يقولون إنك لو زرت بيت أهداف سويف في ويمبلدون بضواحي لندن, فسوف تجد نفسك محاطاً بالعشرات, وربما المئات من القطع الفنية, والدمى, وإطارات الصور, والتحف, والتماثيل, التي يجمع بينها جميعاً أنها صغيرة الحجم أو بالغة الصغر, والتي تنتشر في الأركان وفوق الأرفف وعلى مساند الأرائك على نحو يدعوك للتساؤل عمّا إذا كان هذا المزاج هو الوجه الآخر لأسلوب أهداف سويف في الكتابة, ذلك الأسلوب الذي ينحو إلى التفرّس في أدق التفاصيل, ويستل من أصغر الملامح وأخفاها من الدلالات والمعاني ما قد لا يكون حاضراً في الكتل الضخمة والمساحات الشاسعة المغمورة بالأضواء. قطعت أهداف سويف رحلتها كقاصّة وروائية بالتوازي مع مسيرتها الأكاديمية, فبعد أن تخرّجت في قسم الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة, حصلت على الدكتوراه في لغويات الشعر من جامعة لانكستر ببريطانيا, وعملت بالتدريس في جامعتي القاهرة والملك سعود. وقد بدأت في تحقيق شهرة واسعة كروائية متفرّدة منذ صدور روايتها (في عين الشمس) بالإنجليزية سنة 1992, وفي سنة 1999 رشحت روايتها (خارطة الحب) ضمن القائمة القصيرة Short list لجائزة بوكر Booker Prize التي تمنح سنوياً في إنجلترا لأفضل عمل روائي مكتوب بالإنجليزية. وهذا الترشيح يعادل الاعتراف بمكانتها ضمن صفوة كتاب الأدب الإنجليزي المعاصرين, وقد ترجمت هذه الرواية إلى نحو عشر لغات أوربية بخلاف الإنجليزية, كما صدرت لها أخيراً ترجمة عربية في القاهرة. يحاورها الكاتب المصري حمدي أبو كيلة.
أحيانا.. أفرض على نفسي نوعا من الرقابة الخفية
استخدم الإنجليزية لتجسيد الثقافة التي انتمي إليها
يخطئ من يدعو إلى تقليد الغرب كي نلتحق بتقدمه
أنت أديبة مصرية, درست في جامعة القاهرة, وحصلت على الدكتوراه من إنجلترا, تعيشين في لندن وتكتبين بالإنجليزية, حققت مكانة متميزة وشهرة واسعة, ورشحت لجوائز مرموقة, وأصبحت أعمالك تترجم لعدد من لغات العالم. هذا هو الإطار الذي نضع فيه صورتك ونحن ننظر إليها, أما الصورة ذاتها فهي تنضح بالبهجة وتدعونا إلى الزهو بك, فأنت تكتبين عن وطنك بعمق وحساسية نادرين, وتنفذين إلى جوهر العلاقات والظواهر لترسمي تفاصيلها المجهرية في إصرار فريد مغلف بنعومة أخّاذة, هل تسمحين بأن تبادلينا المواقف? كما درست في جامعة هارفرد وأعمل حالياً ومنذ عام 1976 أستاذة القانون الدولي بجامعة لويسفيل الولايات المتحدة الأمريكية، كما أدرس في معهد التعليم الديني التابع لجامعة لويسفيل ذاتها منذ عام 1980 وحتى الآن، وأترأس حالياً ومنذ عدة سنوات مجلس برنامج الدراسة الإسلامية في جامعة لويسفيل. وأين رفعت حسن خارج أسوار السلك التعليمي؟ كنت من إحدى أوائل المطالبات بإعطاء المرأة حقوقها التي شرعها الإسلام لها وسط بيئة تعتمد على التقاليد والأعراف القديمة، واستطعت أن أقوم بدوري من خلال المناصب التي شغلتها والأماكن التي سكنت فيها منذ عام 1974، وكان لي دور فعَّال على نطاق واسع في الحض على احترام الأديان.  كما سلطت الضوء على حقوق الإنسان من خلال التشريعات الدينية، وفي فبراير عام 1999 أنشأت الشبكة العالمية لحقوق الإنسان ضحايا العنف من النساء في باكستان، وهي تعتبر منظمة نفعية واسعة الانتشار ولديها أعضاء في كل مكان في العالم، تتصدى للعنف الممارس ضد الفتيات والنساء وتركز على النظر في جرائم الشرف. لماذا اخترت التخصص في الدراسات الإسلامية؟ يعود ذلك إلى منشئي، فقد ولدت في أسرة مسلمة تعيش في مدينة لاهور في باكستان، تحب الإسلام وتعمل على تطبيق تشريعاته، تؤمن بأهمية تعليم الفتاة، وما كنت أسمعه عن الإسلام من والدي ومدرستي دفعني إلى دراسة الدين الإسلامي، خاصة أن ديننا الحبيب يحث على طلب العلم الشرعي. يعني, إذا طلبنا منك أن ترسمي لنا صورتنا كما تريننا من هناك بعد أن تغمسي ريشتك في لوح الألوان الذي يشكّل الثقافة الغربية التي تعيشين تحت سقفها, أو بكلمات أخرى إذا طلبنا منك أن تصفي لنا صورتنا وأنت تنظرين إلينا بعيون وطنية تستعير نظارة أوربية, فكيف تكون ملامح الصورة?
- أولا, أشكرك على هذا الإطراء الذي لا أظن أني أستحقه, ثانياً, أنا أفرّق بين أمرين, أولهما: كيف أرى وطني بعيون الغرب, والثاني: كيف يراها الغرب فعلاً. بالنسبة لرؤيتهم لنا فهم لا يفهموننا فهماً صحيحاً, وقد لا يكون من العدل أن نطلب منهم ذلك, لأننا بدورنا لا نفهمهم فهماً صحيحاً, فنحن نعيش في عالم زاخر بالشعوب والثقافات, ومن الصعب أن يفهم الجميع الجميع. والشخص العادي في الغرب يكون صورته عنا من خلال الإعلام, أو من خلال المناهج الدراسية, وخاصة فيما يتعلق بمصر الفرعونية, وحتى الذين يزورون بلادنا لا تتاح لهم فرصة التعرّف الحقيقي علينا لأن انتباههم يكون موجهاً لموضوعات بعينها. ولأن الإعلام بطبيعته يفضل إلى حد كبير الموضوعات المثيرة, فهو لا يغوص في الأعماق بغرض إبراز الجوانب الإنسانية المشتركة, ولكنه يركّز على جوانب الاختلاف, ولذلك يتأكد عندهم باستمرار الإحساس باختلافنا التام عنهم, لدرجة أنني تلقيت أكثر من رسالة من قرّاء أوربيين وأمريكيين يقولون فيها إنهم متعاطفون مع هذا البطل أو ذاك من أبطال رواياتي, ثم يضيفون أنهم متعجبون كيف يتعاطفون مع إنسان يفترض أنهم مختلفون عنه جذرياً, وعموماً هناك موضوعان رئيسيان يتناولهما الإعلام الغربي هما الآثار الفرعونية, والصراع العربي - الإسرائيلي الذي يفرض نفسه على رؤية الغرب لنا إلى حد كبير.
هذا عن رؤية الغرب لنا, أما عن رؤيتي أنا عندما أنظر إلينا - إذا جاز التعبير - فإن أول ما ينتابني من شعور هو أنني أريد أن نبقى كما نحن, وعندي لذلك أسباب عدة, خذ مثلاً مسألة الترابط الأسري, صحيح أنها قد تمثل عندنا أحيانا نوعاً من الضغط على الصغار أو الشباب إلى حد لا يمكن التخلص منه إلا بشيء من الثورة أو التمرّد, بينما لا يوجد في الغرب مثل هذا الضغط, ومع ذلك أعتقد أن هذا التماسك الأسري مهم لدرجة كبيرة جداً لأن له آثاره الصحية حيث يمثل رادعاً أخلاقياً وقيمياً لا نستطيع أن نستغني عنه, وربما نستطيع أن نشبّهه بالهلب الذي يساعد الإنسان على الرسو عند نقطة بعينها في بحر الحياة دون أن تجرفه أمواج أو عواصف قد لا يقوى على مقاومتها منفرداً. المثال الآخر هو النظرة للثروة أو لجمع المال كقيمة في حد ذاتها وليس كوسيلة لتحسين الحياة, وإن كان هذا المفهوم قد بدأ يغزو مجتمعنا أخيراً. الخلاصة أنه إذا كان لدينا تيار قوي يرى أن علينا أن نحاكي الغرب كي نلحق به في تقدمه, فإنني أرى أن هذه دعوة خاطئة وأننا يجب أن نحتفظ بسماتنا ومقوّماتنا الخاصة التي تميّزنا.
بوكر والصهيونية
كانت روايتك (خارطة الحب) مرشحة ضمن القائمة القصيرة للفوز بجائزة بوكر عن العام 1999. وهنا علينا أن نجيب عن عدة تساؤلات: كيف وعلى أي أساس يمكن أن نوجد نظاما عالميا جديدا؟ وهل يمكن إنهاء حالة القطب الواحد في العالم وأن نبني جسراً بين العالم الغربي والإسلامي؟ ما هو موقف المسلمين الذي يعيشون في الغرب من ذلك؟ هذا المفهوم الخاطئ يجعل المسلمين الذين يعيشون في الغرب يبذلون جهدهم في الدفاع عن المفاهيم الإسلامية، ويسعون إلى فعل أي شيء لإثبات أن الإسلام بعيد عن العادات والتقاليد التي ترسخ هذه المسائل، ويشرحون لمن حولهم أن القرآن الكريم وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم اللتين تعتبران المصدران الرئيسيان للتشريع في الإسلام لا يحتويان على أي شيء يدعو إلى العنف ضد الناس، خاصة الضعفاء منهم، وأن الإسلام لم يعطهم حقوقا معيشية فقط وإنما أعطاهم حقوقا جوهرية أيضاً. ما مدى شمولية الدين الإسلامي لمبادئ حقوق الإنسان؟ الإسلام دين الفطرة الذي يحمي الإنسان ويقرر حرياته ويحفظ حقوقه، والحقوق في الإسلام أكثر شمولاً ودقة من الحقوق في المفهوم العالمي؛ ذلك أنها حقوق نص عليها القرآن والسنة، وهي أرقى من أي حقوق يتوصل إليها الفكر البشري... حقوق الإنسان تستمد أحكامها من القرآن الكريم والسنة النبوية، والإسلام كان الأسبق في إقرار حقوق الإنسان بأكثر من أربعة عشر قرناً على تدوين ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية. حفظ الدين الإسلامي للمرأة حقوقها ومكانتها لكن كيف تصبح المرأة على دراية كاملة بحقوقها؟ من يقرأ القرآن يتبين له الحقوق الكثيرة التي منحها الله للمرأة، ولكن ـ وللأسف ـ الكثير من النساء يجهلن هذه الحقوق ولا يستخدمنها، وقد يكون جهلها مبررا في العهد القديم؛ حيث كان من الصعب أن تصل للمرأة أية معلومات إلا عن طريق الرجل، أما الآن فالتعليم متاح للمرأة وتستطيع أن تتعرف على حقوقها وواجباتها، ما لها وما عليها، من خلال المدارس والجامعات النسائية ودور التحفيظ النسائية والإنترنت الذي فتح لها نافذة على العالم. ما رأيك في وعي المرأة المسلمة حالياً بحقوقها؟ لاحظت في الثلاث سنوات الأخيرة أن النساء المسلمات بدأن يتعرفن على حقوقهن ويطالبن بها، وما حدث في مؤتمر حقوق الإنسان بين السلم والحرب ومدى الوعي الذي لاحظته لدى النساء الحاضرات والمشاركات في المؤتمر مؤشر إيجابي على أن المرأة المسلمة تسير نحو معرفة حقوقها التي منحها لها الإسلام وفق الشريعة، تدافع عنها وتطالب بها. بعد إعلان نتيجة الجائزة وعدم فوزك بها دار حوار في الصحافة الأدبية الإنجليزية ورد فيه أن عداء الرواية للصهيونية وضع المحكمين في حرج منعهم من منح الجائزة لها. ما الحكاية بالضبط?
-ما حدث هو أن أحد أعضاء لجنة التحكيم وهو (جون سندرلاند) كتب مقالاً عن عملية التحكيم وآلياتها ذكر فيه أن اللجنة كانت (متفقة على أن رواية خارطة الحب هي أكثر الروايات المرشحة إمتاعاً, ولكن توجهاتها المعادية للصهيونية أقلقت بعض أعضاء اللجنة). هذا كل ما قيل. في الوقت نفسه كان رئيس اللجنة هو (جيرالد كوفمان) وهو نائب في البرلمان عن حزب العمال, وهو معروف بتوجهاته الصهيونية, وكان يلعب في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات دور حلقة الوصل بين الحكومتين الإنجليزية والإسرائيلية, وقد قام بالرد على مقال سندرلاند ولم يأت في ردّه نهائياً أي ذكر لأسباب سياسية وراء عدم فوز روايتي بالجائزة, ولكن عضواً آخر باللجنة, وهو يعمل محرراً أدبياً لجريدة الإندبندنت أخبرني شخصياً بأن كوفمان قال: (كلكم تعلمون أن توجهات هذه الرواية ليست توجهاتي), ولم يقل أكثر من ذلك. وقد تم منح الجائزة إلى (ج.م.كوتسيا) J.M.Coetzee عن روايته (العار Disgrace), وهذه كانت أول مرة تمنح فيها الجائزة لكاتب واحد مرتين. عموماً لا يمكن الجزم في هذه المسألة بشكل قاطع.
عندما تكتبين بالإنجليزية, هل تتعاملين مع اللغة باعتبارها مجرد وسيط أو أداة للتعبير, أم باعتبارها وعاء للثقافة التي تنتمي إليها هذه اللغة?
- الاثنان, وإن كان يتضح مما كتبته حتى الآن - خارطة الحب على سبيل المثال - أن اللغة الإنجليزية بالنسبة لي هي الأداة التي أستطيع أن أستعملها وأقوم بتوظيفها في أغلب الأحيان للتعبير عن مشاعري أنا, ولتجسيد الوجدان والثقافة والخبرات التي أنتمي إليها. ولكن عندما أقدم شخصية أجنبية مثل ليدي (أنا وينتربورن) في خارطة الحب, فإنني أوظف الأشكال الثقافية الشائعة في مجتمعها مثل المذكرات والرسائل, ولكني عموماً أعتقد أنني منشغلة حتى الآن بالتعبير عنا نحن بشكل أساسي, واللغة الإنجليزية هي أداتي المفضلة لذلك.
اللغة والقارئ
عبر بحث سريع على الإنترنت, وخلال أكثر من 900 صفحة تتحدث عنك وعن أعمالك, كان مما توقفت عنده عبارة تقول: (من بين الكثيرين الذين يكتبون الآن عبر القوميات والحدود, فإن أهداف سويف هي صوت مصري أصيل يتوجه مباشرة إلى القارئ الغربي). كذلك يقول أحد كبار النقاد إنك نجحت في مخاطبة القارئ الغربي بلغته وثقافته, ما تعليقك على مضمون مثل هذه المقولات? وهل يتوجه الأديب عندما يكتب لأحد بعينه?
وعلى كل حال أنا ترجمت رواية الطيب صالح الشهيرة: (موسم الهجرة إلى الشمال). عندما قرأت هذه الرواية لم أستطع أن أنام بعدها وقد اشتغلت بجدّ دون أن أعرف النوم خلال شهر. كنت أعمل من الساعة السابعة صباحا حتى ساعة متأخرة في الليل حتى أنجزت الترجمة. لماذا اهتممت بهذه الرواية? إنها رواية شجعتني على العمل والترجمة. وترجمت أيضاً للطاهر وطار من الجزائر ولعدة كتّاب من ليبيا, ومن المغرب لعبدالكريم غلاب, ومن تونس لعمار بن سالم ومصطفى الفارسي. - دعني أوضح الأمر قليلاً, هناك مستويات لمعرفة اللغة, فالعديد من المفردات والتعبيرات والتركيبات اللغوية تكون محمّلة بأبعاد تاريخية وثقافية مما يجعل لها وقعها الخاص والمؤثر لدى المتلقي, وأعتقد أنني استوعبت اللغة الإنجليزية من خلال القراءة والمعايشة إلى الحد الذي يمكنني من فهم هذه الأبعاد فيها, وبالتالي من مخاطبة القارئ الإنجليزي من خلالها. من ناحية أخرى فعندما أكتب مقالات للصحف الإنجليزية من حين لآخر, فإنني أكتبها - عن وعي - للقارئ الغربي, لأن هذه مقالات, وإن كنت أوظف فيها إمكاناتي الروائية لكي أحدث التأثير المطلوب. أما الأدب فهو يكتب لذاته ويفرض أدواته على الأديب. ملت منذ طفولتي إلى العلوم وإلى تاريخ العلوم, ووجدت أن الرياضيات والفيزياء علمان متممان لبعضهما, ومهمان جداً لفهم الكون والبرهان على أن للكون خالقاً يديره ويهتم بأمره. ونظراً لتربيتي الدينية سعيت للتوفيق بين العلم والدين, وفي فترة لاحقة بين العلم والدين والفلسفة نظراً للارتباط القائم بين الحس والنفس والعقل, ولأن الإنسان خليط من العلم والدين. ولكن هناك فعلا قطع أثرية مهمة استرجعت، وكانت من المفقودات الرهيبة للمتحف العراقي، من ضمنها تمثال برنزي من منطقة باصدقي في الشمال، وهي قطعة نحت برنزية رائعة جدا، من الفترة الأكادية، في حدود 2300 عام قبل الميلاد، وقد صب التمثال بطريقة الشمع المثقوب، وهذه الطريقة يستخدمها الفنانون إلى الآن. كما استرجع إناء الوركاء النذري، وهو إناء أسطواني الشكل، وعليه نحت بارز من الفترة السومرية، وعمره في حدود 3200 سنة قبل الميلاد، وهو من القطع المهمة جدا في تاريخ الفن البشري، وهذا كان عند أحد المواطنين، وهو الذي أرجعه إلى المتحف.. وأخيراً, أعتقد أن جزءاً من نجاح رواية (خارطة الحب) في الغرب يرجع إلى أن شخصية السيدة الإنجليزية كانت تبدو حقيقية وكأن كاتبها إنجليزي من القرن التاسع عشر أو بدايات القرن العشرين.
قبل أن نغادر دائرة اللغة أود أن أسألك: هل ما تكتبينه أدب عربي أم أدب إنجليزي?
- رغم أن هذا السؤال يجب أن يوجه أساساً للنقاد, لكن في الغالب هو أدب إنجليزي.
الرقابة الخفية
على ذكر النقّاد, ما رأيك في قول ناقد كبير: (إن القيمة النوعية التي اكتسبتها كتابة أهداف سويف بالإنجليزية هي نتيجة عوامل غير بعيدة عن تجليّات القوة في عالمنا المعاصر, وتعقد أوضاع الثقافة العربية التي يغلب عليها الاتباع لا الابتداع, ومن ثم البحث عن لغة قد تتيح من الحرية ما تفتقده ممكنات اللغة الأم)?.
- من ناحية الحرية, لا أعرف لأني لم أحاول أن أكتب شيئاً بالعربية ومنعت أو حجر عليّ, من ناحية أخرى فإن ما أكتبه بالإنجليزية سيصل إلى القرّاء العرب سواء في لغته الأصلية أو مترجماً.
وهل ينطبق هذا أيضاً على روايتك (في عين الشمس)?
- وحتى (في عين الشمس), فعندما قررت جريدة أخبار الأدب نشر خاتمة الرواية وعلمت بذلك, طلبت منهم مراجعتها قبل النشر, وقد وجدت أن هناك فقرة قاموا هم بحذفها عند الترجمة فقمت بإضافتها, ولكنهم عادوا وحذفوها مرة أخرى عند النشر, وهذا حقهم. ولكن هذا لا يمنع أنني أحياناً أفرض على نفسي نوعاً من الرقابة الخفية أو غير المقصودة.
مَن يقرأ أعمالك يخيّل إليه أن الخير في هذه الدنيا هو القاعدة, والشر هو الاستثناء, أبطالك الرئيسيون دائماً من الأخيار, وهم شخصيات إيجابية مقبولة من القارئ أو محببة إليه, أما الأشرار فهم أشباح تخطر من بعيد أو أطياف تتحرّك من خلف ستار. إذا كان ما أقوله صحيحاً, فهل هذا مقصود منك? وهل هكذا حقاً هي الحياة?
- كلامك صحيح, رغم أن الشر موجود طبعاً وإلا ما كان هذا حال الدنيا, أنا فعلاً لم أقدم شخصية رئيسية شريرة تجسّد الشر من أجل الشر مثل ياجو مثلاً. أما إذا كنت تقصد بالشخصيات الخيّرة نموذجاً مثل شريف البارودي في خارطة الحب, فقد كنت أقصد أن أقدم شخصية بطل رومانسي مصري, فلم يكن هناك مجال في ملامحها أو مكوّناتها لنوازع الشر.
من حين لآخر تعلو أصوات بالدعوة إلى ما يسمى (الأدب النسائي) أو (أدب المرأة) أو (الأدب الأنثوي), وفي الوقت نفسه هناك من يقولون إن هذه الدعوات تنزع عن هذا الأدب توجهه الإنساني العام وتحوّله إلى نوع من التعبير الفئوي الضيق. ما رأيك في الدعوة وفي معارضيها?
- أنا أوافق على الرأي الثاني, وربما أتى وقت كان مطلوباً فيه إبراز حقيقة أن هناك أدباً نسائياً, وأظن أن هذه مرحلة انقضت, وليس من المناسب تحجيم كتابة بعينها فيما يسمى بالأدب النسائي. وربما نتقبل هذا التعبير بمعنى الأدب الذي تكتبته المرأة وليس بمعنى الأدب الذي يعبر عن المرأة. وسوف نجد أن هناك كتّاباً كباراً عبروا عن المرأة تعبيراً صادقاً وهم رجال, مثلما فعل يوسف إدريس في (الحرام).
ومع ذلك فإن الدكتور جابر عصفور كتب في سياق تقديمه لمجموعتك (زينة الحياة) في طبعتها العربية واصفاً أعمالك بأنها (تتسم بالحضور الأنثوي المهيمن). وأرجو أن تسمحي لي هنا بملحوظة إضافية حول هذه المجموعة - الشائقة والممتعة في رأيي - وهي أنه حتى القصص التي تضمنتها وجاء أبطالها من الرجال مثل (تحت التمرين) أو (ميلودي) أو (السخان) فإنهم كانوا يتحرّكون على خلفية طاغية من عالم النساء?
- ولماذا لا تنظر في خارطة الحب? أليس شريف البارودي بطلاً? ربما كانت (زينة الحياة) مرحلة نجحت في عبورها في الأعمال التالية, ومع ذلك لا أنكر أن الأديب يكتب عمّا يعرفه, ولذلك كانت الكتابة في البداية عن الشخصية النسائية أقرب وأيسر, وحتى في (خارطة الحب) بدأت في رسم شخصية شريف البارودي من خلال عيون شقيقته وليدي أنّا التي تحبّه, ومع تناهي أحداث الرواية بدأ في الظهور كشخصية مستقلة تتقدم إلى القارئ بنفسها مباشرة.
حرص موقع  على إجراء حوار خاص معها، نتعرف فيه على دراساتها، أبحاثها، آرائها، أعمالها، وأشياء أخرى... مشوارك العلمي من أين بدأ؟ وأين وصل؟ درست في مدرسة الدعوة الدينية في مدينة "لاهور" في باكستان بالمرحلة الثانوية، واخترت دراسة القضاء في كلية "ماري" جامعة درهام في إنكلترا وتخرجت منها بامتياز مع مرتبة الشرف عام 1964م. الموقف السياسي
مَن يقرأ أعمالك يتبين بسهولة أن لك رأياً وموقفاً سياسياً مما يدور في وطنك وفي المنطقة وفي العالم من أحداث وتطوّرات, وأنك متابعة لممارسات وطروحات القوى السياسية المختلفة, ولك رأي فيها وموقف منها. وأد التطور كونك مهتماً بالقضايا الدينية, كيف ترى تأثير الدين على المجتمع العربي, وهل توافق أو تعارض القائلين بأنه سبب من أسباب التخلف? ـ جاء الدين لتحرير العقل من كل القيود والأوهام التي علقت به منذ العصور الجاهلية القديمة. فالعقل أحد الدعائم الأساسية التي تعتمد عليها كثير من المذاهب والمدارس الفكرية الإسلامية. وقد ظل الأمر كذلك طوال الفترة التي كان العرب ينعمون فيها بنهضة فكرية وفلسفية مميزة, والتي ما زال الغرب يعيش على نتاجها حتى اليوم. سؤالي هنا ذو شقين: أولاً: أين تصنّفين نفسك سياسيا? وثانياً: ما أحلامك في إطار السياسة?
- أولاً, ربما يكون أكثر ما يشغلني هو القضية الفلسطينية ودور إسرائيل في المنطقة. وقد يكون شيئاً طفولياً أن أقول إنني أكره الظلم والاستغلال والفساد كمعظم الناس. ولعل موقفي السياسي هو ما أعبّر عنه من خلال الكتابة, بل وأحياناً تكون الكتابة في ذاتها عملاً سياسياً, أما عما أحلم به في إطار السياسة فهو أن أرى تاريخ بلادي وحضارتها وإمكاناتها موظفة أفضل توظيف لصالح الناس في الحاضر والمستقبل.
ما دمنا نتحدث عن السياسة, اسمحي لي أن أقرأ عليك مقولة منشورة لك تقولين فيها: (إما أن تتعلم كيف تمارس لعبة السياسة وتبقى متنبّهاً لإمكانات الغدر بك, وإلا فلا تفعل). ماذا تقصدين?
- أقصد أن مَن يحترف السياسة يجد نفسه مضطراً لممارستها كلعبة لها تفاعلاتها وصفقاتها ومبادلاتها, ولا يستطيع أن يخوضها وهو طاهر القلب, نقي الضمير أو مسلح بمجرد إيديولوجية أو رؤية أخلاقية خالصة.
دعينا نعد إلى خارطة الحب, يستطيع القارئ أن يلحظ خيطاً رئيسياً في الرواية, وخاصة في الجزء التاريخي يركز على أن الإنجليز كانوا يفتقدون القدرة على رؤية الآخر, فهم لا يعترفون للمصريين بوجودهم المستقل أو بحقهم في التحقق والتميز باعتباره واقعاً موجوداً فعلاً, يحكمهم في ذلك تصوّر بأنهم بالضرورة الأفضل. هذا ما كان سائداً في أوائل القرن العشرين, فهل مازالت هذه هي الرؤية التي تحكم نظرتهم ونظرة الغرب عموماً إلينا?
- مازالت هذه الرؤية موجودة ولكن بدرجات متفاوتة, بحكم وجود تيارات متعددة ومتباينة. ولكن الوضع اختلف في انجلترا بالذات لوجود أعداد كبيرة فيها من الأجانب, حتى أن حوالي 40% من سكان لندن ينتمون لأصول غير إنجليزية, ولهذا أصبح هناك نوع من ضرورة تقبل هذا الاختلاف. أنا مثلا عضوة في لجنة تابعة لوزارة الثقافة معنية بتقديم التمويل لمشروعات ثقافية مختلفة, وتعمل في إطار توجه لإعطاء الأولوية في منح التمويل لذوي الأصول المختلفة تشجيعاً للتعدد الثقافي والاعتراف بالثقافات المغايرة واحتوائها. إذن حتى قراءة السلفيين للتراث قراءة تمتلك شرعيتها الأيديولوجية, انطلاقا من أنها أتت في إطار المكيفات الأيديولوجية المحددة, لكن من الناحية المعرفية نجد الأمر مختلفا, نقر بالتعددية جميعا, الجميع سواء في الشرعية الأيديولوجية لكنهم ليسوا جميعا متساوين في ظل الموقف المعرفي, هنا تبدأ عملية الكفاح العلمي لتأسيس هذه القراءة المعرفية, أي التي تتسم هنا بالموضوعية, بالعقلانية, بالقدرة على فهم الحدث سياقيا, أي التاريخية. أعرف أن لديكم علاقات قوية مع عواصم عربية شتى, فما صورة عرب اليوم لدى مستعرب روسي صديق للعرب? - أنا أعتقد أن صورة العرب والعالم العربي لم تتغير تغيرا يذكر بين الأمس القريب واليوم. لماذا? حسب الأبحاث والدراسات التي تُنشر في صحفنا ومجلاتنا الروسية, نجد أن مشاكل العرب ومتاعبهم مازالت هي هي. أنا اشتركت في عدة جلسات  في جمعية الصداقة الروسية - العربية واستمعت إلى شهادات وأقوال دبلوماسيين وعلماء روس أقاموا في بلدان عربية مختلفة, وقد وجدت أن تحليلاتهم عن العرب ومجتمعاتهم تتفق في خطوطها العامة, الأسئلة عن هؤلاء مازالت الأسئلة نفسها التي كانت تدور في خلد دبلوماسيينا وعلمائنا الذين عملوا عندكم قبل سنوات طويلة. أشعر أن لديكم مشكلة في الوقت الراهن تتعلق بتمويل إصدار القصص والروايات والكتب بشكل عام, في الماضي كانت الحكومات تموّل عملية المطبوعات في أكثر من بلد عربي, مئات وآلاف الكتب ساعدت الدولة في إصدارها في بلدان عربية كثيرة, في الوقت الراهن لا نجد الوضع كما كان في الماضي القريب, لاشك في أن انهماك الدولة في ميزانيات الحرب, وفي القضايا الاجتماعية والاقتصادية الكثيرة, قد أضعف صلة القطاع العام بالثقافة بوجه عام, ناهيك عن أن عمليات تصريف الكتاب العربي باتت أصعب الآن, بات لا يُطبع من الكتاب العربي في الأعم الأغلب أكثر من ألف نسخة, في الولايات المتحدة يطبعون من كتاب واحد لجبران خليل جبران أكثر من مائة ألف نسخة. خلال نصف قرن استمرت الحروب في منطقة الشرق الأدنى, لماذا لا يمكن لشعوب الشرق الأدنى أن تجد طريقا لإيقاف الحروب? روسيا تعرف حق المعرفة ماذا تعني الحرب, خلال الحرب العالمية الثانية, فقدنا حوالي ثلاثين مليون نسمة, ولا أذكر عدد الجرحى الآن, والحرب - كما تعلم - هي ضد مصالح الشعوب, ولهذا السبب نحن نتمنى للشعب العربي أن يجد الطريقة المباشرة لعلاج كل القضايا من أجل التوصل إلى حياة هنيئة سعيدة. البلدان العربية غنية بالنفط والغاز, قطر غنية جدا بالغاز, الكويت من أغنى بلدان العالم بالنفط, ولا أتحدث هنا عن المملكة العربية السعودية وثروتها النفطية الهائلة التي يعرفها الجميع, إنها ثروات قابلة لأن تخدم مستقبل الشعوب العربية, وأنا لا أدري لماذا غزا العراق الكويت, ألم تكن حربا عبثية أضرت أبلغ الضرر القضية العربية برمتها? ولكن الأمر قد يختلف بالنسبة لرجل الشارع الذي يعاني من البطالة مثلاً.
رفض الآخر
هل توافقين على الرأي القائل إن بيننا من ورث عن مستعمرينا السابقين عقيدة رفض الآخر, واستمر في اعتناقها بينما تخفف منها إلى حد كبير من ورثوها لنا أصلاً? وهل يتجلى ذلك في الاعتقاد الدائم لدى البعض في وجود مؤامرة مدبّرة ضدنا من قبل الآخرين مجتمعين?
الخلل الأساسي حصل مع حادثة المأمون الأولى, أضيف إليها تحريم بعض العلوم من قبل بعض الحكام. حكم الأتراك المتخلفين حضارياً ساهم في فترة التراجع الفكري الإسلامي, لأنهم أوقفوا حركة التطور الفكري بظلمهم, وعطّلوا المدارس, ومنعوا التجمعات على أشكالها, فكانت الكارثة الفكرية التي جرّت العرب إلى عصور الظلام والجهل. - دعني أقل لك إن هذه النظرة يكون لها أحياناً ما يبررها بدرجة أو بأخرى, وعلى سبيل المثال فإن السينما الأمريكية والأوربية مازالت تقدمنا في صورة عدو شرير, وهذا بالضرورة يلعب دوراً في تشكيل تصوّرنا - أو تصوّر بعضنا - لنواياهم تجاهنا.
موقفك المناصر لحقوق الفلسطينيين معروف وواضح سواء من خلال أعمالك الأدبية أو من خلال كتاباتك الصحفية. زيارتك التي قمت بها لإسرائيل والأراضي الفلسطينية في ديسمبر 2000, ماذا أضافت لرؤيتك للموضوع?
إننا نغش الأشياء لكي نتقدم دون التفكير كثيراً بها أو عن غير قصد، - الناس الذين يعتقدون أنهم يحترمون أنفسهم، من المحتمل أنهم لا يستطيعون دائماً أن يغيرون سوء الفهم الذي لدى الآخرين عنهم. هناك كثير من المستويات من الكذب بشكل متعمد أو غير متعمد في الطريقة التي نحياها. *  هل تعتقد أن الرواية دائماً تخدم الحقيقة العظمى؟ لا أعرف شيئاً عن ما تسميه العظمى. الحقيقة هي الحقيقة. لكن الرواية لديها طرقها الخاصة في تقديم معنى الحقيقة، وهي واحدة من الأدوات التي أرتاح لها على نحو متزايد أكثر من غيرها. - أولاً, لم تكن هناك زيارة لإسرائيل, ولكنها كانت للضفة الغربية المحتلة, وقد أتاحت لي فرصة الرؤية المباشرة لما يحدث, وهو مالم توفره القراءة أو المتابعة عبر وسائل الإعلام, فمقابلة الناس ومعايشتهم تعطيك شحنة إنسانية, وهذا ما حدث لي, بالإضافة إلى انبهاري بالقدس العتيقة, فهي مدينة فريدة في جمالها تعــطيك إحساساً بأنك تريد أن تحميها بجســمك, وقد أعطتني الزيارة إحساساً بأنــني شاركت مشاركة فعلية - من خلال ما نشرته عــنها في جــــريدة الجارديان - في مناصرة الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة, مشاركة تتعدى قليلاً المتابعة والتعــــاطف. - دراسة علمية حول أهمية تطبيقات اختراعات كامل الصباح في التقنية الغربية. - مشروع قانون حول استخدام وتطبيق النظائر المشعة في لبنان, هذا القانون لايزال في أدراج المجلس النيابي اللبناني منذ أكثر من ربع قرن, في حين أن بعض الدول العربية تبنته وأدخلته في قوانينها المرعية بعد إجراء بعض التعديلات عليه. - تقرير إحصائي للطاقة العلمية اللبنانية الموجودة في لبنان والخارج, وكان هذا التقرير حافزاً رئيسياً للمرحوم الشيخ موريس الجميل في طرحه لمشروع بنك الأدمغة اللبنانية. - دراسة علمية موثقة حول النشاط الذري في الجامعات ومراكز البحوث العربية. - دراسة علمية حول الغبار الذري المتساقط في العالم العربي نتيجة للتجارب النووية الأمريكية والروسية, مع خارطة لتوزيع عنصر السترونتيوم 90 الخطير. - اقتراح مفصل حول تدريس مادة القانون النووي في كليات الحقوق في لبنان. - اقتراح مفصل إلى وزارة الصحة اللبنانية لاتخاذ قرار بالسماح باستهلاك المواد الغذائية المعقّمة نووياً. - مشروع إقامة مركز لتعقيم الفاكهة والخضار والحبوب بواسطة الإشعاع النووي رفع إلى وزارة الزراعة اللبنانية. - مشروع إقامة مختبر لقياس الغبار والتلوث النووي والنشاط الإشعاعي فوق الأراضي اللبنانية لحماية المواطن من أخــــطار تـــلوث المياه والـــهواء والمواد الغذائية رفع إلى وزارتي الصــحـــة والصناعة اللبنانية. وقد منحني هذا إحساساً لا تتصوّره, فقد كنت في حالة تبرّم من نفسـي, أبحث عمّا أستطيع عمله فلا أجد. أرغب في إجراء حوار مع هؤلاء الكتاب، حوارات أرغب دائماً في القيام بها، إنني أستمتنع بالبحث المروع، فهو يقود إلى بعض الإلهامات غير المتوقعة. أعتقد أن "آين راند" كانت مبدعة في عصري، حسناً، لقد قمت في بحثي في مكتبة جامعة "ستانفورد"، ومعظم الكتب التي رجعت إليها عن "فرست" و "همنغوي" كانت على رفوف المكتبة. ونحن الآن متأكدون من أن من دخل له علاقة بالخارج، لأنه بسرعة خرجت آلاف القطع إلى الخارج.. كيف خرجت؟ لا بد أن تكون هناك اتصالات وعلاقات. نفس المجموعات التي دخلت إلى المخازن أيضا دخلت من أماكن دقيقة جدا، وكسروا أبوابا مبنية بالطابوق ودخلوا منها.. دخلوا إلى أماكن فيها قطع أثرية صغيرة وغالية الثمن، وأخذوها، ومنها أختام أسطوانية وحلى. لغز امتناع القوات الأمريكية عن حماية المتحف هل هناك متعاونون من داخل المتحف العراقي مع هذه العصابات؟ أم هناك تجسس آثاري سابق؟ أم هناك عصابات دخلت مع القوات الأمريكية خصيصا لهذا الغرض؟ - من دخلوا إلى مخازن الآثار كانت لديهم معلومات من الداخل، لأنه لا أحد يعلم بوجود الآثار وكونها في المخازن غير الناس الذين عملوا في المتحف. ومع الأسف هذا صحيح، وتحقيقات لجنة التحقيقات الأمريكية، وتحقيقاتنا نحن أيضا كلها تسير في هذا الاتجاه. ومن جهة أخرى فالذين دخلوا إلى المتحف لا نستطيع أن نقول عن هويتهم شيئا، لأن المتحف كان قبل الحرب بـ45 يوما مفتوحا للزوار، فمن الممكن لأي أحد أي يدخل، وأن يبقي في باله، إذا كان في ذهنه هذه الخطة السيئة أو الشريرة لسرقة المتحف، فهذا ممكن، لأن المتحف مفتوح لعامة الناس.. وعندما كنت أعود للفندق وأبدأ في تسجيل مشاهداتي خلال اليوم, كنت أشعر أنني أوظف كل ما عندي من تقنــــيات الكتــــابة خدمة لقضــــية أؤمن بها. لقد كنت سعيدة الحظ أن أتيح لي أن أمر بهذه الخبرة, مهما كان عنصر الألم فيها.
