يشمل التعليم العالي في العراق جميع المعاهد العليا (سنتان) والكليات (أربع سنوات وأكثر) فوق المرحلة الإعدادية. والتعليم الجامعي يتخصص بالتعليم في الكليات. وقد تأسست المعاهد الفنية والكليات في العراق مع نشوء الدولة العراقية كمملكة مستقلة عام 1932م. وفي الثلاثينيات تأسست في العراق كليات الطب والهندسة والعلوم والحقوق والزراعة والتجارة. *الرفع من مستوى معلمي المدارس في جميع المراحل وتفتيح وعيهم على مسائل حقوق الإنسان. والحقيقة أن مدارسنا تعاني على هذا الصعيد عددًا من المشكلات ولعل أهمها أن كثيرًا من المعلمين لايحترمون طلابهم ولايحافظون على حقوقهم، فهناك من المعلمين من يعتدي على كرامة الطلاب من خلال نبذهم ببعض الألقاب، ومن خلال استخدام بعض الألفاظ النابية في تأنيبه وزجره لهم، وهناك منهم من لا يتيح لطلابه المشاركة من خلال اعتماده أسلوب التلقين، وصف الكلام المتتابع إلى ما لا نهاية. وقد توحدت تلك الكليات الموجودة في العاصمة العراقية في عام 1959م لتصبح أول جامعة عراقية، سميت بجامعة بغداد. *مركز البحوث الحيوانية هذا الموضوع لم يعط أهمية خاصة طيلة السنين السابقة، ولم تتبع أبدًا الطرق العلمية الحديثة في تطوير تكاثر الأبقار والأغنام وزيادة عطائها، ونعتمد على استيراد العجول، بينما العراق مؤهل للتربية والتكاثر، وهكذا بالنسبة لباقي الفقرات. إن الوضع رديء إلى درجة أن السوق المحلية مليئة بالحليب والأجبان المستوردة، والمنتج المحلي لا يفي بـ10% من الحاجة الوطنية. ولهذا فنحن الآن نفتقد الأمن الغذائي من هذه الناحية. كما تتوجب الضرورة الاهتمام بالمراكز الآتية: *مركز بحوث الموارد المائية. *مركز بحوث الفضاء. * مركز بحوث الطاقة المتجددة. * مركز بحوث البيئة وحمايتها. وكان لرئيس الجامعة، الذي يتمتع بدرجة وزير، قدر معين من الاستقلالية في صنع القرارات التي تخص التعليم العالي. وكلنا أمل أن تكون للعراق إدارة مخلصة وحريصة تتابع الأبحاث العلمية، وتحقق متطلباتها اليومية والاستراتيجية، فتستجيب لطموح العلماء بإنشاء قاعدة علمية مادية، تستجيب هي الأخرى بدورها إلى كل ما يمكن أن يطلب منها في ميادين البحث والتطوير، وطبيعية الجامعات، وهي أم العلماء ومستهل الفتوحات العلمية، ليست كافية لسد الحاجة الكاملة للوطن، ولا بد من تأسيس مراكز بحوث تقوم بتلبية الأبحاث الميدانية المباشرة. وبالرغم من أن مراكز البحوث التي سندرجها قد يكون قسم منها قد أنشئ وموجودًا، ولكن العهد السابق لم يعط أي اهتمام لبحوث متقدمة جدية مفيدة بل عدها واجهة للدعاية لا بد منها، لأنها لم تكن تحوي أحدث الأجهزة وتقنيات البحث المتطورة، فضلاً عن أن الحكم المستبد والمبذر للأموال لم يكن بحاجة إلى استثمار شئ من أبحاث هذه المراكز أو أن يربطها ببرامج صناعية تطورية. ومما يجدر ذكره هنا أن مجلس البحث العلمي الذي تأسس في العراق في سنة 1980م، وكان يضم عددًا من مراكز البحوث، وحاول جاهدًا تطوير أبحاثه، وعقد مؤتمرات علمية دولية استفاد منها كثير من علماء العراق، ولكن مع هذا كان مقيد الصرف على القاعدة المادية العلمية المطلوبة، وفي سنة 1989م تم إلغاؤه وبعثرة أجهزته بحجة أنه لم يستطع أن يقدم ما هو مطلوب منه، بدلاً من أن يدرس السبب وتوضع خطة وبرنامج لكل مركز بعدئذ لتنفيذه، بعد إطلاق يد الباحثين والمركز بتوفير المستلزمات المادية للتنفيذ. فكيف نطلب من مركز بحوث تحقيق عمل دون أن تتوفر له المستلزمات اللازمة؟ والآن المراكز التي نرى ضرورة إنشائها أو تطوير أعمالها هي: *مراكز بحوث علمية للتقنيات الحديثة وهذه قد تتضمن بحوث الكهروبصريات، والإلكترونيات، والبوليمرات، والمواد المتراكبة، والاتصالات، والتوصيلية الفائقة في درجات الحرارة العالية والتقنية الحياتية وغيرها من التقنيات الحديثة، ولسنا بصدد مناقشة أهمية هذه، حيث إن كل قارئ في هذا العصر يلمس ويعيش ويستخدم هذه التقنيات ويلاحظ التطور النوعي الدائم في إنتاجها. لذا تكون الحاجة ملحة لتأسيس مراكز بحوث تلاحق التطورات السريعة، وتتعاون مع المؤسسات والمصانع التي قد تنتج أجهزة ذات علاقة بالأبحاث. * مراكز البحوث الطبية من المتفق عليه الآن أن العالم أصبح قرية صغيرة، وبالرغم من ذلك فإننا بحاجة وتنقصنا كثيرًا الأجهزة الطبية الحديثة والمتطورة ذات التقنيات الدقيقة والتي بدونها لا تثمر البحوث الطبية، وبسبب الرواتب القليلة جدًا للأطباء ضعف البحث العلمي كثيرًا، وبرغم التحسن ما زال راتب الطبيب لا يتجاوز 150 دولارًا في الشهر، فكيف تنمو الأبحاث، أو يندفع في الخدمة، ناهيك من البحوث وتطوير الحالة العلمية المادية. يكفي أن نضرب مثلاً: خريجو إحدى السنين (1991م) من الأطباء 864 طالبًا من جميع كليات الطب، هرب منهم خلال سنة تخرجهم 690 طبيبًا وهكذا باقي الدورات التي قبلها وبعدها، حيث كان راتب الطبيب لا يتجاوز ما يعادل دولارين في الشهر (300 دينار عراقي) في سنة 1994م. مما سبق يبدو أننا بحاجة إلى ثورة ناهضة في النشاط الطبي لإرجاع الأمور إلى حالتها الطبيعية، حتى يأخذ العلماء الأطباء بأيديهم المسؤولية ـ فضلاً عن عملهم الروتيني اليومي ـ لأبحاث تتناول الحالة المرضية العامة والأمراض الخطيرة، التي يعانيها الشعب العراقي بسبب ظروف الحياة الصعبة، وإطلاق حرية حركتهم في توفير المستلزمات الضرورية ذات التقنية العالية لعملهم. *مركز بحوث النفط يدرس ويبحث في إنتاج كل ما يمكن استخلاصه من هذه المادة مثل البتروكيماويات، والنايلون، والبلاستك، والأسمدة، والأدوية، والأصباغ، والمبيدات، والمطاط الصناعي وغيرها، فضلاً عن أهمية تطوير إنتاج الزيوت والمشتقات النفطية الأخرى، حيث إن المشتقات الحالية لا تنافس مثيلاتها الخارجية. ومنذ عام 1970م ألحق قطاع التعليم العالي بجميع مفاصله التدريسية والإدارية بوزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فاقدًا بذلك آخر بقايا الاستقلال الأكاديمي، وهكذا خضع هذا القطاع كلية لسيطرة الحكومة. واستثني من تلك السيطرة جزء ضئيل منه، كان يغذي بعض الجهات الحكومية بالموارد البشرية المطلوبة، كوزارة الدفاع ووزارة النفط والمعادن ووزارة الصناعة والتصنيع العسكري ومنظمة الطاقة الذرية. وقد خضعت الفروع الطبية والهندسية والعلمية المتعاونة والمرتبطة بتلك الجهات الحكومية لتعليمات خاصة في سياسات القبول والمناهج كانت تصدر إليها من تلك الوزارات والجهات الرسمية. فشل التعليم العالي في العهد السابق من المعروف أن قطاع التعليم العالي ينهض بمتطلبات أساسية تصب في خدمة المجتمع عبر الجهود التي يقدمها لإشاعة المعرفة العلمية والتكنولوجية بشقيها النظري والعملي التطبيقي، وتوظيفها لتحقيق أهداف اجتماعية واقتصادية أساسية كالتعاون والتفاعل الحيوي المتبادل مع قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والصحة والتربية وغيرها من قطاعات الدولة المختلفة من خلال رفدها بالموارد البشرية الكفؤة، والقيام بالأبحاث العلمية والتكنولوجية الاستراتيجية. يتطلب التعليم العالي، لكي يستطيع النهوض بواجباته، ركيزتين أساسيتين: الأولى وتشمل الموارد البشرية والمادية كالتخطيط والرقابة والموارد المالية الثابتة، بالإضافة إلى الحوافز للتطوير الأكاديمي والبحث العلمي وتوفير الخدمات والموارد التي تشمل الأبنية والقاعات والمختبرات والمكتبات ووسائط النقل. والثانية وتشمل الاستقرار المادي والنفسي للدارسين والهيئة التدريسية والإداريين على حد سواء، وهذا يستلزم بالضرورة ضمان حرية المجتمع الأكاديمي (المؤلف من الهيئة التدريسية والفنيين المساعدين والطلاب والجهاز الإداري) وسيادة المناخ الديمقراطي المستقل فيه. ولعل التأمل أصبح قاعدة متعمدة ومعتمدة، فيلتقي فيه الكبار والصغار لتتجمع طاقات فنية لشيوخ وشباب يعرضون ويكتبون ويعيدون الكتابة ويجسمون هذا الألم ويطبعون ما يتيسر لهم من مواد على الأوجه والأعضاء، وأجزاء من أجساد أخذت لحين غرة وخطفت من الواقع، إنها وجوه لمعاصرين خُلّدت في المتاحف، حتى التي من بينها يحمل بشاعة أجسام مزقها الموت وشوهها الألم ولواها على أسرة المستشفيات وبقيت، كأني بها تنازع إلى الأبد. إن كانت الأبنية والمتاحف قد سرقت ونهبت وحرقت، لكن الخوف هو أن تسرق الذاكرة من العراقيين، هذه الذاكرة لم تكن في الأبنية والقصور فقط، وإنما في طريقة التعامل مع الجديد الذي يهدد الحاضر. إن عمل الإنسان يتميّز بمحاربة النسيان، فالأختام الإسطوانية والكتابات الأولى بل حتى ما وجد من آثار الإنسان القديم، النياندرتالي، الذي عاش في شمال العراق في كهفي شانيدار وزرزي، قبل 45 ألف سنة، هي كاشفة عن الرغبة في ترك شيء للأحفاد. وما قام بعدئذ من حضارات المدن السومرية وممالك آكد وبابل، ونظرية أقليدس التي سبقه إليها البابليون وأرضية قصر الملك سرجون في نينوى، والثيران المجنحة ذات رأس بشري في خرساباد، وقطع أخرى عجيبة غريبة نادرة تسحر كل من يعرف ومن لا يعرف أيضًا. يقف الإنسان، كل إنسان باحترام وتواضع وخشوع مطلق عندما يتأمل كل هذا. حضارات امتدت على آلاف السنين تقول لنا بتلعثم حروف الكتابة وبدايات التشريع والقانون ومحاولات الزراعة والتبادل التجاري وأول سكان المدن وفنون الحلي والفخار والأختام الإسطوانية، كلها تدعو إلى التأمل موضوعة أمامنا مبعثرة، كنوز لا يحميها شيء ولم يحمها أحد من اللصوص، تعود إلى أزمنة عريقة، كأن عراقيًا ينوء تحت ثقلها، فدفعه اليأس والعوز والجهل إلى أن يحرق الأخضر واليابس، ويدمر ما تركته له أمجاده من شعور بالمرارة. لم يعد كثيرون من عراقيي اليوم مثل أجدادهم السومريين يركزون على المدرسة الإجبارية، ولعله لا يرفع رأسه ليرى جمال المستنصرية، بل يكتفي بأن يكسب لقمة العيش في السوق وفي الأحياء المكتظة بالسكان، لقد توقف عن الصعود، توقف خوفًا على حياته وحياة أطفاله توقف بسبب المعاناة الاقتصادية والسياسية، ووقف حائرًا لما أصابه وأصاب عائلة أخيه أو ابن عمه التي تبعثرت في جهات العالم الأربع، وهذا لم يسبق أن حدث له مثيل في التاريخ، لا يجمعه بها سوى الهاتف. ثقافة المائدة أخيرًا بقي أن نقول إن العراق لا يمكن أن يفهم إلا بالرافدين: وكما أن مصر هبة النيل فالعراق هبة الرافدين، وهما يشكلان حياة الناس اليومية فيعيشون حولهما، وبهما، معهما، ومنهما. ونعني بذلك استقلال مؤسسات التعليم العالي عن الدولة وغيرها من قوى المجتمع المتداخلة، وحرية صنع القرارات المتعلقة بسير العمل الداخلي فيها وبماليتها وإدارتها، وإقرار سياساتها في التعليم والبحث العلمي وغيرها من الأنشطة ذات الصلة. أما الحرية الأكاديمية فتعني حرية أعضاء الهيئة التدريسية، فرديًا أو جماعيًا، في متابعة المعرفة وتطويرها وتحويلها، من خلال البحث والدراسة والمناقشة والتوثيق والإنتاج والخلق والتدريس وإلقاء المحاضرات والكتابة والتأليف والنشر. العالم يعرض نفسه وما كدت أقترب من القسم الهندي، حتى وجدت رائحة الطعام طاغية على المكان، ووجدت السيدة المسؤولة عن القسم، تجلس باللباس الهندي المميز، وأمامها ما لذ وما طاب من الطعام، الذي يكفي أسرة كاملة. فتمنيت لها شهية طيبة، رغم أنني على يقين بأنها لا تحتاج إلى أي دعاء لها بذلك. وعلى مسافة قريبة من القسم الهندي، لا يستدعي الوصول إليها، أي ترسانة صواريخ بعيدة المدى، بل ولا حتى متوسطة المدى، ولا تجارب نووية، وجدت القسم الباكستاني، وقد عج بكتب فاخرة أنيقة، تشعر أنك تستطيع قراءتها، ولكنك لا تفهم شيئًا مما تقرؤه. وفي إحدى الأركان بالقرب من السلالم، شاهدت اثنين من الإخوة الأفارقة في منتهى الأناقة، ربطة العنف المناسبة تمامًا للون القميص، والبدلة الداكنة، بخطوط رقيقة زرقاء فاتحة. ويمكن إرجاع فشل التعليم العالي في ظل النظام التوتاليتاري السابق في تأدية دوره المطلوب إلى أسباب فشل السياسة المركزية المتسلطة والمتحجرة وغير المرنة إجمالاً، وغياب حالات التخطيط العلمي السليم وعدم منح المجتمع الأكاديمي القدر الكافي من الحرية في التعليم والتعلم والبحث العلمي والأداء الإداري، إضافة إلى انخفاض المستوى العلمي والقيادي اللازم لأعضاء المجتمع الأكاديمي، كذلك افتقار الموارد الضرورية لتطوير المناهج والأساليب والوسائل التعليمية بما يتلاءم ومتطلبات العصر الحاضر. وتلك ظواهر وإن عرفتها كل البلاد التي مرت في حروب واضطرت إلى الاكتفاء بالقليل والنادر الذي لديها، لكن العراق بصبره فاقها جميعًا. وإن كانت الحروب العالمية لم تتجاوز خمس سنوات، لكن ما حدث في العراق جدير بقراءة أخرى، فأي بلد عاش خيرة شبابه في الأسر عقدين من الزمن؟ وأي بلد استطاع أن يبقى قويًا في الأمل برغم كل ما حل به من مصائب وفقدان الآلاف من أبنائه؟ صورة الثقافة وثقافة الواقع مما أثار اهتمام العالم بعد 9/4/2003م هو تعرض المتاحف العراقية إلى السرقة، وانتشرت في كل أنحاء العالم قطع ثمينة من الإرث البشري، لكن هذا ليس بالجديد، بل اهتمام الإعلام به هو الجديد. أضف إلى ذلك غياب الحرية الأكاديمية والسيطرة المطلقة على مفاصل وعناصر القطاع. لقد أدت السياسة الحكومية المركزية الخاطئة بالتعليم العالي، شأنه شأن باقي المؤسسات والنشاطات الاجتماعية والثقافية، إلى التدهور التدريجي وفقدان القدرة على مواكبة التطور العالمي، كحتمية تأريخية لعصر تقنية المعلومات والعولمة والثورة التكنولوجية. ونتج هذا التدهور بالدرجة الأولى عن هجرة الكوادر التدريسية ذات الاختصاصات الحيوية كالطب والعلوم والهندسة والاقتصاد إلى الخارج، في الوقت الذي أحجمت الدولة فيه عن إرسال الطلبة في بعثات علمية إلى الخارج لتعويض المفقود من أعضاء الهيئة التدريسية. على الضد من ذلك راحت تقضي على التقاليد والمعايير الأكاديمية العتيدة التي كان العراق يتميز بها لحد السبعينيات من القرن الماضي، مثل عدم اعتماد الخريجين من حملة الشهادة الجامعية الأولية (البكالوريوس) كأعضاء في الهيئة التدريسية وتعيينهم بدلاً من ذلك بوظائف فنية مساعدة لمدة أقصاها خمس سنوات، يبعدون بعدها من حقل التعليم، ما لم يطوروا أنفسهم بالحصول على شهادة أعلى (الماجستير أو الدكتوراه). وانتهى العمل بتلك القاعدة الأكاديمية التي حفزت المساعدين من حملة البكالوريوس على الحصول على الشهادات العالية من جهة، وحافظت على المستوى العلمي الأكاديمي، من جهة أخرى. كذلك قاطعت الجامعات العراقية في ظل ذلك النظام، لأسباب أمنية مفتعلة، التعاون مع الجامعات الخارجية التي كانت تستعين بها في تقييم البحوث الأكاديمية وبحوث الدراسات العليا، بالإضافة إلى بحوث ترقية أعضاء الهيئة التدريسية. ولم تعد الجامعات الأجنبية المعروفة، بالمقابل، تعترف بالشهادات الممنوحة من الجامعات العراقية، كما هي الحال في السابق. ولعل التدخل الحكومي السياسي في عملية قبول الطلبة في الجامعات العراقية في ظل النظام السابق هو أخطر عامل ساعد على تدهور التعليم العالي وفقدانه السمعة والرصيد العلمي على المستويين العربي والدولي. ففي بداية كل عام دراسي، كانت عمادات الكليات العراقية تتسلم ثلاث قوائم بأسماء الطلبة المقبولين في فترات زمنية على التتابع. تتضمن القائمة الأولى أسماء الطلبة المقبولين دون شروط! فأما أن يكون الطالب من هذه القائمة الخاصة ابن وزير أو قائدًا حزبيًا أو ما شابه ذلك، فيعفى في هذه الحالة من كل شروط القبول. علاوة على ذلك، لا يتوفر للمعلمين الوقت أو الطاقة الكافية أو مصادر التمويل لتطوير أنفسهم مهنيًا، ولا يتاح لهم بسبب ظروف العراق امتلاك سبل الاتصال مع زملاء أجانب ولا إمكانية الوصول إلى مصادر الكتب والدوريات الحديثة ووسائل الحاسوب والإنترنت التي تساعد على التطور المهني. التعليم غير الرسمي يقصد بالتعليم غير الرسمي مراكز محو الأمية. وتضم القائمة الثانية أسماء الطلبة العرب المتعاونين مع النظام، الوافدين عن طريق المنظمات الحزبية المرتبطة بالحزب الحاكم. ولا تنطبق على أسماء هذه القائمة سوى بعض الشروط الأكاديمية السهلة. وتسد القائمة الثالثة الشاغر المتبقي في المقاعد الدراسية، وتتضمن أسماء الطلبة العراقيين من عامة الشعب الذين يخضعون لأقسى وأصعب الشروط الأكاديمية إضافة إلى الشروط السياسية كالانتماء الجبري للحزب الحاكم، على سبيل المثال. ومن الطريف في الأمر أن طلابًا معروفين من القائمة الخاصة، مثل عدي صدام حسين ومحمد ميشيل عفلق وغيرهما بالمئات، تخرجوا في كليات الطب والهندسة والعلوم والقانون، دون أن يعرفوا، على الأقل، أين تقع بنايات الكليات التي تخرجوا فيها بامتياز! ومن أسباب الخراب النفسي والعلمي والمادي الذي لحق العملية التعليمية وأصاب كبد المجتمع الأكاديمي ما كان يحصل للعديد من الطلبة والأساتذة كل يوم من عمليات الملاحقة وإلقاء القبض والفصل والسجن والإعدام بحجة الانتماء إلى طوائف سياسية وإثنية لم يحبذها النظام. آفاق الإصلاح الجامعي المنشود لايشك أحد اليوم، وبعد انتهاء العهد السياسي السابق، في ضرورة وأهمية إخراج قطاع التعليم العالي من دائرة الفشل المزمن الذي آل إليها منذ حوالي نصف قرن من الزمن. ومن الجدير بالذكر أنه يمكن اشتقاق عناصر الإصلاح المطلوب للتعليم العالي من ظروف وأسباب الفشل السابق نفسها. ومن الطريف ذكره في هذا المجال أن أحد الإعلاميين ذا الصلة بالتعليم اقترح على حكومة العهد الجديد أن تعكس اتجاه كل خطوة قام بها النظام السابق فيما يخص التعليم العالي، حينئذ سوف نرى أعظم إصلاح للتعليم يشهده العراق! ونعتقد أن في هذه الطرفة الكثير من عناصر الحقيقة. فلا نجد أي مبرر مثلاً لخطوة النظام السابق في تأميم الكليات الأهلية مثل جامعة الحكمة أو المدارس الثانوية المتميزة ككلية بغداد على سبيل المثال. كذلك ابتعاد قطاع التعليم العالي العراقي تمامًا عن التعاون مع الجامعات الخارجية في إعداد المناهج والبحوث العلمية والإيفادات والبعثات والنشر والمشاركة في المؤتمرات ، للأسباب الأمنية إياها. ثم ما الحكمة في منع الأساتذة من السفر في أثناء عطلهم الصيفية للراحة والاستجمام؟ وما الداعي لتوقف استيراد الكتب والمعدات التدريسية المحدثة سنويًا، في الوقت الذي استمر فيه استيراد المرمر الإيطالي للقصور الرئاسية والأسلحة باهظة الثمن؟ من أخطر ما قد يحيق بالتعليم العالي في هذه المرحلة أن يصار إلى تشويه التراث التعليمي الصادق الذي حاول الحكم السابق أن يبقيه في ثلاجة لعبته السياسية. فللعراق تراث وتقاليد أكاديمية يتميز بها على صعيد المنطقة العربية والعالم. وما يخشاه الحريصون على هذا التراث العراقي أن تتدخل المعايير السياسية (الخارجية) ذات النفوذ محليًا، المعروفة بتحيزاتها وانتماءاتها المعروفة في عرقلة التطور الأكاديمي الحقيقي الذي يعكس طموحات ومصالح أبناء وبنات الشعب العراقي. ويؤمن المصالح الوطنية الحالية والمستقبلية للبلاد بعيدًا عن الاعتبارات الأنانية المعروفة لمنظومة العولمة كالبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية سيئي الصيت! إن مؤشرات المرحلة الحالية تؤكد بما لا يقبل الشك أن تلك الاعتبارات حقيقية وملموسة وليس وهمًا ناتجًا مما يتهمنا به الآخرون من تبني نظريات المؤامرة! وإزاء مليار ونصف المليار من الدولارات التي خصصت لتأهيل عدد من الشرطة العراقيين. قرأنا في الصحف أن عشرين مليون يتيمة فقط خصصت لرعاية العلماء العراقيين!! فأين هي ياترى حصة الجامعات ومؤسسات البحوث من المليارات التي تنهال على العراق منذ شهر سبتمبر الماضي؟ وهل نصدق أن الأطراف السياسية التي تحابي طرفًا معينًا في الشرق الأوسط سوف تتحمل أن ينهض العراق بعلمائه وقدراته الاقتصادية الهائلة لكي يأخذ نصيبه من التطور والتقدم العلمي والتكنولوجي دون تفعيل تلك (الاعتبارات) وجعلها جدارًا يمنعه من القيام بتلك النهضة؟ ولدينا أكثر من دليل على ذلك التخوف، منها، على سبيل المثال، عدم الاعتراض على تدمير المفاعل النووي تموز قبل عشرين عامًا المخصص للأغراض السلمية البحتة وللبحوث العلمية والتقنية المتطورة. إزاء تلك المعطيات لابد من ذكر بعض المقترحات التي نراها أساسية لإصلاح الواقع المريض للتعليم العالي في العراق. ولا ينبغي أن نغفل شروط الحالة الشاذة والمعقدة القائمة في هذا البلد الممزق فعليًا على كل الأصعدة. ولانستغرب من حقيقة أن العهد السابق كان يعلم بنهايته الحتمية هذه. لكن الذي ينبغي الإشارة إليه أن ذلك العهد قد برع في جعل البلاد تعيش في قوقعة محكمة محصنة ضد أي تغيير محتمل. وبين ليلة وضحاها وجدت مؤسسات التعليم العالي نفسها بلا قيادة، بلا سياسة، بلا خطة عمل. ومع دخول قوات أجنبية إلى العراق ووضع مقاليد السلطة الجديدة بيد الاحتلال الأجنبي، ويضمن ذلك قطاع التعليم العالي، نرى اليوم فراغًا مخيفًا في ذلك القطاع، يشمل جميع مستويات القيادة والمجتمع الأكاديمي على وجه الخصوص. *تشتمل استراتيجيات تعليم حقوق الإنسان على ترسيخ المفاهيم حول بعض الحقوق العامة التي ينبغي أن تنهض بها الحكومات أو أهل الثراء أو الجمعيات الخيرية، وعلى سبيل المثال، فإن من حق الناس أن يحصلوا على تعليم ملائم لأطفالهم، كما أن من حقهم الحصول على مياه شرب نقية وعلى علاج صحي جيد والعيش في بيئة نـظيفة وصحية، كما أن من حق المجتمع أن تتوفر لديه إدارة جيدة للأوقاف بوصفها موردًا مهمًا لمساعدة العناصر الضعيفة في المجتمع، بالإضافة إلى تأسيس الجمعيات الخيرية التي تقدم الدعم العلمي للجامعات ومراكز البحث العلمي، ودعم كل ما من شأنه تعزيز أسلوب العيش التعاوني الذي يشكل مصدرًا مهمًا للأمن الفردي. *الحياة الاجتماعية في الرؤية الإسلامية تشيد على البر والمعروف والتضحية والتعاون والتسامح والتجاوز عن العثرات. وقد أبدع النظام السابق في عزل كل العناصر الجامعية الكفؤة المناوئة والمعارضة للخط السياسي الصدامي، إما بتصفيتها جسديًا، أو بنفيها إلى الخارج، أو نقلها إلى قطاعات لاشأن لها بالتعليم، مما جعل هذا القطاع الحيوي بعد تغيير النظام خاويًا وخاليًا من أية خطة طارئة للعمل، بغض النظر عن صدقيتها أو فاعليتها. إن الحالة التي آلت إليها حالة التراث الفني في العراق تكشف عمق ما حدث وما يحدث، منذ أن بدأ الغرب يهتم بآثارنا، أي منذ أواسط القرن 19، عندما بلغ السباق بين قنصلي بريطانيا وفرنسا في ولاية الموصل أشده، فكان كل منهما يحاول الاستيلاء على أكبر كمية ممكنة من اللقى، عقبهما تجار من كل الأصناف الذين كانوا يعرضون ما يجدونه من آثار تنقب بشكل عشوائي، فيحفرون كيفما اتفق، وإذا ما كانت القطعة كبيرة أو التمثال ثقيلاً، عمدوا إلى قطع الرأس فقط، فيبيعونه أو يذيبون الحلي الذهبية واللقى المعدنية ليبيعوها بسعر المعدن فقط، فضاعت كنوز لا تقدّر بثمن وما سلم منها إلا القليل جدًا. يتعين على الحكم الحالي المؤقت والحكومات المنتخبة القادمة أن تنظر إلى التعليم العالي كونه من المجالات الحيوية التي يتقدم بها المجتمع وتزدهر البلاد اجتماعيًا واقتصاديًا وثقافيًا. ومع الاهتمام بعناصر التحديث والتطوير التي يجب توفرها، نجد أن التعليم العالي يستلزم بالدرجة الأولى أن يعيد تركيب البنية التحتية المجتمعية، بالالتفات صوب القيم الاجتماعية الجيدة. وأول ما يجب العناية به من أدوات الإصلاح الجامعي هو الالتزام الكامل بكافة بنود الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1948م، وإعلان ليما بشأن الحرية الأكاديمية واستقلال مؤسسات التعليم العالي الصادر عن المنظمة العالمية للخدمات الجامعية في ديسمبر عام 1988م والذي أكد على «التنمية الكاملة للشخصية البشرية وإحساس الإنسان بكرامته» وتعزيز واحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية والسلم. والتعليم بما يمكن جميع الأشخاص من المشاركة بفعالية في بناء مجتمع حر يقوم على المساواة، ويشجع على التفاهم والتسامح والصداقة بين جميع الأمم وجميع المجموعات العنصرية أو العرقية أو الدينية، كما يشجع على التفاهم المتبادل والاحترام والمساواة بين الرجل والمرأة، والمساواة الاجتماعية والسلم والتطور المتكافئ لكل الأمم وحماية البيئة، كما ينبغي لكل دولة أن تكفل الحق في التعليم دون تمييز من أي نوع فيما يتعلق بالعنصر أو اللون او الجنس أو اللغة أو الدين، أو المعتقد السياسي أو غيره من المعتقدات، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الوضع الاقتصادي، أو حالة الميلاد أو غيرها.
