أن تُقبل على مرفأ ما, يقتضي أحد أمرين: إما قدوماً ورسواً, وإما إبحارا وسفرا, فأيهما أختار وأنا الآن في مرحلة متقدمة من العمر (أربعة وستون عاماً)?
هل أبدأ من موقعي الراهن وقد نيّفت كتبي المنشورة على الخمسين, وأمضيتُ في مهنة التدريس, في جميع مراحله, اثنتين وأربعين سنة?
أم, من ذلك الزمان الغابر الذي كنت فيه أسلةً رقيقة, على ضفاف طفولة باهتة, خافتة?
وأراني منقاداً للاتجاه الأخير, لأن واضع هذا العنوان, كان يرمي إلى كشف الصفحات المخبوءة في حياة هذه الشخصية أو تلك, من شخصيات المجتمع بعد أن اتخذتْ لها موقعاً مميزاً في حاضرها.
فإلى هاتيك الكوى الموصدة في جدران الماضي السحيق, وإلى أبرز المحطات الفارقة التي تشكّلت فيها شخصيتي الأدبية, وارتسمتْ ملامحي وقسماتي الخاصة!!
طفولة خجولة
ـ ولدت في بلدة (الهري = El-Hہry) التي تقع على الساحل الشمالي لقضاء البترون في محافظة لبنان الشمالي, عند سفح جبل يعلو ما بين مائتين إلى ثلاثمائة متر عن سطح البحر, هو جبل الشقعة الذي يعتبر أطول الرءوس الجبلية الداخلة في البحر, على طول الساحل اللبناني من جنوبه إلى شماله.
ونشأتُ في بيت يقع وسط سهل أخضر من بساتين التفاح والرمان وكروم التين والعنب والزيتون, وتشكيل آخر من الفواكه اللبنانية. إضافة إلى مساحات متنوعة من الخضار والحقول التي كانت تُزرع فيها الحنطة والشعير والتبغ والتنباك. وأكاد أقول, لم يكن هناك شيء من الفواكه والخضار والحبوب إلا كان له حضوره الموسمي في تلك الحقول والبساتين. فنعْم الطفولة, ونعم النشأة الغنّاء!
ـ تلقيت علومي الأولى في مدرسة القرية التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت, وهي كناية عن غرفة كبيرة, تنتهي لجهة القبلة, بتجويف جداري لإقامة الصلاة, وكثيراً ما كنت أؤمُّ رفاقي في أوقات الصلاة.
وتضم المدرسة في داخلها خمسة صفوف ابتدائية, ومعلما واحدا لا يحمل غير شهادة واحدة هي الإعدادية الأولى (السرتفيكا) لكنه أفضل من كثيرين غيره من حملة الشهادات العليا اليوم.
فقد تعلمت عليه قواعد العربية, وختمت قراءة القرآن الكريم أربع مرات وأنا دون الثالثة عشرة من عمري.
ـ أسهمت حياة القرية, بحقولها وبراريها, وبساتينها, وشاطئها البحري الساحر, في إغناء الطبع الأدبي, وتلوينه الرومانسي, فعرفت الحب مبكراً, في حدود الثانية عشرة.
كان ذلك وأنا أرشف القُبلة الأولى البريئة من على شرفة منزلي.
من هاتيك الشرفة, خرجتُ إلى الكون أبحث عن معنى الحياة وطعمها ووقعها.
أمام هذه الشرفة, منحتني الحبيبة الأولى شرف الانتساب إلى صفوة الخلق.
نقتاتُ بالبوح, ونستـــظلّ بالخفق, ونبتـــرد بالوصــــال, ونتراشف برذاذ الشخوص إلى لقاء أزلي عابق بشذا كل الحفافي والأودية.
مرحلة جديدة
ـ بعد ذلك بقليل, انتقلت إلى طرابلس الفيحاء, وانتسبتُ إلى مدرسة النموذج الرسمية للصبيان, ومديرها آنذاك, المربي الكبير أنور المقدِّم, وناظرها العام الشيخ نصوُّح البارودي شيخ المقرئين الذي توج ثقافتي القرآنية بأصول التجويد والقراءات المعروفة.
أمضيت في طرابلس ست سنوات حزتُ في نهايتها الشهادة الإعدادية العالية (البروفيه), ثم انتقلت إلى بيروت ودار المعلمين والمعلمات, أتيح لي فيها تحصيل قدر كبير من العلوم الإنسانية والاجتماعية والفنية, على أساتذة كبار أمثال المربي العالم ورائد التأليف التربوي في لبنان, واصف البارودي, والباحث الفلسفي الدكتور خليل الحرّ, والشاعر سعيد عقل, والشاعر جوزيف نجيم (اللذين أثّرا تأثيراً عميقاً ومباشراً في إبداعاتي الشعرية) والملّحنَيْن, المقدَّم محمد فليفل وجورج فرح, والرسام الطبيعي قيصر الجميّل, والأديب الموسوعي فؤاد أفرام البستاني, وغيرهم الكثير ممن ترك غير بصمة في حياتي وتكويني الأدبي والفكري.
ـ في هذه المرحلة عرف القلب مرحلةً جديدة من الحياة العاطفية المشبوبة.
هناك ولجت صرح الحب, ونهلت من معينه الرقراق, وصدح صوتي عاليا, أغني مواجع الأصيل, ولطائف الأنسام ترتاد أعطاف الجداول والسواقي. وعن هذه الرواية يقول الناقد (إيميل فاجيه) في كتابه: تاريخ الأدب الفرنسي (.. إن دومينيك من الروائع النادرة في الرواية النفسية, والرواية النفسية تعتبر أسمى أشكال الأدب الروائي, مما يدل على مدى صعوبتها, وفي واقع الأمر, فإن أكبر الأدباء لا يمكنه كتابة أكثر من رواية نفسية واحدة - هي روايته التي عاشها - بشرط أن يكون موهوباً)! كان فرومنتان وهو في الثانية عشرة من عمره, قد وقع في غرام (جيني) ابنة الجيران التي تكبره بأربع سنوات, والتي لم تر في غرامه سوى طفولة طائشة! وعندما تزوجت جيني, كاد فرومنتان يفقد صوابه, فكان أن أرسلته أسرته إلى باريس ليدرس القانون, وفي كل إجازة يعود إلى مدينة (سان موريس) ليظل بجوار جيني فتاة أحلامه, التي بادلته الحب وتوثقت علاقتهما, حتى توفيت وهي في السابعة عشرة من عمرها أثر عملية جراحية عام 1844, ولحظة دفنها, أقسم فرومنتان أن يخلد ذكراها, فكانت رائعته (دومينيك) التي كتبها بعد وفاتها بخمسة عشر عاما. صيف في الصحراء..! وتلبية لدعوة الفنان (لابيه) قام فرومنتان بزيارة الجزائر سراً عام 1845 حيث كانت أسرة لابيه مستقرة بمدينة (البليدة) وكانت عائلة فرومنتان تعارض اتجاهه للفن, فسافر دون علمهم, واستمرت الرحلة لمدة شهر, أثمرت حصيلة إبداعية هائلة, وكتب لوالده رسالة, أوجز فيها انطباعاته الدافقة: (.. قد أكون مخطئاً, غير أن رحلتي هذه, وتوجه أفكاري الجديد, وذلك الدرس الرائع الذي تعلمته في بلاد الضوء الساطع, والألوان الصاخبة, والأشكال الغريبة, يعد تقدماً في عملي, سيغدو ملحوظاً يوماً بعد يوم, وكل هذه المعطيات, تمنحني زخماً جديداً, وتكسبني حماسة وقوة جديدين). في صالون باريس 1847, عرض فرومنتان ثلاث لوحات, تعرض مشاهد جزائرية, قدمته بنجاح إلى الجمهور الفرنسي. لقد بلورت أرض الجزائر العملية الإبداعية والروحية لهذا الفنان, ودفعته إلى معايشة الحالة الروحية للشرق, وتسجيل كل مظاهر السلوك والعادات والتقاليد, والطقوس الدينية, والحكمة, وحب الأرض وعشق الطبيعة, ووصف حياة القبائل العربية, في كتابيه: (صيف في الجزائر) و(سنة في الساحل), وقد أشار في هذين الكتابين, إلى سعيه الدائب لإكساب الصورة الشرقية: نبل وقدسية الكتاب المقدس وعظمة العصور القديمة, فعلى سبيل المثال, كان يقارن دائما بين نساء الجزائر وصورة (راحيل في الكتاب المقدس) ويقارن الراقصة العربية بالليدي ماكبث! ورقيت الدرجة فوق الدرجة, نحو قمم الارتواء, وأبهاء العناق البيلساني.
سنوات خمسٌ عمرناها بشذا رياحين المرج وأعشابه الدائمة الخضرة التي كانت تضُّمنا بين أحضانها هُزُعا (ج: هزيع) من الليالي, وتمنحنا الدعة والأمان!..
خمسة أصياف متتابعة, أنا و(فتاة المروج), لم نُلْق فيها مرساة, ولم نُبْحر بعيداً.
حبنا البحر, وقُبَلُنا المجاذيف, وانعصاراتنا المختنقة, قبيل الرواح: رذاذ الموج المتكسّر عند أقدام الشاطئ قبالتنا, متنهدا من خدر الأحداق وتزاحم الأنفاس.
وقد تكون أغنى دراسة مرجعية), وجوزف صايغ الذي تساءل: (بأي رزانة وشمول ثقافة, بأي تقميش فعل كل هذا?!), فكتبت روز غريّب وكأنها تجيب: (يحرص على الافتنان في العبارة كما يحرص على كشف المصطلحات النقدية المستجدة وإثباتها...). وقد دفعتني هذه الكتابات عن (مدار الكلمة) لأن أجمع مقالاتي التي نشرتها في صحيفة (النهار) لتصدر عام1982 في كتاب بعنوان (مرايا متعاكسة). وقد ركز يوسف إسلام على إيصال صوته إلى الأطفال انطلاقًا من أن المجتمع الغربي مبتلى بحوادث عنف وقتل يقوم بها الأطفال، بسبب عدم ترسيخ روح الإيمان بالله في نفوسهم منذ الصغر، وهذا الأمر جعل يوسف إسلام يخصص شريطًا للأطفال يعرفهم فيه بالله، وسماه: (A is for ALLAH) وأرفق مع الشريط كتيبًا صغيرًا كتب فيه: "إن الطفل الغربي يتعلم منذ اليوم الأول: (A is for Apple) ولكنني أريده أن يتعلم منذ الحرف الأول: (A is for ALLAH)؛ الأمر الذي سينعكس عليه في المستقبل". البداية.. من المدرسة ورغم اهتمام يوسف إسلام بأمور المسلمين المختلفة فإن جل اهتمامه انصب على التعليم الذي رآه البداية الحقيقية لتكوين جيل مسلم في أوروبا، فبدأ اهتمامه بالتعليم الإسلامي عام 1983 عندما أصبح رئيس وقف المدارس الإسلامية ببريطانيا؛ فأسس المدرسة الابتدائية الإسلامية تحت اسم "إسلامية"، ثم المدرسة الثانوية الإسلامية للبنين والبنات في شمال لندن -وهما أول مدرستين إسلاميتين بريطانيتين- ثم طالب يوسف إسلام الحكومة البريطانية بتخصيص ميزانية للمدارس الإسلامية أسوة بالمبالغ التي تخصصها الحكومة للطوائف الدينية المسيحية واليهودية، ورغم أن الحكومة لم تستجب لطلبه آنذاك فإنه لم ييئس، بل استمر في حملته إلى أن وافقت حكومة بلير الحالية على تخصيص ميزانية لدعم المدارس الإسلامية ببريطانيا، وليس هذا فحسب بل نجحت حملته في دعوة الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا إلى زيارة إحدى المدارس الإسلامية بلندن والذي امتدح تلاميذها قائلا: "أنتم سفراء تقدمون المثل لأحد الأديان السماوية وهو دين الإسلام". ولم يقتصر العمل الدعوي ليوسف إسلام على الأناشيد والتعليم الإسلامي فيوسف يدير عددًا لا بأس به من المؤسسات الخيرية الإنسانية، من أهمها مؤسسة "العطف الصغير" التي تقدم خدماتها في مجال رعاية الأطفال وضحايا الحرب في منطقة البلقان، وهي مؤسسة معتمدة لدى الأمم المتحدة، حيث مثل يوسف شخصيًا المؤسسة في اجتماعات المؤتمر السنوي الخامس والخمسين للجمعيات غير الحكومية (NGOs) في سبتمبر الماضي (2002) بنيويورك. كما يشرف يوسف إسلام على جمعية "عمار المساجد" الدينية بجانب تأسيسه لعدد من الحلقات الدراسية للمسلمين الجدد في بريطانيا. مدافع السياسة وقطار السلام! ولبغضه للحروب والدمار والقتل دخل يوسف إسلام معترك السياسة وأصبح داعية سلام عالميا؛ فنتيجة لنشاطه وثقل مركزه العالمي قبلت الحكومة العراقية وساطته أثناء اندلاع حرب الخليج الثانية 1991، وأفرجت عن 4 أسرى إنجليز، كما وافقت الحكومتان السعودية والكويتية على إقامة مخيمات سلام على حدودهما لفريق من دعاة السلام على رأسهم يوسف إسلام، وقام بالعديد من الزيارات إلى البوسنة، وعقد العديد من الحفلات الدينية في سراييفو، وألّف ألبومًا سياسيًا عن مأساة البوسنة أسماه بـ "ليس لدي مدافع هادرة" في 1997. ونال يوسف إسلام نصيبه من العنجهية الإسرائيلية عندما كان يزور القدس في عام 2000 لتصوير فيلم تليفزيوني عن الأماكن التي زارها في مقتبل حياته الإسلامية، حيث رفضت السلطات الصهيونية دخوله إلى القدس، بل واحتجزته في زنزانة صغيرة بلا ماء أو خدمات قبل أن يتم ترحيله إلى ألمانيا، وكان حجة الإسرائيليين أن يوسف يخصص جزءًا من عمله الخيري لصالح حركة حماس؛ الأمر الذي أنكره يوسف متساءلا: "هل تقديم الأموال ليتامى الفلسطينيين دعم لحماس؟!". وإزاء الحملة الشرسة التي تعرض لها الإسلام منذ هجمات 11 سبتمبر حرص يوسف إسلام على حضور الندوات الدينية في شتى أنحاء العالم، وأكد فيها على سماحة الدين الإسلامي وبراءته من التهم الموجهة إليه جزافًا. وعلى الرغم من مشروعية اهتمام يوسف إسلام بالسياسة فإنه كان يهتم بعدم إعلان ذلك حتى لا تتأثر المؤسسات الخيرية التي يديرها من وراء ذلك، أو أن يتم إيقافها بدعوى دعمها للإرهاب كما حدث مع مؤسسات أخرى عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر. أأعيد الآن وقع خطاي الليلي الوئيد, قاطعا بُعيد العشاء, انطلاقا من (الشاطئ الأزرق), مسافة رملية طويلة, ثم انحرف صعدا في رحاب المرجة الداكنة, وأمكث ردحا أنتظرها, حتى يمثل شخصها في الأفق البعيد, عنقود دالية جبلية, وحفيف قمرية برّحها الشوق وشفّها الوصال?
دعيني يا نفسي! فأنا لا أملك من طاقات التعبير وأفانين التصور, ما يرقى إلى حقيقة ذلك المهرجان الفردوسي الخالص!
دعيني, لا توقظي فيّ مواجع هاتيك الليالي الهاجعة في أقبية الذاكرة, تضوى شيئاً فشيئاً في سباتها الموحش!!
انتماء قومي
ـ في خريف سنة 1959 تخرجت في دار المعلمين, والتحقت بكلية الآداب في الجامعة اللبنانية, ثم بمعهد الآداب الشرقية في جامعة القديس يوسف, ثم بمدرسة الآداب العليا التابعة لجامعة ليون بفرنسا.
وسبب هذا التنقل والتغيير, رسوبي المفاجئ في الامتحان الأخير للسنة الأولى في كلية الآداب, أو ما يعرف آنذاك بـ (الثقافة العامة). فأحببت أن أعوض هذا الرسوب بشهادات أخرى معادلة, وأحوز في نهاية العام 1965 إجازة تعليمية في اللغة العربية وآدابها. وقبلها: شهادتين عاليتين في علم النفس العام وعلم نفس الطفل والمراهق وأربع شهادات عليا من الجامعة اليسوعية.
ـ طبعت هذه المرحلة بطابعين متوازيين, الأول: طابع التحصيل العلمي, والثاني: طابع النضال الفكري القومي, المتجسد بانخراطي في صفوف القوميين العرب الذين خاضوا حركة نضالية منظمة في مختلف أرجاء الوطن العربي بهدف استرجاع الأرض السليبة في فلسطين.
أضافت التجربة الحزبية هذه بعداً فكرياً في حياتي, ألا وهو الإحساس العميق بانتماء قومي جعلني أرنو إلى وطنٍ عربي كبير تمَّحي فيه الحدود وتنصهر الإقليمية والقطرية, ونغدو مواطنين موحّدين في دولة كبرى يحكمها نظام سياسي واحد, ويعمل على تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.
ولكنّ ذلك تلاشى في نهاية المطاف, عندما انشقّتْ (حركة القوميين العرب) إلى جبهتين أو جناحين: جبهة قومية, وأخرى ماركسية.. فخرجتُ منها وأنا خالي الوفاض إلا من إيماني الراسخ بوحدة الشعب العربي, وعراقة تاريخه وتراثه, وقيمه الإنسانية التي لا تزال حاضرة في وجداني, في كل كلمة أكتبها وألقيها, وفي كل كتاب أنشره.
ـ في هذه الأثناء أي نهاية العام 1966 ومطلع عام 1967, دخلت ملاك التعليم الثانوي, بعد قضاء سبع سنوات في التعليم الابتدائي والمتوسط, كما انتسبتُ مجدداً إلى جامعة القديس يوسف لإعداد دبلوم دراسات عليا في الأدب العربي. تخرجتُ في الجامعة صيف سنة 1969 بعد مناقشة رسالتي الموسومة: (صفي الدين الحلّي: قطب شعراء العصرين المغولي والمملوكي).. ولهذه الرسالة ذكرى طريفة ومعبّرة وهي أن الدرجة العلمية التقديرية التي مُنحتها عليها هي: (حسن) أي 12 ـ 13 من عشرين. وهي درجة لا تومئ إلى التفوق.
ومع ذلك, فاجأني الأستاذ المشرف, في اليوم التالي, وهو الدكتور سعيد البستاني, بخبر سار مفاده: ضرورة الذهاب فوراً إلى دار الكتاب اللبناني للتعاقد معها لنشر الرسالة في كتاب. فقلتُ مبهوتاً: كيف تمنحني درجة متواضعة هي: (حسن) ثم تسعى جاهداً لنشر مخطوطتي? فقال: لأنك كنت عنيداً في مواقفك وطروحك الفكرية. أما الرسالة فهي في غاية الحسن والجودة.
ـ لم يمض عام على تخرجي هذا, حتى وجدتُني مسافرا بحرا وبرا إلى فرنسا لملاقاة المستشرق الفرنسي المعروف أندريه ميكال, والانتساب بإشرافه, إلى جامعة السوربون, في موضوعة (معجم الشعراء في لسان العرب), أنجزتها وناقشتها بنجاح ملحوظ خريف سنة 1975.. أتْبعْت ذلك ـ ولكن بعد خمس عشرة سنة ـ بمناقشة أطروحة دكتوراه ثانية في الجامعة اللبنانية, بعنوان: (الشعر السعودي الحديث في الميزان: حسن عبد الله القرشي نموذجاً) نلت عليها الدرجة العليا.
ـ بين عامي 1970, موعد رحلتي الأولى إلى باريس لإعداد أطروحة الدكتوراه الأولى, وسنة 1990, عام حيازتي الدكتوراه الثانية, شريطٌ من الأحداث والوقائع شكّلت محطات مصيرية في حياتي, وهي الآن تتدافع بازدحام إلى مرفأ الذاكرة, وتأبى إلاّ أن تطلّ من ثقوب الذاكرة محملقة في الزمان, لا يخبو لها ضوء ولا تجفُّ عصارة.
ولئن قدرت على سد بعض هذه الثقوب, أو تأخير إطلالها, فإن ثقباً واحداً يزداد وهجه مع الأيام, ويطّرد تأثيره كلما تطاول العمر, لا يستمهلني دقيقة واحدة, ألا وهو قصة حبي الأكبر التي جرت أحداثها في الشهور الستة الأولى من العام 1971...
أي كلام يقال ههنا يا نفسي?
وأيّ صفحة من التاريخ الزاهر الآسر, تنفتح الآن?
وأية كوة من النور المتلجلج نثقبها معا, ونحن نعلم يقينا أن قطار العمر الوجدي, توقف عندها, ولم يغادر إلى محطة أخرى?
تعالَيْ إذن نكفكف الخلجات, ونستأني في ولوج العتبات, عسانا نتلمس جنبات المكان, ونتحسس شهقات الزمان العالقة بين عساليج الصنوبر, ورفيف الحساسين المستوطنة هناك!
هل أطيل النظر, وأخترق المدى, وأصف دبيب الخدر يسري في أعطاف الجلاميد, في احتفالية خارقة?
هل أتجاسر وألج عتبة الأسرار, حيث الانكشاف الكلي لما وراء الحقيقة والخيال?
لا أجرؤ على ذلك... فأنا مقطورٌ في فيلق من الصمت والتأمل, مصحوبٌ بجحافل من الهمس والسكون, لا تبرحني حتى أخلد إلى النسيان... فلأتوقف إذن عند التخوم معافى من كل خلل أو انزلاق ولأشح بوجهي عن كل ما يرتسم خلف الستائر والحجب!!
ـ ومن الوقائع والأحداث التي تستعصي على النسيان والانطواء, المحنة الشديدة التي ألمّت بي إثر مقتل والديّ صيف سنة 1976 على يد مسوخ الحقد الطائفي في لبنان. ففجّر ذلك في نفسي كوامن الحزن والشعر, بعد كوامن الحب والحنين المتأصلين في أعماقي منذ الطفولة.
فكانت بارقة صدور ديواني الشعري الأول: (مسافر للحزن والحنين) عن المكتبة العصرية في صيدا, صيف سنة 1977.
وأعترف ههنا بأنه لولا تلك المحنة القاتلة, لما حزمت أمري وأقدمت على نشر هذه المجموعة الشعرية التي ضمت قصائد وجدانية متفاوتة التواريخ, ضننت بها عن النشر في سوق الشعر السياسي القومي, وموجة القصائد (الأدونيسية), وزمرها التي عبثت كثيراً بجوهر الشعر وقيمه الفنية والجمالية باسم الحداثة.
لم أُلْهَم كتابة القصيدة السياسية, ولا انسقت وراء النظم العبثي السائد, فظللت متمسكاً بمعمودية الشعر وعموديته, مؤمناً في الوقت عينه, بأنّ الأقدار ليست موكلة فقط بإنجاز ما كُلّفتْ به من أحداث جسام كالموت والولادة, وخراب المدن والبلدان أو ازدهارها, وصعود أناس إلى أعلى المناصب أو هبوطهم منها إلى الحضيض.., بل هي معنيّة كذلك بأقدار أهل الفكر والأدب والثقافة, فترفع من لا يستحق العلوّ إلى أرفع المقامات, وتضع الأكفاء والموهوبين في الظلّ إلى ما شاء الله.
وهذا لا يعني أن هؤلاء يلفهم النسيان ويغمرهم الإهمال.. فهم كالجواهر الثمينة التي تبقى طيّ التراب والبحار حتى يقيّض لها حفّارٌ مقتدر, أو غواص محترف يكشف عن وهجها وجمالها الأخاذ, واضعاً إياها في موضعها الذي حرمته في زمانها.
والذي يمنح العزاء لرجالات الفن والثقـافة الذين لا يحالفهم التقدير في حياتهم, هو إيمانهم الدفين بأن الإنصاف سينالهم حتماً في يوم من الأيام.
واللافت للنظر أن ممن أثروا على جول كذلك عدد من الأدباء والشعراء مثل الشاعر جميل مَريتش، وكذلك الشاعر الراحل/ نجيب فاضل الذي تربى على يديه جيل مسلم بأكمله في تركيا، وقد كان أول تعرفه عليه حين ذهب نجيب فاضل لمحافظة قيصري في لقاء فكرى وثقافي مدعواً من قبل نادى فكر الشرق الكبير الذي كان جول أحد أعضائه، كما أثرت فيه عدة شخصيات أكاديمية مثل الدكتور/ نوزت يالجين طاش، الذي منحه درجة الدكتوراة في الاقتصاد، وكذا رجل الاقتصاد الدكتور/ صباح الدين زعيم. لا يحب الرئاسة لكنه جدير بها يبدو أن هاجس رئاسة الوزراء كان يدور في خلده، بل إن الجميع كان يتوقع وصوله لهذا المنصب فقبل أيام قليلة من الانتخابات تناول معه رجل الأعمال مصطفى قيلنش الإفطار وحكى عن هذا اللقاء قائلا: "دار حولنا حوار حول منصب رئيس الحكومة، فقال لي: لقد أعددت نفسي جيّدًا لهذا اليوم". يعد جول سياسيا مسالمًا لم يعرف عنه خلال تاريخه الطويل في العمل السياسي والطلابي أنه شارك في أي أعمال عنف على الرغم من تورط كثيرين في مثل هذه الأعمال ومن أشهرها أعمال العنف بين الفصائل السياسية التي اجتاحت تركيا بين سنوات 68-1971 وكذلك الصراع السياسي الذي اندلع بين التيارات السياسية داخل الجامعات بين حقبتي الستينيات والسبعينيات. إن عدم الميل للشدة هو الذي جعل عبد الله جول، يتصرف بهدوء أمام منع زوجته من القيد بالجامعة بحجة ارتدائها الحجاب.. ويوّجه انتقادات للحكومة والنظام من مدخل الحريات الشخصية حتى لا يصطدم بالدستور العلماني إذا انتقد من مدخل فرضية الحجاب. حرص جول على إحياء المناسبات القومية التركية ولم ير في الاهتمام بها ما يتنافى مع أفكاره الإسلامية، فقد ظل ينظم الرحلات الجامعية لطلابه لمضيق "شناق قلعة" في ذكرى انتصار القوات التركية على الاعتداء اليوناني الغربي في الحرب العالمية الأولى، بهدف احتلال إستانبول. أفضل صورة لرئيس وزراء تركي لم يتعود المواطن التركي البسيط أن يرى سياسييه بهذا التواضع وهذه الطيبة؛ ولذا فإن أكثر الصور انتشارًا في الأيام الأخيرة بين الشباب التركي كانت لجول حين كان يمر بقرب مدرسة ابتدائية، وما إن رآه الصغار حتى اندفعوا إلى أحضانه في مظاهرة حب.. واستفتاء بريء على شعبية الرجل ورصيده في القلوب. لذلك تجدهم مقبلين باستمرار على تجويد أعمالهم, لا حبّاً بالبريق الإعلامي, بل إرضاء لذواتهم, ولأجيال أمتهم التي تحرص على احتضانهم ووضعهم في المراتب اللائقة بهم.
ولو توقف الأمر فقط, عند قوافل الأشخاص الذين يرفعهم الإعلام, هم وأعمالهم, بغضّ النظر عن منازلهم ومستوياتهم, لضاع من تراث الأمم معظم نتاجها ومأثورها, ولما كان لهذه الأمة أو تلك, ما تفاخر به أو تُسهم به في موكب الحضارة الإنسانية.
ويحضرني في هذا المقام, قول ابن دقيق العيد, شيخ الإسلام وقاضي القضاة في زمانه (ت 702هـ/1302م), شاكياً متذمراً من إسناد المناصب لغير مستحقيها:
أهل المناصب في الدنيا ورفعتها أهل الفضائل مرذولون بينهم قد أنزلونا, لأنّا غير جنسهم منازل الوحش في الإهمال عندهم فليتنا لو قَدَرْنا أن نعرِّفهم مقدارهم عندنا, أو لو دَرَوْهُ هم لهم مريحان من جهل وفرط غنى وعندنا المتعبان: العلم والعدم
في مرفأ الذاكرة
ـ وبعد هذه الوقفات التلقائية أمام مرافئ الذاكرة, وشخوص بعض الأطياف من ثقوبها, يشدّني القلم إلى زوايا وخواب عُتّق فيها حضور الذات بأبهى تجلياتها, عبر بعض الطباع والرغبات التي تسكنني منذ بدايات وعيي ومواكبتي الحياة.وفي طليعة هذه الطباع: حب الوحدة والانفراد.
لا أدري ما إذا كنت شققت طريقي بنفسي نحو ما أردت أن أكونه ـ وأنا كائنه الآن ـ أو أنّ الظروف والأقدار, قد وضعتني في هذه الطريق. ولا أخص بذلك التحصيل العلمي أو الترقي الأدبي, بل الوحدة والانفراد اللذين لفّا حياتي في معظم مراحلها وأحاطا بي إحاطة محكمة.
فإذا أنا لا أسكن إلا وحدي, ولا أتنزه ولا أمارس السباحة الطويلة, أو أسافر بعيداً... بعيداً... إلا وحدي, من غير غضاضة أو مرارة أو وحشة!
هل هي الموافقة الطبيعية ما بين الرغاب المكبوتة والمقادير الموقوتة, عملاً بمضمون الحديث النبوي الشريف: كلٌّ ميسّر لما خُلِقَ له!؟
ذلك ما أنا فيه حتى الآن, على الرغم من تقادم العمر, وبناء العائلة, والتقلب في الحياة والمجتمع.
بلى, كانت لي فُسحٌ كبيرة وعديدة ترافقتُ فيها مع غيري, وساكنتُ رفاقاً أخلاّء, وصادقت أناساً هم الآن محط سعادتي الغابرة, ومشاعل لياليّ الخائرة.
انخرطتُ في مجالس ومؤسسات ثقافية وأدبية وتربوية, وانتظمتُ في حركات حزبية سياسية شديدة الانضباط, أورثتْني سلوكاً شريفاً ومواقف جريئة وشجاعة لا مهادنة فيها ولا مجاملة.
ولكن ذلك كله لم يغير من طبيعتي المستوحدة, أو يقلّل من درجة التوق الدائم إلى الانفراد.
فقد كانت المساكنة عرضيّة وعابرة, وكنتُ وأنا في قلب المؤسسات والهيئات والتنظيمات, أسلك سلوكاً مغايراً: أعمل بعقلي وإحساسي بالمسئولية, وأنجز ما يعهد إليّ بنجاح. لكن مشاعري, وتأملاتي, وانسراح وجداني.. تأخذني بعيداً, وتلقي بي حيث يهدأ الخاطر, ويرتع الخيال, وتستوفي النفس دَعَتَها ورخاءها.
أما الأسفار فالحديث عنها ذو شجون.. قمتُ بسفرتَيْن بريّتين, بحريتين, طول كل واحدة منهما شهر ونيف, لم يشاركني فيهما أحد.
وأما السكنى فقد اتخذت الوحدة فيها واقعاً قائماً, لم تفارقني سمتُهُ حتى بعد الزواج, والإنجاب, والمسئولية.
وكنت قد سكنتُ وحدي مع والديّ الراحلين ـ نضّر الله ثراهما وعفا عنهما ـ لكنهما كانا في دنياهما الخاصة وسعيهما الحثيث لتحصيل لقمة العيش, وادّخار ما لا يُسمن ولا يُغني.. وكنت وحيداً في دنياي الضاجّة في حركة داخلية لا تهدأ.
ويستوقفني هنا سائل لبيب قائلاً: هل يعقل أن تستمرئ هذه الوحدة ولا تجد فيمن حولك من يُسعدك ويبعث فيك جمال العيش?
فأُجيبه على الفور, بما يشبه التفلسف والتبـصر: لا وجود لوحدة خالصة مطلقة, ولن تجد واحداً يعيش وحده بالمطلق! دائماً هناك رفيق أو أكثر مع الإنسان الفرد, يخاطبه ويناجيه ويحاوره ـ حتى إذا لم يحاور أحداً البتّة, يحاور نفسه.
من هنا كانت المخاطبة الاثنينية في مهد الشعر العربي, مع امرئ القيس ومن تلاه في مناسبات الوقوف على الأطلال, والإقبال على الشراب, وما شابه.
في صباح يوم قاتم بارد يوم الثلاثاء 15 يناير 1929م بمدينة أتلانتا كاد التوتر يفتك بالأب الأسود، وأفكاره مركزة حول زوجته (ألبرت) التي عانت أشد العناء في حملها للطفل وبعد ساعات من العذاب ولد الطفل (مارتن لوثر كينج)، وكادت القلوب تتوقف عن الحركة من أجله؛ لأنه بدا ميتا إلى أن صدر منه صراخ واهن، سببه صفعة شديدة للطبيب!! أما أنا فلم أشعر بالوحدة المطلقة حتى في أشد الأوقات العصيبة, والانفراد الموحش.
الوحدة عندي مناجاة سحيقة الغور, لا متناهية المدى, متماوجة الأرجاء والأصداء.
وكيف تكون وحدةٌ, وسلاحي ورفيقي ثلاثة: قلم, ومداد, وكتاب?
أضربُ بالقلم أديمَ الفراغ, وأجعل من المداد صوراً وهيئات لها نبضاتها وملامحها وقسماتها, وأخوض بالكتاب غمار الوجود الموحش فيأتنس, وتدبّ فيه الحياة من كل لون وطعم.
وهكذا فإنّ الكتابة بهذا المعنى تحول دون الفراغ, وتقف في وجه الوحشة الوعرة, ليصبح كلّ شيء حولي حركة دائمة الخصب والتجدد, تارة هي ذاتية, إنشائية, إبداعية, وتارة أخرى, وصفية, نقدية, تحليلية.
في الجانب الأول انطلاق متعدد الاتجاهات والمذاقات, ما بين شعر, وخواطر وتأملات في تداعيات الوجود والعدم, ومذكرات الأيام والأحداث.
وفي الجانب الثاني, تعلّق مباشر بآثار الكتاب والشعراء والمصنفين, من نقد, ودراسة, ومراجعة, وتحليل, وتقويم, ومقارنة, وما شابه.
فكانت لي تآليف ودراسات وتصانيف, أكتفي بعرض بعضها, دون الوقوف عندها, تبياناً للخطوط العريضة للصورة التي أنا فيها.
الدراسات والتآليف:
ـ مذاهب الأدب: معالم وانعكاسات, صدرت في كتابين كبيرين درستُ فيهما كلا من الكلاسيكية والرومنطيقية والواقعية والرمزية في مظانها الغربيّة وما انعكس منها في أدبنا العربي منذ بداياته حتى اليوم.
ـ فصول في نقد الشعر العربي الحديث.
ـ الشعر السعودي الحديث في الميزان, أو حسن عبد الله القرشي في مسار الشعر السعودي الحديث.
ـ آفاق الشعر العربي في العصر المملوكي.
ـ كوامن الفن والإبداع في تراثنا الأدبي.
ـ في محراب الكلمة: بحوث ودراسات نقدية في الأدب العربي الحديث والمعاصر.
ـ واقعية الأدب وبلاغة الحبك القصصي في رواية آنّا كارينا.
ومن التصانيف:
ـ معجم الشعراء في (لسان العرب).
ـ شرح الواحدي لديوان المتنبي. (خمسة مجلدات: 2700ص).
لم أخرج, في جميع ما كتبت, في هذا الجانب, عن الموضوعية والتجرد, في إطار من الأكاديمية الجادة, والمنحى الذوقي المصاحب الذي جعل لدراساتي وبحوثي طعماً خاصاً, لا هو صارم ولا هو مزاجي متقلّب, بل كانت الذات حاضرة في أكثر الموضوعات رصانةً وتجرداً.
فأنا الآن أقيس قامتي بما صدر لي من كتب وآثار, ما بين تأليف, وتصنيف, ومراجعة وتقديم, ونقد وتحليل, إضافة إلى نتاجي الذاتي الإبداعي.. وأزِن نفسي بقيمة هذه الكتب والآثار, وبفائدتها وحاجة المكتبة إليها.. وذات مرة دخل أحد الناس على هذا الإمام فقال له: يا سماحة الشيخ، بعض الفضلاء يرون أنك إذا جلست مع الناس وقت الغداء والعشاء وغيرها؛ أنه يجلس معك العاملون والموظفون والعرب والعجم والفقراء ودهماء الناس، وأن في هذا حرجٌ من بعض كبار الضيوف والزوار، فنحن لا نقترح عليك ترك إطعام الناس، وفتح المنزل لهم، ولكن ليكن لهم مجلس خاص، ومكان خاص لأكلهم وشربهم، وأنت وخواص ضيوفك  يوضع طعامكم في مكان خاص! فتغير وجه الشيخ من هذه المقولة.. فقال: (مسكين! مسكين ! صاحب هذا الرأي، هذا لم يتلذذ بالجلوس مع المساكين والأكل مع الفقراء! أنا سأستمر على هذا، وليس عندي خصوصيات، والذي يستطيع أن يجلس معي أنا وهؤلاء الفقراء والمساكين يجلس، والذي لا يعجبه وتأبى نفسه فليس مجبوراً على ذلك !". من هنا يبدأ يومه يبدأ يوم هذا الإمام قبل الفجر.. حيث يستيقظ في الثلث الأخير من الليل، ويأخذ حظه من الصلاة والذكر، ثم يصلي الفجر وبعد الصلاة يأتي بأوراد وأذكار الصباح، ولا يجيب أحداً حتى يفرغ منها، ثم يبدأ الدرس، حيث يقرأ عليه عدة كتب، ويذيلها- رحمه الله بشروحاته وفوائده، حتى قبيل الساعة السابعة صباحاً، وهذا في أيام الدروس، وأما إذا كان في المنزل، فيجلس إلى الاستفتاءات الواردة إلى مكتب البيت من مختلف أرجاء المعمورة، ثم ينظر في طلبات أصحاب الحاجات، حتى موعد دوامه الرسمي في الساعة التاسعة صباحاً. وإذا وصل إلى مقر الرئاسة، وجد المراجعين قد أخذوا أمكنتهم، فتعرض عليه المعاملات قراءة، ثم يأتي توجيهه في الرد على المعاملة فوراً، وخلال عرض المعاملات يستقبل- رحمه الله - الاتصالات الهاتفية، والتي غالباً تكون في الرد على فتوى، أو استفسار في أمور الدين، وبين الحين والآخر يدخل عليه أناس يريدون الدخول في الإسلام على يديه، وتعليمهم أمور دينهم، وإذا كانت هنالك اجتماعات للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء حرص على رئاستها، فإذا كانت صباحاً؛ استقبل المراجعين ظهراً، وإذا كانت ظهراً استقبل المراجعين صباحاً. وإذا أذن المؤذن للظهر ذهب للصلاة في المسجد القريب من المكتب، وربما ألقى بعد الصلاة كلمةً من كلمات وعظه الصادق، ثم يعود إلى المكتب، ويقضي بقية الدوام في المعاملات الرسمية، والنظر في فتاوى الطلاق، وطلب الشفاعة منه من المحتاجين، واستقبال الوفود من الدول الإسلامية وغير ذلك، حتى الساعة الثانية والربع ظهراً، ويحرص- رحمة الله على دعوة كل من يحضره إلى تناول الغداء معه في بيته. وفي منزله العامر يجلس ضيوفه الذين يلقون كل الحفاوة والكرم من تلك الطلعة البهية، وبعد الطعام يدعو بالقهوة والطيب، ويتحدث إلى ضيوفه وجلسائه، حتى وقت أذان العصر، فيصلي في المسجد القريب من منزله، ثم يقرأ عليه شيئاً من الأحاديث؛ ليعلق عليها تعليقات يسيرة، مجلياً لفقهها وفوائدها، ثم يذهب إلى منزله لأخذ قسط من الراحة، حتى وقت صلاة المغرب، فإن كان هنالك درس أو محاضرة أو غير ذلك؛ توجه إلى مجلسه العام؛ لعامة الناس وخاصتهم، المقبلين للسلام عليه، أو استفتائه في أمور دينهم ودنياهم، وهو مجلس تملأه بهجة هذا الإمام، وصدق حبه ووفائه للمسلمين. ويستمر المجلس حتى وقت صلاة العشاء، فيتأهب- رحمه الله- ومن معه للصلاة، وفي المسجد وبين الأذان والإقامة يقرأ عليه من بلوغ المرام، فيشرحه شرحاً دقيقاً، وبعد الصلاة يرجع إلى منزله للنظر في بعض المعاملات الخاصة، ولقاء بعض المهتمين بأمور الدعوة، ثم يتناول مع ضيوفه طعام العشاء، ثم يدخل مكتبته العامرة؛ فلا يزال بين قراءةٍ وإملاءٍ؛ حتى وقتٍ متأخر من الليل!!. وفاة الإمام ياله من جرح فاق كل جرح.. وياله من حزن هان عنده كل حزن.. وياله من يوم ما أشده على المسلمين.. يوم أن قيل: مات ابن باز! يا أمة غاب عنها بدرها الساري وجفّ من أرضها سلسالها الجاري طاشت عقول بنيها من فجيعتها بحادثٍ يلهب الأحشاء بالنار أكثر من ثمانين عاماً من عمر هذا الإمام قضاها في الدعوة إلى الله تعالى.. وخدمة دينه الحق.. والنصيحة للمسلمين. أكثر من ثمانين عاماً مضت في الطاعات! وفي يوم الخميس.. السابع والعشرين من المحرم، سنة أربعمائة وعشرين بعد الألف.. وأسبر غور حياتي وحقيقة وجودي, بما رشفته من رحيق الكتابة والتأليف, وما تناثر فيّ من لآلئ الجمال, وتنامى من قيم الحق والخير والمثل العليا, فضلاً عن المتع المصاحبة لكل أثر على حدة. منها ما هو آنيٌّ مباشر أقطفه وأنا أكتب وأدوّن, ومنها ما هو دائم, بما يُشيعه من إعجاب وتأمل واعتبار.
وليس عندي ما أكتبه للمتعة وحدها.. إنني أكتب لغرضَيْ المتعة والفائدة: المتعة من الكتابة بذاتها, لأنها لعبة الفكر بواسطة القلم, ونزوةُ الوجدان بواسطة الانفعال, وحرفة العقل بواسطة البصيرة المستنيرة وملكة التقييم التي لا تستقيم الأمور من دونها.
وأما الفائدة, فلأجل التواصل والتلاقي, والتثاقف والتلاقح, وإلاّ اعتورنا البوارُ, وجاحتنا قائظة العقم والانشطار.
وآخر دعواي, في نهاية كل نتاج أدبي, كائناً ما كان, بعد حمد الله: دوام العافية لقلمي, وسريان عصارة الحياة فيه, والاستمتاع الكلّي بكل كلمة وصورة صاغتهما ملكة الكلام.
آخر دعواي, في هذا المقام, أن يشهد القارئ لي أمام التاريخ, أنّ ما كتبتُه, لم يكن عبث المتطفلين, وتبجّح الأدعياء الحاقدين, وتجشُّؤ الثقلاء المتخمين.
أول دعواي وآخرها, ألا تخرج كلمة من لساني, وألا يتمخض كياني ووجداني, إلا عن القيِّم المؤثِّر, والنيِّر الباهر, وأن يصدر كل ذلك عن قلب خاشع, وفكر ساطع, ونفس مثقلة بالرضا والحبور, متبتلة لولوج محراب الحقيقة, لا تحسب حساباً إلا لجميل الوقع, وجليل الأثر, ولا تسعى إلا لرضا الحق والحقيقة, وتُعْرض عما عداهما من ثناء برّاق, وإثابة مزيّفة, وإعجاب هشّ!..
وخير ما يُختتم به مثل هذا الكلام, قوله جلّ شأنه:
فأَمّا الزَّبَدُ فَيَذّهَبُ جُفاءً وأَمَّا مَا يَنْفَعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض .
