عندما انحدر الذئب من الجبل ، و وصل إلى الغابة تلفتت الحيوانات بخوف ، و توقفت عن الحركة و هي ترقبه ، الببغاء صمت عن صياحه المستمر.. و العصافير ارتجفت.
وقف الذئب غير بعيد منهم .. ابتسم و مد يده ملوحا .. جرت همهمات كثيرة و حركة ..
الذئب لم يعر ذلك اهتماما : لف ذيله بين قدميه ، و مشى دائرا حول المكان ، حتى وجد صخرة بين الأشجار .. عند جدول الماء .. وضع أشياءه هناك .. و بدأ يخطط المكان لبناء بيته الجديد.
كان الذئب ينهمك في عمله مثيرا الغبار و الضوضاء .. مقتلعا الأشجار الصغيرة النامية و منظفا الأرض من الأعشاب الخضراء ..و الحيوانات تتجمع بحذر .. و تهمس بأصوات غير مسموعة .
بعد ساعتين أنهى الذئب عمله ، و قفز إلى الغابة لقطع الأشجار .
اقتربت الحيوانات من بعضها البعض ، و كان أول من زعق الببغاء :
- الذئب .. الذئب .. الذئب !!
أجفلت الحيوانات ، و تفرقت .. أما الجمع فقد أخذوا ينصتون للولدين وهما يتسابقان للحديث عن قمم الجبل الكثيرة والمنوعة، والجبال البيض التي لاحت لهما في البعيد مكتظة بالقرى الخضراء، والمدن اللامعة. - سنذهب هناك في الغد! قالا. حمل الأولاد أحلامهم إلى آبائهم متطلعين إلى عيونهم، منتظرين الموافقة للذهاب معهما.. تثاءب الجبل الصغير الأدهم، واحتضن أحلام أولاد القرية وأغمض عينيه: فغداً لديه ضيوف كثيرون! الـغـيـمـة في كل مرة تسلك الغيـمـة الـكـبـيرة الملونة - بالأبيض ، والرصاصي ، والبني ، والأسود … - الممتلئة بالماء الغزير ، طريقها ، في سفرها الطويل في دروب الهواء العالي ، و هـي تنظر من علوٍ شاهقٍ فترى أرضاً صغيرةً صفراء ، تحدق بها بعيونها التي تشبه النجوم ، فلا ترى فيها لا حشرات تتسلق ، و لا حيوانات تركض ، و لا أناس يعيشون ، ولا شيء يتحرك ....... لا شيء ! تتابع الغيمة طريقها ، كالعادة ، مخلفة هذه الأرض ، ولكنها تلتفت إليها ، و تلتفت و تفكر بها حتى تغيب ، وتسأل نفسها : لماذا لا توجد حياة بها ؟ حتى الأعشاب و الأشجار لا أثر لها ! - هل هي نائمة هذه الأرض ؟! هكذا تقول الغيمة في كل مرةٍ تسافر عابرة فوق الأرض القاحلة .. و هكذا قالت الغيمة ، في المرة الأخيرة ، و هي تعبر منحدراً ضيقاً في وادي السماء العالي ! - سوف أوقظها ! أكدت الغيمة لنفسها ، وهي ترى الأرض النائمة تختفي خلفها . و دبت السلحفاة على مهل و هي تنادي بصوت واهن :
- تعالوا إنه هذا الببغاء لا غير . تعالوا نناقش موضوعنا
كان أول الواصلين الأرنب الذي نط فوق صدفة السلحفاة بحركة بهلوانية .. اجتمع الكل : القنافذ و الجرذان و السناجب و الطيور من كل نوع .. جاءت الغزالة تطرف بعينيها الجميلتين و وقفت بجانب سرب الحمام .. البط و الإوز أخذ يتهادى نافضا ريشه المبلل .. و القرد جاء متأخرا و هو يقفز من غصن إلى غصن .. و من بعده جاء الثعلب يهز ذيله و عيناه تبرقان بمكر .. قالت السلحفاة :
- نحن نسكن في هذه الأرض منذ أزمنة قديمة .. نعيش بهدوء و سلام ، الكل يعرف حقوقه ، و يؤدي واجباته .. الآن هذا الوافد الجديد .. الذئب ..... صاح الببغاء :
- الذئب .. الذئب
تلفتوا حولهم .. ثم ضحكوا . قالت الغزالة بحياء :
- لا نريده هنا ، معنا في أرضنا . أيدتها الطيور مصفقة بأجنحتها . و قال السنجاب :
- لنبحث الأمر كثيرا قبل أن نقرر . و قال القرد :
- أنا لا أخاف من الذئب .. لكنني معكم .. علينا أن نتعاون . اقترب الثعلب و عيناه الصغيرتان تلمعان ، و قال :
- يا جماعة الخير .. الذئب حيوان مثلنا ، و هو طيب كما ترون .. لقد جاء ليعيش مع الجماعة بسلام .
ضجت الجماعة بأصوات محتجة ، و علا صوت الببغاء و هو يردد : الذئب .. الذئب .. سكتوا .. فقالت السلحفاة :
- الذئب خطر علينا كلنا .. لن نصدق كلامك أيها الثعلب .. و سنثبت لك أنه شرير
- كيف تثبتين ذلك أيتها الزعيمة الزاحفة ؟!! قال ذلك الثعلب بسخرية .
- ضعوا قطعة اللحم تلك فوق صخرته ، و عندما يعود و يبدأ الأكل حاول أيها الثعلب أن تشاركه و سترى !!
صاح بعض الدجاج :
- نحن نأكل الحبوب معا .. و قال الإوز : و نحن .. و طار الحمام مؤيدا .. و تراكضت الأرانب تأكل من العشب مجتمعة .. كان القرد يمد قطعة موز للببغاء .. هدأتهم السلحفاة ، و قالت :
- الذئاب تحب نفسها فقط ، و تتقاتل على الطعام .. نحن سنتعاون لطرده من هنا .. تعالوا معي إلى مكان اجتماعنا المعتاد ، و سنضع خطة تبقيه بعيدا عن أرضنا ..
