من بين ألفي شخصية عالمية تركت بصماتها على الحياة الإنسانية خلال القرن الماضي, اختارت أخيرا ً جامعة كمبردج العالم المصري المقيم في ألمانيا البروفيسور محمد منصور, ليكون واحداً منها. ود. منصور الذي يعد واحداً من ثلاثة علماء متخصصين على مستوى العالم في التحكم الآلي, وترأس معهداً في هذا التخصص داخل جامعة زيورخ السويسرية لمدة 25 عاماً , ولد عام 1928 في دمياط بدلتا مصر, وحصل الدكتوراه من جامعة زيورخ وهاجر إلى كندا ثم سويسرا, حيث تولى عمادة كلية الهندسة بجامعة زيورخ قبل أن يصبح مندوباً لسويسرا في الاتحاد الدولي للتحكم الآلي ورئيس وفدها في مؤتمرات علمية دولية لسنوات عدة, إلى أن أصبح مندوب الاتحاد الدولي للتحكم الآلي لدى هيئة الأمم المتحدة ومندوب أكاديمية العالم الثالث لدى المنظمة الدولية ومستشاراً لليونسكو في الحاسبات الإلكترونية وطرق الاتصالات, ورئيساً للجنة الجوائز بجمعية مهندسي الكهرباء الأمريكية. قام د. منصور بنشر 170 بحثاً وتحرير خمسة كتب والإشراف على 48 رسالة دكتوراه في مجالات الهندسة والطب والبيئة والاجتماع وعلم الأحياء وفي الوقت نفسه, ترأس د. منصور جمعية العلميين العرب بسويسرا وجمعية المسلمين السويسرية ــ الألمانية, كما شارك في عضوية مجلس الوقف الإسلامي بزيورخ ومجلس وقف حضارة البوسنة وأمانة صندوق معهد حوار الحضارات في جنيف.وحصل العالم د. منصور على العديد من شهادات الدكتوراه من جامعات في سويسرا والصين, بالإضافة إلى جوائز دولية من أستراليا والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق. ويحاوره هنا الدكتور ثابت عيد الباحث في الفلسفة الإسلامية والذي يحاضر حالياً في إحدى الجامعات السويسرية عن الإسلام والمسيحية لطلاب الدراسات العليا.
التعليم في المدارس الأوربية لا يعترف بما قدمته الحضارات
الأخرى ومنها الإسلامية
الإيمان بالطبيعة أدى إلى الاستعمار والتفرقة والعنصرية والحربين العالميتين
هناك 750 آية قرآنية تحض على العلم واستعمال العقل
في كل شئون الحياة
كثير من المسلمين والعرب لا يفهم العقلــــية الأوربــــية, والعوامل التي ساهمت في تشكيلها, فهل يمكن أن تلخص لنا رأيك في الحـــضـــــارة الأوربية بصــــفة عامة?
- بعد قراءة بعض مؤلفات الفلاسفة والمفكرين الأوربيين, بوسعي أن ألخص الأركان الرئيسية للحضارة الأوربية, كما يلي:
أولاً: استبدال الإيمان بالطبيعة بالديانة المسيحية: من الذين أثروا تأثيراً كبيراً في الفكر الأوربي, ومهّدوا لما يسمى بـ(عصر التنوير) نيوتن وديكارت, وهما من المشتغلين بالعلوم الطبيعية والرياضية, كذلك كان لمحاكمة جاليليو من طرف الكنيسة تأثير في هذا التطور, والمناظر لهذا في العلوم الحيوية هو نظرية التطور لداروين.
تبع ذلك فلسفة التنوير في القرن الثامن عشر, وهي التي جعلت العقل المركز الذي تدور حوله الأشياء, كي يصير موضوع إدراك وعلم, على حسب تعريف الفيلسوف الألماني كانط, تشابها بالنظرية الفلكية التي تقول إن الكواكب تدور حول الشمس, معنى هذا الركن الأساسي هو حرية العقل وإلغاء الوصاية الدينية, وتقديس مبدأ العلية, وجعل العلم والعمل من أسس المجتمع. وأصبح الدين بذلك مسألة خاصة بالنسبة للفرد, ولا دخل له في نظام المجتمع, يتبع الإيمان بالطبيعة أن للقوي الحق دائماً, كما هو سار في الطبيعة.
ثانياً: البحث عن السعادة بالنسبة للفرد هو أساس السلوك, والاعتقاد بأن هذا يحقق السعادة بالنسبة للمجتمع, يقول آدم سميث في الاقتصاد: (كل إنسان حر كل الحرية في اتباع الطريق التي تدله عليه المنفعة, مادام لم يخالف القانون).
ثالثا: سلوك الإنـسان وأخـــلاقه يحـــددهما العقل, مثل قانون الأمر المطــــلق لكانط: (اعمل فقط حسب الحكم الذي تستطيع أن تريده في الوقت نفسه قانوناً كلياً).
هذه الأركان الثلاثة أدت في معظم الأحيان إلى الديمقراطية السياسية, وحكم الأغلبية, كما هو متبع في أوربا الغربية وأمريكا, ولكنها أدت كذلك إلى قيام ديكتاتوريات كالاشتراكية الوطنية والشيوعية.
بدأت الحضارة الأوربية, بترجمة الفلسفة والعلوم من اللغة العربية إلى اللاتينية واللغات الأوربية الأخرى, وتم ذلك عن طريق الأندلس وجنوب إيطاليا, ثم بدأ التقدم العلمي بخطى سريعة بعد عصر التنوير في القرنين الأخيرين, خصوصاً بعد تقدم الطباعة والمواصلات ووسائل الاتصال الإلكتروني والحاسبات الإلكترونية, ومن المعروف أن التعليم في المدارس الأوربية يهمل إهمالاً يكاد يكون تاماً ما قدمته الحضارات الأخرى, وخصوصاً الحضارة الإسلامية, ولا يعترف بأن الحضارة الإسلامية هي الأساس الذي بني عليه التقدم العلمي والتكنولوجي الحالي.
- المأزق الذي يمر به الإسلام الآن هو مأزق ذو شقين, شق يتصل ببنيته, وآخر يتصل بالفاعلين على صعيده, أما فيما يتعلق بالأمر الأول فيقوم على الاعتقاد السائد في أوساط الناس عامة, والذي يرى أن الإسلام يمتلك بنية تبقى هي كما كانت منذ إنتاجها أو نشأتها أو وجودها. أي المصطلحات واردة دائما في النصوص الدينية وتبقى كما هي دون أن تمس, اعتقادا بأن مسها سيكون بمنزلة تشكيك بمصدريتها, التي هي هنا مصدرية إلهية, طبعا الإسلاميون ليسوا جميعا من أولئك الذين يسلكون هذا الطريق لكن تيارا كبيرا من الفكر الإسلامي الراهن يأخذ هذا الموقف ويعمل على مواجهته من موقع محدد بمواجهة الواقع ذاته وإرغامه على التكيف مع النص الإسلامي, في هذا الموقف نلاحظ أن هذا التيار تيار نصي, يرى أن النص فوق الواقع وأن الواقع إذا ما وجد نفسه في علاقة غير متسقة بينه وبين النص, فعلى الواقع أن يعاد النظر فيه, هؤلاء إذن يسهمون إسهاما عميقا في تصعيد المأزق الفكري الإسلامي, ولكن لا يكفي أن نقول إن البنية هذه هي التي تقوم بتأبين ذاتها, أي هي التي تقوم بإنتاج فواعل تسهم في جعل الإسلام يظهر هكذا, عامل آخر يتمثل بالواقع العربي الإسلامي, وهو واقع بأقل احتمال لا يحتمل حتى الآن النظر إلى الإسلام كبنية قابلة للتكيف مع التطور التاريخي. كان من نتيجة ذلك الإحساس بالتفوق على الأجناس الأخرى, مما أدى إلى العنصرية, أو ساعد عليها, ومن المعروف أن التعليم في البلاد العربية يؤدي إلى العكس, وهو مركب النقص.
ركنان أساسيان
ولكن إلى أين تتجه الحضارة الأوربية الآن وما هو مصيرها?
- للإجابة عن هذا السؤال: لابد أن نفهم التاريخ في المائتي السنة الأخيرة على ضوء أركان هذه الحضارة, كان الإيمان بالطبيعة, وبأن للقوي الحق على الضعيف, سبباً في ظهور كارل ماركس والشيوعية: (عمال العالم اتحدوا تكونوا قوة تستطيعون بها الحصول على حقوقكم), وإذا زادت قوتكم تستولون على السلطة, ومن المنطقي أنه إذا تحقق هذا, فلابد وأن يتحكم قادة الشيوعية في العمال وغيرهم. كان الإيمان بالطبيعة مؤديا إلى الاستعمار والرقيق والتفرقة والعنصرية والحربين العالميتين الأولى والثانية واستيلاء الصهيونية على فلسطين وطرد أهلها منها, وغير ذلك كثير, ومازال الإيمان بالطبيعة يسيّر العالم حتى يومنا هذا.
كذلك أدى الإيمان بالطبيعة, والبحث عن السعادة, إلى الإباحية الجنسية واستغلال النساء والأطفال وإهمال الأبوين إلى حد كبير وإفساد البيئة, أما قانون الأخلاق في الحضارة الأوربية, فيقع في خطأين كبيرين: الأول أن العقل الإنساني قادر على تبرير كثير من الجرائم التي يرتكبها, والثاني أنه حتى إذا أدرك العقل التصرف السليم, فما هو الدافع له لاتباعه, إذا لم يعتقد أنه محاسب على عمله, وهذا هو لب العقيدة الدينية: الاعتقاد بيوم الحساب, أما في حالة اختفاء هذا الاعتقاد, فالمجتمع البشري هالك لا محالة, خصوصاً اليوم, ونحن نملك أدوات الدمار من قنابل ذرية وأسلحة بيولوجية وكيماوية.
إن واجب كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن يفهم الوضع الذي وصل إليه العالم بجعل العقل وحده هو مركز الكون, وأن يعطي الدين مكانته في التأثير في سير الأمور, دون تعصّب أو استغلال, وأقصد بالدين هنا: ليس الدين الإسلامي فحسب, بل الأديان الأخرى التي لها نفس المقاييس الخلقية وتدخل الحساب على الأعمال في اليوم الآخر ضمن عقائدها.
ومن الملاحظ أن الحضارة الأوربية تحتوي على ركنين أساسيين من أركان الدين الإسلامي: وهما العلم والعمل اللذان تركهما معظم المسلمين, وهو الذي أدّى إلى الانحدار الذي مازلنا نشاهده في عالم اليوم.
وماذا عن موضوع القيم والأخلاق ومصدرهما في الإسلام?
- يستمد الإنسان القيم والأخلاق من مصدرين أساسيين: أولهما خارجي هو الدين أو التقاليد الشائعة في المجتمع, وثانيهما داخلي هو العقل, وبما أن العقيدة الإسلامية تعترف بالرسالات السماوية السابقة من يهودية ومسيحية, فلابد أن تكون القيم المستمدة من الدين واحدة في الرسالات الثلاث, أما دور العقل, فهو القيام بالتعديل اللازم المتوقف على الظروف والأوضاع, والمعتمد على الغرض الأسمى الذي هو دفع الأضرار, وجلب المنفعة للفرد والمجتمع, بمقاييس وضعها القرآن والسنّة الصحيحة.
لقد تدخل عقل عمر - رضي الله عنه - في عام المجاعة, وأوقف إقامة حد السرقة, وهذا مثل بسيط لدور العقل, القارئ للقرآن الكريم يفهم, يستطيع أن يجد آيات كثيرة تحض على الأخلاق الكريمة من أمانة وصدق وسلام... إلخ, وهذه الأخلاق هي من أركان الدين التي يجب أن يقوم عليها المجتمع المسلم.
الديني والدنيوي
هل يمكن أن توضح لنا مكانة العلم في الحضارة الإسلامية وامتدادها في الغرب?
- ذكرت أن العلم ركن أساسي في الإسلام, كما هو واضح من القرآن الكريم والسنّة الصحيحة, وأن المسلم مطالب بأخذ الحكمة من أي مصدر كان, هذا وقد كان علم الفلك من أول العلوم التي سعى المسلمون لفهمها والتفوق فيها, بدافع من القرآن الكريم, وصلته الوثيقة بأداء العبادات من صلاة وصوم, وهذه حقيقة يعترف بها مؤرخو العلوم في الغرب.
وقد ذكر عالم الطبيعة المشهور الباكستاني عبدالسلام أن هناك سبعمائة وخمسين آية قرآنية تحض على العلم واستعمال العقل في كل شئون الحياة, ومن كبير الخطأ التفرقة بين علم ديني وعلم دنيوي, فالدين شامل للدنيا والآخرة, ومَن يؤمن بوحدانية الله سبحانه وتعالى لابد وأن يعلم أن العلم واحد.
وكما ذكر الدكتور عبدالحليم محمود عن الإسلام والعلم:
1- العلم في الإسلام شطر (= جزء) من الغاية التي من أجلها نزلت الرسالة, وذلك أن مهمة الرسول (صلى الله عليه وسلم) كما حددها القرآن: العلم والتزكية:  يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم
2- نشأ الإسلام حليفاً للعلم منذ ابتداء الوحي بقوله تعالى: اقرأ.
3- الإشادة بالعلم في القرآن والسنّة لا يماثلها في سموها وجلالها إشادة في كل الآداب العالمية.
4- العلم الذي يدعو إليه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة هو العلم بكل نافع في مجال الكون وفي مجال ما وراء الكون في ميدان العقائد والأخلاق والطبيعة.
5- المنهج العلمي الأوربي الحديث منهج أخذته أوربا عن الإسلام باعتراف الواضع الحقيقي للمنهج الأوربي, وهو روجر بيكون.
لقد قسم جورج سارتون في كتابه: )Introduction to the history of science( النشاط العلمي على مدى التاريخ إلى فترات تستمر كل منها نصف قرن (وهذا هو أقصى ما يمكن لفرد بعمره المحدود القيام به), وذكر اسم شخص واحد يرمز لكل نصف قرن على مستوى العالم. فمن سنة 750م إلى سنة 1100م, أي على مدار 350 سنة, كان كل العلماء الرامزين من العالم الإسلامي: جابر, والخوارزمي, والرازي, والمسعودي, وأبو الوفا, والبيروني, وعمر الخيام. كانوا علماء عربا وأتراكا وأفغانا وفرسا في علوم الكيمياء والرياضة والطب والجغرافيا والطبيعة والفلك, بعد سنة 1100م ولمدة 250 سنة أخرى ابتدأ اشتراك الأوربيين مع علماء العالم الإسلامي أمثال ابن رشد, والطوسي, وابن النفيس, في تلك الفترة قامت النهضة الأوربية الحديثة التي بدأت بترجمة علوم العالم الإسلامي ودراستها والإضافة إليها, حتى يومنا هذا.
سفير فوق العادة عندما كنت في أحد استطلاعات (العربي) في اليمن, ذهبت إلى مسجد صنعاء القديم وسط السوق القديم, وكان هناك مجموعة من الشيوخ جالسين في ركن من المسجد يبدون بملابسهم وهيئتهم, ولحاهم البيضاء, كأنهم ينتمون إلى زمن آخر, وعندما سمع أحدهم لهجتي رفع رأسه نحوي وكان من الواضح أنه يراني بصعوبة, قال لي: هل أنت قادم مع عادل إمام, قلت له في دهشة: هل هو في اليمن, نظر الرجل إلي في استنكار, لم يدر أنني أتجول في الجبال منذ عدة أيام, وهتف بي: هل هناك في اليمن من لا يعرف بوصول عادل أمام, خرجت من المسجد وأنا أداري خجلي, ولكن قدر لي بعد ذلك أن أتابع أنشطة عادل أمام في عدن, لقد اقتفيت أثره إلى مخيم (البساتين) الذي يضم العديد من اللاجئين من القرن الإفريقي, كان المكان مفزعا ورهيبا, مليئا بآلاف من البشر الجوعى وأنصاف المرضي, يسكنون بيوتا من الصفيح وسط برك من مخلفات المجاري, قال لي أحدهم: لقد زارنا ممثل مشهور ربما يستطيع ان يفعل لنا شيئا بعد أن فشل كل الرؤساء والمسئولين. أقول لعادل إمام: * إنك لم تكتف بكونك نجما وفنانا, ولكن أردت أن يكون لك دور سياسي واجتماعي على المستوى الدولي. أي أن تكون سفيراً للنوايا الحسنة تابعا للأمم المتحدة وهذا ما جعلنا نلتقي بك في الكويت. لماذا سعيت للعب هذا الدور? - الحقيقة أنا لم أسع إليه. ولكن هم الذين وقع اختيارهم علي. لقد تم عرض الأمر علي وعندما قبلت القيام به, أبلغت باختياري رسميا وكان من حيثيات هذا الاختيار (من اجل محاربته للإرهاب والتطرف. ومع الأسف بسبب التعصب والعداوة في القرون الوسطى, أثناء الحروب الصليبية وبعدها, اختفى جزء كبير من الأمانة العلمية, فهناك كثير من الكتب العلمية المترجمة من اللغة العربية إلى اللاتينية قد اختفى اسم مؤلفها, وظهر على غلافها اسم المترجم, كما لو كان هو المؤلف, كما أثبتت ذلك دراسة في جامعة كاليفورنيا سنة 1960م. كذلك هناك نظريات كثيرة اكتشفها علماء العالم الإسلامي نسبت إلى علماء أوربيين, وتدرّس في مدارس العالم العربي بالأسماء الأوربية, دون دراية بمصدرها الحقيقي, وذلك نتيجة للانحدار الحضاري والتخلف على مدى ثمانية قرون.
لقد نهض العالم الإسلامي بترجمة العلوم في شتى الحضارات السابقة أولاً, ثم بنى عليها, كذلك الحال بالنسبة لأوربا, فقد نهضت بترجمة العلوم من الحضارة الإسلامية وحدها تقريباً (لأن الحضارة الإسلامية جمعت أولا الحضارات السابقة) ثم بنت عليها. وهذا يلهم العقلانيين في العالم الإسلامي الطريق الصحيح للنهضة.
أزمنة الانحطاط
إذن كيف ُيمكنّا تفسير الجهل المتفشي اليوم بين المسلمين (حيث تصل نسبة الأمية في بعض البلاد الإسلامية إلى ثمانين في المائة) بالرغم من وجود أئمة المساجد, والمشايخ, وعلماء الدين, والجامعات الإسلامية?
- علاوة على ما سبق يلزم فهم عام لتاريخ العالم الإسلامي: في عهد الخلفاء الراشدين طبقت الشورى, وتولى أمر المسلمين من اختاره المسلمون, وشهد الإسلام أروع عصوره في خلق مجتمع يعتمد على الأعمدة المذكورة سابقا, ويحقق الأركان الرئيسية إلى أن حدثت الفتنة الكبرى, وبدأ انحراف المسلمين عن أصول دينهم حتى يومنا هذا.
دخلت الإسلام شعوب كثيرة, واهتم المسلمون بدراسة دينهم, وبتفسير القرآن الكريم, وعلوم الحديث والفقه واللغة العربية, ونقلوا إلى العربية علوم الحضارات الأخرى من يونانية وسورية وفارسية وهندية وصينية. ويوجد في مدينة أوستن ولاية تكساس الأمريكية حجر قديم يرجع إلى القرن الثامن عشر الميلادي منقوش عليه عبارة (بسم الله الرحمن الرحيم) ولمجرد التنويه نقول إن البحوث التاريخية قد أثبتت أن الخرائط التي استعان بها كولومبوس كانت عربية وكذلك كانت الأدوات (الإسطرلاب والسدسية والبوصلة). وقد أقمنا الكثير من الاحتفالات وألقيت الكثير من الخطب والمحاضرات حول هذه القضية لإبراز الحقائق التاريخية وإزالة الانطباعات السلبية التي ارتسمت في مخيلة الإنسان الغربي العادي حول العرب والمسلمين في العقود الأخيرة نتيجة للأخطاء التي وقعنا فيها عن قصد أو عن غير قصد, ونتيجة للإعلام الغربي الحاقد والمتصهين الذي اتبع أسلوب التعتيم على كل مآثرنا ومنجزاتنا وركز على المساوئ والأخطاء. كذلك فإن هذه الاحتفالات ستكون حافزاً للمغتربين إلى مزيد من الثقة بالنفس, وستدفع الكتاب والباحثين العرب والأجانب إلى الكتابة عن تاريخ الأقطار العربية القديمة, وإلى تسليط الضوء على هذه القضية المنسية. وقد اعتمدت في دراساتي ومحاضراتي على بعض المراجع العالمية مثل: كتاب (ملاحظات حول تاريخ كوبا) للباحث المؤرخ الإسباني د. فرانسيسكو ألبرتي. أكثرية السكان في الولايات المتحدة أتوا من أوربا ثم من بلدان أخرى, أما الآن, فنحن نشهد تيارات جديدة في الهجرة, لا من أوربا إلى أمريكا, ولكن من إفريقيا إلى أوربا, من البلدان العربية إلى أوربا, من البلدان الآسيوية مثل الباكستان أو الهند أو الفلبين إلى عدة بلدان عربية: إلى البحرين, إلى دولة الإمارات العربية المتحدة, إلى الكويت. في هذه البلدان يمكنك أن تجد كثيراً من المهاجرين الآسيويين إليها. وصاروا بعد ذلك قادة العلوم المختلفة لمدة ستمائة عام في مجالات الفلسفة والمنطق والرياضة والفلك والعلوم الطبيعية والكيماوية وعلوم الحيوان والنبات والطب والصيدلة والزراعة والجغرافيا وعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ والقانون, ويجب هنا الإشارة إلى حرية الفكر والتسامح اللذين اتسم بهما المجتمع الإسلامي, إلا في فترات وجيزة اضطهد فيها الحاكم فرقة معينة في مجال العقيدة, مثل اضطهاد ابن حنبل وأصحابه, أو اضطهاد المعتزلة.
في القرن الثاني عشر الميلادي بدأ انحطاط المسلمين, بسبب الحجر على حرية الفكر, وما يسمى بإغلاق باب الاجتهاد, ونسيان أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة, والفهم الضيق للعلم, وانصراف الناس إلى النزاعات الداخلية, كذلك كان لسقوط بغداد مركز الحضارة في الشرق على يد المغول, وسقوط قرطبة مركز الحضارة في الغرب على يد الإسبان, في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي تقريباً في الوقت نفسه, أثر كبير في تدهور حال المسلمين, وحتى يومنا هذا لم يبدأ المسلمون بعد بداية جدية للخروج مما هم فيه, بل إن التعليم في العالم العربي والإسلامي يهمل جزءاً كبيراً من الحضارة الإسلامية, فيتعلم المسلم ما أخذه الأوربيون من نتاج الحضارة الإسلامية على أنه من إنتاج أوربا وبأسماء أوربية, فهل هناك ضياع أكثر من هذا?
الأخلاق والعمل
يتميز فهمك للإسلام بالمكانة الخاصة التي تضع العلم فيها, هذا الفهم يصعب على الغالبية العظمى من المسلمين استيعابه, فهل يمكن أن تلخص لنا فهمك للإسلام?
- تعتمد إجابتي عن هذا السؤال على محاضرتي في مجمع الفقه الإسلامي (التابع للمؤتمر الإسلامي) في البحرين سنة 1998م. الإسلام هو باختصار: الإيمان بالله وكتبه وملائكته ورسله واليوم الآخر, وما يتبع ذلك من سلوك الفرد والجماعة, فهمنا للإسلام نأخذه من القرآن الكريم والسنة الصحيحة, أقول السنة الصحيحة لأنه من المعروف أن أعداء الإسلام وبعض المسلمين أدخلوا على السنة كثيراً من الأكاذيب والتحريفات, وما يناظر إلى حد ما التحريفات التي حدثت في الديانتين اليهودية والمسيحية.
لأبدأ بالحديث الشريف: بُني الإسلام على خمس...  هذه الفكرة تؤسس لها الأيديولوجيا, فإذا ما غاب الإنتاج المعرفي يُؤسس لهذه الأيديولوجيا في الأفق المحتمل, إنتاج معرفي جديد, وهذا لايعني أننا نطيح بما أتى حتى الآن باسم الأيديولوجيا, إنما يعني أن نعيد اكتشاف هذا الذي تحقق (الأيديولوجيا) في ضوء جديد بحيث يتيح لنا هذا إنتاج علاقة متوازنة بين الإنتاج المعرفي والإنتاج الأيديولوجي, ولذلك هذه الدعوة الساذجة التي يطلقها جمع أو آخر من الكتاب والمثقفين العرب وهي: ضرورة الوقوف أخيرا في وجه الأيديولوجيات وتصفية الموقف معها, إنما هي دعوة لا علاقة لها بالإنتاج المعرفي ذاته, يعني هذه الدعوة أتت بوصفها رد فعل إيديولوجيا على أيديولوجيا معينة قائمة. إذن مع الإنتاج المعرفي نعيد اكتشاف الأيديولوجيا ونؤسس لأيديولوجيا تستطيع أن تتسابق مع الالتزامات المعرفية. فرفض الأيديولوجيا قطعا وكليا إنما هو نمط من أنماط الأيديولوجيا, وفي الغالب فإن ما دعا إليه هؤلاء من رفض للأيديولوجيا إنما كانوا يعنون به الأيديولوجيا الماركسية, وأحيانا يعتبرون الأيديولوجيا الإسلامية هي الأيديولوجيا. والأمران خاضعان للبحث, إلا أن الوصول إلى نتائج فيها تدقيق وتصويب معرفي يحتاج إلى إنتاج معرفي, وهو ما تتضاءل أمامه حتى الآن معظم المؤسسات العربية الثقافية المتمرسة بالعمل الثقافي والأخرى التي تشتغل بالهم الثقافي بأشكال أولية غير مباشرة. التشكيك في الحداثة * ما بعد الحداثة هل هي إعلان لنهاية التاريخ ونهاية الإنسان ككائن مركب اجتماعي قادر على الاختيار الأخلاقي الحر ليحل محله إنسان ذو بعد واحد يدور في إطار المرجعية الكامنة أو يعيش دون أي مرجعية منكفئا على ذاته الطبيعية التي لا علاقة لها بما هو خارجها? - أظن ليس مصادفة تاريخية أن تبرز مسألة ما بعد الحداثة, بهذا الشكل الكثيف منذ العقد الأخير, أقول ليس مصادفة أن تبرز هذه المسألة وقد أخذ النظام العولمي أيضا منذ هذا العقد الأخير في الظهور والبروز والطغيان العالمي, فهناك علاقة في النشأة التاريخية بين هاتين الظاهرتين, أو بتعبير ما بعد الحداثة هنا ليس لقيطا لا أب له ولا أم, إنما له هذا الأب وتلك الأم اللذان قد تشترك في تكوينهما مجموعة من العوامل أرى واحدا منها متمثلا في النظام العولمي الجديد كيف? إن ما بعد الحداثة أتت لتشكك في الحداثة وقيمها ولتقول: إن هذه الحداثة قد استنفدت, وقد قامت بوظائفها واستنفدت أغراضها فالعقل والعقلانية ومفهوم التقدم ومفهوم التاريخية والعلمانية أصبحت مفاهيم ضيقة لا تحتمل النمو الذي يحدث الآن. ما بعد الحداثة هذه تمثل لحظة من لحظات النقد التاريخي للحداثة, وهي لحظة مشروعة بالمعنى المعرفي لأن الحداثة هذه والتي تأسست في النظام الرأسمالي والعلاقات الرأسمالية وتطور العلوم والتكنولوجيا بشكل عاصف متمثلا خصوصا بثورتي المعلومات والاتصالات, الحداثة هذه بدأت الآن بصيغة النظام العولمي تدعو إلى تفكيك الهويات التي أصبحت عائقا أمام التقدم يقولون إن مفهوم الوطن اصبح تضييقا على العالمية ومفهوم العقلانية اصبح تضييقا على ما قد يكون هناك من ظاهرة مع العقلانية أو حولها أو بعدها, لاحظ هنا تأتي ما بعد, ثم مفهوم التقدم التاريخي, هناك تشكيك فيه وهو صائب بمعنى ما, تشكيك بأن التقدم التاريخي ليس تقدما متصاعدا بصورة مطّردة وإنما هناك أنماط متعددة من التقدم أكثر تعقيدا وبشكل عام يمكن القول: إن هذا التقدم هو إلى الأمام كما هو إلى الخلف والى الجانبين كما هو في طراز دائري لولبي وبهذا المعنى, ما بعد الحداثة إذن تنتقد بصحة خصوصا في تدقيقها لمفهوم العقل والعقلانية, فالنظام الرأسمالي الحالي أختزل العقل إلى الحالة التي يمكن أن نسميها (العقل الإجرائي) فلم يعد العقل عقلا كونيا بقدر ما أصبح العقل أمرا مطلوبا منه أن يسوغ عملية التقدم المتلاحقة للنظام الرأسمالي. شرسق) وهو من أوائل الأحاديث التي سمعتها في درس الدين كتلميذ صغير, والآن أفهم هذا الحديث فهماً آخر, غير الفهم الذي يشرحه معظم من يسمّون برجال الدين, أو علماء الدين أو أئمة المساجد, فإذا تصوّرت الإسلام كبناء يرتكز على أعمدة, فالأعمدة هي ما ذُكر في هذا الحديث الشريف, ولكن ليس الإسلام هو الأعمدة فقط التي يرتكز عليها البناء, كما يتصور كثير من الناس, نتيجة جهلهم بدينهم, إذن ما هو البناء?
إن القارئ للقرآن الكريم بفهم وتأمل يستطيع أن يستخرج ثلاثة أركان رئيسية هي: الأخلاق, والعلم, والعمل, بعد أن يرى العدد الكبير من الآيات التي تركز على هذه الأركان, وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى باستعمال العقل الذي هو نعمة الله الكبرى على بني آدم, والذي يميّزهم عن سائر مخلوقاته, فاستعماله هو بمنزلة شكر على هذه النعمة, وإذا طلب مني أن أذكر الركن الرئيسي للإسلام, لذكرت العلم, لأن العلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم يتضمن الركنين الآخرين: الأخلاق والعمل.
والعلم في الإسلام هو العلــم بمعـــناه الشامل, ولا يقتصر على ما يسمّيه البعض بالعلوم الدينية, فالعلم بمخلوقات الله, والعلم بسنن الله في الخلق, هو من عبادة الله سبحانه وتعالى, كما ورد في القرآن الكريم, وبوسعي أن أقول: إذا كانت الجاهلية من الجهل, فالإسلام من العلم, كذلك: ليس هناك دين ودنيا, بل هناك دنيا وآخرة, فالدين شامل للدنيا والآخرة.
هذا هو فهمي للإسلام الذي أستخلصه من القرآن الكريم والسنة الصحيحة, والذي يرتكز على الأركان الأساسية, دون الدخول في التفصيلات, والفارق بين هذا الفهم, وفهم الأغلبية العظمى من المسلمين هو أن هذه الأغلبية تركز إما على بعض الفروع وتترك الأساسيات, أو تركز على أشياء دخيلة على الدين بعيدة عن نصّه وروحه, وفي رأيي أن المسئولية الكبرى, بعد المسئولية الشخصية, تقع على عاتق من يسمّون برجال الدين أو علماء الدين, لأنهم: إما لم يفهموا الإسلام الفهم الصحيح - إذ إنهم لا يستعملون عقولهم الاستعمال المطلوب, ويعتمدون على النقل, وحفظ ما كتبه السابقون - وإما أنهم يستغلون جهل معظم المسلمين للحصول على مكسب دنيوي زائل من سلطة أو مادة, والقليل منهم من يبتغي وجه الله سبحانه وتعالى, ويفهم الإسلام فهماً صحيحاً.
علاجات ناجعة
لا- الفكر العربي اليوم في أزمة ألخصها فيما يلي:
1-توقف الفكر في العالم العربي منذ ثمانية قرون, وقد ذكرت بعض أسباب ذلك فيما سبق, كان ابن رشد هو آخر كبار المفكرين العرب في قرطبة بالأندلس, ولم يأت بعده من المفكرين ذوي التأثير غير ابن خلدون حوالي سنة 1400م, بمقدمته الشهيرة, ويعتبر ابن خلدون فلتة نور في ظلام القرون الثمانية.
2- مفكرو اليوم في عالمنا العربي متأثرون بنظام تعليمهم من ناحية, وبخبراتهم واطلاعاتهم من جهة أخرى, أما بالنسبة للتعليم في العالم العربي, فهو تعليم ناقص إلى حد بعيد. فهو إما ما يسمى بالتعليم الديني الذي يعبّر عن التخلف الحضاري, والذي يحتوي على رواسب هذا التخلف ويهمل جزءاً كبيراً من تاريخ الحضارة الإسلامية, وإما تعليم علماني أوربي يتجاهل الحضارة الإسلامية تجاهلاً شبه تام, وأصحاب هذا النوع من التعليم هم المهيمنون على السياسة والاقتصاد في العالم العربي. من الطبيعي إمكان تدارك النقص في التعليم بالخبرة والاطلاع, بشرط أن يكون الاطلاع ليس مقصوراً على ما كُتب أو يكتب باللغة العربية فحسب, بل يتعداها إلى كل المنشورات باللغات الأخرى, والموجودة غالباً خارج المنطقة العربية, بيد أن هذه الفرصة لا تتاح, إلا لعدد قليل من الباحثين العرب, التعليم هو منبع المفكرين, فكيف ينتظر تقدم الفكر, بعد جفاف المنبع إلى حد كبير? فاختياره لهذا المكان يدل بشكل او بآخر على أن الرجل لا يرفض التراث بكل ما فيه, وإنما يترك لنفسه الطريقة الخاصة به للتعامل مع هذا التراث. وفي حديقة (التكية السليمانية) حيث تلتقي الأصالة والحداثة,  ويجتمع القديم مع الحديث. إذ البحرة الدمشقية التي تتوسط الباحة, والطائرات الرابضة على أرض المتحف الحربي المقام في إحدى زوايا (التكية) تحدث تيزيني إلى الحوراني, الصحفي والباحث السوري, وكان هذا الحوار: * لا توجد إمكانية لعلاقة التثاقف مع الغرب.. وإنما هي علاقة هيمنة وإملاءات سياسية واقتصادية وسيكولوجية. * مع سقوط القيم أصبحنا نعيش حالة الحطام العربي لكن الآفاق لا تزال مفتوحة. * مما لاشك فيه أن المجتمع العربي الإسلامي يعيش وضعا مزريا من التخلف والفوضى هل تعتقدون أن السبب في ذلك يعود لحالة الفصام, أو ازدواج الحضارة التي مازال هذا المجتمع يعانيها منذ بداية الصراع بين الحضارة العربية الإسلامية والثقافة اليونانية المسيحية? - الازدواجية هنا لا شك أنها قائمة, لكن سنلاحظ أنه انطلاقا مما نسميه (جدلية الداخل والخارج) فإن الازدواجية تنحل لتصبح قائمة لصالح أحد طرفي المسألة, ليس الخارج وإنما الداخل, لأن الداخل حينما يتأثر بالخارج فإن هذا الخارج سيؤثر بالداخل من موقع الداخل ذاته وبالتالي الخارج هنا, اليونان, أثر في الداخل العربي الإسلامي من موقع هذا الداخل نفسه بحيث إن الخارج أصبح نسيجا من أنسجته (أنسجة الداخل) لم نعد مخولين بالتحدث عن ازدواجية الخارج والداخل, فالخارج لبس لبوس الداخل ومع هذا نقول: إن هذا الداخل يجد نفسه أمام وطأة هائلة إذا كان الخارج قويا متينا, أي يقوم في علاقته مع الداخل على قانون عدم التكافؤ, حين توجد وضعية تتسم بعدم التكافؤ بين حالتين فإن الخارج وإن دخل في حياة الداخل من موقع الداخل نفسه إلا أنه بوصفه أكثر تقدما وفاعلية يملي على الداخل كيفية تلقفه هو نفسه في الخارج, هذا يشير إلى أن الخارج أيضا يحاول أن يحدث شروخا في الداخل ومن هذه الشروخ فكرة الازدواجية لكن حتى الازدواجية حينما نعود إلى الداخل نكتشف أن هذا الداخل هو من أملى على الخارج كيفية تأثيره فيه. وهنا نذكر العبارة التي أطلقها نابليون بونابرت حين دخل إلى الإسكندرية وقد أتى غازيا, فحتى يلبس لبوس الداخل ويؤثر فيه وزع بيانا قال فيه (أنا الشيخ نابليون أتيت كي أخلص المصريين من المماليك الكفار) أراد أن يلعب على الداخل من خلال كلامه هذا, إذن فهي علاقة معقدة بين الداخل والخارج يظل الداخل فيها, سلبا أو إيجابا, هو من يسهم في الإمكانات التي ينتجها الخارج في تأثيره على الداخل, إذن الازدواجية قائمة لكن ضمن هذا الفهم وقد اتسعت وتعاظمت مع انهيار الحضارة العربية الوسيطة وبروز المشروع الأوربي الرأسمالي الذي أخذ يتصاعد عمقا وسطحا ثم مع التحول بالاتجاه الكولونيالي الاستعماري ثم إلى الإمبريالية وأخيرا والآن إلى العولمية, إضافة إلى أن هذا التحول في المشروع الرأسمالي ترافق بإنتاج حالات جديدة تتممه, وتتمثل خصوصا في المشروع الصهيوني الذي يعتبر هنا أحد جيوب المشروع الرأسمالي الإمبريالي العولمي, هذا الوضع عمق قانون اللاتكافؤ بين الداخل العربي والخارج الغربي الرأسمالي العولمي, ولذلك لا يصح القول الآن بأن هناك إمكانية لإنتاج علاقة تثاقف بين هذين الطرفين, لأن العلاقة هي من الناحية الموضوعية علاقة هيمنة يسوغها الطرف الأول المتمثل في الخارج والذي يملي على الداخل العربي إملاءاته الثقافية إضافة إلى السياسية والاقتصادية والسيكولوجية وغيرها وقد يراهن على أن الخارج يمكن إذا ما ظلت العملية مفتوحة, أي خارج يتدفق بشكل هائل وداخل محاصر, فقد يراهن على أن الداخل يمكن أن يعاد بناؤه وفق ضرورات الخارج, وهذا يعني أن التاريخ مفتوح سلبا وإيجابا, وهنا تبرز ضرورات المقاومة أو إنتاج مشاريع مقاومة للرد على هذا التدخل وهذا التدفق الهائل للخارج. والشيء نفسه ينطبق على البحث العلمي, فلا يمكن الحديث عن بحث علمي جاد مع غياب نظام تعليم متطور.
3- للمفكر العربي حدود موضوعة له ممن يسعون إلى المحافظة على سلطتهم يتحاشى نشر أي أفكار تنقدهم, أو قد تؤدي إلى تقليص هذه السلطة أو فقدانها, في هذه الظروف, يكاد يكون من المستحيل تحليل الأوضاع القائمة تحليلاً أميناً, نتج عن هذا ظهور تشخيصات خاطئة لمرض المجتمع العربي, والتشخيصات الخاطئة لاتؤدي بدورها إلا إلى علاجات غير ناجعة ولا مجدية, ومن الطبيعي أن ينضج الفكر عن طريق نقـــاش موضوعي وعقلاني بين المفكرين, ولكن هذا الباب يــكاد يـــكون مغلقاً أمامهم.
ولماذا نضرب المثل بالفترة التي فاز فيها نجيب بجائزة نوبل? فقبل هذه الفترة كنت أشرف على سلسلة (مؤلفون عرب), وكان يكفي أن أتصور أهمية ترجمة عمل ليحيى الطاهر عبدالله لكي يتم ترجمة هذا العمل ونشره, بينما لم يكن أحد يعرفه خارج العالم العربي وقتها ,وفي الداخل لم يكن معترفاً به. هكذا أستطيع القول إنني أرى انحساراً خطيراً في اهتمام الساحة العالمية بالأدب العربي الحديث, وفي اعتقادي من ناحية أخرى أن الأديب العربي يعيش اليوم مأزقاً حقيقياً, لا مخرج منه إلا بالمزيد من الإبداع المتميز, وهكذا فإنه يجد نفسه في سباق لا يتعين عليه أن يتجاوز فيه سقف قدراته فحسب, وإنما يجب عليه أن يحلق عالياً ربما ليتجاوز موهبة من سبقوه من الأدباء العرب, وهو تحد لا يمكن التقليل من جسامته بحال, إذا تذكرنا ما أنجزه أدباء كبار في قامة يحيى حقي ويوسف إدريس. * أتمنى أن أكون قد فهمت ما تشير إليه هنا ضمناً بشكل صحيح. هل تلمح إلى أن جانبا من انحسار الاهتمام العالمي بالأدب العربي الحديث يرجع إلى أن هناك تراجعاً ولو نسبياً في طبيعة المنتج الأدبي العربي كما يقدم اليوم? - ما أريد قوله أنني كنت متفائلا للغاية في أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات, وأتوقع تعاظم الاهتمام العالمي بالأدب العربي, ولكن هذا لم يحدث, بل إن فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في الأدب لم يعط دفعة للأمام في هذا الشأن, ودور النشر العالمية اليوم قلما تبدي حماسا لترجمة الأدب العربي, ومازلت أذكر في هذا الشأن أنني تقدمت باقتراح لإحدى دور النشر اللندنية تصورته سيثير الحماس, ولكن هذه الدار ردت بإيجاز موضحة أنها لا تعتزم نشر شيء للأدباء العرب, وأنها ستكتفي - مستقبلا - بنشر ترجمات لإبداع أديبات عربيات. قصص للأطفال * دعنا ندع جانبا هذا الموضوع الذي لا يمكن أن يوصف إلا بأنه مثير للأسى وذو شجون بطبيعته, ولننتقل إلى موضوع آخر أثير لديك, وهو قصص الأطفال التي تكتبها بالإنجليزية على خلفية عربية - إسلامية وتوجهها للناشئة ومن هم في مقتبل العمر. ما الجديد في هذا المشروع? - لقد نشرت, في إطار هذا المشروع, ثلاثة عشر كتاباً, كلها ذات خلفية عربية إسلامية, منها على سبيل المثال كتاب عن علي الزيبق, ولديّ كتب أخرى في هذا الصدد لم تنشر بعد, منها كتاب عن عنترة العبسي, وأنا أعتزم مواصلة السير في هذا الطريق, حيث إن هذه القصص موجهة إلى الصغار العرب الذين درسوا بالإنجليزية لكنهم يحرصون على الإلمام بجانب من ينابيع ثقافتهم, ولهذا تجدني حرصت على أن أقدم لهم كتباً عن معارك الرسول (صلى الله عليه وسلم) وعن الخلفاء الراشدين وعن سيف بن ذي يزن, وتداعبني أفكار كتب عديدة في هذا الصدد لم يتطرق إليها أحد من قبل, ويربط بينها قاسم مشترك أعظم يتمثل في أنها جميعها تستمد نسيجها من خلفية عربية إسلامية متدفقة بالحيوية والخصب والقدرة على مخاطبة الذهن والخيال معاً. 4- المواطن العربي اليوم هو إما إنسان استيقظ لتوّه من سبات عميق دام حوالي ثمانية قرون, فوجد تاريخه قد تراكمت عليه الأتربة, وامتزج بكثير من الخرافات, وإما إنسان مازال يغط في سباته العميق, والمهمة الأولى للمفكر في هذه الحالة هي إنقاذ نفسه أولاً, كي يستطيع أن يعطي غيره, وهذا في حد ذاته على درجة كبيرة من الصعوبة, ونرى أمثلة كثيرة من مفكري اليوم من الذين انبهروا بتقدم الغرب العلمي والتكنولوجي والفكري, فانتابهم مركب نقص, فأصبحوا تابعين منفصلين عن جذورهم, بحيث لا يمكن اعتبارهم مفكرين. خلاصة الأمر أن الفكر العربي يمر بأزمة خطيرة أساسها فساد التعليم والأوضاع السياسية ومركب النقص النابع عن الهوّة السحيقة بين الفكر العربي والفكر الأوربي, بسبب توقف الفكر العربي عن التطور لقرون طويلة.
ركن أساسي
سؤال أخير: كيف يمكن لعالمنا العربي - الإسلامي أن ينهض اليوم?
- مما سبق يتضح ما يجب القيام به كي يعود العالم الإسلامي لدور المعطي, لا دور المستهلك الذي هو عالة على المجتمع البشري:
1- الإلمام بتاريخ الإسلام الحضاري, وعلاقته بالحضارة الأوربية هو من الضروريات التي تساعدنا على الفهم الصحيح للوضع الذي نحن فيه اليوم, كما أن هذا سوف يؤدي إلى إزالة مركب النقص الذي أصابنا نتيجة جهلنا بتاريخنا, ونتيجة نقلنا الأعمى للنظرة الأوربية المتعصبة لتاريخ الحضارة.
2- إزالة الغبار المتراكم والخرافات التي علقت بفهم الناس للدين الإسلامي, والتركيز على أن العلم ركن أساسي من الإسلام, وبذلك يعود العرب والمسلمون إلى المشاركة في التقدم العلمي والتكنولوجي, معتمدين على تطوير الفكر الذي توقف منذ حوالي ثمانية قرون.
3- القضاء على الأميّة والجهل المتفشيين في الجماهير, باستخدام وسائل الإعلام الحديثة, إلى جانب التعليم والنشاط التربوي, لتوجيه الأمة في اتجاه نهضة عامة.
4- الاستفادة من العوامل الإيجابية في الحضارة الأوربية وغيرها, فالحكمة ضالة المؤمن.
خلاصة القول أن الفــــهم الصـــحــــيح للقرآن والســـــنة الصحيحة, والمعرفة غير المتعصبة لـتطور الحضارة, كفيلان بإنارة الطريق أمام كل من يريد الخير للبشرية.
