أن تصب دوما عند البيت الحرام, ولكن الملك الحميري - مثل البقية - لم يستطع الوصول إلى الكعبة, وأصيب بدلا من ذلك بأمراض أقعدته في مكانه, وأشار عليه أحد البدو أنه لن يشفى من لعنة المرض إلا بعد أن يسترضي البيت العتيق, وقام الملك الحميري بذلك وكسا الكعبة بأثواب يمانية ملونة, وشفي من مرضه واستطاع أن يعود إلى بلاده, وأصبحت الكساوي تنهال على الكعبة في كل عام, علقت على جدرانها كل أنواع الأقمشة التي كان يعرفها العالم القديم, المخطط اليماني والقباطي المصري والنمارق العراقية والديباج والحرائر الهندية, وكان عبد الله المخزومي, وكان واحدا من أشهر أثرياء قريش, يكسو الكعبة سنة وتكسوها قريش سنة أخرى, لذلك فقد أطلقوا عليه العدل لأنه كان يعدلها جميعا, ولم يكس الرسول عليه الصلاة والسلام الكعبة إلا بعد الفتح, فقد احترقت هذه الأستار بينما كانت تقوم امرأة بتبخيرها, وقام هو بكسوتها بعد ذلك, ثم توالت كساوي الخلفاء والأمراء من بني أمية ثم من بني العباس, لم يجرؤ أحد على رفع الكسوة القديمة, فقد كانت تترك وتتحلل حتى تتساقط من تلقاء نفسها, ولكن الأكسية تراكمت حتى هددت بانهيار الكعبة نفسها, وجاء الخليفة العباسي المهدي للحج فأمر بإزالة كل الأستار القديمة وآلا يبقى عليها إلا ستر واحد. مع صعود الدولة الفاطمية وفي ظل العلاقة المميزة التي أقامتها مع أشراف مكة انتقلت مسئولية صنع الكسوة إلى مصر, وفي عهد المماليك أنشئت أول دار لصنع الكسوة في مصر وضمت خيرة الخياطين والمطرزين والخطاطين في مصر, وكما يقول د.باقادر فقد أوقف المماليك على هذه الدار ريع خمس قرى ما لبثت أن زيدت إلى سبع منها سنديس وسنتريس وغيرهما, وكان العمال قبل أن يدخلوا هذه الدار يتوضأون بالماء المعطر بالورد ويأخذون في التكبير طوال وقت العمل, وبواسطة هؤلاء (الأسطوات) أخذت الكسوة شكلها الأساسي: اللون والنقشة والحرف المكتوب, وكان خروج الكسوة من مصر متجهة إلى مكة يوما مشهودا في كل عام, إذ يتقدمها الجند وأمير الحج المصري والمحمل على ظهره الهدايا إلى أهل مكة وتخرج القاهرة كلها لتراقبه وسط الموسيقى والتكبيرات والابتهالات حتى تأخذ القافلة وجهتها الأخيرة للرحيل. وفي عام 1965 تصاعدت الخلافات السياسية بين السعودية ومصر بسبب حرب اليمن ورأت السلطات السعودية أن الكسوة قد تستغل بشكل سياسي, كما أن التطور الغامر الذي شهدته المملكة كان قد أصبح يوفر لها القدرة على القيام بصنع الكسوة, وكان أن رفضت تسلم الكسوة المصرية وأبقت الكسوة القديمة على الكعبة عاما كاملا حتى استطاع مصنعها الخاص أن يصنع الكسوة الجديدة وأن يضيف إليها مع تراكم السنوات المزيد من النقوش والتجديدات. الغفران في منى عندما تنفذ من النفق إلى وادي منى الضيق تحس بمدى رهبة الحج وتأثيره في النفس. ففي هذا العراء الممتد تفترش الأرض ملايين الأجساد الظامئة للغفران. فقراء المسلمين, المادة الأساسية للحجيج الذين كان الحج بالنسبة لهم رحلة العمر الأولى والأخيرة. في كل يوم كنت أسير وسط الممرات الضيقة التي تتركها أجسادهم بصعوبة وأنا في طريقي لرمي الجمرات. وكنت أتأمل وجوههم التي دبغتها الشمس وأجسادهم الواهنة التي لا تسترها إلا خرق الحج المتواضعة وأتساءل أي إحساس عميق بالذنب هذا الذي يعانون منه وهم يتوسلون ولا يكفون عن التوسل. كان عراء من يتيح لهم تلك الفرصة النادرة من تصفية النفس. وكان النوم على الأرض وإهانة هذا الجسد الذي عذبهم برغباته طويلا هو وسيلتهم لذلك. ما يؤخذ على هوفمان أنه يؤسس وجهة نظره على افتراض "شهوانية" الرجل الشرقي دون الرجل الغربي! في حين أن الإنسان هو الإنسان، وفلسفة التشريع الإسلامي قائمة على مراعاة الاحتياجات الإنسانية الأساسية التي تفرضها الحياة باستمرار مع التجاوز عن عنصري الزمان والمكان.
هذه الآراء رغم عدم استنادها إلى أي أساس شرعي (ديني)، ولجوئها إلى بعض التأويلات النصية الضعيفة، ومخالفتها لإجماع أئمة وفقهاء المسلمين (من كل الفرق: سنية وشيعية وإباضية عبر القرون وبمختلف الأمكنة)؛ فإنها تنبع من الرغبة في تحقيق مصالحة بين الإسلام وقيم الحداثة الغربية، وإيجاد مخرج يكفل للمسلمين (من أصل أوربي) التعايش مع مجتماعاتهم الجديدة، إلا أن تلك المصالحة وذلك التعايش يجب ألا يتم عبر تقديم تنازلات دينية للالتقاء مع الحضارة الغربية في منتصف الطريق، وإنما تتم المصالحة عبر الاعتراف بالخصوصية الدينية والثقافية والتسامح مع الآخر.
وعلى أي حال تُقابَل هذه الآراء بالإعراض والتجاهل من قبل الغالبية العظمى من مسلمي الغرب وبالازدراء من مسلمي الشرق؛ فالمسلمات يُقبلن على ارتداء الحجاب بشكل متزايد، رغم أن ارتداءه يسبب لهن بعض الصعوبات فيعرضهن للسخرية والتندر في أحوال كثيرة، ولكن في الوقت الذي يعبر فيه الحجاب عن التمسك بواجب ديني يعكس حجم الوجود الإسلامي داخل المجتمع الغربي، ويرمز للقيم الإسلامية الرافضة لاستخدام الجسد سلعة في سوق الشهوات، في عصر أصبحت فيه المرأة الأوربية عرضة للتسليع والتشييء على يد بيوت الأزياء الغربية.
الشرق.. وعقلية التحجب
فالصورة في الشرق مختلفة عنها في الغرب؛ فالحجاب جزء من الهوية الثقافية، وسمة مميزة للشرق، وعقلية التحجب مكون أساسي من مكونات الشخصية الشرقية، ولا يمكن أن يجنح الخيال بإنسان فيرسم صورة للشرق من دون حجاب، كما أنه لا يخطر ببال المسلمة وهي ترتدي الحجاب تلك السخافات الغربية المتعلقة بالقهر، وبأنها مكرهة على ارتدائه (المثال الأفغاني بغض النظر عن شكله "الثقافي" لا يزال ماثلا في الأذهان)، وإنما يخطر ببالها أنه أداة شرعها الله للحفاظ على قدسية جسدها وخصوصيته، وأن غايته ضبط العلاقة بين الجنسين بالابتعاد بها عن عنصر الإثارة.
ووفقًا للتصور الإسلامي فإن للملابس فلسفة خاصة تستند إليها "فلسفة العفاف"، وغايتها ليست ستر البدن فقط، وهو ما عبرت عنه الآية الكريمة بقولها: "وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ" [الأعراف: 26]، وفي هذا الإطار لا يعد الحجاب زيا لطبقة خاصة، أو زي الفقر والعوز ترتديه من لا تستطيع مواجهة تكاليف عصر ما بعد الحداثة، أو زيا فولكلوريا تراثيًّا يحمل معنى التمسك بتقاليد بالية. بل هو زي عقائدي، يحمل قيمة دينية، ومظهرا لثقافة خاصة (يختلف شكل الحجاب بين الدول الإسلامية بحسب الثقافات، لكنه يتفق على "ستر" حدود ما يُعتبر عورة شرعًا)، والتمسك به يعني تمسكا بالتشريع الإلهي في مواجهة محاولات التشريع الوضعية من قبل حضارة تستهدف قولبة البشر، وإعادة صياغتهم وفق منظورها الحضاري الذي تراه المنظور الوحيد الجدير بالتعميم طوعًا لا كرهًا.
حجاب.. لا حَجب
وإذا كان الإسلام قد شرع الحجاب؛ فإنه لم يشرع الحَجب -بمعنى المنع- عن مخالطة الرجال وإبقاء المرأة حبيسة دارها، لا تغادرها، ولا تسهم في دائرة الحياة العامة؛ إذ لو كان الأمر كذلك فلمَ شُرع الحجاب؟ والتفرق الإجرامي هو التفرق الذي يحدث بعد وضوح الرؤية ومجيء العلم، يقول الله تعالى: "وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة" (البينة: 4،5). والقرآن في هذه الآية يصف لنا "الدواء الوقائي" من هذا التفرق في أربعة عناصر: أ- إخلاص الدين لله في كل عباداته … ابتداءً من الاعتقاد والسلوك، وانتهاءً بالشرائع والمناهج… وذلك على مستوى الفرد والجماعة والأمة. ب- انصراف الوجهة عن كل باطل: سواءً في عالم العقائد، أو في عالم الأفكار، أو في عالم الشهوات والشرائع والمناهج (هذا معنى الحنيفية). ج- إقام الصلاة.. وعملية إقامتها عملية فردية اجتماعية.. وللصلاة علامة على إقامتها؛ فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فإذا لم يتحقق ذلك، فما أقمنا صلاة. د- إيتاء الزكاة… الإنفاق في سبيل الله من أموالنا، ومن قوتنا، ومن كل شيء رزقنا الله إياه. فإن فعلنا ذلك؛ فإن هذا هو دين القيمة.. الدين الذي يقيمنا على الجادة، ويقيمنا على الطريق المستقيم الواضح..ويجمعنا في إطار وحدة تسمح بالتعدد وتنفي التفرق. إن مصيبة هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعاً وأحزاباً .. كل حزب بما لديهم فرحون..إن مصيبتهم في أتباعهم والذين يأتون من بعدهم.. وقد ثبت في السنة الصحيحة أن النساء كن يحضرن إلى المسجد للصلاة، الذي ضم صفوف النساء كما ضم صفوف الرجال من دون حجاب حاجز، وكذلك جلست المرأة إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم متعلمة ومتحدثة ومقاتلة في الغزوات ومهاجرة بدينها إلى الحبشة، كما عرف عنها أيضا اشتغالها بأعمال الطب والتجارة والتعليم وغيرها من الأعمال التي أتيح لها الاضطلاع بها.
ورغم ذلك فقد شهد الإسلام في عصوره اللاحقة ممارسات تعد -بحق- ارتدادا عن تلك الممارسات التي شهدها عصر النبوة، وذلك بفعل التباس الثقافي بالديني، وتفشي الترف وكثرة الجواري، والاختلاط مع أجناس غير عربية، ومحاكاة نظمها الإدارية والاجتماعية؛ وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تهميش وتغييب المرأة، ودفعها للانزواء داخل بيتها وحصر كل اهتماماتها داخله، وتخليها عن أي اهتمامات أو أعمال يمكن أن تُمارس خارجه؛ وهو ما يعني أن التغيرات المجتمعية التي اعترت المجتمع الإسلامي هي التي أدت إلى تقسيم العمل على النحو الذي نعرفه (داخل البيت وخارجه)، وإلى إفراز تلك الصورة النمطية المختزلة عن المرأة، ولا يعني شيوع تلك الصورة وتاريخيتها أننا أمام تشريع إسلامي بل أمام ثقافات تتفق وتختلف مع التشريع.
النسوية العلمانية.. وقهر الحجاب!
واتساقًا مع الرؤية الغربية يلقى الحجاب معارضة قوية من قبل غالبية النخب الثقافية والفكرية العربية؛ نظرا لأنها تدين بالفضل في تكونها الفكري والطبقي للثقافة الغربية، وتعد أطروحاتها بخصوص المرأة بوجه عام والحجاب بوجه خاص مجرد تكرار أجوف للطرح الغربي، ولا تحمل أي فكر جديد. ومن أبرز المعارضين تيار الحركة النسوية العلمانية الذي ينظر للحجاب باعتباره أداة من أدوات التمييز الاجتماعي ضد المرأة، ووسيلة من وسائل القهر.
المفارقة الثانية :الوعي المنقوص لم تكن الصيغة التي عملت بها الجمهورية في صياغة هذا المسار سليمة إلى حد ما في محطة عمل لجنة الحكماء . فعديد التساؤلات تطرح في مستوي تمثيلية هذه اللجنة في تكونها أولا من أفراد قد يقترب بعضهم من ملامسة محتشمة للمعرفة الإسلامية الأكاديمية لمسألة الحجاب، غير أن الكثير منهم وخاصة أصحاب الجذور العربية أو الإسلامية لا تجتمع لديهم الثقافة الوافرة لبلورة رؤية قبلية ومسبقة، تجعلهم يحملون هذه المرآة العاكسة التي تلطف عديد المواقف، وتغلّب لغة العقل على لغة العاطفة، وتجعل من محك التفكير العقلاني والرصين آلية للتأثير وتجنب التأثر العاطفي، الذي غلب على أفراد اللجنة. هذه المصداقية المهزوزة بعض الشيء تظهر أيضا في المرجعيات الأيديولوجية التي كان عليها أصحاب الجذور الإسلامية، فلن تجد من بينها امرأة تلبس الحجاب، أو تتبني الدفاع عنه، فالجميع يحمل منذ البداية منطلقا رافضا وحتى عدائيا تجاه الرمز الديني عموما والحجاب خاصة. كما تطرح التساؤلات لاحقا في مستوي الجمهور المستمع إليه. فمن بين مائة فرد تداولوا على المنصة، وقع الاستماع إلى امرأتين متحجبتين فقط، وكأن الأمر لا يعني هذه الطائفة، فكيف يمكن بلورة فكرة واضحة وتكوين رأي سليم إذا كان المعنيون مباشرة لا يمثلون أكثر من 2% من الجمهور المعني، وهذا حسب ظني إحدى المنزلقات التي وقعت فيها اللجنة عن وعي أو غير وعي. على أنه ينبغي ألا يفهم من ذلك أنه يحث على التبرج والمبالغة في إظهار الزينة؛ فتلك دعوة يرفضها التيار النسوي؛ لأنها تختزل إنسانية المرأة في حدود جغرافية جسدها، وغاية ما يرمي إليه هو التقريب "الشكلي" بين الجنسين؛ لذا فغالبية النسويات يحرصن على تقصير شعورهن وارتداء ملابس شبيهة بملابس الرجال!
وخارج الدائرة النسوية يثير بعض العلمانيين من آن لآخر جدلا حول مشروعية الحجاب عبر التشكيك في تفسير آيات الحجاب الواردة في القرآن الكريم، وكان من المحاولات التي بُذلت في هذا الصدد محاولة المستشار سعيد العشماوي في كتابه "حقيقة الحجاب وحجية الحديث"، وإذا كانت هذه المحاولة قد تمسحت بالطابع العلمي؛ فإن غالبية المحاولات العلمانية قد حادت عنه؛ فقد كتب حسين أحمد أمين -دون أن يضحك مما كتبه-: أن الحجاب "جهاز واقٍ يحجب مرتديه عن العالم الخارجي، ويقيه من مؤثرات ضارة به تسببت من قبل في إحداث تهيج شديد عنه لم تكن له طاقة به، ففضل نوعا من الكبت والتحريم المفرطين على أن يعرض نفسه من جديد لهذه المؤثرات"!
هذه المحاولات التي قُصد بها التعرض للحجاب تجعلنا نعتقد -بحق- أن "مسألة الشرق" هي قبل كل شيء "مسألة الغرب"، وأن الأزمة المثارة حاليا في فرنسا لها بعض الظلال الشرقية، ولن يتم الخروج منها إلا باعتماد التسامح وقبول مبدأ التعددية الثقافية، بل واستحسانها أيضا، وفي هذا يقول "جوته": "التسامح خلق يجب أن نتخطاه ونتجاوزه؛ فهو يصل بنا إلى الاعتراف، أما مجرد التقبل فهو أمر مهين".
