د. جلال أحمد أمين أكاديمي وباحث مصري معروف. فهو أستاذ لعلم الاقتصاد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة, كما هوباحث اقتصادي في العديد من الدراسات حول الاقتصاد والتنمية سواء في مصر أو في سواها من الأقطار العربية والعالم الثالث.
وهو أيضا كاتب يكتب في الأدب والفن والثقافة, وعالم اجتماعي يرصد ظواهر اجتماعية كثيرة في تطور بلده على النحو الذي فعله في كتابه (ما الذي جرى للمصريين?).
وكان سبق له أن أصدر منذ بضع سنوات كتابا بعنوان (شخصيات في تاريخ), عاد وأصدر منه نسخة منقحة ومزيدة تحدث فيه عن والده أحمد أمين وعن أحمد بهاء الدين وفتحي رضوان ونجيب محفوظ ويوسف إدريس ولويس عوض وجمال حمدان وجمال عبدالناصر وأنور السادات, وكذلك عن أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وليلى مراد ويوسف شاهين وسواهم. فهو إذن باحث وكاتب وأديب. وهو يفسر هذا الجمع في شخصية واحدة بأنه يولد مع المرء عادة وليس نتيجة قرار يتخذه. ويحاوره هنا الناقد والصحفي اللبناني المعروف جهاد فاضل.

ولكنه أعطاني دورا لا يتجاوز الجملة الواحدة لبائع حلوى يقول (حلاوة عسلية, بمليم الوقية...) وكنت أقول هذا في مولد وسط زحام من الناس, ورغم ذلك كانت هذه الجملة تثير الضحك وتلفت الانتباه. ثم جاءت المصادفة حين اختارتني مديرة المسرح فايزة عبدالسلام لتأدية دور في مسرحية (أنا وهو وهي) كانوا يبحثون عن واحد يقوم بدور دسوقي وكيل المحامي, وذهبت لمقابلة فؤاد المهندس للمرة الأولى وكانت المفاجأة أنه طلب مني مباشرة أن أقرأ الدور. كنت قد تعودت على أداء البروفات قبل ذلك, ولكن فؤاد المهندس جعلني أقرأ الدور مباشرة وفوجئت أنهم يضحكون حتى من طريقتي في القراءة. لم أكن أدقق كثيرا في حجم الدور, كان ما يهمني هو طعم الدور, مرة دور صغير, مرة ثانوي, ومرات عدة يتم نسياني. لقد مر علي سنوات طويلة حتى حسبت أن السينما قد نسيتني وذلك قبل أن أقوم بدور (رجب فوق صفيح ساخن). وقد حقق هذا الفيلم أول نجاح خاص بي, ولكن النقلة الحقيقية جاءت عندما التقيت بالمخرج فطين عبدالوهاب, وهو من الذين أثروا فيّ كثيرا وساعدني على اكتساب ملامح شخصيتي. أذكره كما أذكر الدكتور محفوظ غانم أستاذ الكيمياء بكلية الزراعة هو الذي قال لي: أرجو يا ابني ألا تشتغل بالزراعة حتى لا تتلفها أكثر مما هي تالفة, ابحث عن عمل آخر, وقد عملت بنصيحته ومازلت أحتفظ له بمحبة كبيرة. * قرأتم ولا شك ما كتبه د.عبدالرحمن بدوي الذي انتقل من دنيانا أخيرا عن والدكم العلاّمة الكبير أحمد أمين. يقول بدوي في كتابه (سيرة حياتي): (كان أحمد أمين ضيق الأفق تأكل قلبه الغيرة من كل متفوق ومن كل متقن للغات الأجنبية لأنه كان لا يعرف لغة أجنبية فيما عدا قشور تافهة من أوليات اللغة الإنجليزية. وكان يسعى للتعويض عن عجزه هذا بانتحال أعمال الآخرين, خصوصا الناشئة المتطلعين إلى الشهرة بالتسلق على جذوع الشخصيات ذات الشهرة أو النفوذ. وقد حاول أن يصنع معي هذا الصنيع لما أن قدمت إلى لجنة التأليف والترجمة والنشر - وكان هو رئيسها - أصول كتابي: (التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية) أواخر سنة 1939. فلم تفلح محاولته هذه وصددته منذ اللحظة الأولى, إذ قلت في نفسي: وما شأن هذا الرجل بكتاب مؤلف من دراسات بالألمانية والإيطالية, وفي موضوع بعيد عنه? وكيف يمكن أن أبرّر وجود اسمه إلى جانب اسمي على كتابي هذا? إنها منه صفاقة ما بعدها صفاقة. ونشرت الكتاب عند ناشري الأول: مكتبة النهضة المصرية, ولما صدر قدّمت إليه نسخة, ولسان حالي يقول: على الرغم منك صدر الكتاب!
وهذه واقعة سأصادف من أمثالها طوال حياتي في الإنتاج والنشر)..
ما رأيكم في هذا الذي كتبه عبدالرحمن بدوي عن أحمد أمين? هل تعتقد أن مفكراً أو باحثاً مثل بدوي يغامر فيكتب هذا الذي كتبه عن أحمد أمين (وعن آخرين أيضا) دون الارتكاز على أساس من الواقع?
* يمكن للمرء أن يصبح أديباً كبيراً حتى ولو كان أسلوبه بسيطاً
* اللغة العربية تعاني في أيامنا هذه تدهوراً فاضحاً
* أحمد أمين كان يقول إن أسلوب طه حسين أشبه بـ (غزل البنات)
* العقاد كان صاحب عقلية تحليلية لكن الإمعان في التحليل يضر أحيانا بالكتابة الأدبية
- طبعا أنا تضايقت جدا عندما قرأت هذا الكلام لأني أعتقد أن العكس بالضبط هو الصحيح. ليس من الصعب على أي شخص يقرأ بضع صفحات من كتاب بدوي ليكتشف أي نوع من الناس هو. أنا لا أريد أن أطيل في تحليل وضعه وتحليل شخصيته, ولكن لا بد أن أقول إنه شخص غير سويّ من الناحية النفسية. وهذا رأي تفصح عنه صفحات كتابه ويقوله كل من اتصل به شخصيا. أنا لم أعرفه شخصيا, ولكني لم أسمع من شخص عرف عبدالرحمن بدوي إلا وأشار بعبارة أو أخرى إلى أنه لم يكن سويّا من الناحية النفسية.
ثم أنك تلاحظ أن عدد الأشخاص العظام الذين تناولهم بالنقد الجارح كثير, وإنه دائما يحكم على الناس من وجهة نظر معينة هي إذا كانوا قد لبّوا له طلباته أو لم يلبّوها. وهناك قصة تتعلق برفض أبي حينما كان عميدا لكلية الآداب أن يسمح لعبدالرحمن بدوي بأن يتقدم لامتحان ما خلافا لقواعد الكلية.
غضب بدوي
* أعتبر أن أحمد أمين قد انتقم منه?
- مثلا. إنها حكاية. وأنا أكاد أتصور بالضبط ما حدث. أبي كان رئيسا للجنة التأليف والترجمة والنشر, وهي كما يعرف كل الناس المتصلين بالثقافة المصرية من أنجح المؤسسات الثقافية العربية وقد لعبت دورا مجيدا في تعريف القارئ العربي بالأعمال الثقافية الأوربية.
كان أبي يشعر بالمسئولية باعتباره رئيسا للجنة. فقد كان عندما يجد كاتباً لديه موهبة, يستكتبه لكي ينشر له شيئا يعتقد أبي أنه مفيد. وقد عمل مع زكي نجيب محمود شيئا مماثلا إذ اشترك معه في كتابة (قصة الأدب في العالم), و(قصة الفلسفة اليونانية) و(قصة الفلسفة الحديثة). وكان يعرف جيدا أن د.زكي نجيب محمود يجيد الإنجليزية أكثر مما يجيدها هو, فاتفق معه على أن يتكلم هو, أي أحمد أمين, عن تاريخ الأدب العربي, وأن يتكلم زكي نجيب محمود عن تاريخ الأدب الأوربي, ثم أن ينشرا الكتاب مشتركا. وقد استخدم أبي كلمة (تصنيف). وأنا أذكر أنه فرح باختراعه الكلمة هذه: (تصنيف). التصنيف ليس التأليف. وقد كرر هذه العبارة في الكتابين الآخرين: (قصة الفلسفة اليونانية) و(قصة الفلسفة الحديثة). لم يقل: تأليف أحمد أمين وزكي نجيب محمود, بل قال: تصنيف أحمد أمين وزكي نجيب محمود.
وأنا لا أرى في ذلك ما يثير أي ملاحظة سلبية. تعاون كاتبان على أن يكتب كل منهما ما يعرفه, فكتبا. أما أن عبدالرحمن بدوي يعرف الإنجليزية أو الألمانية أكثر من أحمد أمين, فهذه ليست مشكلة. وأبي طبعا كان مستعدا للاعتراف بهذا وهذا لا يشينه.
يتضح من نص بدوي أن أبي عرض عليه هذا العرض الذي ليس فيه برأيي أي غضاضة, أي أن يتعاونا في عمل يدلي كل منهما بدلوه في الجزء الذي يعرفه. ولكن بدوي شهر حقده وتصرّف على الصورة التي تصرف بها. وردّي هو أن شخصية بدوي, واستناداً إلى كل من سمعته يتحدث عنه, ومن تلاميذ أحمد أمين, هو أن أحمد أمين كان يشجع دائما تلامذته على أن يلمعوا. وهذا هو ما يعرفه الجميع عن شخصية أحمد أمين.
كلام بدوي هذا فارغ ولا قيمة له, وعندما تقرأ ما كتبه عن العقاد وعبدالوهاب عزام وسواهما تتأكد من ذلك.
تعرية النفس
* ولكن بدوي كتب ما اقتنع به وما لمسه بالضبط. فهل تعتقد أن على مؤرخ الأدب في أي عصر أن يعتمد المجاملات والنظريات وإخفاء الحقائق? أم أن عليه - على العكس - أن يقول الحقيقة مهما كانت قاسية ومهما أزعجت الآخرين?
- أنا طبعا مع الحقيقة, ولكن أسمع ما قاله أبي في مقدمة كتابه (حياتي): (ولكن وإن كان الواحد يجب ألا يقول إلا الحق, فليس كل الحق يمكن أن يقال. إذا كانت تعرية الجسم كاملة غير مقبولة, فتعرية النفس أيضا كاملة غير مقبولة).
ثمة حاجات كما ترى لا تُقال, ولكني لا أقول هذا بمناسبة ما كتبه بدوي عن أبي. هذا كلام خطأ ولا يمتّ إلى الحقيقة بصلة.
إنما المصارحة مطلوبة والحقيقة مطلوبة. ولكن ما ذكره بدوي في كتابه عن أحمد أمين ليس الحقيقة. بدوي سمح لنفسه في سيرة حياته بأن يكون شخصيا جدا. فهو يحكم على كل شيء من زاوية انفعالاته وأهوائه الشخصية. لم يكن موضوعيا أبدا. كل من حقق له غرضاً مدحه, ومن لم يحقق له هذا الغرض هجاه.
شخصية طه حسين
* أحمد أمين لم يكن مجرد مؤلف أو باحث أو أكاديمي. لقد كان رئيسا لتحرير مجلة ثقافية, وهذا يعني أنه كان مشاركاً في الحياة الثقافية والأدبية بمصر. لذلك, كان من الطبيعي أن تكون له عداوات ومشكلات كثيرة مع أدباء ومفكرين مصريين آخرين, منها مع عبدالرحمن بدوي ومنها مع طه حسين.
- خلافاته مع طه حسين كانت بسيطة وسأحاول أن أتذكر بعضها. إحداها كانت بمناسبة العمادة, وليس في مسائل النشر والأدب. كان طه حسين عميدا لكلية الأداب, وبعده بفترة جاء أحمد أمين, كان طه حسين يشعر بأنه صاحب فضل على أحمد أمين على أساس أنه هو الذي أتى به إلى كلية الآداب. كان أحمد أمين قاضيا شرعيا وطه حسين هو الذي عرض عليه أن ينضمّ إلى أسرة كلية الآداب. شخصية طه حسين كانت شخصية طاغية. أكاد أقول إنه كان يميل إلى التسلط. شخصية قوية (وكان يزعل قوي لما رأيه ما يمشيش), سواء كان بالحق أو بالباطل. فلما جاءت وزارة تعتبر طه حسين من أنصارها, أظن أنها وزارة وفدية. كان ذلك سنة 1941 أو سنة 1942, حاول تجاوز أبي في مسائل نقل بعض الأساتذة.
* بدأ طه حسين حياته السياسية مع حزب الأحرار الدستوريين وكان محرراً لجريدة السياسة الأسبوعية التي كان يصدرها هذا الحزب.
- صحيح ولكنه بعد فترة أصبح قريباً جدا من (الوفد) وفي آخر وزارة وفدية كان وزيراً للتربية والتعليم. لما جاءت الوزارة الوفدية, عيّنوه مستشارا لوزير المعارف وكانت وظيفة مهمة جدا في ذلك الوقت. وكان لهذا المستشار بعض النفوذ على الجامعة. اتخذ قرارات فيما أذكر منها نقل بعض الأساتذة في كلية الآداب بجامعة القاهرة إلى مكان آخر دون استئذان أبي الذي كان عميداً لهذه الكلية.
هذا الأمر سبّب توتراً أدى إلى استقالة أبي من العمادة. وقد ترك هذا نوعا من الجفوة بينهما.
سبب آخر أيضا يتعلق بالدكتور عبدالرزاق السنهوري. كان طه حسين يكره كراهية عمياء د.السنهوري الذي كان أعزّ صديق لأبي. والسنهوري كان سعدياً بينما كان طه حسين قد أصبح مع الوقت وفديا. ويبدو أن أحمد أمين خُيّر بين الاثنين, فاختار السنهوري.
إنما بقيت بين الاثنين علاقة احترام وشيء من المودة, وقد كتب أبي عن طه حسين في كتاب (حياتي) كتابة رقيقة جدا تدل على اختلاف شخصية كل منهما وإن كانت الجفوة بينهما قد زالت.
وهناك الخلاف الشهير بينه وبين زكي مبارك وهو معروف.
لم يكن أبي صاحب رأي إيجابي (قوي) في الشعر الجاهلي عموما, فكتب عدة مقالات بعنوان: (جناية الشعر الجاهلي على الأدب العربي), فرد عليه زكي مبارك بثلاث وعشرين مقالة بعنوان: (جناية أحمد أمين على الأدب العربي). وكان زكي مبارك سليط اللسان بالرغم من أنه كان كاتباً كبيرا وموهوبا. إنما كان سليط اللسان, وتحكمه الأهواء الشخصية. وقد سبق لي أن أصدرت مجموعة من القصص العربية في 1967 وثانية في 1983 وأخيرا صدرت المجموعة الثالثة عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة, وتميزت بأنني أدرجت فيها ترجمتي لجوانب من إبداع القصة القصيرة كما عرفته منطقة الخليج. ترجمات من التراث العربي * ما قلته حالاً يتعلق بالأعمال التي أنجزتها بالفعل, ورأت النور, وأصبحت بين يديّ القارئ. ولكن ماذا عن الترجمات التي تحلم بنقلها من العربية إلى القارئ الغربي? ما الذي تتمنى أن يتاح لك في المستقبل تقديمه? - قد يبدو ما سأقوله الآن غريباً لمن لا يعرفونني جيدا, ولكنني في حقيقة الأمر مهتم بالكتب التي تدور حول الحيوانات, وأعمل على تقديم عدد منها في إطار عملية إعداد, تتضمن الترجمة بشيء من التصرف. وقد قمت بالفعل بإعداد عمل عن طباع الحيوانات عند الإنسان من منظور إخوان الصفاء مع مقدمة مطولة بقلمي. وآمل أن أتابع السير في هذا الطريق, لألقي الضوء على نظرة الإسلام إلى الحيوانات, وهو موضوع مهم, ولم يتطرق إليه أحد, علما بأن للإسلام تاريخاً مشرقاً في رعاية الحيوان والرأفة به, وهناك أحاديث شريفة عديدة تتضمن الحض على العناية بالحيوان والطير, وهناك مادة غزيرة في هذا الشأن, لم يكلف أحد نفسه عناء البحث فيها. لقد كان أبو العلاء المعري - على سبيل المثال - نباتيا, وشديد الاهتمام بالحيوان, وأنا عاكف الآن على إعداد مادة في هذا الصدد, وقد وعد الفنان التشكيلي الصديق عادل السيوي بأنني لدى الانتهاء منها سيقوم باستكمالها برسومات موازية للنص لتصدر في كتاب نأمل أن يكون عملاً مميزاً. ومن مشروعاتي المستقبلية أن أكتب سيرتي الذاتية, وقد كتبت الكثير من هذه المادة, بل أستطيع القول إنني كتبت ما يصل إلى ثلاثة أرباعها, ولديّ ناشر لهذا العمل, ولكن لديّ مشكلة, تتمثل في أنني ينبغي أن أرد - لنفسي - على سؤال محدد, هو: لمن أكتب? كان يشعر بالمرارة لأن الجامعة المصرية لم تضمه إلى صفوفها لأنه كان يعتقد أنه أكثر علما ومعرفة من أساتذتها.
الأديب والكاتب والباحث
* كثيرا ما يقال إن طه حسين أديب والعقاد كاتب وأحمد أمين باحث.. فهل تعتقد أن هذه النعوت دقيقة أو في محلها?
- واللّه هذا الكلام قريب جدا من الصحة, إنما ليس منصفا تماما. الناس قد تختلف كيف تعرّف الأديب والكاتب والباحث. وإنما أعرف الأسباب الموجبة لاستخدام مثل هذه النعوت. الباحث ليس بالضرورة أقل مقاما من الأديب, إنما أنت عندما تقرأ أشياء كثيرة لأبي تشعر بأنه أديب كبير أيضا وليس مجرد باحث.
(حياتي) أنا أعتقد أنه عمل أدبي, وعمل أدبي جيد. وأنا أحيانا أقرأ فصولاً في (الأيام) وأفضل عليها فصولا من (حياتي) حتى من الناحية الأدبية. المسألة تتوقف على ماذا أنت تبحث. لغة طه حسين طبعا لغة عظيمة. أحمد أمين كان يعتبر أن اللغة مجرد مطية للتعبير عن الفكر. وأنت يمكنك أن تكون أديباً كبيراً حتى ولو كان أسلوبك العربي بسيطا, ولا يبهرك بجرسه وطلائه. وطه حسين نعرف جميعا أسلوبه الذي قد يعجب الكثيرين وقد لا يعجب الكثيرين. كان أحمد أمين يقول إن أسلوب طه حسين يشبه غزل البنات.
(حياتي) فيها أدب رفيع, ومقالات كثيرة في (فيض الخاطر) تجد فيها أدبا رفيعا عاليا.
لذلك, لا أستغرب إذا قال بعض الناس إنهم يفضّلون أحمد أمين كأديب على طه حسين, وإن كان معظم الناس لا يقولون ذلك.
العقاد يصفونه بالكاتب, لأنه كتب في كل الموضوعات. وهو أديب أيضا بلا شك, وإن كانت عقليته عقلية تحليلية حتى وهو يكتب في الأدب. والإمعان في التحليل يضرّ أحيانا بالكتابة الأدبية. لم يكن طه حسين محللاً, وكان يهمه الصورة والجرس. العقاد يتصف بالعمق, ولكن العمق ليس مطلوبا دائما في الأدب. من أجل هذا ربما قيل إن العقاد كاتب وليس أديبا.
بين الملكية والثورة
* طبعا أدركت مرحلة هؤلاء العمالقة زمن الملكية في مصر, كما عرفت لاحقا مرحلة ثورة يوليو, أو مرحلة مصر الجمهورية. كلتا المرحلتين لهما ما لهما وعليهما ما عليهما, كما يقال. كيف تروي قصة هاتين المرحلتين?
- حصل تقدم في أشياء كثيرة, كما حصل تأخر في أشياء أخرى.
مجلة (الثقافة) ومجلة (الرسالة) ظلتا تصدران حتى أوائل الخمسينيات.
توقفت (الرسالة) عام 1951 على ما أظن, وكذلك (الثقافة). من ناحية الجدية, تجد أنه ليس لهاتين المجلتين نظير الآن. ولكن من ناحية جدية المقالات في وقتنا الراهن, حصل تدهور. والواقع هنا تجسيد لمقولة شمولية, الواقع بكل إحداثياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية, وبالتالي فهو مصدر القناتين الكبريين التي تمر عبرهما القراءات الإسلامية وغيرها, وأعني بذلك القناة المعرفية والقناة الأيديولوجية ولذلك لا نصلح حالا جديدا بما صلح به حال الماضين, إنما نستطيع أن نستلهم الماضي, وما هو مرجعنا المنهجي هنا? وحصل هذا التدهور أصلا من ناحية المجلات المعاصرة الآن. من ناحية اللغة حصل تدهور فاضح. من ناحية الالتزام والاستعداد للتضحية بالمادة في سبيل خدمة الهدف الأدبي أو الثقافي, حصل تدهور أيضا.
من ناحية تأثير السياسة على الأدب حصل تدهور كبير. أدباء ذلك العصر كانوا أكثر حرية في التعبير عن حقيقة أفكارهم من أدباء زماننا الراهن.
ولكن حصل تقدم في مسألة تنوع الثقافة. تجد الكاتب الآن يدري جيدا ما الذي يحدث في العالم, ويحيط إحاطة شاملة بالمذاهب السياسية والفلسفية أكثر من الكاتب في الأربعينيات والخمسينيات.
ولكن معرفة ذاك الجيل بالتراث كانت قوية وعميقة. معرفة الجيل الحالي معرفة هشّة وضعيفة.
إدراك الأمور السياسية وفهم الأوضاع السياسية والاجتماعية هو الآن أفضل بكثير من السابق.
الكثير من المستعربين الروس تجاوز عمرهم الآن الستين عاماً, ولهذا السبب فإنهم يبذلون جهوداً لاستمرار عملهم عبر تلامذة وطلاب جدد, أنا بالذات تقاعدت منذ فترة, ومع ذلك فأنا أعمل في الجامعة, وفي معهد الدراسات الشرقية, وكذلك ألقي محاضرات في الجامعة الثانية, أعمل - كما ترى - في ثلاثة أماكن, ولدي همّ كبير يتعلق بتربية جيل جديد من المستعربين آمل أن يحتل المناصب التي نتبوؤها منذ زمن بعيد. أسباب الهجرة • أعرف إلى حد بعيد اهتمامات الاستعراب زمن الاتحاد السوفييتي, كان هذا الاستعراب مهتما بالقضايا السياسية والاجتماعية العربية, وتطور بلداننا وما إلى ذلك, هل هناك اهتمامات أخرى للاستعراب الروسي في وقتنا الراهن? - التيارات الأساسية في الاستعراب الروسي المعاصر مازالت هي نفسها, كما كانت منذ سنوات بعيدة, بل منذ قرون, نحن الآن نشتغل في قضايا أخرى, مثلاً حول العلاقات بين البلدان العربية وأمريكا, أو حول العلاقات بين ليبيا وإيطاليا, بين لبنان وفرنسا, ونبذل جهداً لمعرفة ما أسباب هجرة العرب إلى أوربا, وما الشروط والظروف المرافقة لعمل العرب في فرنسا, ولماذا أكثرية المهاجرين العرب تذهب إلى فرنسا لا إلى سواها. نجد هؤلاء العرب يعملون في الشوارع ولا نجدهم في رئاسة البلديات, أو في المستويات الفرنسية العالية, ولماذا الآن في كل فندق في بلجيكا أو في هولندا أو في فرنسا يمكنك أن تجد رجلاً مهمته التحدث باللغة العربية, ما أسباب الاغتراب وكيف تسير أموره, ولماذا يؤلف العرب روايات وقصصاً باللغة الفرنسية? وهل هؤلاء الكتّاب بالفرنسية يمثلون الأدب العربي في أوربا, أو الأدب العربي المهاجر? علينا أن نجد أجوبة لهذه الأسئلة. • أسألك هل تعتبر بن جلون كاتباً عربيا? - بن جلون كاتب مغربي في الأصل, ولكن هل يصبّ أدبه الذي كتبه بالفرنسية في خانة الأدب العربي, أو الفرنسي? أنا أعتبر أن المعيار هو اللغة, إذا كتب بن جلون بالفرنسية فأدبه غير عربي بالطبع, إنه أدب فرنسي, ولو أن مؤلفه مغربي, المعيار هو اللغة, كما أرى. هناك أدباء عرب كبار في فرنسا, آسيا جبار من هؤلاء ولها تقدير واسع في الأوساط الثقافية الفرنسية وفي أوساط الجالية المغربية أيضاً, وهي تكتب بالفرنسية طبعا. * هناك مَن يقول إن ثورة يوليو أجهضت مجتمعا ديمقراطيا وحضاريا كان ينمو ويتطور في مصر ما قبل هذه الثورة, وأنه لولا ثورة يوليو, أو انقلاب يوليو كما يسمّيه البعض, لكانت مصر في النصف الثاني من القرن العشرين, أو مصر الآن, هي غير مصر التي نعرفها.
- أنا لا أميل إلى هذا الرأي بتاتاً لسبب بسيط. الثورة كثير من سماتها كانت حتمية, علينا ألاّ ننسى أن مجتمع ما قبل عام 1952 كان بخدمة نسبة ضئيلة جداً من السكان. ما عدد الذين كانوا يقرأون (الرسالة) أو (الثقافة)? هذه السمات الرفيعة في الثقافة والإبداع, كان المستفيدون والمنتفعون بها عبارة عن نسبة ضعيفة جدا من السكان.
وكذلك الحياة السياسية, نحن نُبهر بالبرلمان المصري والتقاليد التي كان حريصا على تطبيقها. الواقع أن السلطة كانت تُتداول بين أيدي قلة قليلة جدا, و85% من السكان لا يعرفون ما يجري لا في الثقافة ولا في السياسة. ولم يكن هؤلاء يظهرون حتى على سطح الحياة الاجتماعية. كانت الشوارع والمقاهي والمصايف والنوادي والجامعات كلها تُتداول بأيدي فئة قليلة جدا.
ما أريد أن أقوله أن هذا التطور الذي قامت به الثورة كان حتمياً ولو لم يضطلع به الضباط كان سيضطلع به الناس. لم تكن الأمور تتحمل. السكان كانوا يتزايدون بسرعة والأرض الزراعية لا تزيد. كان لابد من إيجاد مصادر رزق جديدة. ثم إن هناك طبقة متعلمة صاعدة تريد أن تساهم في الحكم, وتريد أن تكتب في الثقافة, في السابق كان هناك احتكار.
فالثورة إذن لم تُجهض مجتمعاً ديمقراطياً كان ينمو, وكلمة (إجهاض) هنا كلمة قوية, وغير صحيحة, الذي صنع الانكسار لتطور الحياة الثقافية والسياسية في مصر, ليس بالضبط واقعة قيام ثورة عسكرية, إنما هو الانفجار السكاني الهائل. لذلك كان لابد أن يحصل نوع من أنواع العدالة للتسوية بين الناس. كما أنه كان لابد للحاكم أن يعترف بحقوق هذه النسبة العظيمة من الناس. هذا ما حصل. حتى السادات, رغم أن ميوله الاجتماعية كانت قوية ومتعاطفة مع الطبقات الدنيا, من نوع ميول عبدالناصر القوية, لم يستطع أن يقف موقفا وسطا, فقد فتح جامعات جديدة واستمر التوسع في المدارس.
- يعود هذا إلى تربيتي المسرحية السليمة, لقد علّمتني هذه التربية أن أحب كوني ممثلا. أنا أحب أن أقوم بالعديد من الشخصيات المختلفة, أنا حقا (مضحك) وأفخر بأنني مضحك ولكني قبل ذلك ممثل وأريد أن يعرف الجميع كل ما أختزنه في أعماقي. وعلى المسرح قدمت في مسرحية (مدرسة المشاغبين), هذا الولد المشاغب الذي لا تهمه قواعد المدرسة ولا المدرسين. وعملت بعدها مباشرة في (شاهد ما شفش حاجة) دور الشاب البسيط الذي لا توجد له أي تجربة حياتية. إذن كان لابد أن يحدث في مصر شيء ما, وقد حدث هذا الشيء في مصر وفي سواها من بلدان العالم الثالث. ومما يؤكد أنني على صواب في هذا التحليل أن ما نسميه الآن بـ(مجتمع الجماهير الغفيرة) كان قد تحرك في بلدان كثيرة في آسيا وإفريقيا في تلك الفترة.
* ولكن علينا ألاّ ننسى سلبيات ما حصل في تلك الفترة أيضا, لقد كان للانقلابات وجوهها السلبية الكثيرة.
- طبعا. أنا عندما أقول عصر (مجتمع الجماهير الغفيرة) أقصد ضمناً أشياء سلبية كثيرة جدا. (الجماهير دي فظيعة), (الجماهير دي كالوحش), أنت تفرح لأنهم بدأوا يعطون ضرورات الحياة, إنما عندما يصبحون هم المتحكمين في قضايا الثقافة وتقاليد السياسة, ترى العجب العجاب... وقد عانى هذا العالم الثالث كله وليس بلدا عربيا أو بلدانا عربية معينة.
في مصر ما قبل الثورة, كان من العيب أن يخطب وزير أو مسئول بلغة عربية غير سليمة. مثل هذا التقليد امتُهن في مصر الثورة, بات الخطاب السياسي يؤدى بلغة عامية أو شبه عامية. قد يجد البعض في ذلك ميزة ويجد البعض فيه عيبا. ميزة لأن الخطاب السياسي بات يصل إلى كل مواطن, ولكنه من جهة أخرى يؤلف عيبا لأنك عندما تخطب باللهجة العامية لا تحترم تقاليد ثقافتك الوطنية.
تدهور اللغة
* بدأ تدهور اللغة العربية في الواقع منذ تلك اللحظة بالذات. فعندما بدأ عبدالناصر يخطب باللهجة العامية, قال كثيرون ولماذا لا نتوسل مثل هذه اللهجة في كل المجالات, لدرجة أن الأستاذ في كلية الآداب صار يلقي دروسه بهذه اللهجة?
- ولكنني أحب أن أقول إن عبدالناصر لم يكن هو السبب, لقد كان الأمر تعبيرا عن ثورة (الجماهير الغفيرة).
تجاور الفنون
* يعرفكم الجميع عالماً في الاقتصاد وأستاذاً للاقتصاد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة, ولكن هذا الأستاذ - ويا للغرابة - مزج الاقتصاد بسواه. قرأت لكم قبل سنوات كتاباً بعنوان (محنة الاقتصاد والثقافة في مصر). ثم قرأت لكم بعد ذلك فصولاً في الأدب, وأخرى في الفن, كتبت مثلاً عن عبدالوهاب وأم كلثوم, وكتبت أخيراً في مسائل سوسيولوجية في كتابك (ما الذي جرى للمصريين?) فكيف تتجاور هذه الفنون المختلفة في ذات واحدة صاحبها متخصص في علم شديد الصرامة والتجهم هو علم الاقتصاد?
- أظن أن أفضل إجابة عن ذلك هي كلمة لعالم سويدي فاز بجائزة نوبل اسمه ميردال وهو اقتصادي وعالم اجتماع بالمعنى الواسع, إنما كان يرفض الفصل بين العلوم الاجتماعية والإنسانيات. يقول ميردال في هذه الكلمة: (ليس هناك مشكلة تُسمى مشكلة اقتصادية وأخرى اجتماعية وأخرى سياسية. هناك مشاكل وهي معقدة).
والأمر هو كذلك, خذ مثلا مشكلة السكان, لا تستطيع أن تقول لي لا إذا درسها عالم الاجتماع وحده وقال كلاماً غير وافٍ بشأنها. والاقتصادي كذلك, والعالم الذي يسمي نفسه عالم سكّان سيقول أيضا كلاما ناقصا. وبالتالي فإن أيّا منهم لن يقدّم لك الحلول وحده.
وكذلك مشكلة التضخم, هذه المشكلة هي على السطح اقتصادية, إنما هي في أعماقها تعكس ميول الناس واتجاهاتهم النفسية والاجتماعية, ماذا تصرف الناس? ولماذا تصرف الآن أكثر مما كانت تصرف في السابق? ماذا تشتري? ولماذا تستورد? وكل هذا متأثر بعوامل نفسية واجتماعية وسياسية إلى آخره.
يترتب على هذا أنك محتاج إلى تعاون أنواع المعرفة. شخص آخر قال كلمة جميلة: الحلّ ليس أن تجمع عالم الاقتصاد وعالم السياسة, ففي هذا الجمع لن تصل إلى نتيجة, لو شكلت لجنة فيها هؤلاء جميعا, يقول لك هذا الشخص: يجب أن تتم التوليفة في الدماغ نفسه.
وهذا صحيح أيضا, لأنك لو جمعت هؤلاء العلماء جميعا لوجدت أن كلاًّ منهم سيدافع عن وجهة نظره, لذلك يجب أن تتم التركيبة في الدماغ الواحد, وإلا فإنك لن تصل إلى قرار حكيم.
هذا دفاع عن الموقف الذي تسأل عنه. أما لماذا أنا على هذه الصورة, فأنت تلاحظ أنني أشترك في ذلك مع آخرين. هذا الميل إلى الجمع بين التخصصات, أظن أنه يولد مع المرء, وليس نتيجة قرار. وهناك أمثلة كثيرة عليها.
ماذا جرى?
* وما الذي جرى للمصريين في رأيك?
- أنا كتبت كتابا كاملا في هذا الموضوع, وأحب أن أضيف إليه كي لا أكرر ما قلته فيه, هو أن هناك تطورات جديدة في مصر حصلت في العشر أو الخمس عشرة سنة الأخيرة لم يمسّها الكتاب. فلو قُدر لي أن أكتب جزءا ثانيا لهذا الكتاب لتعيّن عليّ أن أعالجها.
في كتابي هذا ركّزت على ظاهرة الحراك الاجتماعي, وهو تغير المركز النسبي للطبقات الاجتماعية: ناس طبقات صاعدة وطبقات هابطة. وهذا ولّد توتّرا شديدا في الحياة الاجتماعية. مثلا تصوير الأفراح وطريقة احتفال المصريين بها, كان لها شكل في الماضي تغير الآن. في الوقت الراهن أصبحت الآن مجالا للتباهي والتنافس وكسب ودّ المسئولين كي تحصل على تصريح من بنك أو سواه. لم تعد مناسبة فرح, بل باتت مناسبة اجتماعية لإثبات الصعود الاجتماعي أكثر منها أي شيء آخر.
تنظر فترى عشرة مدعوين جالسين إلى مائدة ولا يسمعون بعضهم البعض بسبب ارتفاع الصوت, ولا يهمّ مادامت تكاليف الفرح عالية. تُقاس قيمة الفرح بكم أنفق أصحابه.
إنما في السنوات العشر أو الخمس عشرة سنة الماضية, دخلت مصر في حال تدهور اقتصادي بمعدلات شديدة وذلك منذ منتصف الثمانينيات, البطالة زادت ازدياداً شديداً. والهجرة إلى النفط ضعفت جدا. وكل هذا أدى إلى انخفاض معدل الحراك الاجتماعي, وكان لهذا كله نتائج كثيرة لم أرصدها كاملة وبشكل واسع في كتابي هذا, وإنما يمكنني أن أسرد بعض الملاحظات.
من هذه الملاحظات الجديدة - وقد تندهش - زيادة تحرر المرأة المصرية في السنوات الأخيرة, بمعنى أن المرأة اضطرت للخروج لكسب العيش بسبب الصعوبات الاقتصادية المستجدة, ومن ثم طغت هذه الصعوبات على سطح الحياة الاجتماعية أكثر من أي وقت مضى. \\ نعم، المرأة قادرة علي إدارة أعمالها بنفسها حيث منحتها الشريعة الإسلامية حرية التصرف فى أموالها الخاصة سواءً التى آلت إليها بالإرث أو المكتسبة من عمل يدها، كما أنها تستطيع احتراف التجارة، والأمثلة علي ذلك كثيرة ونجدها فى المنطقة الشرقية والغربية والوسطي. ونجاح المرأة فى مجال التجارة والأعمال يماثل تماماً نجاح رجال الأعمال. ولكن ذلك أدى إلى أن تكون العلاقة بين الجنسين أكثر تحرّراً مما كانت عليها في الثمانينيات مثلا.
الحالة النفسية للمصريين عموما هي الآن أسوأ بكثير مما كانت عليه في الثمانينيات كان الشاب المصري إذا تخرج في الجامعة ولم يجد في مصر أجراً مجزياً, يهاجر خارج مصر فيكوّن ثروة ثم يعود إلى مصر. مثل هذه الفرص ضاقت في الوقت الراهن, وقد سبب هذا نوعاً من الإحباط, فضلاً عن التطورات السياسية التي أصابت الناس أيضاً بالإحباط, وهناك تطورات أخرى كثيرة يصعب حصرها في كلمات قليلة.
وصفة علاج
* أعرف أنك اهتممت في شبابك بالفكر القومي العربي وعملت بصورة من الصور في السياسة, وأعرف أنك مازلت مهتماً بالمصير القومي وبالمستقبل العربي, ولكن الواقع الآن هو واقع العجز وعدم القدرة على فعل شيء حقيقي إزاء التحديات التي تواجهها الأمة العربية, هل لديك وصفة لعلاج العجز العربي?
- الظروف الدولية الراهنة غير مؤاتية. هذا أمر واضح جدا. العالم الثالث والعالم العربي بالذات والعالم الإسلامي, يمرّ من ناحية الظروف الدولية, بمرحلة هي من أسوأ ما مرّ بها.
العالم العربي مكانه الجغرافي وأهميته الاقتصادية والسياسية كبيرة لدرجة تجعل العالم لا يستطيع تجاهله. نحن لسنا دولا منعزلة بعيدة في أمريكا اللاتينية, أو في أواسط إفريقيا أو في جنوب إفريقيا. نحن في قلب العالم نجلس على مخزون بترولي يحتاج إليه العالم كله, كما نحن أصحاب ثقافة وحضارة مهما انتقدتها, فإنها مازالت تحتفظ بحيوية وإمكانات النهضة.
وفي قلبنا إسرائيل التي لها مشروع يتعارض تماماً مع مشروعنا.
لذلك لا يستطيع العالم إهمالنا وتركنا وشأننا, وليته تركنا وشأننا, لهذا السبب أرى أن مسألة كون الظروف مؤاتية أو غير مؤاتية أمر غاية في الأهمية لأن العالم لا يتركك وشأنك. إذا كانت للعالم مطامح بعيدة المدى تتعارض مع مطامحك, فأنت في وضع سيئ جدا. ثم إن قوتك العسكرية والاقتصادية ضعيفة. فأنت غير قادر على المواجهة. وحتى حجمك هو بحجم دولة مثل الصين. الصين رغم فقرها النسبي, لديها سوق يضمن لها قوة كبيرة في المساهمة مع العالم. إذا رفضت الصين استقبال الاستثمار الأجنبي, فلابد أن يقف على خاطرها كثيرون يسألونها عمّا تريده منهم, إنما نحن لا أحد يسأل عنا أو يقف على خاطرنا.
لذلك, فأنا أقلّ ما يمكن أن أُوصي به, هو أن نحتفظ بالمركب والشراع في حال جيدة, حتى إذا هبّت رياح مؤاتية, نكون جاهزين للإبحار, وعلى الأقل لا نساهم في تخريب ما بقي لنا من مركب وشراع.
فتنة الغرب
* في أواخر الثلاثينيات كتب الدكتور طه حسين كتاباً عنوانه (مستقبل الثقافة في مصر). لو أردت أن تكتب الآن كتاباً على غرار هذا الكتاب, فما الذي تقوله حول الموضوع ذاته?
- عندما أعدت قراءة كتاب طه حسين أخيرا, وقد كتبه عام 1938, ذهلت (لأنه كان محكوما بوقته). في ذلك العام, لم تكن الحرب قد قامت بعد. الحضارة كادت أن ترفرف عليها أعلام أوربا وليس أعلام الولايات المتحدة الأمريكية. ثم إن إسرائيل لم تكن قد ولدت بعد.
هذه المسائل الثلاث سمحت لطه حسين أن يقول أشياء لو انتظر فقط عشر سنوات لما كان قالها. لماذا? بعد ذلك بعشر سنوات كانت إسرائيل تكوّنت, وكان اللواء انتقل من يد أوربا إلى يد الولايات المتحدة. كما أن الحرب العالمية الثانية كانت قد قامت وانتهت.
هذا الغرام والافتتان عند طه حسين بالغرب, كان لابد أن يتحطم إلى حد كبير على هذه الصخور الثلاث. نعرف جميعاً دور الغرب في قيام إسرائيل. الحضارة الغربية بنظر طه حسين هي فرنسا وليس (الماكدونالد) و(الهمبورجر) و(الكوكاكولا) وأفلام (هوليوود).
ثم إن الغربيين أنفسهم تساءلوا: (أي حماقة ارتكبناها عندما قتلنا أكثر من ثمانين مليون نسمة), يقصدون بذلك ضحايا الحرب العالمية الثانية. وبدأوا يفقدون ثقتهم بحضارتهم نفسها, وهي الحضارة التي كان طه حسين يريد أن يتمثلها ويقلّدها, إذ يقول: (فلنفعل ما يفعلون بحلوها ومرّها, وخيرها وشرّها).
إذن أصبح الكلام الملائم هو كلام المهاتما غاندي, إذ سُئل عن رأيه في الحضارة الغربية, فأجاب: تبقى فكرة جيدة.
بعد ذلك بسبع عشرة سنة كتب محمود أمين العالم وعبدالعظيم أنيس كتابا عن الثقافة المصرية, ركزا فيه على موقفنا من الحضارة الغربية. ركزا على المشاعر الطبقية. ولكن المسألة الطبقية الآن ليست هي الأساس.
إذا أردت أن أركّز الآن في مسألة الثقافة الوطنية والقومية, لقلت: العرب في مواجهة حضارة تجارية واستهلاكية تهدد شخصيتنا وتراثنا. ما رأيك فيما يروج له الغرب من أفكار سلبية عن الإسلام؟ في المجتمعات الغربية عادة ما يتم ربط الإسلام والمسلمين بالمصطلحات السلبية والعنف، وإحدى الطرق الأكثر انتشاراً في الإساءة للإسلام والمسلمين تتمثل في الإشارة الدائمة إلى الطريقة التي يتم التعامل فيها مع المرأة في المجتمعات والثقافات الإسلامية، وقد حرصت ـ من خلال عملي كأستاذة في جامعة لويسفيل ـ أن أوضح لطالباتي ـ اللواتي أكثرهن أمريكيات وقليل منهن من الشرق الأوسط ـ المعنى الحقيقي للإسلام، وأعمل على دعوتهن إلى التعرف إليه؛ ليعرفن أنه عكس ما هو سائد في الغرب من أفكار سلبية عن الإسلام كتلك التي تصفه بالتعصب والعنصرية ونحو ذلك من الاتهامات الباطلة؛ فإن الإسلام في الواقع هو دين التعددية والتفتح، وأن تعددية الأجناس ما هي إلا حكمة الله في خلقه، كما ورد في سورة الحجرات: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ..}. فإن هذه الآية الكريمة تشير وبصريح العبارة إلى حث الإسلام المستمر على التواصل والتحادث والتعارف، كما يحث القرآن على التسامح مع الناس على اختلاف معتقداتهم وأخلاقياتهم، وإن مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يقوم عليه الإسلام لأكبر برهان على تفتحه على الآخر وقابليته للتعاون معه في سبيل السعي وراء الخير وتجنب الشر ودحضه؛ ذلك أن الهدى الإلهي هو الطريق نحو تحقيق العدالة المطلقة. كيف تتصدين لما يقال عن الإسلام؟ أسعى جادة إلى نشر الصورة الحقيقة للإسلام في أمريكا من خلال المحاضرات التي ألقيها في الجامعة، ولدي العديد من الكتابات والأبحاث في هذا الإطار: النساء في الإسلام، مقارنة الأديان، حوار الأديان، حقوق الإنسان في الإسلام، والإسلام المعاصر، الثقافة السليمة في الإسلام، ولي بعض الكتابات حول "الفيلسوف الشاعر محمد إقبال" الذي حلم ببلد يستطيع فيه الناس أن يمارسوا الحقوق المعطاة إليهم من قبل الله عز وجل. المشاعر الطبقية ليست هي أساس المشكلة الثقافية الآن. وليست مشكلة الثقافة العربية الآن هي كوننا متخلّفين عن الغرب. المشكلة هي أننا مهدّدون بزحف حضارة استهلاكية مدمّرة للإنسان. وفي هذا الصدد نحن في المعركة نفسها مع بقية ثقافات العالم الثالث. الآن سؤال الفساد بمعنى ما من المعاني هو سؤال طبقي, خصوصا إذا ألححنا على الفساد الاقتصادي, الذي تحول إلى وباء هائل لأن هناك مطالبة في النظام السياسي العربي بإبقائه وجعله يلف الجميع ويجعلهم مدانين تحت الطلب, وهذه الفكرة هي التي قادتني إلى استنباط مفهوم في الفكر السياسي هو مفهوم (الدولة الأمنية), التي أعني بها تلك السلطات التي ابتلعت الدولة القانونية الشرعية, ورفعت شعارا تسعى من خلاله لإفساد من لم يفسد بعد, بحيث يصبح الجميع مدانا تحت الطلب, وعلى كل من يرغب بالاستمرار في حياته, حتى بالمعنى البيولوجي, أن يكون مفسدا فاسدا حتى لا يتعرض للمطاردة ولا يتعرض لأي شكل من أشكال القمع السياسي وغيره. هذا ما أدى إلى أننا أصبحنا نعيش الآن ما أسميته الحطام العربي, إنه حطام يتأسس على عالم عربي, اختلت فيه كل المقاييس وأسقطت فيه كل القيم أو معظمها, لا سيما تلك القيم التي تسعى إلى إنهاض الأمة, ومن ثم فهو حطام يأتي بوصفه تلخيصا لعملية فساد استمرت ربما أربعة عقود, لكن هذا الحطام لن يكون مغلقا أبدا في لحظة ما, إنه مفتوح دائما وهو قابل للاختراق, وبالتالي هناك دائما إمكانية لإعادة بناء الواقع العربي عبر إعادة إصلاحه, والتأسيس له من جديد, تأسيسا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وغيره, فالفساد وبعد أن أصبح حالة شاملة في السطح, أصبح حالة في العمق, إنه يمثل حالة تكتسب بعدين, بعد الشمول وبعد العمق, فلم يبق ظاهرة شاملة كل الناس دون أن يمس البنى الحاسمة في حياة هؤلاء الناس, إنما أصبح ظاهرة تدخل في عمق الناس, بحيث إنه إذا ما استمر فإنه سيؤدي إلى مخاطر كبيرة يقوم أحدها على أن هذا الفساد في حال استمراره سيحول دون إمكانية التأسيس لحالة جديدة, على الأقل انطلاقا من السؤال التالي: من عليه أن يقوم بهذه المهمة التاريخية, مهمة إزالة الفساد? أولئك الذين أفسدوا?!! مع هذا كله فالحد مفتوح تاريخيا, وليس هنالك مطلقات, إنه حطام عربي, لكن الآفاق مفتوحة له خصوصا إذا ما وضعنا أيدينا على مجموعات كثيرة تتحرك هنا وهناك في الواقع العربي وتسعى إلى الوقوف في وجه من يؤسس للفساد ويقوده وينتج آلياته. هذا الفساد الآن بصيغته الشمولية والعميقة, اكتسب قوة جديدة عبر التواطؤ بين من ينتجه ومن يؤسس لحالة الاقتحام من الخارج باتجاه الداخل العربي, أعني بذلك النظام العولمي الإمبريالي الجديد. والنظام العولمي في أحد تعريفاته: هو ذلك النظام الذي يسعى إلى ابتلاع الطبيعة والبشر وتقيؤهم سلعا, والنظام العولمي لا يتآخى مع أي هوية تاريخية تثمر تقدما تاريخيا, كالعقلانية, التاريخية, الحداثة, الأمة, الوطن, الدولة. هذه كلها يجب أن تتساقط وتخلي الطريق أمام هويات تؤسس للفساد التاريخي, كالطائفية, والإثنية, والمذهبية. ومن ثم فإن هذا الواقع المدعوم خارجيا يتواطأ مع ما هو قائم في الداخل العربي, لينتج حالة جديدة مدعمة بقوة داخلا وخارجا وبالتالي فإن تعاظم الحالة يعقد دائما أكثر فأكثر الإجابة عن سؤال الفساد, إلا أنه لايمكن أن يغلقه, فالسؤال مفتوح من موقع الداخل العربي والخارج الأوربي, وهذا الخارج ليس ذا بعد واحد, إذ إن هناك من هو مناهض للنظام العولمي في بلدان أوربية كثيرة. وإذا كانت النهضة في أحد مسوغاتها تأتي كرد على الفساد الذي أصبح شاملا وعميقا, إلا أنها لاتأتي استجابة فقط لسؤال الفساد والرد عليه, بل تأتي أيضا ردا على أسئلة أخرى. والسؤال الجوهري الآن هو: كيف نحمي أنفسنا من هذه المخاطر?
*  لقد سبق وقلت بأن طريقة الأولاد في الكتاب احترمت المؤلفين هي إلى حد ما إنعكاس إلى كيفية ما فقدوه من وجهات النظر. إنها أيضاً حقيقة. إنها عاطفة حقيقية. القاص بشكل خاص قلق. يرى القاص أن الكتابة عبارة عن جواز مرور لما شاهده مثل الوسط الذي ولد فيه. إنه على يقين أنه لا يستطيع الانتماء إلى الطبقة التي ينتمي إليها الناس من حوله، لذلك تعتبر الكتابة عنده هي الطريقة التي يستطيع من خلالها تجاوز هذه الطبقة تماماً. هذه تشعل النار في هاجسه. لكنها الحقيقة الأكيدة أن الأطفال الذين ذهبت إلى المدرسة برفقتهم كانوا يشبهونني، متيمون بالكتب والكتابة. كان معبودنا الكتّاب المبدعين. *  هل تعتقد أن هذا يحدث اليوم مع المراهقين؟ لا، لا أعتقد ذلك، لماذا؟ أنا لست متأكداً. لسبب واحد، أعتقد أن سؤال معظم الفصل الدراسي أصبح إلى حد بعيد مهدئاً. إننا نعيش في مجتمع أكثر ديمقراطية من المجتمع الذي ترعرعت فيه. أصبحت المدارس الآن مختلطة، وهذا يسبب مرحلة من الهدوء وركازة العقل عند الناشئة. الأمر الآخر أن الأربعين عاماً وربما أكثر منذ أن كنت في المدرسة، أصبحت السنما والتلفاز أكثر تأثيراً في حياة الشباب وفي بعض المناطق تؤدي إلى جفاف حب الأدب الذي كنا نشعر بها. أنا كثيرا ما أنظر إلى إسرائيل على أنها ممثلة هذه الحضارة الاستهلاكية الغربية في بلادنا, ونحن إذا استطعنا أن نحمي أنفسنا من هذه الحضارة, فإنما نقيم خط دفاع ضد إسرائيل أيضا. إسرائيل تريدنا أساساً كمستهلكين لبضائعها ومجالاً لاستثماراتها, وهي تحاول أن تقنعنا بأنها (أشطر) منا في هذه المجالات.
