يعتقد أناس كثيرون أن كل الناس في هولندا يلبسون أحذية خشبيّة. البعض لا يزال بالطبع, خاصة الفلاحين وآخرين ممن يعيشون في الريف. ترد أم هالة وتقول: كلامك خطأ يا هالة, كل المخلوقات لا بد أن تتعب أولا حتى تتعلم, ولتعرف كيف تعيش وليس الإنسان فقط, كلنا لا بد أن نتعلم لكي نعيش فرحين. قالت هالة بأدب: اسمحي لي يا أمي أن أقول رأيي, والذي يختلف مع كلامك, وأعدك أن أتراجع عنه إذا كنت مخطئة, فأنا لست غبية حتى أتمسك بالرأي الخطأ. قالت هالة: ليس على كل المخلوقات أن تتعلم لتعيش فرحانة, أنا كنت أحب أن أكون عصفورة. العصفور مخلوق جميل, يعيش فرحان, يزقزق ويغني ويطير ولا يتعب لأنه لا يتعلم شيئا, إنه يلعب ويفرح طوال اليوم. لكن من الصعب العثور على أحذية خشبية حقيقية, كما اكتشف جان عندما حاول الحصول على زوج منها لسائح أمريكي.
الغيمة تقول : - هذا هو الوقت المناسب لأوقظ هذه الأرض ! تضحك بسخرية وهي تقول : - و إلى متى؟!! تنظر إلى الأرض في سباتها ، هاهي تحتها الآن تغط بالسكون ، تحـوم حولها ، الظلام يغطيها تماماً ، تقدح قليلاً من برقها ، فتلمع الأرض صفراء نائمة ، تناديها ، لكنها لا تتحرك ، تبرق أكثر ، وترعد ، لكنّ هذه الأرض نائمة، تبرق ، وتزمجر …حتى تتعب ، تأخذ عيونها الكبيرة الواسعة بالبكاء ، تسكب كميات غزيرة من الدموع فوق الأرض ، تبكي الغيمة بحسرةٍ و أسى ، تبكي . الأرض مازالت نائمة ، و الغيمة أفرغت ماء بكائها ، وتعبت ...، الغيمة تتعب ، وتقرر الرحيل ، لقد يئست من هذه الأرض ، ولن تهدر وقتها، تأخذ أحمالها : الألوان .. البروق .. الرعود.. الدموع المتبقية لها .. غضبها ..حماسها ..حبّها للأرض.. توقظ صديقتها الريح لتقود عربتها ، وتمضي في دروبها الطويلة في الوديان العالية !! في أحد أيام السبت في مارس أمام دكان تباع به شرائح البطاطس والآيس كريم. ركن جان دراجته الصغيرة بجانب الدراجات البخارية وانطلق للداخل. وضع نقوده على الطاولة وقال: (آيس كريم). وقف كيز بمعطفه الأبيض خلف الطاولة يصنع شرائح البطاطا, (في هذا الطقس البارد؟), سأل كيز (والثلج لا يزال يتساقط؟! لكن بإمكانك أن تحصل عليها).
(ذلك أمريكي يجلس هناك), قال كيز (سائح).
سائح!َ علم جان عن السياح من التلفاز. لكنه لم ير سائحا حقيقيا. مشى حتى وصل إلى صخور متراكمة ، و عالية ، تسد طريقا منحدرا ، التف حولها ، و تسلل من تحتها ، حتى مرت مياهه .. رأى أمامه الكثير من الشجيرات ، و الأعشاب العطشى ، ركض نحوها ، و سقاها ، جاءت طيور صغيرة : عصافير ، و حمام ، و قطا ، و حجل ، و سحالي ، و حيوانات قافزة ، و زاحفة .. ومرحة .. و شربت .. بعضها جلس يأكل غذاءه .. و كثير من أولادها كونوا حلقات لعب .. انشرح قلب الجدول ، و استقر هناك مكونا بحيرات ، وجداول تدور حول الأشجار ، و الصخور .. سمع ضحكات أصدقائه الجدد ، فازدادت سعادته .. كان صوت نداء النهر البعيد ، يصل إليهم متقطعا ، و قد ظللته الغيوم ... لم يأتوا إلى هنا أبدا لأنه لم يكن هناك ما يثير لرؤيته في هذه القرية الصغيرة , فقط المستنبتات الزجاجية لزراعة الطماطم والخيار, والتوسعات الإسكانية.
لدينا في البيت هنا مهندس من خريجي كلية الهندسة قسم كهرباء, ألا يصلح؟ من هو؟ - جدتك... قال يوسف: فاتني هذا... استدعيت الجدة, وكانت تقرأ كتابا ممتعا, لذلك احتجت, لكن عندما علمت بالفكرة والمهمة التي ستوكل إليها ابتهجت, وقالت: - هذا عمل يتطلب السرية, يجب أن أقوم به بنفسي. أضاف يوسف: وسنجعل الراديو والتلفزيون يعملان بعض الوقت, ونملأ البيت بالموسيقى والأغنيات. هتف جدو عبدو: جميل رائع... أحسنت. وتحوّل الكمبيوتر إلى خفير رائع, وعين يقظة لحراسة بيت جدو والجدة, اللذين سافرا إلى المصيف في اطمئنان كامل إلى هذا الحارس الذي لن تغمض له عين وسيكون طيلة الليل ساهرا, ينبئ الجميع بأن أهل البيت بداخله, يتحركون, ويتنقلون ما بين حجراته ومطبخه والحمام, ويسمعون الموسيقى والأغاني والتمثيليات. إلا أنه بدا عاديا (يريد أن يشتري حذاء خشبيا), قال كيز(حذاء أطفال لابنته الصغيرة. جاء خصيصا من روتردام بالحافلة ليشتري حذاء خشبيا! أخبرته أن يذهب لمحل الهدايا التذكارية). قال(لا, أريد حذاء خشبيا حقيقيا كتلك الأحذية التي يلبسها الناس هنا).
(أتعرف أي محل تباع فيه الأحذية الخشبية يا جان؟) فحط على غصن شجرة ، و هو يلهث ، و قال محدثا نفسه : ( أنا خائف .. أين عشي ؟ أريد عشي .. ما أعلا أصوات الغابة ، و أكثر حيواناتها .. أين أخوتي العصافير ؟ أين أغانيها و زقزقاتها ) و أخذ يبكي . أثناء بكائه سمع زقزقة جميلة .. صوتا صغيرا يعرفه و يحبه .. سكت ، و التفت إلى جانبه كان عصفور صغير مثله يحدق فيه .. كان على الغصن القريب منه .. قفز إلى جانبه .. و حيّاه .. و تحدّث معه .. كان العصفور الآخر خائفا مثله .. هو أيضا دخل الغابة السوداء و شاهد الأصوات الكثيرة و الحيوانات الضخمة فخاف ، لكنه لم يجد طريق العودة .. لحس جان بوظته الزهرية - إنه لسؤال صعب - أكمل كيز (لا أحد منا يعرف. يعتقد السياح أننا كلنا نلبس أحذية خشبية هنا!)
(تعرف أمي محل أحذية خشبية), قال جان.
(أسمعتم ذلك؟) صاح كيز بزبائنه, (هذا الولد يعلم من أين تحصلون على أحذية خشبية!) نظر الكل إلى جان باحترام, وتمنى لو أنه بقي صامتا. بعدها بلحظة وقف جان خارج الدكان بورقة العشرة جلدرات التي أعطاها إياه الأمريكي المبتسم. كما كان معه قطعة خيط بحجم الحذاء الخشبيّ الذي أراده الأمريكي. ركب جان دراجته وانطلق للبيت. تذكر فجأة أن أمه لن تكون في البيت حتى بعد العشاء. لكن قد يعرف والده أين تباع الأحذية الخشبية.
أنا لا أريد أن يخلعني أحد من الأرض, ولا أن أتحول إلى ألواح من الخشب يقطعها النجار بالمنشار الحاد لتصبح كرسيا يجلس عليه طفل مشاغب يقفز عليه باستمرار فيكسره أو أن يجلس عليه شخص سمين, ولا أريد أن أكون مكتبا لتلميذ بليد لا يحافظ عليه, لقد غيرت رأيي تماما, أنا لا أحب أن أكون شجرة بل أحب أن أكون قنفذا صغيرا, فالقنفذ لديه الكثير من الأشواك المدببة فوق ظهره ويعرف كيف يدافع عن نفسه جيدا من دون أن يتعب ويعيش فرحان. نظرت أم هالة إلى ابنتها وهي تقول لها: أنت فرحانة لاختيارك القنفذ وتحسبين أنك قد كسبت, ولكنك مخطئة, لأنك لا تعرفين أن القنفذ عليه أن يتعلم, هو أيضا, ليعرف كيف يبحث بنفسه عن الأكل, وأنه يمشي كثيرا في الغابة حتى يجد طعامه المفضل المكون من الديدان والحشرات الضارة ثم يعود ليعيش في جحره الضيق, والآن فكرت هالة جيدا هذ المرة قبل أن ترد بسرعة كعادتها. وبعد تفكير طويل قالت هالة: لا لا.. أنا لا أريد أن آكل الحشرات, ولا أن أعيش في جحر ضيق, أنا لا أحب أن أكون قنفذا, أنا أفضل أن أعيش في مكان واسع وجميل به ألوان جميلة على الحوائط والأسقف, وأستمع لأحلى موسيقى وأرقص وأؤدي أصعب الرقصات وأستمتع برؤية خوف الناس وهم يرونني أسدا راقصا في السيرك ويجلسون بعيدا, ولا أحب أن أكون أسدا في غابة فهو يتعب ليحصل على طعامه, أنا أفضل أسد السيرك الذي يعطيه مدربه الطعام ويعتني به ويرعاه. وهنا تضحك أم هالة كثيرا وهي تنظر لهالة ولا تتكلم. وتسألها هالة: لماذا تضحكين يا أمي? وما ردّك على اختياري الأخير? ترد الأم وتقول: ضحكت لأنك لا تعرفين نهاية أسد السيرك, ولا تعرفين شيئا عن حياته الحقيقية, فأسد السيرك لا يرقص فرحا بالموسيقى ولا حبا لها كما قلت, ولكنه يرقص خوفا من مدربه حتى لا يضربه بالسوط, وحتى يعطيه الطعام, كما أنه يتعب كثيرا حتى يجيد هذه الحركات, لأنه أسد وليس قردا يجيد الرقص, وعندما يكبر في السن ولا يستطيع الرقص يرسلونه إلى حديقة الحيوان ليعيش ما تبقى من عمره محبوسا في قفص حديدي. كان والده في غرفة المعيشة يلعب الشطرنج مع فرِد شقيق جان الكبير.
(أتعرف محل أحذية خشبية يا أبي؟) سأل جان.
(لماذا تريد حذاء خشبيا؟) سأل أبوه.
روى جان لوالده القصة.
غضب الأب, (يا له من سخف!؟ بعضها مضى إلى سبيله ، و آخرون هزوا رؤوسهم مرددين بعض الحكم ، و جمهور منهم بقي للفرجة والسخرية بعض الوقت ، ثم تفرقوا .. لكن الطائر الفيل المعلق ظل يزعق ، و قد انفتح منقاره على الآخر .. و كانت الطيور المسافرة التي تمر من طريق شجرة السدر تلك ، تقترب منه ، و تضع الطعام في فمه الواسع ، ظانة أنه يزعق من الجوع .. و مع كثرة ما يوضع في فمه من أكل فقد كف عن الزعيق ، و أخذ يلتهم كل ما يوضع في فمه ، و يرسله إلى بطنه بسرعة .. يظن أولئك الغرباء أننا لانزال نسير بأحذية خشبية أين ذلك الرجل؟)
(في الدكان), أعاد جان.
(أخبره إذن بأن هذه بلاد حديثة, بالمصانع الضخمة. وبالميناء الأكبر في العالم, ميناء روتردام! أخبره بأننا لسنا فلاحين بأحذية خشبية).
ضرب الأب الطاولة بقبضة يده. فقفز جان للخلف مندهشا, أعليه أن يخبر كل هذا للغريب؟
أراد أن يعود للدكان ويخبرهم أنه لا يعرف محلاً رغم كل شيء. إلا أنه تذكر أن هيني لديها حذاء خشبي.
كانت هيني رفيقة صفه تقطن مركب بيت في الزودربلاس, وليست بعيدة على الإطلاق. أخذ جان طريق دايك المزدحم الذي يمر بالقرية.
كانت هناك ريح معاكسة قويّة . ومن حين لآخر كانت تهدر شاحنة بجانب جان على دراجته. لكنه كان معتاداً على ذلك. اختار أحد الولاة عالمًا عُرف بعلمه وتقواه وعدله لتولي أمر القضاء في مدينته, وقد تم إخطاره بذلك قبل حلول عيد الأضحى بأيام قليلة وكان هذا العالم فقيرًا, ولما لم يمر على توليه أمر القضاء شهر كامل - عند حلول العيد - فلم يكن له مرتب, ولم يكن لديه مدخر من المال, فلم يستطع بالتالي شراء أضحية, وقد أخبر زوجته بذلك والحزن يكسو صوته ووجهه. فقالت الزوجة الطيبة: لا تقلق ولا تحمل همّا, إن لدينا ديكا كبيرا, كنت أطعمه وأسقيه بنفسي حتى صار سمينًا وممتلئًا, سوف أذبحه ونضحي به, ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وفي يوم العيد صعدت الزوجة الدرج إلى سطح دارها, بعد أن أدى الناس الصلاة ورجعوا لدورهم, وما إن فتحت باب العشة على الديك وبيدها السكين حتى هاج الديك وقأقأ عاليا وقفز قفزة عالية, مستخدما جناحيه القويين, ووقف فوق سور البيت, فلما تبعته طار إلى السطح المجاور, فاجتازت الزوجة سطحها وجرت وراءه, فقفز إلى سطح آخر وهو يقأقئ ويصفق بجناحيه, وهكذا من سطح إلى سطح وهو يصدر صوتًا مزعجًا جعل كل الجيران يطلون من نوافذهم ليشاهدوا ما يحدث. سرت قصة هروب الديك من زوجة القاضي التي أرادت أن تضحي به وانتشرت في أرجاء المدينة, إذ تناقل الناس ما حدث, حتى شاعت بين الجميع, وما إن عاد القاضي من الصلاة إلى داره حتى اعترته الدهشة لما وجد بفناء بيته عددًا كبيرًا من رءوس الماشية من كل الأعمار والأحجام, فسأل زوجته: من أين لك كل هذه الأغنام? شكت أمه دائما (طفل على دراجته في مثل حركة المرور هذه! عمره ثماني سنوات فقط). لكن والده قال (كوني منطقية. كل الأطفال هنا يركبون دراجاتهم عبر حركة مرور السيارات. كما أنه يتحكم بمقود دراجته أفضل منك).
استدار جان لليسار وعبر الجسرالضيّق على طول القناة العريضة. سقط مرتين في حياته في القناة, مرة بينما كان يصطاد السمك, ومرة عندما كان يركب دراجته. قال له أبوه (إذا ما وقعت في القناة مرة أخرى, سآخذ دراجتك وعندها ستذهب للمدرسة ماشيا!).
وجد هيني على ظهر المركب تغسل كلبها في سطل.
(مرحبا), قال جان.
(مرحبا), ردت هيني.
(أما زال لديك حذاؤك الخشبي؟)
(ماذا ؟)
(حذاؤك الخشبي. كان لديك حذاء خشبيّ).
(آه, نعم), قالت هيني وهي مُستمرة في غسل كلبها.
(أريد شراءه), قال جان (بعشرة جلدرات).
فلتت هيني الكلب وقفز بعيدا وهز نفسه.
(لا أستطيع فعل ذلك) قالت (لا أستطيع قبول المال).
(اسألي أمك) قال جان.
(ليست في البيت, ذهبت لزيارة جدتي). ثم قالت هيني فجأة:
(بإمكاني أن أبادله).
(مقابل ماذا؟) سأل جان.
أشارت هيني لحذاء جان. كان ينتعل حذاء رياضيا. فكر جان, إذا ما بادل حذاءه بالحذاء الخشبيّ سيتمكن من الاحتفاظ بالجلدرات العشرة التي كانت في جيبه.
(احضري الحذاء الخشبي الآن). قال جان بفارغ الصبر.
ذهبت هيني للداخل.
(هاهما), قالت هيني لاهثة عندما عادت أخيرا بالحذاء الخشبي,(أتظن أنك تستطيع ركوب دراجتك به؟) حرك جان رأسه وهو يتأكد من حجم الحذاء الخشبي بالخيط. سيكون أكبر قليلا للبنت الأمريكية, لكنه كان مناسبا له. (شكرا لك), قال(وداعا يا هيني).
أصبح الطقس أسوأ وهبّت الريح بعنف أشد وبدأ المطر بالهطول. عندما ركب جان الدراجة, ظل الحذاء الخشبي ينزلق عن دواستي الدراجة .انطلق مرة أخرى عبر الطريق الضيّق وسط الريح وكان على وشك أن يستدير في طريق دايك المزدحم إلا أنه أوقع إحدى فردتي الحذاء الخشبي, حاول جان أن يمسك بها بقدمه الا أنه فقد توازنه وألقى به الهواء في القناة - الدراجة وكل شيء.
لهث وأزاح العشب بيديه. لا حاجة للسباحة, فقد وقع في الضحل من القناة. زحف للضفة وأمسك بيد مقود الدراجة ودفعها للشاطئ. كان أحد الحذاءين مُلقى في الطريق و الآخر طافيا كقارب صغير وسط القناة. (لن أقوم بهذا) صاح جان (فليعد الأمريكي من حيث أتى. فقدتُ حذائي, ومن المؤكد أن والدي سيأخذ الدراجة مني). لكنه استعاد الحذاء المفقود, ثم سوّى مقود الدراجة بغضب ووضع الحذاء الخشبي في حقيبة الدراجة وركب بجوربيه, فقط الآن شعر جان بالريح الباردة كالثلج عبر سترته. استدار حول المنعطف وأصبح في طريق دايك المزدحم ثانية. لم ينظر إليه أحد ولم يلحظ أحد كم كان مبللا, تحسن شيء واحد الآن, أصبحت الريح على ظهره, كانت العاصفة وراءه.
كانت الدنيا قد اعتمت عندما وصل جان الدكان. كان كيز الوحيد هناك قال كيز: (غادر الأمريكي, للتو).
(أين ذهب؟) سأل جان (لدي الحذاء الخشبي).
(لا أعرف, ربما ذهب لروتردام. إنها السادسة الآن. ويذهب كل شخص لبيته للعشاء).
ألقى كيز نظرة أخرى على الولد الصغير وسأله (سقطت في الماء؟).
لم يجب جان وخرج من الدكان راكضا. كل ما يريده الآن أن يذهب إلى أمه. عندما وصل باب بيته تذكر أنها لم تكن في البيت.
لذا قرر أن يتسلل للطابق العلوي ليستحم ويرتدي ملابس جافة. سيشتري, يوم الاثنين حذاء جديدا, ورقة العشرة جلدرات مبللة لكنها لاتزال معه. بينما كان جان يتسلل للطابق العلوي سمع والده وفرد يتحدثان في غرفة المعيشة, كانا يتكلمان بالإنجليزية! بهدوء, فتح باب غرفة المعيشة, ليجد الأمريكي جالسا على الكرسي الجلدي.
كان فرد يتحدث معه, نصف الحديث بالانجليزية والنصف الآخر بالهولندية يصرخ بشيء حول تلوث الهواء.
(لا. لا!) صاح الأب (محطات المياه) كان الأمريكي يصغي بأدب, فجأة رأى جان, نهض وقال (مرحبا).
(أين كنت؟) سأل الأب: (كنا قلقين , ذهب فرد ليبحث عنك وعاد مع هذا السيد).
أمسك جان بالحذاء الخشبي أمامه. أخذه الأمريكي بحرص بيديه, كان لايزال مبللا قليلا. لكن من الممكن تجفيفه.
صاح الأب (أكانت تمطر ؟ أم أنك وقعت في القناة ثانية؟)
(ذهبت لأبحث عنك في الدكان), قال فرد(وخرج الأمريكي وسأل عن الحافلة. قال إنك لم تعد! ثم قلت يا سيد إذا ما وعد أخي الأصغر أن يحصل على الحذاء الخشبي فإنه سيحصل عليه حتى لو ذهب للقطب الشمالي).
(في القناة؟) صاح الوالد(لا أصدق ذلك. خذ حماما ساخنا, بينما أعمل لك فنجانا من الكاكاو), ولم يقل شيئا عن أخذ الدراجة! (اذهب), قال الأب(لقد حدثنا صديقك الأمريكي عن حقيقة الأمر في هذا البلد).
نظر الأمريكي إلى الحذاء الخشبي الصغير بفرحة. قال (حذاء خشبي حقيقي لابنتي الصغيرة. حذاء خشبي حقيقي كذلك الذي ينتعله كل الأطفال الهولنديين). قالها بالإنجليزية لكن جان فهمها. ركض جان وهو يصفر للأعلى ليأخذ حماما.
