مشى متمهلا بين الأشجار ، حتى لمح شبح طائر يتحرك بين الأغصان .. اقترب بحذر ، و صوّب بندقيته ، لكن الطائر فرّ . • يا الله ، إنها حمامة سمينة .. لقد أحست بحركتي فطارت .. عليّ أن أجد أخرى .. عليّ بالصبر . مرّ وقت طويل وصلت فيه الشمس منتصف السماء ، و هاهو يلهث .. لقد أنهكه المشي ، و يحتاج إلى الماء .. رفع رأسه إلى السماء : • الشمس حارّة جداً .. لقد جعت .. لا أستطيع الرجوع ، فالمزرعة بعيدة ..أوه أين الحمام ؟ لن أعود إلا بصيد ..أجلس تحت هذه الشجرة حتى تحطّ عليها حمامة فأصطادها ... حطّت حمامة فوق غصن الشجرة القريبة منه .. صوّب بندقيته نحوها .. ثم أطلق الرصاصة .. طارت الحمامة منحدرة ، و سقطت ريشتان من جناحها على الأرض ، و هوت على شجرة أخرى .. ركض زاعقاً : • لقد اصطدتها !! عندما اقترب من الشجرة طارت الحمامة إلى شجرة أخرى .. • إنها مصابة !! رمى بندقيته و ركض ليمسك بها .. طارت إلى شجرة أخرى ، طاردها ..أخذت تصعد إلى الأشجار العالية .. كان أحد جناحيها ثقيلا : • ستكون بيدي بعد قليل !! لكنه لم يمسك بها حتى الآن .. و قد صعد عاليا مع ألأشجار حتى وصل إلى صخور عظيمة .. حيث يبدأ الجبل بالارتفاع ، و تقل الأشجار .. جلس بالقرب من صخرة ، و كانت الحمامة فوق غصن الشجرة التي يراها في الصخور التي ترتفع هناك ..حلقه جاف ، و هو متعب و جائع .. أشجار خضراء كثيرة...
و طيور ، و عصافير كثيرة ..
و أولاد كثيرون يلعبون في تلك القرية االتي تخبئ أشجارها عن الرياح بين جبال عالية ، فيما الغيوم الكثيرة تطل على نخيلها في المواسم و تمطر ...
تمطر ..
تمطركثيرا و كأنها تبكي بغزارة ..
تبكي حتى تمتلئ الأحواض .. و يسيل الوادي .. و يخرج الأهالي .. و الحيوانات .. و الطيور .. و يتطاير النمل في ضوء الشمس البارد .... تتطاير الكلمات .. و الضحك .. و الأطفال ... حتى الغروب .
ذلك لا يحدث في القرية دائما .. بل في مواسم معينة ، و قليلة أيضا ..
ربما مرت سنوات كثيرة دون أن تبرق غيمة واحدة ..
في تلك الأيام تتكاثر سحب الغبار في الطرقات الحزينة .. و يخرج الناس من بيوتهم صامتين .. يسوقون حيواناتهم الهزيلة .. و ينظرون إلى الأشجار الكثيرة و هي تتخلص من أوراقها ، و تنكمش حتى تصير قصيرة الجذوع .. و تنتصب أغصانها العارية .. و تتحول رويدا رويدا إلى أعواد ..
( ن ) أحد أولاد القرية ..
يطوف مع الأولاد .. ويلعب أحيانا .. لكنه لا يتحدث كثيرا .. و لا يرافق الأولاد في رحلاتهم الجماعية لصيد الطيور.. يعقد حاجبيه محتجا ، و يغادر المكان غاضبا عندما يصطاد أحدهم طيرا ...
يمر يوم أو يومان دون أن يروه ..
قبيل الغروب يسألون الرجل العجوز الجالس في زاوية البيت الطيني عنه .. فلا يجيب ، يمد يده مؤشرا ناحية الحقول البعيدة ، و يظل يحدق بعينين صغيرتين بعيدتين ...
يتجاهل الأولاد إشارته ، و يلهون بالكرة وسط أعمدة الغبار المنطلقة من أقدامهم و هم يلعبون حتى اختفاء الضوء ..
يحدق فيهم الرجل العجوز دون أن يتكلم .. أو يبتسم .. و عندما ينفضون أقدامهم من الأتربة .. و يتفرقون إلى بيوتهم .. يعود ( ن ) و يمر بقربه .. يرفع يده محييا الشيخ ، دون أن يتكلم .. يرفع العجوز يده محييا أيضا ، و يبتسم .. ويقوم متكئا على عصاه ، دون أن يلتفت إلى الآخرين ، و يوجه خطاه البطيئة نحو المسجد ..
في يوم ما اصطاد أحدهم طائرا كبيرا ملونا ، كان جميلا جدا .. شاهد ( ن ) الطائر و هو يسقط ، و دماؤه تتناثر على الأعشاب .. خطى خطوات كبيرة و هو يكوّر قبضته .. حدج الولد بنظرة قاسية .. واستدار راكضا ..
مرّ بالرجل العجوز مسرعا ، لم يحيه .. لم يبتسم العجوز .. و لم يخرج ( ن ) للعب مع الأولاد :
قيل أنه يستيقظ ، كل يوم مبكرا و يذهب إلى الحقول ...
و أن الكثير من العصافير كانت تلتف حوله ، عندما تراه ماشيا بين الأشجار ...
و تشاركه الغناء ...
أما الرجل العجوز فسمع ذلك اليوم ، و هو يشير بيده نحو الحقول ، و يحدق بعينيه البعيدتين ، و يبتسم ، يقول :
إن كثيرا من الأغصان تخضر عندما يمر ( ن ) بقربها ، و تكسوها العصافير بالغناء ...
