يشكل ميدان التربية والتعليم في ظروف العراق المعاصرة الميدان الأكثر يقينًا لتحقيق فكرة الثقافة البديلة. والقضية هنا ليست فقط في أن العقود الثلاثة الأخيرة من حكم الدكتاتورية وحروبها المستمرة قد أنهكت المجتمع عبر عزلها جيلين على الأقل عن العلم والمعرفة، بل ولتشويهها بنية المعرفة وأصولها من خلال سيطرة الهامشية الاجتماعية والسياسية على مقاليد الحكم، والتحكم المفرط للأيديولوجية البعثية الفجة في كل شيء. وبما أن الثقافة هي الميدان الأكثر رقة وشفافية، من هنا خرابها الفظيع في ظروف العراق الحالية. وهو خراب يمكن ملاحظته بوضوح في تشوه المدرسة وبنيتها التربوية والتعليمية. بينما تشكل المدرسة العمود الفقري للثقافة والعلم والمعرفة، إذ لم تكن «إنجازات» المرحلة الدكتاتورية في هذا الميدان في الواقع سوى استنزاف الطاقات العلمية والثقافية الهائلة المتراكمة في العراق حتى 1968م (عام اغتصاب البعث الصدامي للسلطة). وهو حال يمكن ملاحظته بالعين المجردة دون الرجوع إلى الإحصاءات المخزية التي تشير إلى مستوى الهبوط المثير الذي وصلت إليه المدرسة العراقية في جميع المجالات والمستويات، بدءًا من «تربيتها» للجهل وانتهاء بالحالة المزرية للمعلم والمعلمة (راتب يومي بقدر خمس سنتات!) مع ما يرافق ذلك من هبوط أخلاقي ومعنوي وتربوي وعلمي. وهو واقع لا معنى لتناوله بإسهاب، وذلك لأنه لا يحتوي في حد ذاته على ما يستحق التأمل والفحص والتدقيق. بمعنى أن كل ما فيه هو نتاج لسياسة التخريب التي ميزت تاريخ ونموذج التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية في العراق. فقد كانت هذه التوتاليتارية والدكتاتورية خروجًا صارخًا على حقائق التاريخ والعقل والمنطق. وهو أمر جلي للغاية في طبيعة وكيفية انهيارها وزوالها وكذلك في «ديمومة» الإدانة الأخلاقية والتاريخية لها في الذاكرة العراقية، ما يخفف بدوره من «مهمة» إعادة بناء التربية والتعليم من الناحية المعنوية، ولكنه يثقلها من الناحية المادية. فمن الناحيتين المعنوية والسياسية ينبغي رمي كل «تجارب» التوتاليتارية والدكتاتورية إلى المزبلة. وهو فعل لا يتصف بالتشفي السياسي، بقدر ما ينبع من إدراك طبيعة هذه «التجارب» التي لم تكن في الواقع سوى ممارسة الجهل والتجهيل والتخريب المادي والمعنوي لأسس وأصول التربية والتعليم المتراكمة في العراق والعالم والتاريخ. أما من الناحية المادية، فإن القضية أشد تعقيدًا بسبب الخراب الهائل للبنية التحتية في العراق بشكل عام وفي ميدان التربية والتعليم بشكل خاص. وبما أن حالة التربية والتعليم هي معيار حقيقي لمستوى تطور المجتمع والدولة والثقافة والعلم والمعرفة، فإن مؤشراتهما في ظروف العراق الحالية بعد سقوط الدكتاتورية تشير إلى مدى الخلل البنيوي الهائل فيهما، إذ كل ما في العراق مشكلة. ومفارقة الدكتاتورية البائدة في العراق هي تحويلها كل شيء في الوجود والحياة إلى معضلة، بحيث جعلت من المدرسة معضلة أيضًا. مع أن المنطق والأخلاق والحقيقة يفترض أن تكون المدرسة ميدانًا لحل المشكلات الصغرى والكبرى التي تواجه الدولة والمجتمع. وهو واقع يفترض بدوره صياغة فلسفة جديدة للتربية والتعليم في العراق تعيد بناء المؤسسة التعليمية بشكل عام والمدرسة بشكل خاص، بوصفها مقدمة الوحدة الضرورية للتربية والتعليم والعمود الفقري للتطور اللاحق. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أية فرضية علمية تتعلق بتأسيس البدائل المحتملة لحالة التربية والتعليم الملموسة في العراق، تستلزم بالضرورة الانطلاق من إمكاناته الواقعية وتحديد الغايات الكبرى منها. وفيما بين المقدمات الواقعية والغايات الكبرى ينبغي إرساء أسس ما يمكن دعوته بمنظومة الرؤية العقلانية للبدائل. فالمقدمات الواقعية للمدرسة العراقية الحالية ضعيفة للغاية. إنها تعاني خللاً بنيويًا شاملاً في التركيبة والآلية والمنهج، والشيء نفسه يمكن قوله عن بنيتها التحتية سواء ما يتعلق منه بالأبنية والتجهيزات أو الكفاءات. وهو خلل عريق نتاج مرحلة كاملة مما سمّيته بسياسة التخريب والتجهيل. إلا أن العراق يمتلك طاقات كبرى وإمكانات هائلة لتجاوز هذا الخلل البنيوي من الناحية المادية. وهو تجاوز قابل للتحقيق السريع في حال تحديد الغاية الكبرى من المدرسة باعتبارها أساس التنمية الشاملة والرقي الحضاري، مما يفترض بدوره أن تحصل على الحصة الكبرى إلى جانب الصحة من ميزانية الدولة. والسياسة العقلانية بعيدة المدى في ظروف العراق الحالية تفترض من الدولة أن توجه ما لا يقل عن 25% من ميزانيتها السنوية لمدة 17 عامـًا للتربية والتعليم والصحة، من أجل رؤية نتائجها المباشرة في تخريج شريحة اجتماعية كبرى تنهي المدرسة بجميع مراحلها من الابتدائية حتى الجامعية ضمنًا. وهي مهمة قابلة للتحقيق بما في ذلك نتائجها المرجوة في حال استناد التربية والتعليم إلى منظومة متجانسة من الأنساق التربوية والتعليمية تشكل صلب ما سميته بمنظومة الرؤية العقلانية في فلسفة التربية والتعليم البديلة في العراق. وفيما لو اختصرنا الفكرة الجوهرية لهذه الفلسفة، فمن الممكن وضعها بعبارة «تربية التعليم وتعليم التربية في جميع الأنساق الضرورية للمدرسة البديلة في العراق». وهي فلسفة تفترض بدورها تجانس الأنساق ووحدتها، أي جعل الأنساق منظومة والمنظومة أنساقًا متوحدة في الآلية والغاية. وهذا هو الأسلوب الذي يمكنه أن يصنع شخصية متكاملة ذاتيًا بالمعنى الفردي والاجتماعي والقومي. وتنبع ضرورة الأنساق المتجانسة من إدراك قيمة الأوزان الداخلية، أي من إدراك قيمة الاعتدال بالنسبة لكل فعل إصلاحي كبير. فالأنساق المتجانسة في التربية والتعليم هي أسلوب ضمان تربية الروح العقلاني المعتدل. وهي الشرط الضروري لتطور الدولة والمجتمع وتراكم الثقافة والمعارف. والمدرسة هي ميدان اختبارها الدائم وتحقيقها الملموس في الأجيال. فالاعتدال هو الصيغة المثلى للواقعية والعقلانية. أما التربية والتعليم فإنهما بحاجة دائمة إلى وحدة الاعتدال والعقلانية بوصفها أسلوب تراكم وتكامل المعرفة والإبداع، كما أنها أسلوب تأسيس وإعادة إنتاج المدارس الفكرية. وفي هذا يكمن الشرط الضروري لترسيخ وتهذيب الأساليب الواقعية والعقلانية لقطع دابر الراديكالية بمختلف أصنافها. إنها تقطع الطريق على قطاع الطرق، بما في ذلك ميدان المعرفة والتربية. وبهذا تشكل المقدمة الضرورية لتراكم شروط الاجتهاد والإبداع. إن إدراك الأهمية العلمية والعملية «لتجفيف» منابع الراديكالية، فيما يتعلق بمهمة ترسيخ الأسس العقلانية والواقعية في ميدان التربية والتعليم في العراق المعاصر، من معايشة وملاحظة أثرها التخريبي الهائل بهذا الصدد. فقد أدت الراديكالية هنا إلى تخريب شامل لحقيقة وأسس وبنية التربية والتعليم، ما يفترض بدوره صياغة رؤية شاملة ومنظومة متكاملة من حيث أنساقها لإعادة الحياة لهما. وسوف أتناول هنا فقط أنساق المنظومة المقترحة (وهي سبعة) ومبادئها الأساسية في منهج التربية والتعليم. وهي رؤية تتوجه صوب تربية الشخصية وتكاملها الذهني والمعرفي والحسي، بوصفها المقدمة الضرورية لصنع مقوماتها الجوهرية في الإبداع الحر والمسؤول. وليست هذه الرؤية المقترحة سوى نموذج فكري عام لإعادة بناء منهج التربية والتعليم للمدرسة الابتدائية من الصف الأول إلى السادس، باعتبارها أهم وأخطر المراحل الجوهرية في التربية والتعليم. التربية العقلية: وهي مقدمة وأساس التربية والتعليم، انطلاقًا من كونها المقدمة الجوهرية للكينونة الإنسانية والتطور العلمي والتقني والازدهار الحضاري. أما المبادئ الأساسية التي ينبغي إدراجها في مناهج التربية والتعليم فهي: ü وحدة الشكل والمضمون في التربية والتعليم. ü أولوية وجوهرية العقل والعقلانية في الكلمة والعبارة والتحليل والرؤية والمواقف. ü ترسيخ الرؤية النقدية (وحدة الماهية والسببية والكيفية العلمية في النظر إلى الأشياء والظواهر من خلال الطرح الدائم للأسئلة الثلاثة: ما هو؟ لماذا؟ كيف؟ ü تعزيز الفردانية وتأسيس الفردية الاجتماعية. والمستشار الألماني الأسبق هيلموت شميدت، الذي لا يأبه برأي الآخرين، وتكفيه قناعاته الداخلية، كان يحضر إلى جلسة مجلس الوزراء قبل الآخرين بساعات، وكان يبقى طوال الليل يقرأ في الموضوعات المتعلقة ببنود اليوم التالي، والويل للوزير الذي يأتي وهو لا يعرف تفاصيل الموضوع الذي يريد طرحه. وهناك السيرة الذاتية لمغن، نجح أحد البرامج الساذجة في جعله مشهورًا، لا يهم بأي شيء صار مشهورًا، المهم أنه أصبح معروفًا ولو بسذاجته، وأخرى اسمها نادية فرج، من أب سوداني وأم ألمانية، كل ما نجحت فيه، هو أنها كانت صديقة لمغن ألماني شهير. في الطريق إلى القسم العربي استعذت بالله من كل الشرور والوساوس، وقررت الذهاب إلى «القسم العربي»، الذي سمعت عنه كثيرًا، قيل لي أن جامعة الدول العربية قد حققت في الغرب ما لم تفلح في عمله في عقر دارها، وأن الجامعة قد حصلت على صالة لدور النشر العربية. توجهت إلى أحد مكاتب الاستعلامات، المتوفرة في كل ركن من المعرض، واستغربت عندما طال بحث الموظفة عن (الصالة العربية)، وأخيرًا قالت لي إن (الركن العربي)، موجود في الصالة رقم 6، الطابق الأول، الصف الخامس، الفرع E، شكرت وأسرعت بالمشي قبل أن تسلمني شريحة زجاجية، أضع عليها هذا الركن، (للتعرف عليه تحت المجهر). التربية الروحية: وهي الحلقة الثانية المكملة للتربية العقلية، إذ فيها ومن خلالها يجرى تجسيد وتحقيق التربية العقلية، انطلاقًا من أن الميدان الحقيقي للعقل هو الفعل الاجتماعي. وهو فعل يستحيل التحقق منه والبرهنة عليه وكشف السبل المتنوعة أمامه دون بناء الشخصية الأدبية أو الأخلاقية. وهي شخصية قابلة للتكامل المتجانس مع التربية العقلية في حال استنادها إلى المبادئ التالية وهي: ü ترسيخ أهمية القيم الأخلاقية. ü تأسيس القيم الأخلاقية العملية. قد يضيع المرء في التحليل وفي محاولة قراءة الكم الكبير من معطيات أشبه بالخطوط المتقاطعة، والتي نسجت حياة العراق الاجتماعية. فالعراق ما فتئ يكوّر نفسه ويجمع قواه لكي يقاوم الزمن الأسوأ، ويحاول أن يعطي أحسن ما فيه لمجابهة الأمواج الشاهقة، فاختلطت الثقافات المحلية بما جاءته من الخارج. لذلك لا يمكن أن نستطلع حقيقة ثقافة العراق إلا من خلال قراءة تلك الخطوط المتقاطعة، نحاول أن نجمعها من هنا وهناك، لنطل على هذا العالم الغني، نزورها بعيون الغربة كأننا سياح، فنلقي نظرة تعجب وتأثر وتعاطف ودهشة، ويلاحظ ذلك كل من يزور العراق للمرة الأولى، هذا الطابع الواثق بطريقة العيش في ظروف هي، أقل ما يقال، أنها بقيت على مدى طويل على هامش الحياة، إذ بقي هذا البلد في عزلة مفروضة، وقد يتجلى ذلك في قابلية التكيف على ما بقي لديه، والقبول لتمشية كل جوانب الحياة بالنقص بكل أشكاله، فهو يكشف عن رغبة قوية للتبادل واللقاء مع الآخرين، في الخارج والداخل، إن ثقافة العراق في حناياها هي ثقافة عزلة تنكشف في سلوك الناس وفي أفكارهم وشعرهم وغنائهم، وحتى في تصوفهم وتعاملهم مع المطلق. ثقافة العزلة إن غالبية الذين هاجروا من العراق في القرن الماضي، وخصوصًا الذين اضطروا إلى ذلك، وعاشوا بين ظهراني شعوب أخرى، يعانون الشعور بالغرابة، قد يكون مرجعه ما يحملونه في أعماقهم من رؤيا للحياة ومن قراءة مختلفة لها. فيبقى المهاجر العراقي غريبًا، بسبب ثقافته الخاصة، ونظرته إلى الحياة، يصعب عليه إيصال ذلك إلى الآخرين وهذا يؤلم ويدهش، وعندما ينجح العراقي في إيصال ذلك والتعبير عن ذلك الشعور، يلمس حدود الإبداع، وإذا ما توفرت له الظروف فقد يصل إلى مناطق من التصور لا يقيمها هو، وإنما كل من يزور العراق يشعر بأنه لن يخرج منه صفر اليدين، إذ يتعلق بهذا البلد وأبنائه. إن العراقي بصورة عامة مثقف وفنان بالفطرة، لكنه لا يتعامل مع الثقافة كتعبير مريح وإنما يشعر بأن ذلك بمنزلة حمل ثقيل، كمن أصيب بقدر سلبي ينتظر من يزيحه عنه أو يعالجه منه أو يساعده على أن يقرأه له ويخفف عنه. وإذا ما حاولنا أن نقارن الثقافة في العراق، يمكن القول لا أرى ما يوازيها في العالم سوى الثقافة الروسية التي هي الأخرى تميزت بالمأساة، وفي كلتيهما يتجلى ذلك في كل أشكال الفنون والآداب، بل حتى في استعمال الكلمات واللغة وخصوصًا في الشعر، يتجلى ذلك في صعوبة العيش، في أرض عصية، برغم خصبها وغناها، عليه أن يقتلع الخبز من باطن الأرض فهو الذي اكتشف الحنطة في الشمال قبل كل الشعوب، وهو الذي اكتشف الرز في الجنوب، بالزراعة اكتشف الشوك والحسك والمعاناة فقيل له: «بعرق جبينك تأكل خبزك». ارتبط بالمأساة فجاءت صفحات تاريخه محملة بالشك وبالغضب، ولكنها أيضًا محملة بالسخاء والحنين إلى فردوس مفقود ما زال يبحث عنه منذ جلجامش في قلقه، والسندباد في ملله من حياة بغداد الغنية والرتيبة إلى آخر مهاجر حائر يقف على الرصيف ويسأل نفسه: ماذا أفعل هنا؟ نسي ما جاء به إلى هناك، وبقي يبحث عن تلك الصداقة التي كانت تغمره بديهية، صاعقة، لا تردد فيها، صداقة قادرة على أن تجمع الأعداء، أعداء الأمس، وتحوّل اللقاء إلى رقص، رقصة الفنون، تمتد حتى الليل وتطال تلافيف الفجر، لا عجب إذًا أن يكون أبو المؤمنين، المهاجر العراقي الأول، قد دعي «الخليل» إذ انكشف له، وللمرة الأولى، وجه آخر حقيقي، لا كصورة يعبدها، وإنما كشخص يحبه أكثر من الضنى، ذلك الحي وحده سيضع الحد الفاصل بين حقيقة الحياة والموت. الإطار والصورة إن تاريخ العراق يتميز ببروز هذا التباين الشديد بين الموت والحياة، ومن لا يصل إلى قاع المأساة لا يتعرف القمم، والحال هذا يتكرر في تاريخه القديم والحديث على السواء، وكان في كل مرة يستجمع قواه لإعادة البناء، والبدء من الصفر، ألم تكتب هنا أولى الملاحم التي تدور حول دمار الكون والطوفان؟ ü ربط القيم العقلانية والعملية بالتراث القومي والإسلامي والعالمي. ü ربط القيم الأخلاقية بفكرة الحق والحقوق. التربية الحقوقية: لا يمكن ربط التربية العقلية والروحية في تنشئة الشخصية الاجتماعية دون تحصينها بفكرة الحق والحقوق. فهي الوحيدة القادرة على أن تعطي لأقوالها وأفعالها وتفكيرها بعدًا متلازمًا بين الحقيقة والحق. وهي المقدمة لتكامل الشخصية المتنورة والفاعلة. أما أهم مبادئها الأساسية فهي: ü التأسيس العقلاني والأخلاقي لفكرة الحق الطبيعي والاجتماعي والأخلاقي. ü الحقوق هي الشرط الضروري للوجود الإنساني الحق. ü الحقوق هي محور وجود الفرد والمجتمع والدولة والقيم. ü ربط الحقوق بالواجبات. التربية الجمالية: إن تأسيس الأنساق العقلية والروحية والحقوقية في التربية الذهنية والنفسية الاجتماعية للفرد والجماعة هو المقدمة القادرة على استيعاب منظومة التربية الجمالية، خصوصًا أنها أكثر الصيغ فاعلية في تجانس المكونات الحسية والنفسية والعقلية للفرد. *التصدي للمحاكم الاستثنائية، والعمل على استقلال القضاء وتحسين صورته وأدائه. *لا بد بعد كل ما ذكرناه من التركيز على بعض الوسائل والإجراءات، والعمل على بعض المحاور التي تجعل من ثقافة حقوق الإنسان شيئًا مشاعًا بين الناس، وأتصور أن علينا في هذا السياق القيام بالآتي: *لا ريب أنه ما دام لكل واحد منا حقوق على الآخرين، وللآخرين عليه حقوق أيضًا، فلا بد من تعميم ثقافة حقوق الإنسان بكل الوسائل الممكنة، لكن هناك فئات اجتماعية تظل حاجتها إلى هذه الثقافة أشد من حاجة غيرها، وذلك مثل الدعاة والوعاظ والمربين والإعلاميين والقضاة والأطباء والشرطة، حيث إن بعض هؤلاء يسهم في دور جوهري في تثقيف الناس وتوعيتهم، وحين يكون وعيهم بمسائل حقوق الإنسان منقوصًا أو منحرفًا فإنهم يشوهون وعي الناس، ويزيدون الطين بلة. وبعض من ذكرنا على علاقة مباشرة بجوانب تنفيذية بحقوق الناس، مثل القضاة والأطباء والمحامين والشرطة، وهم بحاجة ماسة إلى التشبع بالمعاني والأفكار والمفاهيم التي توجد لديهم الحساسية الكافية للقيام بعملهم على أحسن وجه. ü من جملة أهم ما ينبغي تعليمه للناس عامة، ولأولئك الذين يمكن أن ينخرطوا في أنشطة الدفاع عن حقوق الإنسان خاصة، التعريف الجيد بحقوق الإنسان وكيفية احترامها وحمايتها والدفاع عنها، كذلك تعليم الناس مهارات الإصغاء إلى الآخرين وإجراء التحليلات الأخلاقية والقانونية لسلوكات رجال الأعمال وموظفي الدولة والقادة المحليين، بالإضافة إلى مهارات الاتصال والتعاون. ويمكن الحصول على كثير من المعلومات في هذا الشأن من مواثيق وبيانات حقوق الإنسان العالمية والإقليمية والمحلية. إننا في حاجة ماسة في سبيل الدفاع عن حقوق المستضعفين إلى أن ننمي الوحدة الشعورية بيننا، فحقوقي هي حقوقك، والاعتداء على حقوقك يعني الاعتداء على حقوقي، كما أن الاعتداء على حقوقي يعني في النهاية الاعتداء على حقوقك. وإن أي جهد يبذله المجتمع في الدفاع عن حقوق واحد من أبنائه يعد دفاعًا عن المجتمع كله، كما أن أي جهد يبذل في الدفاع عن المصلحة العامة يصب في مصلحة باذله وخيره وأمنه، وهذا هو مضمون قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»(7) *من الصعب تعميم ثقافة احترام حقوق الإنسان من غير الاستفادة من المناهج المدرسية والجامعية، وإني أقترح في هذا الصدد أن يكون في كل مرحلة دراسية من الابتدائي وحتى الجامعة مادة دراسية يدرس فيها الطلاب كل ما يتعلق بحقوق الإنسان، ما هو متفق عليه بين الرؤية الإسلامية والإعلانات والمواثيق الدولية، ويمكن في المرحلة الجامعية عرض وجهة النظر الإسلامية والبرهنة عليها ومسوغات خصوصيتها. والحقيقة أن المقرر المقترح ينبغي أن يشتمل على أكثر من مجرد الحديث عن حقوق الإنسان، حيث علينا أن ننمي من خلاله الروح الجماعية والمشاعر الإنسانية والنبيلة، وثقافة التفاوض، والنزعة السليمة، والاتجاه نحو التعاضد والتعاون والتضحية والعطاء المجاني غير المشروط، وما شاكل ذلك مما يؤسس لوحدة الأمة ووحدة الشعب والجماعة والبلدة. *إنشاء قناة فضائية خاصة وحرة تتولى نشر الثقافة المشار إليها وتكون منبرًا حرًا لأولئك الذين تنتهك حقوقهم ويعتدى عليهم، وينبغي أن يتولى الإشراف عليها منظمات حقوق الإنسان العربية والإسلامية بالتعاون مع منظمات حقوق الإنسان العالمية. *إنشاء موقع عملاق على الشبكة العالمية المعلوماتية (الإنترنت) يخدم هذه القضية، ويشكل ملتقى لكل الإبداعات والطروحات والمقولات والمفاهيم التي تصب في فضح الاعتداءات على حقوق الإنسان مهما كانت وظيفة القائم بها. وفيها ومن خلالها يمكن تنسيق التربية الذاتية ودفعها صوب الفعل الاجتماعي الحر. وذلك لأن أهمية وقيمة الجميل والجمال بالنسبة للذهنية والعقل تقوم في قدرتها على مشاهدة وتتبع وإنتاج التجانس الضروري في كل شيء. فالجمال هو الثمرة الدائمة لإدراك وتحقيق النسبة المعقولة والضرورية للوجود. ومهمة التربية الجمالية تكمن في قدرتها على تهذيب وشحذ هذه «النسبة» المثلى في القول والفعل والإبداع. من هنا قيمتها وفاعليتها الجوهرية بالنسبة لتكامل الشخصية وتحررها وتطوير ملكة الإبداع فيها. أما أهم مبادئها الأساسية فهي: ü التأسيس الدائم لفكرة الجميل وتحقيق نماذجها العملية في المواقف الفردية والجماعية تجاه جميع نواحي الحياة. ü غرس مبدأ «الحياة هي الجمال، والجمال هو الحياة». ü الربط الدائم بين الجمال الدنيوي والأخلاقي. ü غرس فكرة الجمال والجميل في العقول والأفئدة (الأبعاد العقلية والوجدانية للجمال) وجعلها أسلوبًا لتحقيق الحرية انطلاقًا من أن الجمال هو الحرية والحرية هي الجمال. تربية الحرية: إن الحرية هي الغاية الفعلية من تطوير الشخصية وتكاملها الذاتي. فهي القوة القادرة على ضم الأنساق العقلية والروحية والحقوقية والجمالية في فعل واع. كما أنها النسق المنسق للإحساس والعقل والحدس في الكلمات والمواقف والأفعال، وبالتالي في الإبداع ككل. وإن كل الأنشطة التعليمية وكل البيئات المهتمة بتعليم حقوق الإنسان مطالبة، إذا كانت جادة في الحصول على نتائج ذات معنى، بأن تجعل من نفسها بيئات تطبيقية وتمثيلية لما تعلمه وتدعو إليه، حيث إن عليها أن تتيح النقد البناء الملتزم بالحقيقة، وتشجع على طرح وجهات النظر المختلفة، في كل ما يحتمل الاجتهاد وتنوع الرؤى والآراء، وعليها كذلك أن تجعل العدل وتطبيق القانون وضمان الحرية المشروعة ركائز واضحة في هيكلياتها وفي العلاقات السائدة فيها. أما أهم مبادئها الأساسية فهي: ü حرية تذلل فكرة وممارسة وقواعد المنع والزجر. ü الحرية الفردية. ü تربية فكرة الإخلاص للحق والحقيقة والنظام. ü حرية الإبداع غير المتناهي. تربية الروح المبدع: إن تحقيق الأنساق الآنفة الذكر في رؤية منظومية للتربية والتعليم في كل من المنهج والتطبيق يؤدي إلى صنع أسس ما يمكن دعوته بذهنية الخيال المبدع، بوصفها الغاية الفعلية من مشروع التربية والتعليم. وليس المقصود بذهنية الخيال المبدع هنا سوى تهذيب الاستعداد الفعلي والقدرة الواقعية عند الفرد من أجل تكامل الشخصية الاجتماعية والإبداعية. بمعنى العمل من أجل إرساء الشروط الضرورية الفاعلة في اتجاه تكامل الشخصية الاجتماعية وروحها المبدع. إن مضمون ذهنية الخيال المبدع المشار إليه أعلاه يضع إشكالية الإبداع في صلب مهماته العملية؛ وذلك لأن ذهنية الخيال المبدع بوصفها استعدادًا فعليًا وقدرة واقعية على تهذيب الاستعداد الفعلي والقدرة الواقعية عند الفرد من أجل تكامل الشخصية الاجتماعية والإبداعية، هي الأسلوب الضروري لتحقيق فكرة وخيار الاجتهاد الدائم. والمقصود بالاجتهاد الدائم هنا هو الاستجابة العقلانية والإجابة الواقعية عن الإشكاليات الفعلية التي تواجه مهمات التقدم الاجتماعي والتطور المتجانس للدولة والأمة. وفي ميدان التربية والتعليم لا يعني هذا سوى تحقيق الغاية الكبرى من التربية والتعليم، ألا وهي إيجاد النسبة الحية بين الخيال والحقيقة. فهما الوجهان المتداخلان لحرية الإبداع المقيدة بالبحث والاجتهاد الدائمين عن سبل وأشكال تمثل الحق والحقيقة في نماذج غير قابلة للحصر. أما أهم مبادئها فهي: ü الروح المبدعة هي «الأنا المبدعة». ü «الأنا المبدعة» هي سبيكة الحقيقة والخيال. ü الحقيقة والخيال هما وحدة الماضي والحاضر والمستقبل. üتنمية روح الالتزام بالإشكاليات المعاصرة والبحث المبدع في المستقبليات. التربية الثقافية ـ القومية: وهي إيصال أنساق التربية والتعليم تلقائيًا إلى إدراك قيمة الأبعاد الوطنية والقومية في الشخصية الفردية والاجتماعية. وهي تربية ينبغي أن تندمج فيها الرؤية المضمونية والمنهج بالشكل الذي يجعل من التربية القومية تربية للروح الثقافية. أما أهم مبادئها الأساسية فهي: ü العراق هو كينونة تاريخية ثقافية وليس تجمع أعراق. ü القومية العربية متفتحة من حيث مكوناتها الجوهرية، جذورها التاريخية في مناطق العالم العربي المعاصر، وأنها قومية ثقافية وليست عرقية. ü إن صورتها المتكاملة في التراث الإسلامي، وقيمتها في قدرتها على تمثل حقائق التاريخ العالمي والمساهمة في إبداعه. ü القومية القوية هي القومية المتحررة في إبداعها المادي والأدبي، وقوتها على قدر مساهمتها في الإنتاج والعلم والتقنية والأدب والفن.
