وكانت هذه التيارات المتلاطمة تختلف بأطياف وظلال غنية, بعضها يذهب في التغرب إلى حدود التقليد الكامل للغرب, بل والانتماء الكامل للغرب أحيانا. وبعضها يذهب في حرصه على الهوية الوطنية والعربية والإسلامية, إلى حدود الإغلاق الكامل لكل النوافذ والأبواب, بينما يرى البعض الثالث أن الحضارة العربية, في عهودها الذهبية الغابرة, لم تكن لديها هذه المشكلة, لأنها كانت ذات شخصية عربية أصيلة وعميقة, وذات فهم شديد, في الوقت نفسه, لحسنات الاتصال بحضارات وثقافات الشعوب الأخرى, حتى كان عصر الخليفة العباسي المأمون, العصر الذهبي للثقافة العربية الأصيلة, من جهة, ولترجمة ثقافات الشعوب الأخرى, والتفاعل معها من جهة ثانية. فإذا عدنا إلى حقل الموسيقى بالذات, فإن عبدالوهاب قد حل تلك المعضلة حلا إبداعيا عمليا, فهضم كل تراث القرن التاسع عشر, وسيد درويش بعد ذلك والإنشاد الديني الإسلامي والمسيحي المشرقي, ثم انطلق يهضم الإنجازات الأوربية العظيمة في حقل الموسيقى, في القرون الثلاثة الأخيرة, فخرج بشخصية موسيقية وغنائية ضاربة بعمق شديد في جذور الهوية الحضارية العربية والإسلامية, ومشرئبة العنق بشدة نحو الآفاق الرحبة لثقافات وموسيقى الشعوب الأخرى, خاصة ما أنجزته أوربا من كلاسيكية موسيقية شامخة في القرون الأخيرة. وهذا بالضبط ما شد وجدان وآذان كمال الطويل وأبناء جيله إلى موسيقى وغناء عبدالوهاب, وتلاميذه من أبناء الجيل الثاني, فعقد صداقة متينة مع عبقري الكمان أنور منسي (العازف الرئيسي في فرقة عبدالوهاب, وأحد المترجمين الرئيسيين لأفكاره الموسيقية المتطورة), حتى روى لي كمال الطويل أن معرفته الشخصية الأولى بعبد الوهاب, كانت عندما اصطحبه أنور منسي لحضور تمارين الفرقة الموسيقية على لحن عبدالوهاب لليلى مراد (اتمختري واتمايلي يا خيل), أولى أغنيات الفيلم الخالد (غزل البنات), وكلها من ألحان عبدالوهاب. عشق للمقامات العربية ومع أن كمال الطويل لم يحسن العزف في حياته إلا على آلة البيانو, فإن ذلك لم يحمل أي تغريب لأعماله الموسيقية, بدليل أن لحنه الأول كان قصيدته الدينية العظيمة (إلهي ليس لي إلاك عونًا), شعر والده وغناء المطربة الناشئة يومذاك فايدة كامل. وبدليل أن كل أعماله الكبيرة بعد ذلك, بالذات لحنجرتي نجاة الصغيرة وعبدالحليم حافظ, كانت مشبعة بالمقامات العربية الأصيلة التي لا تعزف على آلة البيانو, كالبياتي والهزام والراست والصبا وسواها. وبدليل أن السيدة أم كلثوم قد استدعته للمشاركة في تلحين قصائد الفيلم الديني رابعة العدوية إلى جانب زميله محمد الموجي والعملاق رياض السنباطي. وبدهي أن ألحان تلك القصائد كان لابد من أن تكون خالصة (العروبة الموسيقية), وهكذا كان بالفعل لحن كمال الطويل الذي غنته أم كلثوم في رابعة العدوية (لغيرك ما مددت يدا), الذي انطلق فيه بتأثر واضح بقصائد رياض السنباطي, ثم برزت في المقاطع التالية شخصية كمال الطويل الموسيقية الخاصة. تأخرت عن حفل تكريمي الذي أقيم بمناسبة نيلي درجة الماجستير في الاقتصاد الزراعي من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1985, لأنني كنت في المطبعة أنتظر النسخة الأولى من كتابي الجديد (مغارة الكنز) الذي صدر في اليوم ذاته, إذ اعتبرتُ ولادة كتاب جديد لي أكثر أهمية من حفل تكريمي لنيل هذه الشهادة العليا التي توّجت اختصاصي كمهندسة في الاقتصاد الزراعي.
واليوم وقد تجاوز عدد كتبي التي وضعتها عن الأطفال ولهم الستين كتابا, مازلت أنتظر كل كتاب جديد منها, باللهفة نفسها التي ترقبت فيها صدور كتابي الأول, فهذا هو عالمي الحقيقي الذي أتواصل فيه مع الأطفال في كل مكان من خلال تجربتي مع أدب الأطفال, هذه التجربة التي بدأتها عام 1977, وأعلنت عنها في كتابي الأول عام 1979 وكان بعنوان (العصافير لا تحب الزجاج) وتوالى إصدار الكتب بعده عن عدة دور نشر في سوريا وخارجها مثل اتحاد الكتاب العرب, ودار الجليل, ووزارة الثقافة السورية, ودار قوس قزح, ودار طلاس, واليونسيف... وفي مصر: دار الأهرام ودار المعارف, والهيئة المصرية للكتاب, وفي الكويت: الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية.
أمي... المعلمة الأولى
وإذا كان بعض الذين يكتبون لباب (مرفأ الذاكرة) الذي ابتكرته (العربي) مشكورة, يعودون بنوع من أسلوب أدب السيرة إلى مراحل الطفولة والنشوء واليفاع والشباب فالرجولة, وحتى الكهولة بنوع من التفصيل, فأنا أحب أن أخالف هذا التوجه وأقف عند حال مهمة عشتها في طفولتي, ولم أزل. وهي حال المناخ الفكري والأدبي الذي عاشته أمي, الأديبة قمر كيلاني, وهي من الأديبات والمربيات الرائدات في سوريا والوطن العربي, حيث كانت دارنا تتحول إلى منتدى أدبي ومحفل فكري يضم نخبة مميزة من رجال ونساء الأدب والفكر والثقافة, وقد هيّأني هذا المناخ ذهنياً للتوجه نحو الكتابة على الرغم من دراستي في مجال العلوم الزراعية, كما أن توجيهات أمي ورعايتها كانت السبب المباشر لاختصار الكثير من العراقيل والمتاعب, بل واختيار اللون الأكثر صعوبة من الكتابة الأدبية, وهو أدب الأطفال, وخاصة التربية العلمية في القصة والرواية, ولعل دراستي في مجال العلوم ساعدتني على اعتماد هذا النوع من القصّ الذي أضمنه المعلومة العلمية دون الجنوح الكبير والتطرف إلى ما يسمى القصة العلمية, أو قصة الخيال العلمي, وأحب أن أستدرك لأقول إنني في ذروة حماسي وانطلاقي في الكتابة للأطفال وعنهم, كتبت عدة روايات (للكبار)... وقد أسعدتني ترجمة عدد من قصصي ورواياتي إلى عدة لغات عالمية وإدراج اسمي في أكثر من عشر موسوعات عالمية في أوربا وأمريكا, وقد سئلت أكثر من مرة عن هذه التجربة وكنت أفضل دائماً ألا أتحدث عنها بل أترك الرأي للقارئ وللناقد... وأنا أستأنس بآراء الأطفال الذين يقرأون كتبي ويوجهون ملاحظاتهم وأحاول الإفادة منها, كما أحترم آراء النقاد الذين استقبلوا هذه التجربة بحفاوة, وأجد أن أقرب الآراء إلى تقييم هذه التجربة ما جاء مرة على قلم أحد النقاد حين كتب يقول: (استطاعت هذه الكاتبة الدخول إلى نفوس الأطفال, ودواخلهم ببساطة, وبالبساطة ذاتها حوّلت أسئلتهم المدهشة إلى فضول أسرج الجماح المعرفي لمخيلتهم, وأطلقت لها العنان في عالم فسيح ورحب من المعلومات الشائقة, حاملة شفافية الطرح, وتوظيف الحدث, رصدت الإحساس وروعة القيمة من خلال ذوق جمالي رفيع).
مثل هذا الرأي لا يسعدني بقدر ما يحملني من مسئولية لأكون جديرة به, وأحاول دائماً تطوير أدواتي ومحاولة ترسيخ نوع من القصة والرواية للأطفال بعيداً عن الارتجال والافتعال والأنسنة غير المدروسة.
أدب الأطفال العربي
عندما نحاول أن ندرس واقع أدب الأطفال في الوطن العربي, نجد أننا لانزال نفتقر إلى طرح نوع من أدب الأطفال الحقيقي والمتكامل على الرغم من وجود عدد لا بأس به من الذين يكتبون للأطفال.
وعلى الرغم من أن بعض هؤلاء يصرحون بأن مسئولية الكتابة للأطفال أكثر صعوبة من مسئولية الكتابة للكبار, فإننا نراهم يتعاملون بلامبالاة مع هذا الأدب من خلال تكرار النماذج النمطية للقصص المستهلكة كقصة الثعلب والدجاجة حتى في عصر الإنترنت, فالطفل ليس مخلوقاً ساذجاً, ولهذا يجب أن نفرّق بين توجيه الطفل والتوجه إليه, إذ لا يكفي أن نصوّر الحياة السعيدة للأطفال في كتبنا أو على شاشات التلفزيون دون أن نوفرها لهم على أرض الواقع.
ولكم وددت أن يجد القارئ العربي كتاب "الاستشراق" بترجمة عربية جيدة, فإن مترجمه أعجمه, وأضر كمال أبو ديب بكتاباته, ولو قارنت هذه الترجمات مع ترجمات كتب أخرى مثل كتاب "صور المثقف" أو كتاب المقابلة الطويلة معه التي أجراها بارسيمان؛ لرأيت فرق الطريقتين. لقد كان لسان العرب الحر, محاضرا ومحاورا, أما بعد حسم معركته مع لويس فقد قل من فكّر في مواجهته. وقد كانت محاضرته حقا كما وصفها جاري, إذ يمتلك أسلوبا حواريا مقنعا. ثم نزلت من الطابق الأعلى لأجد الناس يصطفون لالتقاط الصور معه, ولما خف الزحام صافحته وشكرته وذهبت, وبدأ حديثه مع كاتب اسكتلندي يتحادثان في كتاب ألفه الأخير عن الموسيقى, ولأن إدوارد حجة في الموسيقى كما يكتبون عنه, فعندما يقيّمون عمله وإنتاجه يضعون إلى جانب مكانته في السياسة والأدب الإشادة بمعرفته في هذا الميدان وتقدمه بين الناقدين لهذا الفن أيضا. واحتفل أخيرا بمرور ربع قرن على صدور كتابه المهم "الاستشراق" وهو الكتاب الذي أخرج مؤلفه للناس من مجرد ناقد أدبي أكاديمي, ومن ناطق سياسي ذي صوت عال للمسألة الفلسطينية إلى مفكر عالمي مضاد للاستعمار وثقافته, شق الكتاب للناس دربا جديدا في التعرف على ظاهرة الاستشراق, وما يؤسس لها ويلحق بها من ثقافة, وكان لتلامذته دور مهم في تقديمه وتأليف الكتب عنه, وله تلميذة من الهند أصبحت تدرّس في الجامعة نفسها, كتبت عنه وجمعت له كتابا مهما, وقد اهتمت بموضوع لغة الاستعمار, وكتبت رسالة علمية لها أهميتها في هذا الجانب, مما أغرى المثقفين الإسرائيليين بدعوتها وتكريمها, تخفيفا من حملتها عليهم, أو حرفا لها عن طريقها, وإغاظة لأستاذها, وهكذا يقتنصون المثقفين الجدد! اشتهر إدوارد سعيد ناقدا قبل أن يفاجئ الناس بـ "الاستشراق", هل كان مبدعا في كتابه؟ يقول خصومه: لا, فلم يزد على أن جدد أقوال الناقدين, ونصوص الأدباء والرحالة, ومواقف السياسيين؛ ليصوغ منها حملة شرسة على الاستعمار وأربابه. وربما رآها آخرون حملة ناقمة, عمياء, دل عليها كتابان تاليان هما كتاب "تغطية الإسلام" و"ثقافة الإمبريالية", لقد جار عليه خصومه, وذلك ردهم على لذعاته ولوذعيته. كتاب الاستشراق فيه تطبيق لنظريات ميشيل فوكوه, ولا يضره ذلك ففلسفة فوكوه وجدت تطبيقا ميدانيا لها, في مسائل المعرفة وعلاقتها بالسلطة, وإعجاب إدوارد بفوكوه كبير, حتى إنه اهتم بحضور محاضراته, وربما حضر درسه الافتتاحي. وكان كتاب إدوارد سعيد قوة لكتابات فوكوه, وتطبيقا للنظرية تجاوز بالتطبيق والتفريع فكرة "صاحب نظرية المعرفة سلطة" أو"المعرفة تستتبع السلطة" وأسلوبه العالي نفخ الحياة في جفاف التنظير. تربية الطفل علمياً
أحب أن أستدرك مرة ثانية حول الطرح المحدد لتعريف (القصة العلمية) للأطفال, فأنا أرفض هذا التحديد المؤطر على الرغم من أنني من أوائل الذين كتبوا هذا النوع من القصة بحكم اختصاصي.
ومن هنا أقول: هناك ما يمكن أن نسمّيه تربية الطفل علمياً من خلال تقديم المعلومات العلمية بصورة مبسّطة وبقالب جميل بطرح مفهوم مقبول للأنسنة مثلاً, وأكرر أن اختصاصي في العلوم الزراعية حقق لي دراسة العلاقة بين الإنسان والبيئة, فالدودة مثلاً حشرة مكروهة في رؤية الطفل من خلال حديث الكبار المقزز عنها, ولكنها في الحقيقة مفيدة في تفتيت التربة الزراعية مثلاً.
وهذا ما ضمنته إحدى القصص, حتى موضوع الأنسنة بالنسبة للحيوانات يجب أن يكون من خلال منطق مدروس, وليس فقط من خلال نماذج نمطية موروثة للثعلب الماكر, والحمار الغبي, والحمل الوديع, حتى نباح الكلب يجب ألا يكون الحديث عنه كسبب للإزعاج فقط, بل يمكن أن ينظر إليه كمنبه لوجود لصوص أو دخلاء.
كما أحب أن أضيف شيئاً آخر وهو أن مفهوم (الأنسنة) يجب ألا يقتصر على الحيوان فحسب, بل يمكن أن ينسحب على النبات, أو حتى على الجماد, وصولاً إلى الآلة التي أصبح لها وجود شامل في حياتنا العصرية, فالكمبيوتر مثلا, ومثله (الأتاري) وغير ذلك من الآلات أصبح (لعبة) بين يدي الطفل, وفي الوقت نفسه هناك نوع من الخطر الناجم عن استخدامه بطريقة غير موجهة, وفي مقدمة ذلك خطره على أذهان الأطفال, وطريقة تفكيرهم, وطبيعة حياتهم, ونموّهم العقلي والجسدي.
وما أقوله عن (القصة العلمية) إذا اتفقنا على التسمية, أقوله عن قصص (الخيال العلمي), وكم من خطر لا ننتبه إليه يؤثر في أطفالنا من خلال قصص الخيال العلمي المختلفة, خاصة عندما تجسّدها الشاشة الصغيرة, ومنها قصص الفضاء التي تختلف كل الاختلاف عن المفهوم العلمي للفضاء وارتياده, وهذا ما خلق نوعاً من التشويش في ذهن ابن جيراننا الصغير من خلال المعلومات التي قرأها في القصص عن هبوط إنسان على المريخ. ومن خلال الحديث أخيراً في الصحافة وأجهزة الإعلام أن الإنسان لن يستطيع الوصول إلى المريخ والهبوط على سطحه قبل عام 2014.
ولدي مفهوم خاص لنموذج البطل التاريخي في قصص الأطفال, فأنا أرفض أن يقدم البطل من خلال نظرة أحادية الجانب, كتقديم القائد العربي طارق بن زياد على أنه حارق السفن فحسب دون طرح بقية أبعاد مهمته في الأندلس, بالإضافة إلى الأبعاد الإنسانية لشخصيته.
خصائص الكتابة للطفل
للطفل العربي بيئته الخاصة وعلينا أن ننطلق من هذه البيئة, لا أن نحدثه عن عوالم بعيدة عنه وعن عقليته هذا أولاً.
وثانياً أن نوقف الترجمات والمستوردات لأنها تفسد عقول صغارنا.
ثالثاً اللغة: يجب أن نجد لغة مبسطة وقريبة من الطفل.
ويعتقد الدجاني أن فترة إقامته في ليبيا ما بين 53 ـ 1956 كانت فترة مهمة بالنسبة له ولتكوينه الثقافي. ففي عام 1958 تعاقد وهو في دمشق التي كان عازفا عن تركها للعمل في وزارة التربية والتعليم، ويقول الراحل عن هذه المرحلة: إنها كانت من أغنى مراحل حياتي، بدأت منذ تشرين الأول (أكتوبر) 1958 وانتهت في آخر كانون الثاني (يناير) 1965، هذه السنوات أعتبرها من أهم السنوات في تكويني العلمي. ليس اللغة الفصحى المغرقة بفصاحتها, وليس اللغة العامية المغرقة في عاميتها حتى يفهمها جميع الأطفال العرب في أقطارهم وبلدانهم. وعلى كاتب الطفل أن يركز على القيم وهي ثابتة وإن تغيرت مدلولات القيم والمفاهيم.
فمثلاً في البادية هناك الكرم العربي, أو إذا تاه أحدهم في الصحراء ووجده أحد سكانها فمن واجبه استضافته ثلاثة أيام وتزويده بالمؤن والماء.
وعرض عليه" محمد يوسف" أن يغني في السيرك ووافق "محمد عبد الوهاب" على الفور، واتفق معه على أن يصحبه إلى مدينة دمنهور، وذهب إلى قرية من قرى دمنهور وهو راكب على حمار، وغنى في تلك الليلة أغنية للشيخ "سلامة حجازي" والمعروفة في ذلك الوقت "عذبيني فمهجتي في يديك" وأعجب به الجمهور، وكانت المفاجأة أن الشيخ "سيد درويش" كان بين الحضور، وفي هذا الحفل تقاضى عبد الوهاب أول أجر في حياته وهو خمسة قروش. وعلى خشبة المسرح الكلوب المصري بسيدنا الحسين قدم محمد يوسف عبدَ الوهاب إلى "فؤاد الجزايرلي" صاحب الفرقة، وغنى عبد الوهاب من كلمات الشيخ "يوسف القاضي" أغنية تقول: أنا عندي منجة وصوتي كمنجة أبيع وأدندن وآكل منجة    ونجح عبد الوهاب وظهرت له إعلانات في الشوارع وعلى الحوائط تقول: الطفل المعجزة أعجوبة الزمان الذي سيطربكم بين الفصول "محمد البغدادي"، وكان" محمد عبد الوهاب" يخشى أسرته؛ فاضطر إلى تغيير اسمه ووصل أجره 4 جنيهات. ومن فرقة "الجزايرلي" انتقل "عبد الوهاب" إلى فرقه "عبد الرحمن رشدي" بمرتب قدره ستة جنيهات، وكان ذلك عام 1920. ثم انضم عبد الوهاب إلى فرقة "علي الكسار" بمرتب شهري قدره عشرون جنيها، غير أن "عبد الرحمن رشدي" لم يلبث أن استرده إلى الفرقة، وزاد أجره خمسة جنيهات حتى أصبح راتبه 25 جنيها، وهو مرتب كبير لم يكن يتقاضاه كبار الممثلين في ذلك الوقت. وكان عبد الوهاب يغني في فرقة عبد الرحمن رشدي بين الفصول، وفي يوم علم أن أمير الشعراء "أحمد شوقي بيك" جاء خصيصا لمشاهدة مسرحية "الشمس المشرقة"، والتي كانت تقدمها الفرقة، وأراد عبد الوهاب أن يلفت نظر شوقي بك إليه فشدا في تلك الليلة، ولكن كانت المفاجأة أن شوقي بك في اليوم التالي بعث بشكوى إلى "لان رسل باشا" حكمدار القاهرة يطلب فيها منع عبد الوهاب من الغناء بسبب صغر سنه. وفي عام 1922 سافر عبد الوهاب في رحلة فنية إلى فلسطين وسوريا ولبنان مع فرقة نجيب الريحاني. ولما عاد من رحلته قرر دخول معهد الموسيقى العربية، لكن الالتحاق بالمعهد يحتاج إلى مصروفات، إذن لا بد من البحث عن عمل لدفع المصروفات، ووجد عبد الوهاب عملا، فأصبح مدرسا للأناشيد بمدرسة الخازندار، وخلال العطلة الصيفية للمدرسة اشترك عبد الوهاب في حفلة غنائية كان معهد الموسيقى قد أقامها في كازينو "سان ستيفانو" بالإسكندرية، وتعتبر هذه الحفلة هي أول حفلة غنائية حقيقية يشترك فيها بعدما كان يغني على المسارح بين الفصول فقط. تصميم حتى النهاية وعندما انتهى وجد زميلا له يصعد إلى غرفته ويخبره بأن أحمد شوقي بك يريد مقابلته، وبعد تردد ذهب عبد الوهاب إلى شوقي بك، فاستقبله مرحبا، أهلا أهلا بالكروان، أنا عارف أنك متضايق، لكن تأكد أني لم أمنعك من الغناء إلا من أجل مصلحتك، وتوطدت العلاقة بين شوقي بك أمير الشعراء وعبد الوهاب، وتنمو بين الاثنين صداقة متينة، لا يكتفي معها أمير الشعراء بصياغة الأغاني للمطرب الناشئ فحسب، لكنه أيضا يتبناه ويصحبه في كل مكان، ويقدمه إلى كل أصدقائه، ويساعده في تنمية معارفه الموسيقية والأدبية. الآن في بيوتنا العصرية المدنية لا نستطيع فعل ذلك نكتفي ربما بفنجان قهوة ولكن تبقى القيمة ذاتها هي قيمة الكرم ولكن طريقة الممارسة اختلفت لذلك يجب أن تتماشى هذه القيم مع العصر القائم.
أما عن واقع إعلام الطفل فأعتقد أننا لم نقم بمحاولات جادة فعلا في نشر أدب الطفل إعلاميا رغم أن لدينا عددا كبيرا من الكتّاب الجيدين والمتميزين في مجال الطفل.
وهنا أتساءل لماذا نجح برنامج افتح يا سمسم? اتكأنا على برنامج غربي ولكن وضعنا نصوصا عربية. وكان يمكن أن ننتج ما هو أفضل من هذا البرنامج. ربما المحاولات لم تكن جادة. عموما أدب الأطفال فن جديد نسبيا ودعم المؤسسات له مازال قليلاً نسبيا.
ويلاحظ حاليا التوجه في البلدان العربية نحو الاهتمام به, ولكن يبقى هناك كم من الأفلام المستوردة ما يضغط بحيث لا يدع حيّزا للإنتاج المحلي.
وكذلك في مجال الكتب إضافة إلى أننا بحاجة إلى اختصاصيين في علم نفس الطفل وفي ثقافته وتربيته. كل هذا الكادر يجب أن يتعاون معا ليقدم شيئا جادا وحقيقيا للطفل.
وهناك سؤال مهم: نحن نعيش حاليا عصر الإنترنت الذي يغزو كل بلدان العالم, فكيف نقنع الطفل العربي بأعمال محلية ساذجة وبسيطة وهو يشاهد أعمالا متفوقة في الغرب? إذن نحن بحاجة إلى تقديم البديل.
فالبديل يمكن أن يكون من تراثنا, الذي ينهبه الغرب تحت أعيننا وبصرنا, ففيلم علاء الدين الذي حصد ملايين الدولارات في أمريكا, وهو من تراثنا, تصوّر أنهم وضعوا لشخصية علاء الدين أكثر من 300 نموذج ولم يتمكنوا من الحصول على الشخصية الحقيقية إلا عندما أسقطوها على شخصية توم كروز. خذ مثلا (الجني) اشترك 50 رساما لتقديم نموذج لشخصية الجني. فأظهروا الجني على أنه المارد الذي يبحث عن متعته. لم يكن المارد الذي يقدم مقابل انعتاقه وهذا يدل على أن مفهوم المارد كما قدمه التراث العربي لم يفهمه الغرب ومع ذلك استفادوا منه.
خذ الفتاة ياسمين مثلا وما إلى ذلك, نحن قادرون على فهم التراث بشكل عميق وتقديمه بالشكل الحقيقي والصحيح للأطفال ومع كل ذلك فنحن مقصرون في ذلك ونترك الغرب يتولى هذه المهمة ويشوّه تراثنا.
حكايات الجدات
قد يجدني قارئ آرائي في مرفأ الذاكرة أبدو رافضة للقصة النمطية للأطفال, وهذا يعني أنني أرفض الحكايات التي يستمع إليها الأطفال عادة في سن معينة من الجدات وأحب أن أوضح هنا أنني لا أرفض حكايات الجدات, بل أريدها بإسقاطاتها المعاصرة وبكثير من الصدق وعدم المبالغة والابتعاد عن الخرافات مادام هذا الطفل يستمع إلى الجدة وهو الذي كان قبل قليل يدير أزرار التلفزيون أو الكمبيوتر أو الإنترنت, ثم علينا ألا ننسى أن الفضائيات العربية لايزال قسم كبير من برامجها للأطفال مشغولاً بأعمال الكرتون الأجنبية المشحونة بالاتجاهات العدوانية وتمجيد الذات, والقوة الغاشمة, وبالتوجهات التي لا تتلاءم مع مجتمعنا, ولا مع الدين والأخلاق والتراث والعادات والتقاليد والطموحات.
وإذا كان الإعلام الفضائي وسيلة مهمة من وسائل التوصيل للأطفال, فإن الكتاب أيضاً لايزال يلعب دوراً مهماً, بل إنه يستهوي الطفل كثيراً إذا عرفنا كيف نتوجه له, وكيف نقدم له الكتاب في المضمون والشكل, وكيف نجعله يصل إليه بأيسر السبل, ولي رأي في هذا الموضوع طرحته أكثر من مرة في أحاديثي الصحفية حول الحلول التي يجب اعتمادها لإيصال الكتاب للطفل العربي. وقلت يجب أن يكون ذلك عن طريق المدارس وغيرها, وذلك بتوجيه الأطفال وربطهم بالكتاب, وكذلك للأسرة دور في هذا المجال من خلال وعيها, الأهل لا يهتمون بكتاب الطفل والأب لا يقرأ الكتاب الذي يقدمه لابنه. ولكن عندما تكون الأسرة واعية ومثقفة وتطلع باستمرار على ما ينشر من كتب تستطيع أن تقدم لأطفالها التوجيه ويجب أن نقدم ما يجذب الطفل, صحيح أنهم قسموا الأطفال لمرحلتين عمريتين: أولى وثانية. ولكني أعتقد أنه لا يوجد مثل هذه الفواصل فعلاً, الأطفال الأذكياء في المرحلة العمرية الأولى يستطيعون أن يقرأوا لأطفال المرحلة الثانية, فأنا إذا لم أقدم المادة الغنية والمقنعة للطفل يعزف عن الكتاب مهما كانت ألوانه جميلة, ونحن ككتّاب مطالبون بتطوير أنفسنا.
مَن يكتب للأطفال?
يحضرني بمناسبة الوقفة في مرفأ الذاكرة سؤال يقول: هل صحيح أن الأديب إذا (بهت) إبداعه, فإنه يتوجه للكتابة للأطفال?
هذا بالطبع غير صحيح, فهذا شاعرنا الكبير سليمان العيسى, كتب شعراً عظيماً للطفل لأن الطفل بحاجة إلى أشعار العيسى التي تتميز بأنها مقنعة للطفل وتتسلل إليه من حيث لا يدري, فالطفل يحفظ هذه الأشعار ويفهمها بشكل تلقائي وعفوي, هناك البعض ظن أنه يكتب للأطفال, لكنه فشل لأن منهم من كان يكتب عن الأطفال. وهنا فرق كبير أن أكتب للطفل أو أكتب عن الطفل, فالطفل عندما يأخذ كتاباً ما يتدرج بفهمه مع مراحل عمره, وعندما يصبح شاباً ويعود لهذا الكتاب يجد فيه مضامين أخرى.
• الجيل الثالث الذي ولد في العقد الثالث من القرن العشرين, ومن أبرز أعلامه كمال الطويل ومحمد الموجي وسيد مكاوي ومنير مراد وبليغ حمدي وعبدالعظيم محمد. وجدير بالذكر أن ظهور هذا الجيل في مصر قد تزامن في الولادة (العشرينيات) وفي انطلاق الإبداع الفني (الخمسينيات والستينيات بشكل بارز) مع الجيل الذي نهضت على أكتافه النهضة الموسيقية المشرقية التي انطلقت من بيروت, ومن أبرز أبناء هذا الجيل عاصي ومنصور رحباني, وزكي ناصيف وتوفيق الباشا وفيلمون وهبي وسامي الصيداوي وعفيف رضوان. شجرة العائلة الفنية هذه هي إذن شجرة العائلة الفنية للفنان الكبير كمال الطويل, إنه واحد من فرسان الجيل المصري الثالث في النهضة الثانية للموسيقى العربية المعاصرة, التي انطلقت من مصر في أعقاب ثورة سيد درويش. وهو بذلك يكون آخر غصن من تلك الشجرة الذهبية, امتد به العمر حتى أوائل القرن الواحد والعشرين. ولد كمال الطويل لعائلة ميسورة كانت منتمية إلى قيادة وقواعد حزب الوفد, حزب الوطنية المصرية الأكثر شعبية في النصف الأول من القرن العشرين. ولكن شأنه شأن شباب هذا الحزب, اتجه في عقد الأربعينيات ومطلع الخمسينيات إلى يسار الحزب, تلبية لمشاعر ومفاهيم العدالة الاجتماعية التي كانت تعاندها وتعارضها طبقة كبار الملاك من قيادات حزب الوفد, لذلك كان بدهيا أن ينخرط كمال الطويل اجتماعيا وسياسيا, عند قيام ثورة الضباط الأحرار في العام 1952, وخاصة عند نضج الثورة على نيران معارك الجلاء وتأميم قناة السويس, في القاعدة الاجتماعية والثقافية لتلك الثورة. إذا استثنينا سيد مكاوي من أبناء هذا الجيل الثالث, الذي كان امتدادا طبيعيا لزكريا أحمد, فإن كل نجوم هذا الجيل وفرسانه, من كمال الطويل إلى محمد الموجي إلى منير مراد إلى بليغ حمدي, قد خرجوا من عباءة عبدالوهاب الفضفاضة, حتى ولو صدر تصريح عن كمال الطويل يركز فيه على تأثره بمحمد فوزي (من أبناء الجيل الثاني), ذلك أن محمد فوزي لم يفلت هو الآخر من الخروج من عباءة محمد عبدالوهاب, في الحداثة الموسيقية كما في الحداثة الغنائية. وإن كان هذا التصنيف لا يمنع التأثر المتبادل بين عبدالوهاب ومحمد القصبجي بشكل خاص, ثم تفاعل عبدالوهاب بالذات مع كل مجايليه (السنباطي وزكريا) وحتى كل تلاميذه بعد ذلك, بمن فيهم الطويل والموجي وبليغ, ولكن تلك قصة طويلة معقدة نتركها لمجال آخر. ولذلك على الكاتب أن يكتب بعقلية الطفل, بأسلوب الطفل مع مراعاة العمق في المضامين والبعد الإنساني, هكذا فعل كتاب الغرب, لذلك أصبحت كتبهم خالدة وذات مضمون فلسفي أحيانا يعود إليها الإنسان في أي مرحلة من العمر وليس فقط في مرحلة الطفولة.
رواية المستقبل
يبدو أن أفكاراً كثيرة تتدفق على الذاكرة في هذا المرفأ الذي يشبه الركون إليه استراحة المحارب, فيخطر على الذاكرة مثلاً موضوع الجدل الذي أثارته روايتي الثلاثية (المستقبل), وعمّا إذا كان الأديب, يستطيع خارج محاولات التنبؤ التقليدي, استشفاف أبعاد وحالات وتطورات مستقبلية, وقد تبدو غريبة أمام الإنسان المعاصر, ولكنها في النهاية رؤية مستقبلية تستند إلى استقراء آفاق علوم ومعطيات عدة, وإذا كان نزول إنسان على القمر في فترة من الفترات ضرباً من الخيال, كما جاء في الروايات المتخيلة عن هذا الإنجاز فإنه اليوم, ومنذ وضع رائد الفضاء الأمريكي أرمسترونج قدمه على ترابه أصبح حكاية عادية وتكاد تكون منسية.
صحيح أن رواية المستقبل رواية علمية ولكن لا يعني أنها تقرير علمي هي ضمن الأسس الروائية والمبادئ الروائية, فأقول في مقدمتها إن هذه الرواية ترصد ما تتنبأ به الكشوف العلمية التي تنزع الإعجاب حتى الذهول - بل حتى الفزع - اعتمدت على الجانب العلمي كمنطق لهذه الرواية, ولعلي استفدت من تجربتي في أدب الأطفال لأن أكون دقيقة في إيصال المعلومة التي أريدها والكلمة في مكانها تماماً حيث الكلمة مشحونة بالطقس الذي أريده فأخذت هذه المعلومات أو لعل عندي (هوسا) بشيء اسمه هندسة الجينات وبنيت عليه روايتي وكذلك عن الاستنساخ الحيوي والإنسان المصنع أريد أن أقول في هذه الرواية وأتساءل إلى أين يسير العالم وما هو المارد أو الشيطان الذي انفلت من القمقم, إلى أين سيصل بنا هذا العلم, هناك مقولات للخير والشر وما إلى ذلك في الجزء الأول تناولت تفوق العلم ومنجزاته وما قدمه علم الوراثة من خدمات للبشرية, وفي الجزء الثاني تناولت أخطاء هذا العلم, وماذا يمكن أن يجلب هذا العلم من كوارث للإنسانية, والجزء الثالث هو الانفجار أو الاغتيال, ففيه الإجابة إلى أين سيصل هذا العالم إن استمر في اندفاعه نحو العلم بهذه الطريقة.
وتشاء المصادفة أن أرسل وأنا موظف في المصرف الزراعي إلى منطقة تل أبيض على الحدود التركية لأفتش المصرف الزراعي هناك, وأتعرف على أحد موظفي المصرف, ويقول لي إن أمه من قبيلة نمير التي هجاها جرير, فسألته: وهل بقي أحد من نمير الآن, فأجابني: إن أمي نميرية تركية الجنسية ويوجد في تركيا قريبا من الحدود السورية أربع قرى سكانها من نمير وجدتي مازالت حية وتذكر دائما قبيلتها نمير. فسافرت بصحبته إلى جدته في تركيا, ولما دخلنا بيتها قال لها: يا جدة قد أتيتك بمن يحدثك عن قبيلتك فهو يعرف عنها الشيء الكثير, فجلسنا وتحدثنا كثيراً عن قبيلة نمير وكان البيت قد امتلأ بالرجال من أقاربها, وقالت لي الجدة بلهجة عربية تشوبها لكنة: لي عندك سؤال يا ولدي, فقلت: هات, فقالت لا نعرف هنا لماذا نحن نحب أن نسمي أولادنا صعصعة, فهذا ابني اسمه صعصعة, وابن أختي اسمه صعصعة, وابن عمي اسمه صعصعة, فقلت: لأن جدكم الأكبر عامر بن صعصعة لأن نميراً من بني عامر صعصعة وقمنا نعود إلى سوريا, فأقسمت بالله ألاّ نخرج من بيتها قبل الغداء, وقامت آخذة بيد ابنها صعصعة إلى كبش ساح مربوط بأرض الدار فذبحه ابنها وبقينا حتى تغدينا وعدنا, وهذه الحادثة شجعتني على تحقيق الجمهرة لأربط بين هؤلاء القوم وأصولهم العربية. وبدأت أبحث عن مخطوط الجمهرة فعلمت أن أحدهم قد اختصر الجمهرة وسماه مختصر جمهرة ابن الكلبي, وكان هذا المخطوط غير معروف إلى أن اكتشفه المرحوم العلامة الشيخ حمد الجاسر في مكتبة راغب باشا في اسطنبول, حيث كان مكتوبا على غلافه: كتاب التبيين في نسب القرشيين, فنظرإليه وإذا على الغلاف طُرّة مكتوب فيها: هذا ما أنعم الله به على عبده عبدالقادر بن عمر البغدادي وهو مختصر جمهرة ابن الكلبي, ولم أعرف مصنفه. ثم اكتشفت مصنفه وهو يحيى بن المبارك الغساني الحمصي, جفل يوم هجوم التتر على حمص وصعد الجبال لا يحمل معه سوى كتبه, فخرج قطب الدين اليونيني من بعلبك إلى الجبال ليتلقاه فوجده قد مات في إحدى القرى, فأخذ الكتب ومن جملتها مختصر الجمهرة وعلق عليه حواشي كثيرة بلغت أكثر من الأصل بأربع مرات وأكثرها من كتب مفقودة الآن كفتوح الشام لابن الكلبي وسيرة محمد بن عائذ الله الدمشقي التي يقال عنها أعظم السير, وهذا المختصر قد حققته وسأنشره بخط يدي كما فعلت بالجمهرة قريبا إن شاء الله, وكذلك ياقوت الحموي قد اقتضب الجمهرة وسماه المقتضب في جمهرة النسب لابن الكلبي, وبعد جهد وكد وعذاب تمكنت من الحصول على تلك المخطوطات الثلاث, لأستعين بها على كتابة العشائر العربية في الشام بدءاً من الجاهلية وحتى الآن. مع الكنانات العربية وكنت في زيارة لصديقي الأستاذ أحمد راتب النفاخ عضو مجمع اللغة العربية بدمشق تغمده الله برحمته, وتطرّق الحديث إلى الشاعر الفارس أسامة بن منقذ فقال المرحوم الأستاذ أحمد: أسامة بن منقذ الكناني ووقف, فقلت له: هو ليس كنانيا ولكنه كلبي,فغضب وأرعد وقال لي: يا محمود إليّ تقول هذا! قلت: نعم, وهل يجب السكوت على الخطأ, فخذ ديوانه ولننظر ممّن هو, فأتى بديوانه وبدأ يقرأ أسامة بن منقذ بن... ووقف عند كنانة, وقال ألم أقل لك بأنه كناني, فقلت له: كأنك يا أستاذ اتبعت قول أبي نواس: لا تقربوا الصلاة, فأكمل النسب وإذا به يقرأ ابن ثور بن كلب بن وَبَرة, فوقف وقد ذهل, فقلت له: لا عليك يا أستاذ, هناك في القبائل العربية ثلاث كنانات: كنانة عُذرة, وكنانة كلب, وكنانة مدركة التي منها قريش وهي أشهر الكنانات فعندما تصل في النسب إلى كنانة يتبادر إلى ذهنك الكنانة الأشهر فتقف عندها ومن هنا يأتي الخطأ. فسكت برهة وهو يفكر ثم قال لي: يا محمود مادمت هكذا تحفظ الأنساب ولك هواية في تتبع النسب, فلماذا لا تحقّق الجمهرة, وقد لا يأتي بعدك من يهتم بعلم النسب, خاصة أنك الآن الوحيد الذي لك هذه الهواية, فقلت: هذا المستشرق ليفي دلافيدا أمضى في تحقيقه ثلاثين عاماً وأخفق, وأتى بعده المستشرق كاسكل فأصدر مشجرات ولم يصدر الكتاب, وهذا عالمنا الشيخ حمد الجاسر لم يقدم لتحقيقه فأين أنا من هؤلاء? فقال لي: يا محمود هل علبة الثقاب الفارغة أفضل أم التي فيها عشرة أعواد? قلت: التي فيها عشرة أعواد أفضل, قال: ضع فيها هذه العشرة وسيأتي غيرك فيملؤها. من الكتاب إلى الشاشة
أحب أن أشير بعد هذا إلى أن الكاتب, أي كاتب, مطالب في هذا العصر المتسارع بتطوير أدواته التي يحقق من خلالها التواصل مع قرّائه أو مشاهديه, خاصة بعد ثورة الاتصالات ووجود أكثر من خمسين فضائية عربية وتحول النص الأدبي المكتوب من ورق لا يطلع عليه سوى عدد محدود من الناس إلى الشاشة التي يشاهدها الملايين, وقد حاولت أن أحقق في الفترة الأخيرة تجربة جديدة في التعامل مع هذه الأدوات من خلال إعداد نصوص إلى الشاشة وإخراجها بطرق حديثة ومبتكرة وتقديمها للكبار والصغار, كما في تجربتي قصة الأنبياء مثلاً, وقد أسعدني أن هذه التجربة التي أتابع تطويرها قد حققت نتائج إيجابية على الصعيدين العربي والعالمي.
وفي الإجابة عن سؤال يقول: كيف نتوجه إلى الطفل اليوم أقول:
إن توجهنا إلى الطفل يجب ألا يقف عند حدود الإبداع الأدبي فحسب, بل يتجاوزها إلى آفاق المعرفة أيضاً, إذ إن المعطيات والمتطلبات الراهنة أصبحت تفرض منطقاً جديداً هو منطق العصر, ولهذا نحن ملزمون بأن نقدم لأطفالنا الأدب مع المعرفة بالصيغة التي يفهمونها وبالمفردات اللغوية والعلمية التي يستطيعون استيعابها, وأمامنا مصادر عدة لاستجلاء جميع جذور وأصول ومعطيات ومصادر المعرفة في سعينا لتحقيق نوع من التطوير والتكامل في عطائنا.
أذكر بهذه المناسبة درساً مفيداً أخذته عن والدتي الأديبة قمر كيلاني التي كانت, ولاتزال, تعتبر الكتابة الأدبية مسئولية وليست ترفاً, فهي تتابع - مثلاً - من الصحف والمجلات والإذاعات ومحطات التلفزيون مستجدات العصر المتتالية في ميادين مختلفة إلى جانب ميدان الأدب والفكر والثقافة, وخاصة في مجال العلوم, ثم أراها تهرع إلى القرآن الكريم لتجد في سوره وآياته مدلولات معمّقة وإشارات ثابتة في تفسير ما يفاجئنا أو يدهشنا من مستجدات العصر, وتظل تبحث عن المزيد من التفسير والمعرفة والاستطلاع حتى تلم بالموضوع من جوانبه كافة, وهناك الكثيرون من رجال الفكر والأدب والمعرفة الذين يحضرون مجلسها ويستمعون باهتمام إلى آرائها, يحاولون الاقتداء بها في تعقب مصادر المعرفة دون التزمّت الضيق لرأي أو مأثور, وهذا ما أدركته بدوري منذ أن تفتح وعيي على الدنيا لأعتبر الكتابة والتأليف - وخاصة للأطفال - مسئولية كبيرة, وليست لممارسة هواية الكتابة أو للاسترزاق الرخيص
