عندما يستعرض المرء شريط حياته، يعجب كيف أن الظروف البيئية تتدخل في تحديد مسار حياته، مما يدفعه أحيانا الى اتخاذ قرارات لها تأثيرها المباشر في مسار مستقبله. مازلت أتذكر أنني في عصر يوم من الأيام، وأنا في مقتبل العمر، ربما كنت في الثالثة عشرة أو نحوها، لا أدري على وجه التحديد، ولكن الذي أدريه هو أنني كنت أتصفح كتاب (العبرات) لمصطفى لطفي المنفلوطي، في إيوان مدرسة الوالد في سكة بن دعيج الكائنة في مدينة الكويت. وخلفت الاسطر القليلة التي قرأتها انقلاباً جذرياً داخل نفسي. بل إنها قررت مصير مستقبلي منذ تلك اللحظة. وقد ظهر ذلك في شعري فيما بعد, على ما أحسب, حيث اللغة والصورة تصعدان من أرض الواقع ومكانه في اتجاه السحر. والأمر لم يكن حزيناً جداً في تلك الآونة. فأحزان الماء والقرى الجنوبية كانت حزناً جميلاً: القرويون الفقراء والدموع والآنية المملوءة بالماء والسوق والليل والساحرات, وأول وجه مدوّر أحببته في حياتي (وجه نوال..) سحرني أسلوب المنفلوطي الجميل، بفصاحته، وعذوبته، وعباراته المنتقاة، وحسن معانيه، فصرت أتقصى كتبه لأشبع نهمي، مستمتعا بقراءتها متأملا أحداثها، متأثرا بها أيما تأثر. فقرأت كل ما وقع تحت يدي من كتبه. واقتنعت وقتها بأنني أمتلك المؤهلات اللازمة التي يحتاج إليها الأديب من حس صادق مرهف، وفهم للنفس البشرية، وإدراك أن ما نراه من مظاهر التصرفات الخارجية للإنسان، ما هو الا ردود فعل في الواقع لانفعالاته الداخلية. وكرست منذ ذلك الوقت حياتي للأدب، ولم أحد عن هذا الاتجاه في تحديد مستقبلي فيما بعد في دراساتي الأكاديمية.
وعندما وقع علي الاختيار لأكون أحد طلاب البعثة عام 1943، وبعد ان استقر بي المقام في القاهرة، اتسعت دائرة اهتماماتي الأدبية لتشمل النجوم البارزة آنذاك في سماء الأدب، طه حسين، وتوفيق الحكيم، والزيات، والمازني، ونجيب محفوظ وغيرهم من الأدباء المرموقين.
كما استهوتني كتابات الدكتور محمد حسين هيكل، والدكتور أحمد أمين، وبعض كتب العقاد، وخصوصا عبقرياته، وعلى الأخص عبقرية عمر. كما كنت أترقب مجلتي الرسالة والثقافة كل أسبوع لألتهم ما تشتملان عليه من مقالات أدبية. وفي خضم تلك التجربة طرأت على بالي فكرة جديدة، فقد أيقنت في داخلي، أنني حتى أصبح أديبا يشار إليه بالبنان، فإنه لابد من الاطلاع على الآداب العالمية. وهذا لا يتيسر لي إلا إذا أجدت لغة أجنبية، بجانب لغتي العربية، التي لاشك أنها كانت الوسيلة للاطلاع على الآثار الأدبية العربية، سواء أكانت شعراً أم نثراً، منذ العصر الجاهلي وحتى العصر الراهن. ولذلك فإنني حينما أنهيت المرحلة الثانوية في المدرسة السعيدية بالقاهرة، التحقت بكلية الآداب ـ قسم اللغة الإنجليزية، إيمانا مني بأن هذه اللغة ستكون مفتاحي للاطلاع على آداب اللغات الأخرى. هذا إلى جانب اطلاعي على عالم الأدب الإنجليزي، وهو غني بأفكاره، واتجاهاته.
لا أدري كيف. فإنه في هذه الفترة من عمري استولت على اهتماماتي الأدبية كتب إبراهيم عبدالقادر المازني، أكثر من غيره من الأدباء. كنت مأخوذا بأسلوبه الفذ العميق، الذي تستوقفك عباراته، وتلزمك بالتأمل لإدراك  أبعادها ومغازيها.
كما كنت متأثرا بنظرته الفلسفية الواقعية لحياتنا، وتفاهة الكثير مما نتظاهر بالاحتفال به، باعتباره خلقاً أو إبداعاً. إن المتأمل في أعماله الأدبية لاشك يدرك هذا الاتجاه الذي يعكس صفحة نفسه المجبولة على التواضع الجم، وأن جل ما يبذله الإنسان في دنياه الطارئة لا يعدو أن يكون قبضا للريح، أو حصاداً للهشيم. ولعل العبارات التالية تلخص مجمل رؤاه في الحياة:(الفرق بيني وبين هملت، أنه معني بالحياة والموت، وبأن يكون أو لا يكون، وبأن يبقي على نفسه أو يبخعها، أما أنا فلا يعنيني شيء من هذا، ولست أراني أحفل لا بالحياة، ولا الموت، ولا الوجود ولا العدم، أو لعل الأصح والأشبه بالواقع أن أقول أني لا أرى وقتي يتسع للتفكير في هذا).
وتأمل في عناوين كتبه: صندوق الدنيا، من النافذة، ميدو وشركاه، عود على بدء، إبرهيم الكاتب، إبرهيم التاني. ولاحظ أنه لم يعن حتى بإضافة الألف إلى اسمه، فكان يكتبه (إبرهيم) وليس (إبراهيم).
بل إن ديوانه الشعـري لم يعن به، ولم يُعد طبـعه إلا قريبا، ذلك لأنه يعتقد في قرارته أنه لم يكن شاعراً مجيداً، مع نقده اللاذع لأشعار شاعرين كبيرين هما: أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم.
استعداد فطري
وفي القاهرة، وأنا في خضم هذه الاهتمامات الأدبية، قرر بعض طلاب بيت الكويت الذي أسسه المرحوم الأستاذ عبدالعزيز حسين، تلقي دروس خصوصية في الموسيقى على يد أستاذ مصري. هذا هو الشيخ الكبيسي ابن الأنبار الأزهري عاشق القاهرة وقاطن بغداد ومحاضر دبي، وهو عراقي الجنسية عربي اللسان عالمي الانتماء، وفي هذه الكلمات العينية الثلاث يمكن أن نجمل الرأي في هذا الرجل. هو عراقي، يفيض بالشعر وبالقدرة على المحاورة وبالعلم، فقد ولد بالكبيسة في العراق عام 1934 وهي قرية من قرى الأنبار تعد آخر قرى العراق قبل بادية الشام، ثم انتقل إلى الفلوجة بالعراق لتلقي تعليمه الابتدائي والثانوي ثم رحل لمصر ليكمل تعليمه العالي بالأزهر الشريف الذي حصل منه بعد ذلك على الدكتوراه عام 1970  . وهو عربي، فقد عشق اللغة العربية منذ الصغر وحفظ القرآن وهو في العاشرة وقرأ أمهات كتب اللغة من ألفية ابن مالك إلى شرح السيوطي إلى المغني  في صباه الباكر. وهو يقضي معظم وقت دراسته في قراءة القرآن وتدبر معانيه، والكثير من اجتهاداته الفقهية مبنية على التفسير اللغوي للقرآن متأسيًا في ذلك بالعلامة الراحل الشيخ محمد متولي الشعرواي والذي يقدره الكبيسي كثيرًا. وقد تولى الكبيسي عددا من المناصب العلمية في كثير من الجامعات والأكاديميات الإسلامية منها رئاسة قسم الشريعة في كلية الحقوق بجامعة بغداد، وقسم الدراسات العليا في الجامعة الإسلامية ببغداد، وقسم الدراسات الإسلامية في جامعة الإمارات (وهو أحد مؤسسيها)، كما اختير عضوا بالمجلس الأعلى في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وللشيخ الكبيسي ما يقارب الثلاثين إصدارًا من مؤلفات وأبحاث منشورة في شتى المجالات من أهمها: المرأة والسياسة في صدر الإسلام، وفلسفة نظام الأسرة في الإسلام، والأحوال الشخصية في الفقه والقضاء والقانون ( جزآن)، وأحكام جناية السرقة في الفقه والقانون، والفقه الجنائي الإسلامي، وأحسن القصص في القرآن الكريم، والقضاء في الإسلام، وفي رحاب القرآن، والغبن والتغرير في عقد البيع، والتركة: تكوينها ومدى تعلق الحقوق بها. وهو عالمي الرؤية، يعرف عصره جيدًا وتنقل بين أرجاء المعمورة فدرس في القاهرة، ودرًس في دبي، وحاضر في عمان، ومثله مثل الشيخ الشعراوي، يستفيد كثيرًا من ثورة الاتصالات والمعلومات الحالية، فهو وجه معروف لكل مشاهدي الفضائيات، وهو ضيف دائم على برامج قنوات فضائية كثيرة مثل: اقرأ (منبر الشباب، والمنبر الحر)، ودبي الفضائية (أحسن القصص، تفسير القرآن)، والجزيرة (الشريعة والحياة) وغيرها من برامج أخري مثل:نحو فهم جديد للقرآن الكريم، والكلمة وأخواتها،والمرأة في القرآن،وفيها كتب قيمة، وآية تبحث عن معنى،والنبأ العظيم، واتقوا النار..وعبر هذه القنوات ومن خلال هذه البرامج التقيت الشيخ الكبيسي وكان لقاؤنا حافلا بالقصص والمسامرات والنوادر والكثير منها مهم ومفيد ومن خلاله ربما نستطيع أن نسبر أكثر غور هذه الشخصية العميقة. اللقاء الأول..على الهواء والمقاهي! كان لقاؤنا الشخصي الأول في عمان عام 1998، وكنا في ضيافة الأصدقاء د. ماهر أبو الحمص، والأستاذ هاشم الكفاوين، والأستاذ عماد الدين الخطيب وباقي أسرة برنامج " منبر الشباب" ومقدمه د. محمود الرشدان، وبرنامج "المنبر الحر"، ومقدمه د. وليد سيف، كنا مجموعة من الضيوف من مختلف أرجاء الوطن العربي الكبير في ضيافة أسرة "سجى" ـ الشركة التي تنتج البرنامجين الناجحين ـ.وأذكر من الضيوف: خالد الحروب من فلسطين، وصلاح الدين الجورشي ود. أحمد النيفر من تونس، ومجموعة من الشباب الأردني الكريم  منهم محمد عربيات وعلي كفاوين، وآخرين ربما نستهم الذاكرة وإن لم ينسهم القلب. كانت المجموعة تلتقي في الصباح حول إفطار عامر في الفندق وتبدأ المناقشات في شتى الموضوعات: سياسية، دينية، شعر، فن، ودائمًا كان الشيخ الكبيسي نجم هذه المسامرات. وعُرضت علي الفكرة، فقبلتها على الفور، لاستعدادي الفطري لإشباع هذه الهواية القابعة في الأعماق.
ولاحظت بعد فترة قصيرة من الزمن، أن حلقة الطلاب الملتحقين بهذه الدورة الموسيقية أخذت تتقلص شيئا فشيئا، حتى وجد أستاذ الموسيقى أن من الأجدى عدم الحضور كلية. إلا أنني وبعد أن اشتريت عودا من شارع محمد علي كلفني آنذاك ثلاثة جنيهات مصرية، واصلت طريقي من غير أستاذ، ودون الاعتماد على النوتة الموسيقية. واكتفيت بالاستماع إلى الأغاني الشائعة ثم تقليدها عزفا على العود. وتأكدت هوايتي للموسيقى، ولكنها لم تغير من تصميمي على الاستمرار في تخطيطي الأدبي. وهكذا كان الأمر معي حينما تخرجت من كلية الآداب بالقاهرة، والتحقت بجامعة (اكستر) في المملكة المتحدة عام 1952، حيث قضيت سنتين فزت بعدهما بدبلوم عال بعد أن كللت رسالتي بالنجاح، والتي كنت قد كتبتها عن (جين اوستن) الكاتبة الإنجليزية المشهورة، والتي عاشت في القرن التاسع عشر. كنت مفتونا بأسلوبها الرشيق، المقنن، والمتزن.
وعدت بعد هذه التجربة إلى الكويت لأبدأ حياتي العملية، فمن أستاذ للغة الإنجليزية، إلى وكيل لمدرسة ثانوية إلى مفتش للغة الإنجليزية، ثم إلى ملحق ثقافي في لندن.
وفي هذه الفترة التي امتدت من عام 1954 إلى عام 1959 في الكويت التقيت الأستاذ عبدالرؤوف اسماعيل، الذين كان أستاذا لمادة الموسيقى في مدارسها. شاقني عزفه المتميز والمعبر على العود، فتعلقت به أيما تعلق. واستطاع بتمكنه من الموسيقى العربية، واطلاعه الواسع على مقاماتها، وصوته الجميل، أن يبعث في نفسي من جديد هذه الهواية، وأن يبصرني أكثر بمواقع الجمال فيها، وأن يعمق حبي لها. واتفقنا على أن نلتقي يوم الجمعة من كل أسبوع في سكني. فلما عرف وقت إعدام الشهيد سيد قطب من الصحف قال: "أدركت أن لحظة اختناقي هي نفس اللحظة التي شُنق فيها سيد قطب". وكان شاعر الهند الكبير محمد إقبال من المعنيين كذلك بكتابات المودودي، وكتب ذات مرة: "إن هذا الشيخ يعرض دين الرسول (صلى الله عليه وسلم) بقلم مداده الدم"، أما المودودي، فيقول: "كان بيني وبين إقبال انسجام كبير في الآراء، والمخطط الذي كان في ذهني كان نفسه في ذهن إقبال". حتى إن المودودي حين بلغته وفاة إقبال بكى قائلا: "فقدت أكبر سند لي في الدنيا بموت هذا الرجل العظيم".. وبعدها بوقت قصير ذهب إلى لاهور وقبل عرضًا من كلية "حماية الإسلام" بأن يكون محاضرًا شرقيا، وألقى محاضرات عن الإسلام لمدة عام، كما ألقى محاضرات في عدة جامعات أخرى. تأسيس الجماعة الإسلامية.. الدرس الرابع في "حشد الصفوف" وفي 24-8-1941 اجتمع المودودي مع عدد من الرجال الذين تحمسوا لفكره، ودرسوا إنشاء هيئة تدعو إلى إقامة النظام الإسلامي، ووضعوا في نفس اللقاء القانون الأساسي للجماعة الإسلامية، يتضمن عقيدتها وأهدافها.. فعقيدتها هي ما تحمله كلمة الشهادة: "لا إله إلا الله، محمد رسول الله". وأهدافها إقامة الدين في الحياة الفردية والحياة الجماعية، وبعد ذلك بيومين صادقوا على القانون الأساسي للجماعة، وانتُخب المودودي أميرًا لها، وقد بدأت بـ 75 عضوًا، وأصبح أتباعها الآن يُقدَّرون بالملايين. وفي تلك الأثناء استدعى جميع رجال الجماعة الإسلامية، وكلفهم مهمة خدمة اللاجئين، وكانوا آلافًا مؤلفة قتل منهم آلاف على الطريق، وأصيب آلاف بالجروح خلال الاحتكاكات بين المسلمين وبين الهندوس والسيخ، كما ضاع آلاف الأطفال وخطفت آلاف البنات المسلمات، وأقامت الجماعة مخيمات لاستقبال اللاجئين، وكانوا يطبخون الطعام ويداوون المرضي ويدفنون الموتى. كان هذا الشاب هو "كات ستيفنز" الذي كان يلقب بملك موسيقى الروك آند رول في بريطانيا، وحين استجاب الله له ونجاه من ضره، كان أول ما حرص عليه أن يبر بوعده فلم يمكث كثيرًا حتى أعلن إسلامه وصار يوسف إسلام أشهر دعاة الإسلام في الغرب الآن! رحلة البحث عن اليقين ولد ستيفن جورجيو في 21 يوليو 1947 بلندن في بيت مسيحي متعدد المذاهب، فقد كان أبوه يونانيًا أرثوذكسيًا، بينما والدته سويدية كاثوليكية، في الوقت الذي يعيش فيه المجتمع البريطاني طبقًا لتعاليم الكنيسة الإنجيليكانية، أدخلته أمه مدرسة دينية تعلم فيها أن الإنسان يمكن أن يصير إلهًا إذا أتقن عمله، فشجعه هذا على إجادة الغناء؛ إذ إنه سجل 8 شرائط قبل أن يبلغ العشرين من عمره، ووصلت إحدى أغنياته ضمن أفضل 10 أغنيات في بريطانيا آنذاك، فغيّر اسمه إلى كات ستيفنز، وهو الاسم الذي ذاعت به شهرته وأصبح يحلق في آفاق أوروبا كلها أثناء موجة "الهيبز" في ستينيات القرن الماضي ولم يكن قد تعدى الثانية والعشرين من عمره بعد! وعندما أتم عامه الثاني والعشرين أصيب كات ستيفنز بمرض السل الذي أقعده في الفراش معزولاً عن الناس في أحد المستشفيات لمدة عام تقريبًا عكف فيه على القراءة في كتب الفلسفة والتصوف الشرقي وتمنى لو أنه يعرف الطريق إلى اليقين الروحي؛ إذ كان يشعر بأن حياته بها شيء غير مكتمل على الرغم من النجاح الذي حققه، وفي النهاية قرر أن يعود إلى الغناء ولكن بمفاهيم جديدة تتسق مع ما قرأه في أثناء المرض. وبالفعل حققت أغنيتاه "الطريق لمعرفة الله"، و"ربما أموت الليلة" نجاحًا كبيرًا زاده حيرة، فطرق باب البوذية ظنًا منه أن السعادة هي أن تتنبأ بالغد لتتجنب شروره، فصار قدريًا وآمن بالنجوم وقراءة الطالع، ثم انتقل للشيوعية ظنًا منه أن السعادة هي تقسيم ثروات العالم على الجميع ولكنه شعر أنها لا تتفق مع الفطرة، فاتجه كات ستيفنز إلى تعاطي الخمور والمخدرات ليقطع هذه السلسلة الصعبة من التفكير بعد أن أدرك أنه ليست هناك عقيدة توصل إلى اليقين، وعاد إلى تعاليم الكنيسة التي أخبرته أن الله موجود ولكن يجب أن تصل له عبر وسيط، فأدى هذا به إلى أن يختار الموسيقى دينًا له يفرغ فيها أفكاره ومعتقداته. الطريق إلى الإسلام وتصادف حادث الغرق ومرض كات ستيفنز بالسل مع عودة أخيه من رحلة زار فيها القدس وأحضر فيها هدية له عبارة عن نسخة مترجمة من القرآن. ويحكي كات هذه اللحظة في مذكراته: "أمسكت بالمصحف فوجدته يبدأ باسم الله، فنظرت للغلاف فلم أجد اسم مؤلف، حاولت أن أبحث فيه عن ثغرة أو خطأ فلم أجد، إنما وجدته منسجمًا مع الوحدانية الخالصة؛ فعرفت الإسلام". وبعدها قرر كات ستيفنز السفر إلى فلسطين، ودخل المسجد الأقصى فأحس بالطمأنينة، وعندما رجع إلى لندن التقى بفتاة مسلمة صرح لها برغبته في إشهار إسلامه فأخذته إلى المركز الثقافي الإسلامي بلندن، وهناك نطق بالشهادتين وأعلن إسلامه. وفي تلك اللحظة طوى الشاب الإنجليزي صفحة "كات ستيفنز" تمامًا وأصبح يعرف باسم "يوسف إسلام". الدعوة بالموسيقى الهادئة! وبدخوله الإسلام اعتزل يوسف إسلام الموسيقى الصاخبة ورأى أن يستغل موهبته التي أعطاه الله إياها في خدمة الدعوة إلى الله فقام بتسجيل عدد كبير من الأناشيد الدينية التي ألفها بالإنجليزية مع تطعيمها بكلمات وجمل عربية لإكسابها روحًا إسلامية عذبة، فبدأ منذ 1993 في تسجيل مجموعة من الألبومات وصلت حتى الآن إلى 10، وحرص في تلك الألبومات على إيصال قيمة ومفهوم الإسلام للمسلمين وغير المسلمين؛ إذ تضمنت هذه الشرائط أناشيد وأغنيات دينية ذات محتوى تثقيفي تعليمي. فقدم أول ألبوماته الإسلامية كمنشد بعنوان "حياة آخر الأنبياء" الذي روى فيه القصة الكاملة لحياة الرسول، كما تضمن أغنية "طلع البدر علينا"، وتلاه بالألبوم الثاني عام 1997. كنت أسجل المقطوعات الموسيقية المقررة بعوده، ثم أعيد عزفها على مسامعه في الأسبوع القادم.
وكانت بيروت هي محطتي الأولى في وزارة الخارجية، حيث كنت وزيراً مفوضاً ومساعداً للسفير. وهناك تعرفت على عازف العود الشهير منير بشير. كنت أعجب بعزفه الدقيق، وتحكمه بالريشة، وقدراته الفنية المتعددة، التي تنتقل بك من أجواء هادئة حالمة، إلى أجواء مشحونة بالإثارة، حتى يتحول العود بين يديه إلى ما يشبه الأوركسترا الهادرة والمعبرة عن أشد الانفعالات قوة.
وعندما تم نقلي إلى جنيف في أواخر عام 1969 مندوبا دائما في مكتب الأمم المتحدة، وبعد أن استقر بي المقام، تعرفت البروفيسور سيمون جارجي أستاذ الأدب العربي والدراسات الإسلامية في جامعة جنيف، وعلى مدى الأيام توثقت هذه العلاقة وصارت صداقة متينة واستمرت حتى اليوم، نظرا لتشابه اهتماماتنا الأدبية والموسيقية. والحق يقال، أنني استفدت كثيراً من علمه الغزير في الموسيقى العربية. وكان يجيد اللغة العربية كأحد أبنائها، بالإضافة إلى اللغة الأم (الفرنسية)، كما أنه يجيد الإنجليزية. أما والد هبة فبعد أن  سمع من الناس في الشارع عن تنفيذ ابنته لعملية استشهادية، ذهب مسرعاً لمنزله، فلم يجدها هناك، وبعدها ذهب لمنازل شقيقاتها الثلاث ، فلم تكن هناك أيضا، فأيقن صحة الأنباء التي يتناقلها أهالي البلدة. "ثأر العفولة" في نفس اليوم الذي كانت فيه وزارة "أبو مازن" تتلقى التهاني بعد تصديق المجلس التشريعي عليها، يوم الثلاث 29/4/2003م قام العدو الإسرائيلي باغتيال "محمود صلاح" قائد كتائب شهداء الأقصى في بيت لحم ومساعده "عدنان الجواريش". في اليوم التالي وفي الوقت الذي كان "أبو مازن" يتسلم نص خريطة الطريق ارتكب العدو الإسرائيلي مذبحة "حي الشجاعية" في مدينة غزة التي سقط فيها خمسة عشر شهيدًا من بينهم طفل رضيع، وثلاثة أشقاء هم القائد  في كتائب القسام "يوسف خالد أبو هين" وشقيقاه محمود وأيمن، والشهيد الأديب الشاعر رامي سعد. ولم تمض أيام قليلة حتى قامت طائرات العدو الإسرائيلي باغتيال "إياد عيسى البيك" أحد كوادر القسام في غزة، واستمر مسلسل الاغتيالات الذي طال عشرات الكوادر الفلسطينية، واستمرت عمليات التوغل الإسرائيلية داخل المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، وما يرافق هذا التوغل من قتل وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها وتجريف الأراضي . وقد أصدر كتابه المعروف (الموسيقى العربية) عام 1971 باللغة الفرنسية. وكان الناشرون الغربيون يعتمدون كثيراً على معلوماته وآرائه في مجال الموسيقى العربية في دورياتهم ومجلاتهم ومراجعهم العامة باللغتين الفرنسية والإنجليزية.
وفي أحد الأيام اقترح علي أن نقوم برحلة استطلاعية عن أحوال الموسيقى الإسلامية، وتسجيل الممكن منها لتثبيت مختلف اتجاهاتها. فوافقت على اقتراحه فوراً. وفي أبريل من عام 1973 قمنا برحلتنا الأولى بالسيارة، ابتداء من جنيف وانتهاء بلبنان، مروراً بالأصقاع التركية والسورية. والحقيقة أننا كنا نقصد بشكل خاص مدينة (قونيا) لزيارة متحف المتصوف الإسلامي المعروف جلال الدين الرومي، للاطلاع على ما خلفه من مخطوطات شعرية ومن آلات موسيقية.
وبينما كنت والبروفيسور جارجي منهمكين في الاطلاع على مخطوطاته الشعرية، وعلى الأخص مثنويته، وكذلك الآلات الموسيقية التي يستخدمها، فوجئنا بعزف منفرد على الناي، صادر من ضريح جلال الدين الرومي، القائم في وسط المتحف، عن طريق سماعات مثبتة على جانبي القبر، غير ظاهرة للعيان. كان العزف شجياً، حزيناً ومؤثراً هزنا من الأعماق، كما لو كان مرثية لشخص مات تواً. وأصخنا بكل جوارحنا إلى عزف الناي حتى نهايته. ومعروف أن جسد جلال الدين الرومي قائم في قبره، وليس مسجى كما هي العادة. ومن فرط إعجابنا بعزف الناي الشجي، توجهنا إلى مدير المتحف، لمعرفة المزيد عن العازف. واستطعنا عن طريقة تعرف اسم العازف، وعنوانه. واتضح أنه كان صيدلانيا اسمه حسين أوكسوس. ودعوناه إلى الفندق، فلبى الدعوة، واخترنا غرفة هادئة، منعزلة لتسجيل عزف الناي المعبر على آلة الناجرا التي لا تفارقني في رحلاتي.
حين يعود بنا حسين إلى طفولته, في قريته الفلسطينية, نرى طفلا جبليا فظا, لكن فيه خوفا هو (خوف الجبل من البحر), ومن اللافت أن الجبل سيكون المنقذ له من كثير من البحار التي يجد نفسه أمامها. وسيظل حلم البحر يطارده, هو ذلك الجبلي الفظ, إلى أن يغريه البحر أن يلتقي نفسه, ويبدو في حاجة ماسة إلى الأمان والتوازن, ويشعر بأن العالم يغتصبه حتى القلب, فيبكي ويبكي, حتى يقول له (بري): (دموعك آخر شكل للفيضانات: الآن البحر يرشح منك على هيئة دمع... تعارف طفل الجبل الذي فيك والبحر الذي فيك, وصرتما واحدا, واتسعت, فطوبى لمن يتسعون). وفي عودة إلى طفولته, سنجد أن الروحانيات التي سيبحث عنها, في سياتل, أو سيلتقي بها عرضا, لها جذور في تلك الطفولة, سواء أسمينا (هذه الروحانية جناً, أو قمراً دخانياً, أو لغزاً, أو غولاً أو بلاهة, أو حكاية شعبية...), فقد كان الطفل الجبلي ذاك متعددا يشعر أنه يوجد فيه (أشخاص كثيرون). لكنه بين هؤلاء الأشخاص الذين يسكنونه, كان هو الكائن الذي بلا اسم, بين (المسمى) و(اللامسمى), ومفتونا بسحر اللغة والكلمات المغلقة. غربة هذا الكائن لم تبدأ من غربة المكان (الأمريكي), بل من غربته في بيته وبيئته وحارته ووطنه, حين كان الناس يسمونه (الأهبل), و(السطل), و(الأطرش), ثم فجأة راحوا ينادونه بـ(العبقري), وتجسدت غربته المبكرة في (حب الأشياء), بدلا من حب الناس. وكان لقب (الأطرش) يلائمه, لأنه يتيح له أن لا يسمع ما لا يريد أن يسمعه. فنما الطفل وحيدا, كثير التفكير والتأمل في كل ما يلتقي به من (أشياء) كأنه كان يستعد لهذه الرحلة الصوفية, للاستشفاء من وحدته بوحدة أعمق! أغاني شعبية
أما في رحلتنا الثانية فقد توجهنا إلى البحرين بالطائرة في شتاء 1975، وتمكنا من تسجيل بعض الأصوات والأغاني الشعبية للمرحوم يوسف القوني، المغني البحريني المعروف، وكذلك للمغني آدم عبدالوهاب.
ثم قمنا بعد ذلك بزيارة (دار جناح) في المحرق، حيث كان في استقبالنا عدد كبير من البحارة المتقاعدين وعلى رأسهم النهامون: سالم العلان (الكفيف)، وهلال بوخالد وأحمد بوطبنية. وسجلنا لهم   (فن زمية وفن مخموس وفن مجيلس وعدساني وحدادي). وأذكر أنني دعوت الموسيقار السوفييتي المعروف خاتشادوريان إلى حفلة عشاء في منزلي بموسكو. وأدرت التسجيل أمامه، فقام من مقعده وتوجه إلى جهاز التسجيل وكله آذان صاغية. وقال بعد أن استمع : إنه تأثر بغناء النهمة، وبجمال الإيقاعات الغريبة عليه، والمصحوبة أحيانا بالتصفيق، وبتناسق أصوات المجموعة التي تشكل خلفية رائعة.
وغادرنا بعد ذلك إلى أبوظبي، عاصمة دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي منزل السفير الكويتي ـ وقتها ـ سليمان ماجد الشاهين، الذي عرف غايتنا من الزيارة، وأكرم وفادتنا، أقام لنا مأدبة عشاء دعا إليها المغني المعروف محمد زويد مع عازف المرواس راشد بن سند، وحضر مع زويد المغني السيد خالد، الذي أشجانا بصوته الرخيم، ومن بعض الأغاني التي استمعنا إليها وسجلناها تلك الليلة: لمع البرق اليماني (صوت شامي)، وحشاشة نفس (صوت عربي).
أما رحلتنا الثالثة فكانت عام 1976 طرنا فيها إلى عاصمة اليمن (صنعاء)، وكانت غاية زيارتنا تسجيل الأغاني الشعبية اليمنية، ذات الايقاعات المتعددة، وكان السفير الكويتي إبراهيم البحوه كريماً معنا، فدعانا إلى وليمة عشاء، وكان من ضمن المدعوين اليمنيين المغنيان علي أحمد الخضر ومحمد الحارثي، فتمكنت من تسجيل بعض الأغاني اليمنية ذات الإيقاعات المميزة ومنها: الصوت الصنعاني، وايقاع السارع والمطول والوسطي. كما اطلعنا على العود الصنعاني المشهور في زيارة أخرى في دار الشيخ عبدالله شايف زهرة، حيث حضرنا جلسة (قات) عند العصر. واستمعنا في هذه الدار إلى أغاني صنعانية قديمة الإيقاع، من قبل المغني اليمني محمد الحارثي.
ولا يمكن أن أنسى البحر الواسع الذي يمتدّ إلى أبعد ما تستطيع العين رؤيته, فيكون أزرق ساكناً يتصل بزرقة السماء في الأفق أو أبيض يتموج مزيداً إذا ما هبت الرياح. ما أذكره من أيام طفولتي محطات أخرى كثيرة: طيور السنونو وهي تحلق في بداية الخريف أو تصطف متكاتفة على أسلاك الكهرباء أمام شرفة منزلنا, وأرتال البغال تأتي بأكياس الزيتون المبللة وتطرحها أمام معصرة الزيتون بالقرب من حيّنا, ورائحة الزيت وهي تنتشر متطايرة يحملها النسيم البارد فتملأ أنوفنا الصغيرة, وضجيج أحجار الرحى وهي تدور في المعصرة وتدور بلا توقف, والشتاء المنهمر يبلل رءوسنا الصغيرة خلال الأيام الأولى من السنة المدرسية, والفيضان الذي غمر أحياء المدينة القديمة بعد أيام عدة من الأمطار الغزيرة المتواصلة, والشوارع القاتمة الحزينة والوجوه المكفهرة بعد أخبار نكسة يونيو 1967, ووفاة جمال عبدالناصر ومظاهرات الغضب والحزن الرافض. وإن أنسى لا أنسى أمسيات رمضان المتلألئة في شوارع المدينة الضيقة, حيث الناس ينشطون في الأزقة, ويتزاحمون في الدكاكين وفي المقاهي, يسهرون ويتسامرون, يصلون ويتعبّدون, حتى ارتفاع نقرات طبول المسحّرين إيذاناً بقرب وقت الإمساك. وأذكر من هذه الحقبة الجوامع العتيقة التي شهدت انتصارات القادة المسلمين على مرّ السنين. وخصوصاً (الجامع المنصوري الكبير) الذي يتوافد إليه الأهالي زرافات ووحدانا, الأجداد بصحبة الأحفاد, والرجال فيما بينهم, كل واحد منهم يحتفظ بموقع له في باحة المسجد, هذا في الزاوية وذاك قرب الحائط, أما الآخر فقد أخذ مكان والده الذي توفي أخيراً بجوار المنبر, في حين يأبى ابن عمه إلا أن يصلي لصق الصندوق الذي يحضن خصلةً من شعرات النبي صلى الله عليه وسلم, وكانوا جميعهم يأتون خاشعين لقراءة القرآن, أو للاستماع لدروس الشيخ, أو لإقامة صلاة التراويح. وأجمل ذكريات الطفولة أيام عيد الفطر السعيد, حيث كنا نقضي آخر أيام رمضان المبارك ونحن نبحث في الأسواق المزدحمة عن الثياب الجديدة. وننتظر في آخر يوم أن تدوّي المدافع معلنة نهاية شهر الصوم, فنتزاحم في البيت أنا وأخوتي في الصالون الكبير لنفرش الجاكيت والبنطال على الأريكة الكبيرة ونضع الحذاء اللماع الجديد أمامها. وفي صبيحة العيد, كنا نزحف مع الزاحفين إلى المقبرة, الرجال يدخلون من باب والنساء من باب آخر. وفي عام 1973 ألقت بي مقادير العمل إلى موسكو، عاصمة الاتحاد السوفييتي آنذاك. وهنا يجب التوقف قليلاً، لأن السنين الخمس التي قضيتها في موسكو، أحدثت انقلابا جذريا آخر في حياتي، وأحيت ناحية مهمة  قابعة في أعماق الروح، وهي تعلقي بالموسيقى. ولكن أي نوع من الموسيقى أستمع إليه هنا? إنها من النوع الراقي الذي يجمع بين الفن والعلم والتجربة. وأتيحت لي الفرص لمشاهدة الأعمال الأوركسترالية العظيمة في مسارح البولشوي والكرملين وتشايكوفسكي وغيرها. بهرني بالذات، هذا التعاون التام بين أعضاء الأوركسترا، واستجابتهم لإشارات المايسترو بانتباه ووعي ونظام. هذا إلى جانب ما أسمعه من تراكيب موسيقية مركبة لم أتعودها، والتي أبدع فيها المؤلف الموسيقي، بما بذله من جهد عظيم في اختيار نسيجها الموسيقي، المبني على قواعد، وعلى ذوق، وعلى خبرة واسعة. وبهرني أيضا هذا الاستثمار الذكي للمساحة الفسيحة المتيسرة في الآلات الموسيقية في الأوركسترا، فمن آلات حادة، يرتفع مداها إلى الأعلى، كاليكولو والفلوت، إلى آلات ينخفض صوتها كالتيوبا والكاونترباص. هذا إلى جانب توظيف آلات الإيقاع وهي متعددة لخدمة الأفكار الموسيقية.
تراث وتقنيات
وطرأت على بالي فكرة، وألحت علي مع الأيام، حتى ترسخت في الذهن. هل من الممكن أن ننقل إلى الغرب في المستقبل، موسيقانا المطورة، عن طريق أوركسترا عربية قادرة على نقل روح موسيقانا، ذات الشفافية الروحية، بشكل متقن وراق? ولكن كيف الطريق? وما الوسائل? واقتنعت في داخلي بأن أبدأ بنفسي رغم تقدم السن، وعدم وجود خلفية موسيقية لدي. وقد تعودت دائما أن أسبح ضد التيار إذا ما تملكني الشعور بسلامة رأيي، يؤيدني في ذلك استعداد فطري، وحب للموسيقى، وعزيمة صادقة. وقررت أن أبدأ من الصفر. وأن أتعلم النوتة الموسيقية، وأن أكتب بها، وأن أغتنم فرصة وجودي في موسكو حيث تتوافر الإمكانات لدراسة الهارموني والبولوفوني والتأليف الموسيقي وما يتطلبه من تقنيات لابد منها في العمل السيمفوني. كنت أصحو والناس نيام، لأؤدي واجباتي الموسيقية، كأي طالب مجد قبل أن أتوجه إلى مكتبي لمزاولة أعمالي الدبلوماسية. وقد عاهدت نفسي منذ البداية على ألا تؤثر هوايتي الموسيقية المتمكنة في قلبي على عملي الرسمي. وقد وفيت بهذا العهد والحمد لله. وعلى مدى السنوات الخمس التي قضيتها في موسكو، تعرفت خاتشا دوريان المؤلف الموسيقي الكبير، والمعروف عالميا. بل إنني حضرت بعض دروسه. كان ديكتاتورا في مهنته الموسيقية. لا يجامل، أو يتنازل عندما يكتشف خطأ ما عند طلابه. وكان طلابه يحسبون له ألف حساب. وقد تمخضت جهودي الأولى في تأليف موسيقى وطنية قائمة على المقطوعة الشعرية للمرحوم أحمد مشاري العدواني (يا دارنا يا دار)، والتي لحنها الموسيقار رياض السنباطي.
وقد ساعدني البروفيسور ميخائيلوف في التوزيع الموسيقي، وتم تسجيلها في استديو الإذاعة والتلفزيون في موسكو بتاريخ 13/9/1977 من قبل الأوركسترا السيمفوني للراديو والتلفزيون بقيادة المايسترو فلاديمير فيدوسييف.
إلى البرازيل
وعندما تم نقل خدماتي من الاتحاد السوفييتي إلى البرازيل عام 1978، كانت الأسس السليمة قد ترسخت في ذهني، مما ساعدني على مواصلة مهمتي الموسيقية، فعندما استقر المقام بي في برازيليا، عاصمة الاتحاد الفيدرالي للبرازيل، اتفقت مع أستاذ من أصل إنجليزي، كان يدرس في كلية الموسيقى في برازيليا. وعن طريقه استطعت أن أواصل ما سبق وأن بدأت به من هارموني وألحان معارضة وتقنيات موسيقية أخرى تعينني في التأليف الموسيقي. وكالعادة، اخترت مساء الجمعة من كل أسبوع، لتلقي الدروس، وذلك لكي أستفيد من يومي السبت والأحد في القيام بواجباتي الموسيقية، إضافة إلى استلهام أفكار جديدة وكتابتها بالنوتة، ثم التخطيط لتنظيمها في إطار ما تعلمته من مهارات فنية في جمل موسيقية مركبة ومتناغمة.
وأذكر أننا دعينا إلى افتتاح مسجد في بونتاجروسا، وهي ثاني أكبر مدينة في ولاية بارانا، ويقطنها الكثير من المهاجرين العرب، وكنت ضمن وفد من السفراء العرب. وفي إحدى الأماسي في بونتاجروسا، دعانا رئيس البلدية إلى حفل موسيقي، وصادف وجودي بجانب مقعد مدير الأوركسترا وهو جوزيف القنواتي، من أصل عربي سوري. وفي مجرى الحديث العام عن الموسيقى، ذكرت له أن لدي محاولات في التأليف الموسيقي، فانشرح صدره وقال: إننا في شوق لعزف موسيقى عربية مطورة، وطلب مني إرسال النص الموسيقي، وإن لم تخني الذاكرة، كان ذلك في أبريل من عام 1981، وواصل حديثه قائلاً: إننا في نوفمبر القادم سنقيم حفلاً موسيقيا، فإذا أرسلت ما لديك من موسيقى، كان لدينا الوقت الكافي للاطلاع عليها وتنفيذها، ويمكن أن تحضر هذه المناسبة. وبعد عودتي إلى مقر عملي في برازيليا، أرسلت إليه النص، وكان تحت عنوان (عود على بدء) وقد غيرته فيما بعد ليصبح (الخضوع للقدر). واطلع عليه المايسترو (هاس) وكان من أصل ألماني، وقبله. إلا أنني راجعت القطعة الموسيقية فيما بعد مع أستاذي الإنجليزي، وأضفت إليها آلات أخرى، وبعض اللمسات الفنية التي رأيت من المناسب إضافتها، ثم جعلتها الحركة الأولى لعمل سيمفوني مكون من ثلاث حركات سميته (رحلة حياة)، في ذكرى صديق عزيز قريب، اختطفته أيدي المنون وهو في مقتبل العمر.
وعندما أتيحت لي فرصة إعادة تسجيل هذا العمل السيمفوني في لندن خلال مارس 1998، كنت قد راجعته بحكم ما اكتسبته من خبرة في العمل الأوركسترالي، كما أضفت إليه حركة رابعة، وأصبح بذلك متكاملا حسب رأيي الخاص.
وتجمع لدي، بعد فترة من الزمن، عدد من الأعمال السيمفونية التي كتبتها بتأن، ومراجعة مستمرة من قبلي، ومن قبل أستاذي الإنجليزي الذي كان خبيرا في التحليل الموسيقي. كان يطلعني على أخطائي الفنية، فأبادر إلى تصحيحها، كما أنه يوجه مسيرتي بالذات في الألحان المصاحبة، وفي الهارموني، ويبصرني بعمليات الإبداع في بعض الأعمال الموسيقية العظيمة، وبالذات لبتهوفن وتشايكوفسكي.
ودفعني النجاح إلى أن أقوم بعمل سيمفوني أكثر طموحا ولأوركسترا متكاملة. وفي هذا الجانب تقدم الهيئة المساعدات للأسر المحتاجة للزكاة والحالات المرضية المستعصية وبعض الطلبة المحتاجين، وجميع الفئات التي يعوزها الدعم والغوث والإعانة، وبهذا تسعى الهيئة إلى تحقيق شعارها المتمثل في "معًا لا يعود السائل إلى السؤال"، وقد تحول هذا الشعار إلى مشاريع إنتاجية أطلقت الهيئة عليها مسمى التمكين، وهذه المشاريع في جلها ذات طابع تدريبي وتأهيلي، يعود بالفائدة على الفقير والمحتاج، ويحول السائل إلى عنصر منتج وفعّال في مجتمعه ووطنه من خلال تعليمه حرفة أو تدريبه على مهنة أو تمليكه مشروعًا إنتاجيًّا صغيرًا زراعيًّا أو حيوانيًّا أو مهنيًّا حتى يعول نفسه وأسرته دون الحاجة إلى ذل السؤال وما يتبعها من صد ونهر ورد، وبهذه المشاريع التمكينية الإنتاجية أسهمت الهيئة في حركة التنمية المجتمعية بالأقطار الإسلامية، وأعادت البسمة إلى وجوه آلاف اليتامى والأرامل والمعذبين، وساندت كثيرًا من الحكومات الإسلامية في إنشاء مثل هذه المشاريع الحرفية والتنموية.. وينفي أن تكون الهيئة قد تأثرت ماليًّا بفعل الحملة على المؤسسات الخيرية والإغاثية الإسلامية التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر، مؤكدًا أن قناعات الناس بأهمية دعم العمل الخيري قد تنامت، وهذا مرده إلى أن المتبرع لم يلتفت إلى هذه الاتهامات، خاصة أننا نتواصل معه بتقارير دورية ومشاريع إعلامية تبين حجم المشاريع الخيرية التي تنتجها الهيئة في المجالات المختلفة، ولغة الأرقام التي نوافي بها المتبرعين تعطيه الدافعية والارتباط بالعمل الخيري وتعطينا الاستمرارية. ويرى الحجي أن خدمة الفئات الضعيفة في المجتمع الإسلامي ليست عملا كريمًا وحسب، بل هي عبادة إسلامية تصل إلى حد الفريضة على الإنسان القادر عليها؛ حتى يتم إغلاق كل ثغرات الضعف في الجسد الإسلامي، والارتقاء بالضعفاء والمتضررين من أبناء المسلمين إلى مستوى إنساني لائق وكريم. العم أبو يعقوب لقد حفلت حياة الحجي بكل أشكال العمل الخيري؛ حتى أسماه البعض "إمام العمل الخيري بالكويت وقدوة الخيرين"، ووسمه آخرون بأنه مجدد في مجال الدعوة في شقها الخيري، ويعرف بين موظفي الهيئة وأبناء المجتمع الكويتي بالعم يوسف الحجي أو العم "أبو يعقوب" تقديرًا واحترامًا لمكانته والدور الذي يؤديه في الحقل الخيري، وذلك لقب أو كنية تنادى به الشخصيات المرموقة مجتمعيًّا جريًا على عادة أهل الخليج، وفي حياته ومسيرته الكثير من المواقف المشهودة. وبدأت بهذا العمل المحفوف بالمخاطر، والذي استغرق مني أكثر من ثلاث سنوات، في عمل متواصل ساعات الصباح الأولى، وأيام العطل والإجازات وأحيانا في المساء حينما يخلو برنامجي من أي ارتباطات رسمية. كنت مدفوعا بقوة خفية، أبتدع اللحن ثم أعيد النظر فيه بعد فترة، مبدلا، مغيرا حتى ترتاح نفسي لترتيبه المنطقي، فأبدأ في توزيعه على آلات الأوركسترا، ثم أعرضه على أستاذي الإنجليزي، فيبدي ملاحظاته الفنية التي آخذها بعين الاعتبار. ويساعدني في كثير من الأحيان في تنظيم الخلفية الموسيقية، وأحيانا يتفتق ذهني عن لحن جديد مناسب، أثناء بلورة اللحن الأساسي، ومحاولة كسائه، فأسجله بالنوتة قبل أن أنساه، وأثمرت هذه الجهود، بعد صبر وعناء عملا سيمفونيا من ثلاث حركات أطلقت عليه (السباحة ضد التيار). وعرضت ما لدي على المايسترو دي كارفاليو. وبعد أن درس العمل، أقره، وأبدى استعداده لتنفيذه. ولكن لابد في هذه الحالة من موافقة المؤسسة الثقافية للراديو والتلفزيون في البرازيل، ومقرها سان باولو. وبعد مراسلات مع المسئولين في هذه المؤسسة الحكومية، وعلى رأسهم (لويس)، المدير المالي للمؤسسة، وهو نفسه شاعر معروف، وافقت المؤسسة على تنفيذ العملين السيمفونيين، (رحلة حياة)، و(السباحة ضد التيار) بحركاتهما الثلاث، في أبريل عام 1985، وأبدت المؤسسة استعدادها لعرض هذه الأعمال في محطات الراديو والتلفزيون التابعة لها في البرازيل. أما بالنسبة لتكاليف تسجيل هذه الأعمال على فيديو كبير فتبلغ (5000 ORTN)، وهو ما يعادل في لغة الأرقام 800،37 دولار أمريكي. وكتبت بهذا العرض إلى وزير الإعلام آنذاك معالي الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح، الذي أجاب مشكورا بالموافقة. وفي 7 أكتوبر من عام 1985 تم تسجيل (رحلة حياة) بحركاتها الثلاث، في حفل حي بمسرح الفن والثقافة في مدينة (سان باولو)، وقوبلت الموسيقى باستحسان كبير، وقالت لي شخصية بارزة في المجتمع البرازيلي من أصل عربي إنه اهتز تأثرا عند سماع هذه الموسيقى، التي تذكره بانتمائه العربي. أما العمل السيمفوني الآخر (السباحة ضد التيار)، فقد تم تسجيله في استديو المؤسسة الثقافية في شهر يونيو 1985 من دون جمهور، وبقيادة المايسترو دي كارفاليو. ووصلتني رسائل فيما بعد تمتدح هذه الأعمال السيمفونية، ومنها قصيدة للشاعرة البرازيلية (تريزي دي جودوي).
وبينما كنت أعد نفسي للانتقال من البرازيل إلى الهند عام 1986 حيث تقرر نقل أعمالي إليها، تسلمت رسالة من ابني معن، في الولايات المتحدة الامريكية، والذي يعرف عشقي للموسيقى، ذكر لي فيها أن هنالك اختراعا جديدا في عالم الموسيقى، يتيح لك كتابة النوتة على الكمبيوتر، لأي آلات موسيقية تراها، وأنه عن طريق (الميدي) أو (الواسطة) التي توصل بين الكمبيوتر والأورج أو (Synthesizer)، فإن الكمبيوتر يستطيع التمييز بين الآلات الموسيقية التي تحمل كل منها رقماً يشير إليه، ويحوله إلى أصوات مسموعة عن طريق السماعات. ولم أصدق بادىء ذي بدء، وبدا لي الأمر كالسحر، وطلبت من ابني تفاصيل أكثر مطبوعة، مع العناوين اللازمة. وجاءني الرد بأن المصنع موجود في بوسطن، وأنه سيكون هناك في التاريخ الذي أحدده، إذا توافرت لدي الرغبة. وهكذا قررت أن ازور بوسطن قبل توجهي إلى الهند، لرؤية المصنع عن كثب، ودراسة إمكان تشغيلي لهذه الآلات الإلكترونية واستعدادي لدفع الثمن مهما كان باهظا. كما يشتغل الشاعر في منطقة خطرة جدا على الشعر, بقدر ما يمكن أن تكون مفيدة له, هي منطقة الأسطورة التي تتقاطع مع الموروث, لتفكيك تاريخ الذات وهويّتها الممتلئة بذاتها. وإلى ذلك ثمة حوار في قصيدته بين الفن التشكيلي والشعر, وبين الشعر والتصوير, وبين الشعر وتصميم الأزياء. وفي كتابه (مرايا سائلة) مخرجة سينما أو مسرح.. تعمل على تقطيع الشعر بأسلوب مونتاج.. وتأتأة! في ظل (الضوء الأزرق) سأصعد إلى الضوء الأزرق عارياً, وحدي, ومن بعيد, حتماً, بقلبي, سأعرف طيوراً أخرى تسري نحو مسراي ذاته, طيوراً سأحييها من بعيد, سأقتل في نفسي كل حزن يكسر روحي, ويشكو من (وحدة الرحلة), وأرقص. بهذه العبارات, ذات النَفَس المتصوف, يتناهى نص الشاعر في سيرته, كما تتناهى روح معذبة بالعالم وبالبشر وبالحياة. روح عذَّبها الخوف وملأتها التجارب, بقدر ما أجّجتها الرؤى والهواجس والأحلام. الروح التي يحتشد النص بها, إلى جوار القلب والعقل والنفْس والجسد, والوجه الذي يرتدي أقنعة (العادية), والشخص الذي يتشبه بـ (مركز الدائرة), في محاولة لتعرية الذات, ولمعرفة (أسرارها) التي ترتبط وثيقاً بما يدعوه الكاتب بـ (الضوء الأزرق).. عنوان النص وإحدى مفرداته (المكوّنة). تبدأ الرحلة/ النص من لقاء المؤلف (حسين) بالصوفي التركي المدعو (بري), في أمريكا.. وهذا صوفي (من طائفة الدراويش الدوّارين), من أتباع مولانا جلال الدين الرومي الذي سنّ الرقص لهم وله). وسكنت في أحد الفنادق القريبة من المصنع في بوسطن، مع ابني معن، الذي سبق أن عاش أيام دراسته في أمريكا. المولد والنشأة ولد الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب في عام 1901 في حي باب الشعرية بالقاهرة بجوار جامع الشعراني. حفظ القرآن الكريم وهو في سن السابعة، حيث كانت البداية عندما كان يرتل القرآن بصوته العذب فشغف آذان الناس حتى ذاع صيته وتأثر بقرّاء القرآن الكريم من أمثال الشيخ "محمد رفعت"، والشيخ "علي محمود"، والشيخ "منصور بدران". وكان قد استأجر سيارة، مما سهل لنا مهمة تنقلاتنا إلى المصنع، وإلى غيره. وعندما شاهد المسئولون في المصنع رغبتي الأكيدة في امتلاك هذه الآلات الإلكترونية، قرر تزويدي بها في غرفتي بالفندق، وأرسل بعض خبرائهم لتلقيني الدروس الأساسية في تركيب وتشغيل هذه الآلات. وبعد قضاء حوالي عشرة أيام، بدأت فهم المبادىء الأولى في كيفية استخدامها. وقررت شراءها. وكانت فعلا باهظة الثمن. ولكن هذا يهون في سبيل امتلاك ما يشبه الأوركسترا في سكني.
احتفاء بالفن
أما في الهند التي قضيت فيها خمسة أعوام، فكانت لي تجربة أخرى مع الموسيقى، وهي مختلفة تماما عن تجاربي السابقة.
والحقيقة هي أن الموسيقى الهندية، ترتكز على أسس سليمة يتوارثها الأبناء عن الأجداد. ولقد أهدى "نهرو" هذا الكتاب إلى ابنته التي علقت عليه قائلة: "لقد فتح الكتاب عيني على عالم جديد". كتب 10 مجلدات عن طيور الهند وباكستان مشاركة مع عالم شاب أمريكي اسمه "S.Dillor"، وقد أعاد د. سليم اكتشاف الكثير من الطيور مثل "البايا"Finn Baya والذي لم يره أحد منذ مائة عام. وله عدة مؤلفات عن طيور بعض المناطق بعينها. وكتب أيضا "طيور التلال الهندية" وسيرة ذاتية له. كان يقضي وقتاً طويلاً في دراسة الطائر الواحد دون كلل أو ملل.. ويذكر أنه درس طائر "الحباكweaverbird قرابة أربعة أشهر، والذي ساقه القدر ليقف على شجرة بجانب شباكه، ولم يكن يعرف الكثير عنه قبل ذلك. بعد استقلال الهند عن إنجلترا، أصبح د. سليم علي أول هندي يعمل سكرتيراً للجمعيةBNMS ، وجعل منها مكاناً مميزاً، وأصبحت قبلة لعلماء العالم حتى يومنا هذا http://www.bnhs.org/index.htm توسعت الجمعية في أبحاثها لتشمل علوم الطير والحياة البرية، النبات والحيوان، بعدما عانت سنوات طويلة من قلة التمويل؛ حيث كتب د. سليم إلى رئيس الوزراء "نهرو" يحثه فيها على تقديم الدعم المادي الكافي لازدهار هذه الجمعية، الذي استجاب بدوره لنداء د. سليم. الميداليات حصل على عدة جوائز من أهمها جائزةPadma Vibhushan من الحكومة الهندية، وجائزة Paul getty الدولية في عام 1976 والتي قدرت بـ 50 ألف دولار جعلها كلها في شكل منح وجوائز تمنحها الجمعية للطلبة المحتاجين. كما حصل أيضا على جائزة Golden ark من الاتحاد الدولي للمحافظة على الطبيعة والميدالية الذهبية من الاتحاد الإنجليزي لعلم الطير، والتي نادرا ما يحصل عليها غير الإنجليزي. وفى عام1985 عين نائبا في البرلمان، وحصل على ثلاث دكتوراة شرفية. إن عازف أي آلة موسيقية هندية متوارثة يعكف على التدريب ساعات وساعات، ليعود أصابعه العزف السليم لكي يتمكن بالتالي من نقل أحاسيسه على الآلة الموسيقية التي اختارها. وهذا ما دفعني إلى محاولة فهم الموسيقى الهندية، على الأخص الراج الهندي، الذي يتميز بقالب موسيقي معروف لدى الهنود. فاتفقت مع عازف سيتار بارز هو (بيدي سنج)، على أن أتلقى دروسا في الموسيقى الهندية مساء كل جمعة. وقد لاحظت تشقق أصابع (سينج) وتصلب أطرافها من فرط التدريب الذي قد يمتد إلى خمس ساعات أو أكثر كما قال لي. كنت أصغي إلى ما يعزفه، ثم أكتبه بالنوتة الغربية التي تعلمتها. وأحاول عزف ما أكتبه على العود للدرس القادم. وكان أغلب تركيزي منصبا على موسيقى (الراج الهندي).
وحينما حان وقت التقاعد عن العمل الرسمي عام 1994 وآن الأوان لعودتي إلى الكويت، وصار الوقت ملك يدي، عاد شوقي إلى الكتابة الأوركسترالية وبادرت إلى شراء آلات موسيقية أكثر تطورا مما سبق، وباشرت العمل، وبعد دروس قليلة بدأت معالم الطريق تتضح شيئا فشيئا، واستطعت بعد زمن قصير أن أواصل الأمور بنفسي، وبدأت في مراجعة العملين القديمين السابقين (رحلة حياة) و(السباحة ضد التيار)، وكتبتهما على الكمبيوتر من جديد، مصححا أحيانا، مضيفا أحيانا أخرى، وكتبت الحركة الرابعة لكل من هذين العملين السيمفونيين.
وفي عام 1995 وبمناسبة الاحتفالات بمهرجان القرين الثاني الذي ينظمه المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت دعيت الأوركسترا السيمفوني لأكاديمية شوبان في بولندا إلى الكويت للمشاركة في هذه الاحتفالات، وكان من ضمن ما قدمته أوركسترا الأكاديمية، عملان سيمفونيان هما: (الطموحات المبكرة) و(السراب). وفي عام 1998، وبمناسبة العيد الوطني لدولة الكويت، وبالتعاون مع الأمين العام للمجلس الوطني الدكتور سليمان العسكري تقرر إقامة حفل موسيقي في لندن في القاعة الموسيقية لسان جون. وكان من ضمن الأعمال السيمفونية التي قام بأدائها الاوركسترا السيمفوني لفريق موزارت اللندني المعروف، (رحلة حياة) بحركاتها الاربع، وكذلك (نبض حالم)، والتي كان العود فيها الآلة الرئيسية، وقام بأدائها ابراهيم طامي، المدرس في المعهد العالي للموسيقى بالكويت وكنت قد عرضت على البروفيسور ستانلي جلاسر هذه الأعمال السيمفونية، قبل إرسالها إلى أعضاء أوركسترا فريق موزارت اللندني، الذي أبدى ملاحظات فنية قيمة، أخذتها بعين الاعتبار. وقام المجلس الوطني بإصدار أسطوانتي ليزر. وكانت الأسطوانة الأولى تشتمل على: (1) رحلة حياة بحركاتهـا الأربع، (2) نـبـض حالم، (3) سيمفونية التحرير بحركاتها الثلاث والسبق أن قدمتها الأوركسترا السيمفوني للأكاديمية الملكية للموسيقى في قاعتها في حفل عام في يناير .1994 أما أسطوانة الليزر الثانية فقد اشتملت على (السباحة ضد التيار) بحركاتها الأربع، والتي استغرقت 53 دقيقة، وسجلت في قاعة سان جون من دون جمهور. وكان قائد الأوركسترا السيمفوني لفريق موزارت اللندني هو سيمون ماكفيه، رئيس قسم الموسيقى في كلية جولد سميث التابعة لجامعة لندن، وهو أستاذ محاضر في الكلية، وعازف كمان من الدرجة الأولى.
أعمال سيمفونية
وفي عام 2000 كان قد تجمع لدي أعمال سيمفونية أخرى كتبتها على الكمبيوتر وهي: (1) انعتاق، (2) تساؤلات في الداخل، (3) دوافع خفية، (4) لحظات سكينة، بالإضافة إلى عملين تراثيين للموسيقار الموهوب المرحوم عبدالله الفرج وهما: (الحمد لمن قدر خيراً وجمالاً)، و(ملك الغرام عنا ليَّ). وقد رأيت تقديمها بأداء سيمفوني جديد إحياء لذكرى هذا الفنان المبدع. وصادف أن قابلت السفير البولندي في إحدى الحفلات الروتينية، وجرى الحديث عن الموسيقى، وعرضت عليه فكرة تسجيل هذه الأعمال السيمفونية من قبل الأوركسترا السيمفوني لأكاديمية شوبان. فوعدني بالكتابة إلى رئيس الأكاديمية ريتشارد جيماك ليرى رأيه. وبعد فترة من الزمن جاء رد البروفيسور جيماك، طالبا النوت الموسيقية للاطلاع عليها. وقد سبق للبروفيسور جيماك أن رافق الأوركسترا السيمفوني لأكاديمية شوبان عند حضورها إلى الكويت عام 1985، وكانت لديه فكرة عامة عن إمكانياتي الموسيقية. وبعد أن اطلع على النصوص الموسيقية، واستمع إلى التسجيل من الكمبيوتر الذي أرسلته إليه، جاءني الرد بالقبول، وتطوع أن يقود الاوركسترا بنفسه. وبعد مراسلات معه، تم تحديد الموعد في شهر يوليو من عام 2000، وطرت إلى وارسو، وحضرت التدريبات والتسجيل. ووعدت شركة (DUX) التي تولت التسجيل بتزويدي بأسطوانات الليزر حالما تنتهي إجراءات الدبلجة، وإتمام طبع التعليقات على الموسيقى باللغتين: العربية والإنجليزية.
أما الخطوة التالية، التي اعتبرها أكثر جرأة وتطورا، فهي تأليف مقطوعات موسيقية عربية استخدمت فيها ربع التون، من مقامات عربية معروفة من رصد وبيات وهزام وصبا.. إلخ.. وقد سهل لي هذه المهمة الأورج الشرقي الذي اخترعته اليابان. وعلى مدى حوالي السنوات الثلاث الأخيرة، تجمع لدي مقطوعات موسيقية ألفتها من مقامات عربية، لأوركسترا سيمفوني عربي ليست موجودة أصلا. وهي: (1) لمسات عاطفية، (2) عطر من الماضي، (3) في هوى بدري وزيني، مستوحاة من أغنية قديمة للموسيقار والشاعر الموهوب المرحوم عبدالله الفرج، (4) رؤى تصوفية. كما ضمت هذه المجموعة عملاً سيمفونيا تحت عنوان (ذكريات مبكرة) مكون من أربع حركات هي: الحركة الأولى: انفعالات غامضة، الحركة الثانية: صراع في الداخل، الحركة الثالثة: احتجاجات مكبوتة، الحركة الرابعة: آمال.
إن كل أملي أن تتمكن هذه الموسيقى، ذات المذاق العربي الصرف، من أن ترى النور قريبا، لأنني بصدد محاولة تنفيذها في القاهرة، ويمكن اعتبارها استمرارا لعملية تطوير الموسيقى العربية، على أسس علمية سليمة، تاركة المجال لجيل الشباب القادم من الموسيقيين الموهوبين، الطموحين، للمضي في الطريق إلى نهايته القصوى. حتى تصبح لدينا موسيقى عربية عالمية، بأداء سيمفوني سليم.
