الأستاذ.. من المهد إلى المجد
ماجـد حـبـتـة
"شخص واحد تعرف كل شيء عن منطقة الشرق الأوسط لو التقيته"..
لم يكن هنري كسينجر وزير خارجية الولايات المتحدة الأسبق مبالغا حين قال تلك الكلمات قاصدا محمد حسنين هيكل.
فهيكل -الذي لا يتحدث عنه كثيرون إلا باستخدام اسمه الرباعي "الأستاذ محمد حسنين هيكل"- يحتفظ في رأسه بخريطة كاملة للمنطقة بها كل تفاصيلها، ويحتفظ في أوراقه ودفاتره بما لا يحتفظ به غيره من وثائق، بها أغلب ألغاز المنطقة القديمة والجديدة، ومفاتيح للعديد من خزائن الأسرار.
كيف تحقق له كل ذلك؟
ومن جانبٍ آخر كنت أرى فيه الرد الحقيقي على الفاشيين والظلاميين أو المزايدين والموهومين أو السماسرة.. (غاية الأدب هي أن لا يطلق الغبار بل الوعي. - وول سوينكا), منتبها أيضا لمقولة لوكاش: (قد تخطئ حركات وأحزاب ولكن على المثقف أن يرفع صوته عاليا بوجه هذا الخطأ).. لقد عمل جنرالات الحروب وتجار السياسة والعقائد على تغييب الوعي ومن ثم غيبوا الإنسان ثم غيبوا الوطن.. وهذا الغياب المقصود هو الذي أطال في عمر الدكتاتورية وأتمنى أن لا يتكرر هذا الغياب ليطيل من عمر خرابنا واحتلالنا وشتاتنا.. التقليب في الأوراق يكشف كيف حقق هيكل نجاحه الذي جعله صانعا للأحداث وليس مجرد متابع لها أو محلل لأسبابها بعد أن تقع.
لم يكن مولده مختلفا عن مولد الملايين من البشر، فقد كان كل شيء عاديا بل أقل من عادي وقت مجيء هذا الطفل للحياة في الثالث والعشرين من سبتمبر عام 1923 بحي الحسين. صحيح أن الأب تاجر الحبوب قد فرح بعض الشيء، لكن فرحته كانت عادية، تليق بمولود من الزوجة الثانية لرجل تعود أصوله إلى ديروط بمحافظة أسيوط.
العم يوسف ورحلة الخير عُيِّن في وزارة الصحة مسؤولا عن مخازن الأدوية فى عام 1944، وتدرج فيها حتى صار وكيلا لوزارة الصحة العامة. وفي عام 1976 اختير وزيرًا للأوقاف والشؤون الإسلامية وظل بها حتى عام 1981، ترأس جمعيتي الإصلاح الاجتماعي وجمعية عبد الله النوري الإسلامية، وعرف طيلة سنوات حياته بالقبول لدى كل التيارات الإسلامية في الكويت على مختلف فصائلها. رشحته سمعته الطيبة وجهوده الخيرية لأن يحظى بموقع المسؤولية وعضوية العديد من مجالس إدارات العديد من المنظمات الخيرية والجامعات الإسلامية والبنوك والهيئات الطوعية، مثل جمعية الهلال الأحمر الكويتية، وجامعات أوغندا والنيجر وإسلام آباد، وبنك دبي الإسلامي والمجلس الأعلى للمساجد فى رابطة العالم الإسلامي، والمجلس الأعلى للدعوة والإغاثة، ورابطة العالم الإسلامي، وغيرها... وقد عرف عن الحجي أنه لا يتأخر عن دعوة يتلقاها من هذه المنظمات أو تلك للمشاركة في مناقشة هموم الأمة والتحديات التي تواجهها، كما أن بضاعته لا تقتصر على الكلام؛ فهو دائمًا يمتلك أجندة عملية، ربما مبعث ذلك طبيعته الخيرة وكونه يمتلك قرار مؤسستين خيريتين هما الهيئة واللجنة المشتركة أو لقبوله لدى الأوساط الرسمية والشعبية وسائر الجمعيات الخيرية في الكويت. ترأس الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية التي أسست في الكويت عام 1404هـ – 1984م، واختير بالإجماع رئيسًا لمجلس إدارتها منذ التأسيس حتى الآن، وهي تُعَد من كبرى الهيئات الخيرية فى العالم الإسلامي، وأمام كثرة اللجان والمؤسسات الخيرية وتنوعها في الكويت دعت الحاجة إلى تأسيس لجنة للتنسيق بين جهود هذه اللجان في ظل نظام أساسي أعد لها؛ فكانت اللجنة الكويتية المشتركة للإغاثة التي أسست بتاريخ 19 سبتمبر 1987، واختير الحجي رئيسًا لها بإجماع رموز الكويت في الحقل الخيري. القرضاوي أول الداعين للهيئة الشيخ يوسف يتوسط اجتماع الجمعية العامة للهيئة الخيرية الاسلامية"    وعَبْر جهود رئيسها احتلت الهيئة الخيرية مكانة متميزة في الكويت على المستويين الحكومي والشعبي، وهي عالمية التأسيس والإنفاق والتمويل؛ ولهذا تلقى الدعم المتواصل محليًّا وعربيًّا وإسلاميًّا، وفي هذا الصدد يقول الحجي: لقد احتضنت نخبة من مفكري وعلماء الأمة فكرة إنشاء هيئة خيرية عالمية بعد أن نادى الدكتور يوسف القرضاوي في مؤتمر للمصارف الإسلامية عقد على أرض الكويت بضرورة جمع مبلغ مليار دولار لدعم المسلمين ضد ثالوث الخطر: الفقر والجهل والمرض، من خلال هذه الهيئة، ردًّا على جمع النصارى للمبلغ نفسه في مؤتمر كلورادو الشهير للإنفاق على الأنشطة التنصيرية، ومن خصوصيتها أنها المؤسسة الخيرية الوحيدة في الكويت التي صدر بشأن تأسيسها مرسوم أميري (حمل رقم 64 – 1986). وتقوم فكرة الهيئة على جمع التبرعات واستثمارها والإنفاق على المسلمين من عائد الاستثمار، ومنذ إنشائها بدأ نشاطها كما ينص نظامها الأساسي في مساعدة الفقراء ومحاربة الجهل المستشري بين كثير من أبناء المسلمين في العالم، والسعي إلى التخفيف عمن يتعرضون إلى النكبات الطارئة والكوارث المفاجئة، وتضم الهيئة عددًا من اللجان مثل لجنة "مسلمي آسيا" ولجنة "فلسطين الخيرية" ولجنة "ساعد أخاك المسلم" ذات النشاط النسائي، ولجنة "الشروق" التي تعنى بالشباب وطلاب العلم، وتلك اللجان تعمل في العديد من الدول الإسلامية مثل بنجلاديش والصومال والسودان ولبنان وفلسطين والهند ودول أفريقية وأوروبية كثيرة، ولها آلاف المشاريع الخيرية المتنوعة التي تديرها. واللافت للنظر أن الهيئة حققت طفرة نوعية في مجال العمل الخيري المؤسسي التنموي، مدركة لطبيعة الواقع والصعوبات التي تواجه الدول الإسلامية الفقيرة، وقد غطت مشاريعها في المسار التنموي العالم الإسلامي وأماكن تواجد الأقليات المسلمة؛ فقد دشنت مئات المساجد والمراكز الإسلامية والآبار والمدارس والمشاريع الصحية المتنوعة، والمراكز المهنية والتعليمية، ومراكز تحفيظ القرآن، ودور رعاية الأيتام، وكفالة المدرسين والدعاة وأساتذة الجامعات. أحلام هيكل الطفل كانت ككل أحلام الأطفال في سنه، كان يحلم أن يصبح طبيبا، لكن ظروفه لم تسمح له بغير الدراسة في مدرسة التجارة المتوسطة، وهكذا لم ينل من أصبح ملء السمع والبصر(ولا يزال) تعليما جامعيا، وتلك نقطة في صالحه ولا تنقص من قدره كما تصور خصومه.
لم يستسلم هيكل لمؤهله المتوسط؛ فقد قرر أن يتغلب عليه بدراسته في القسم الأوروبي بالجامعة الأمريكية، وخلال فترة دراسته تعرف على "سكوت واطسون" الصحفي المعروف وقتئذ بالإيجيبشان جازيت، والذي استطاع عن طريقه أن يلتحق بالجريدة في الثامن من فبراير 1942، صحفيا تحت التمرين بقسم المحليات وكانت مهمته جمع أخبار الحوادث!.
وقد نظم كثيراً من قصائده وأناشيده في الزنازين، وما ثناه هذا القمع عن عزمه. وتطالع القارئ أنفاسه المتهدجة الثائرة في كل صفحة من صفحات أشعاره النضالية في ديوانه الكبير "اللهب المقدس". فالثورة الجزائرية هي الينبوع المتفجر في قصيده؛ لأنها القضية الأساسية التي وقف عليها فنه وحياته، والتي ألهمته حرارة أنفاسه. فلا غرو أن يقترن اسم مفدى زكريا على صفحة غلاف هذا الديوان بعبارة (شاعر الثورة الجزائرية) فهي قولة حق بلا منازع؛ لأنها الجذوة التي ألهبت وجدانه وفكره، منذ عرف طريقه إلى عالم الكلمة حتى غدا شاعر الحرية والنضال. وبهذا الموقع ينتسب في رأينا إلى طبقة شعراء الحماسة العرب. فشعره هو الثورة، والثورة هي شعره، ومن ثم أهدى ديوانه (إلى الدقيقة الواحدة من فاتح نوفمبر 1954م.. إلى أول أصبع جزائرية... تطلق القذيفة المسحورة الأولى فتسعِّر "اللهب المقدس" في دروب بلادي الحالمة وأحراشها السكرى، ورمالها العطشى، وجبالها الغضبى). ويقول في كلمة التقديم أيضاً إن "اللهب المقدس" هو ديوان الثورة الجزائرية ـ التي يسميها ثورة العرب في الجزائر ـ بواقعها الصريح، وبطولاتها الأسطورية، وأحداثها الصارخة، وهو "شاشة تليفزيون" تبرز إرادة شعب. وكان هيكل وقتها في التاسعة عشرة من عمره، ووقتها أيضا كانت الحرب العالمية الثانية قد اشتعلت، وكان من قدر مصر أن تخوض رغما عنها حربا لا ناقة لها فيها ولا جمل.
في ذلك الوقت كانت الإيجيبشان جازيت هي المطبوعة الأجنبية الأولى في مصر، وكان من يكتبون فيها ملء السمع والبصر، منهم مثلا جورج أرويل ولورانس داريل ووايف كوري ابنة مير كوري مكتشفة اليورانيوم، أما رئيس تحريرها فكان كاتبا لا يقل قدرا عن هؤلاء هو هارولد إيرل.
مع بنات الليل بدأت نجوميته
مع قضايا بنات الليل بدأ ظهور نجم هيكل، ففيما كان هيكل يطرق أبواب مهنة الصحافة صحفيا صغيرا بـ"إيجيبشان جازيت"، مهمته جمع أخبار الجريمة، أصدر عبد الحميد حقي وزير الشئون الاجتماعية وقتها قرارا يقضي بإلغاء البغاء الرسمي، وسبب هذا القرار كان إصابة عدد من جنود الحلفاء بالأمراض التي انتقلت إليهم من فتيات الليل، فكان أن اتفق الإنجليز وحكومة الوفد على إصدار القرار الذي أثار الجنود كما أثار فتيات الليل، كان الجميع يعرفون رأي الجنود الذين لم تكن تعنيهم الأمراض، وقد جاءوا إلى الحرب أي إلى الموت، لكن أحدا لم يكن يعرف رأي فتيات الليل، وتلك كانت مهمة الصحفي الصغير محمد حسنين هيكل.
كان تكليف الجريدة له هو أن يلتقي بفتيات الليل ويحصل من كل منهن على صورة يضعها على استمارة الاستفتاء التي وضعتها الجريدة وطبعت منها 500 نسخة، كان على هيكل أن يملأ خمسها، وهو ما نجح فيه بجدارة.
وهي القصة التي حكاها هيكل بنفسه في العدد رقم 546 من مجلة آخر ساعة، فكتب ما نصه: "كنت أقضي فترة التمرين في "إيجيبشان جازيت"، وذات يوم جاءني سكرتير تحرير الجريدة وقال لي: إن الحكومة تفكر في إلغاء البغاء الرسمي وإن الجرائد كلها تكتب في هذا الموضوع دون أن تحاول واحدة منها أن تأخذ رأي أصحاب الشأن الأول، وهم البغايا أنفسهن.. وطلب مني يومها أن أقوم بسؤال مائة بغي عن رأيهن في الموضوع، قائلا: إنه سيكون دليلا على مقدرتي الصحفية إذا تمكنت من استفتاء مائة بغي.. وكانت مهمة شاقة.. ولكن المسألة كانت مسألة امتحان.
وذهبت إلى الحي الذي تستطيع أن تشتري فيه كل شيء، ودخلت أول بيت وأنا أفكر في الصيغة التي ألقي بها السؤال، ولكن يبدو أنني لم أوفق في اختيار الصيغة لأنني خرجت من البيت الأول مشيعا بسباب وصل إلى أجدادي حتى عهد الملك مينا، وحاولت..، وحاولت..، ولكن على غير فائدة، وأخيرا أدركت عقم المحاولة، وبدأت أفكر بهدوء، وأحسست أن ثقتي في نفسي بدأت تفارقني، والتفت فإذا مقهى قريب مني فذهبت إليه لأستريح وأفكر، وفي أثناء جلوسي لاحظت وجود سيدة متقدمة في السن كان جميع من في المقهى ينادونها بـ"المعلمة"، باحترام قل أن يكون له مثيل، ووثبت في ذهني فكرة، فتقدمت من السيدة وشرحت لها كل مهمتي، وأثبت لها أن مستقبلي كله يتوقف على معاونتها لي، وفكرت السيدة قليلا ثم قالت لي: اقعد، وقعدت.
بعد لحظات نادت بعض النساء، وعقد الجميع مؤتمرا لبحث المسألة، وجلست أنتظر النتيجة، وفجأة صاحت إحداهن: نادوا عباس، ومرت فترة ثم حضر شاب سمع المسألة ثم تقدم مني قائلا: "معاك كرنيه"، ولم يكن معي "كرنيه" ولا خلافه، ولم يقتنع عباس، ولكن المعلمة اقتنعت قائلة: "ده باين عليه ابن ناس"، وهززت رأسي مؤكدا أنني "ابن ناس" جدا، فبدأت ترسل في طلب النساء من المنازل حتى أتاحت لي الفرصة أن أسأل مائة امرأة وأنا جالس في مكاني أشرب القهوة على حساب المعلمة.
روزاليوسف تدعوه إلى مائدتها
وبعد نجاح هيكل في المهمة الصعبة التي وكِلت إليه، كانت النقلة الأهم في حياته حين وقع عليه الاختيار ليذهب إلى "العلمين" التي شهدت أشرس معارك الحرب العالمية الثانية، ليصف بقلمه وقائع تلك المعارك.
وهل تخفى نبرة ابن الرومي، أو خليل مطران في هذا الوصف الذي نظمته وأنا غرّ لغروب الشمس: بحنان قبلت شمس السماء الأفقا ثم ذابت بهـدوء وسـكون للقـا وامتحت من عالم الأحياء إلاّ شفَقا أو بدوي الجبل وعمر أبو ريشة معاً في هذه القصيدة الرنّانة التي نُظمت كي تُنشد في احتفال مدرسيّ لتحيّة العلم الوطني وأنا بعد في صفّ الكفاءة: أسفر الصبحُ باسماً في حمانا بعد ليل، لو لمْ نُفق لطـوانا نَفَحـتنا أنفـاسـُه فنهضنـا ننفضُ النوم، فاستحال دُخانا فمضى الريحُ بالدخان، فبانتْ رايةُ النصر عند ذاك وبانا... إلخ.. هذه أبيات أستقيها لا على التعيين من دفاتر مدرسية قديمة ماأزال أحتفظ بها حتى الآن، كي أثبت أنه كان عليّ أن أنتظر أيضاً كي أخلّص صوتي الداخلي من دوّامة الأصوات الأخرى. وكان الشعر حتى ذلك الحين لايزال لعبة أسلّي بها فطرتي المتحفّزة، غير أن لعبة الشعر لم تبق هواية مسلية أمداً طويلاً، إذْ سرعان ما شرعت تتحوّل إلى مغامرة خطرة في مرحلة (الثانوي) عبر الوطنيّات التي كتبناها عهدئذ ونحن نخوض معاركنا الطلابية مع السلطة الوطنية في بدايات عهد الاستقلال أواخر الأربعينيات، فأتحرّر نسبياً - بالطبع - من سلطان أصوات الشعراء والكبار، ربما بسبب من التأثير الفاجع للمعاناة الشخصية للطالب المشاغب النشـيط الذي كنـته آنئذ،حين واجهت لأوّل مرة في حياتي صدمة الموت المباشر في مشهد رفيق لي في المدرسة يسقط أمامي مضرجاً بدمائه بعد إصابته بطلق ناريّ من مسدس لأحد رجال الشرطة، وكنا في مظاهرة طلابية، وركضي نحوه لحمله مع آخرين إلى ثانوية تجهيز البنين الأولى بدمشق التي انطلقنا منها، حيث أسلم الروح بين أيدينا، فكتبت بعد أيام قصيدة كي تلقى في حفل تأبينه الحاشد يوم الأربعين في المقبرة التي دُفن فيها، حيث اعتليت قبراً وألقيتها في ألوف الطلبة حولي متهّماً السلطات التي قتلتْه: الأربعون وهل فيها سوى ألم يحزّ بالذكريات السود وجداني من للمسدس والبغضاء تُطلقه حجارة الأرض أم تلويح صبيان          ربّما بسبب من هذه المعاناة، وما حدث بعدها من صراعات وطنية شاركت فيها بحماسة تسرّبت إليّ فيما بعد نزعة الالتزام، حين تأثّرت بالفكر الاشتراكي، وأنا بعد طالب في كلية الآداب، فأومن وقتئذ بما كان يسمّى تيّار (الواقعية الاشتراكية) في الأدب الملتزم، فتتفاقم خطورة الوصاية الفكرية وقد ازدادت قداسة وكأنها دين من الأديان، لاعتقادنا أننا نُسهم تحت قيادتها في تغيير العالم القاسي إلى جنّة وادعة تكاد تفتح أبوابها لنا جميعاً على أرض البشر، وتتفاقم معها بالتالي خطورة اللعبة الشعرية أفدح فأفدح، وأدفع ثمنها باهظاً حين حُشرت في الحبس أكثر من مرّة بسبب من المواقف أو القصائد التي أنشدتها أو نشرتها، ولم ترض عنها السلطات الحاكمة في تلك العهود. كانت معارك الحياة القاسية وحدها كما يبدو هي الأقدر على تحرير أصواتنا الداخلية وليس القراءات وحدها. ومن الحرب في العلمين إلى الحرب في مالطا إلى استقلال باريس تنقل هيكل لتردد الألسنة اسمه، ليفاجأ وهو يتناول غداءه ذات مرة -بمطعم "الباريزيانا"- بالسيدة فاطمة اليوسف صاحبة مجلة روزاليوسف تدعوه إلى مائدتها، ثم إلى مجلتها، ليصبح هيكل عام 1944 صحفيا في مجلة روزاليوسف التي كانت بوابة تعارفه على محمد التابعي، ومن ثم الانتقال للعمل معه في مجلة آخر ساعة التي عمل بها في آخر عامين للتابعي بها، قبل أن يشتريها منه مصطفى وعلي أمين، وعلى صفحات آخر ساعة كتب هيكل 13 أغسطس 1947 ما جعله حديث مصر كلها، ونقصد تحقيقه المصور عن "خط الصعيد"، ولم ينته عام 1947 حتى اخترق هيكل وباء الكوليرا ليكتب تحقيقا عن قرية "القرين" التي لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب منها، وهكذا كان طبيعيا أن يحصل الصحفي الشاب محمد حسنين هيكل عن جدارة على جائزة فاروق، أرفع الجوائز الصحفية بمصر في ذلك الوقت، وكان انتقاله للعمل بجريدة أخبار اليوم التي شهدت صفحاتها -بدءا من 1947 ولمدة خمس سنوات تالية- انفرادات هيكل، من تغطيته لحرب فلسطين إلى انقلابات سوريا، ومن ثورة محمد مصدق في إيران إلى صراع الويسكي والحبرة في تركيا، ومن اغتيال الملك عبد الله في القدس إلى اغتيال رياض الصلح في عمان واغتيال حسني الزعيم في دمشق.
وحصل هناك على درجة "الدكتوراه في الفلسفة" في الجيولوجيا من جامعة ويلز ببريطانيا عام 1963م، ثم رشحته الجامعة.. لاستكمال أبحاث ما بعد الدكتوراه من خلال منحة علمية من جامعته.. Robertson, Post-Doctoral Research fellows. ويذكر الدكتور زغلول أنه حينما حاولت إدارة البعثات المصرية الرفض، بعث أستاذه الإنجليزي الذي كان نسيبًا لملكة بريطانيا بخطاب شديد اللهجة إلى البعثات قال فيه: إنه لا يوجد من يختلف على أن الدكتور زغلول هو أحق الدارسين بهذه المنحة التي تمنح لفرد واحد فقط، وهدَّد أن بريطانيا لن تقبل أي طالب مصري بعد ذلك إذا لم يقبل الدكتور زغلول في هذه المنحة.. فبالطبع كانت الموافقة. "موقف لا يُنسى في رحلته" في أكتوبر من عام 1961م، كانت الباخرة التي ستقل الدكتور زغلول إلى إنجلترا راسية على ميناء بور سعيد.. وفي أثناء إنهاء إجراءات السفر فوجئ الدكتور بأنه ممنوع من السفر، وأن الشخص الوحيد الذي يستطيع إلغاء هذا القرار هو مدير جوازات بور سعيد.. والذي لم يكن موجودًا في ذلك الوقت.. فكان الدكتور زغلول النجار وأخوه محمد النجار في سباق مع الزمن الذي لم يبق منه إلا القليل.. ذهبا إلى البيت فلم يجداه.. ثم توجها إلى مستشفى الولادة ببور سعيد حين علما بأنه هناك مع زوجته وهي في حالة وضع.. "كان ضابطًا شهمًا" كما يصفه الدكتور زغلول وقال لهما: "إن زوجتي اليوم كتبت لها حياة جديدة؛ ولذلك ستسافر، وليكن ما يكون".. وحين استجوبت الشرطة المعتدية عللت دافعها بأسباب عديدة غير مترابطة فتقرر إيداعها في إحدى مستشفيات الأمراض النفسية! ومرت الأيام ومارتن يحاول ترسيخ فلسفته في النضال من أجل حقوق الزنوج، ولكن دون عنف حتى تلقى ضربة عنيفة لم يكن متأهبا لها كانت كفيلة بأن تقضي عليه كرمز يحتذى به وتعصف بأفكار ونضاله ضد العنصرية، ففي يوم الأربعاء 17 فبراير 1959 ألقى البوليس القبض على كينج في مكتب كنيسته بأتلانتا بتهمة التزوير في تقديم إقرارات ضريبة الدخل، ثم أفرج عنه بكفالة معربا عن دهشته البالغة من تلك التهم، وذكر أنه "ولو لم يدع الصلاح الكامل إلا أن الفضيلة الوحيدة التي يتمسك بها هي الأمانة"، وسرعان ما بدا بوضوح أن القضية التي رفعتها الولاية عليه كانت مرتكزة على أساس بالغ الضعف. في السجن الانفرادي وبعد تولي "كيندي" منصب الرئاسة ضاعف كينج جهوده المتواصلة لإقحام الحكومة الاتحادية في الأزمة العنصرية المتفاقمة إلا أن كيندي استطاع ببراعة السياسي أن يتفادى هجمات كينج الذي كان لا يتوقف عن وصف الحكومة بالعجز عن حسم الأمور الحيوية. ومن هنا قرر كينج في أواخر صيف عام 1962 بدء سلسلة من المظاهرات في برمنجهام، وعمل على تعبئة الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وفي اليوم التالي وقعت أول معركة سافرة بين الزنوج المتظاهرين ورجال الشرطة البيض الذين اقتحموا صفوف المتظاهرين بالعصي والكلاب البوليسية، ثم صدر أمر قضائي بمنع كل أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام؛ فقرر كينج لأول مرة في حياته أن يتحدى علانية حكما صادرا من المحكمة، وسار خلفه نحو ألف من المتظاهرين الذين كانوا يصيحون "حلت الحرية ببرمنجهام"، وألقي القبض على كينج وأودعوه سجنا انفراديا، وحرر خطابا أصبح فيما بعد من المراجع الهامة لحركة الحقوق المدنية، وقد أوضح فيه فلسفته التي تقوم على النضال في إطار من عدم العنف. إيقاع الخصم في خطئه وبعد خروجه بكفالة واصل قيادته للحركة، ثم برزت له فكرة تتلخص في هذا السؤال: ماذا أنت صانع بالأطفال؟ إذ لم يكن إلا القليلون على استعداد لتحمل المسئولية التي قد تنشأ عن مقتل طفل، ولكنه لم يتردد كثيرا فسمح لآلاف من الأطفال باحتلال المراكز الأمامية في مواجهة رجال البوليس والمطافئ وكلاب بوليسية متوحشة فارتكبت الشرطة خطأها الفاحش، واستخدمت القوة ضد الأطفال الذين لم يزد عمر بعضهم عن السادسة، ثم اقتحم رجال البوليس صفوفهم بعصيهم وبكلابهم؛ مما أثار حفيظة الملايين، وانتشرت في أرجاء العالم صور كلاب البوليس وهي تنهش الأطفال، وبذلك نجح كينج في خلق الأزمة التي كان يسعى إليها، ثم أعلن أن الضغط لن يخف، مضيفا: "إننا على استعداد للتفاوض، ولكنه سيكون تفاوض الأقوياء فلم يسع البيض من سكان المدينة إلا أن خولوا على الفور لجنة التفاوض مع زعماء الزنوج، وبعد مفاوضات طويلة شاقة تمت الموافقة على برنامج ينفذ على مراحل بهدف إلغاء التفرقة وإقامة نظام عادل وكذلك الإفراج عن المتظاهرين، غير أن غلاة دعاة التفرقة بادروا بالاعتداء بالقنابل على منازل قادة الزنوج؛ فاندفع الشباب الزنجي لمواجهة رجال الشرطة والمطافئ، وحطموا عشرات السيارات، وأشعلوا النيران في بعض المتاجر، حتى اضطر الرئيس كنيدي لإعلان حالة الطوارئ في القوات المسلحة، وسارع كينج محاولا أن يهدئ من ثائرة المواطنين، وكان عزاؤه أن من اشتركوا في العنف من غير الأعضاء النشطين المنتظمين في حركة برمنجهام، وما لبث أن قام بجولة ناجحة في عدة مدن كشفت عن البركان الذي يغلي في صدور الزنوج تحت تأثير مائة عام من الاضطهاد. الحلم.. والثورة تلقى زنوج أمريكا درسهم من الأحداث العظام فقاموا في عام 1963 بثورة لم يسبق لها مثيل في قوتها اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفا من البيض متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينج أروع خطبه: "أنا أحلم" التي قال فيها: "إنني أحلم اليوم بأن أطفالي الأربعة سيعيشون يوما في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم". ووصف كينج المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تف أمريكا بسداده "فبدلا من أن تفي بشرف بما تعهدت به أعطت أمريكا الزنوج شيكا بدون رصيد، شيكا أعيد وقد كتب عليه "إن الرصيد لا يكفي لصرفه". فدقت القلوب وارتجفت، بينما أبت نواقيس الحرية أن تدق بعد، فما أن مضت ثمانية عشر يوما حتى صُعق مارتن لوثر كينج وملايين غيره من الأمريكيين بحادث وحشي، إذ ألقيت قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك زاخرة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فهرع كينج مرة أخرى إلى مدينة برمنجهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف. جائزة نوبل في العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينج لقب "رجل العام" فكان أول زنجي يمنح هذا اللقب، ثم حصل في عام 1964 على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة -35 عاما-. تدخل في أعماق نفسك وتستجلي أسرارها وتسائلها عن غوامضها علّك تجد ما يكون الرابط بينها وبين الواقع...) وربط جورج صيدح بين هذا الكتاب وجذوره التراثية: (لا شك أنك استوحيت الشعر المنثور... حاملا نفحة الحياة الريحانية في (عبر الأنا) وصدى تعاليم المعلم الأمين في (عبر شعبي) وملامح عصرنا الحالي في (عبر المجاز)... كانت (لُمَعٌ مشرقية) بمنزلة الزرع الأول في بستان كلماتي ولُغتي. وفي 18 يونيو 1952 فوجئ قراء مجلة آخر ساعة بعلي أمين -وكان وقتها رئيسا لتحريرها- يخصص مقاله للحديث عن هيكل، وينهيه بأنه قرر أن يقدم استقالته ويقدم للقراء في الوقت نفسه هيكل رئيسا للتحرير، وهكذا أصبح هيكل رئيسا لتحرير آخر ساعة، ولم يكن تجاوز بعد التاسعة والعشرين.
هيكل والسلطة والأهرام!
كان هناك, من جهة, أبي الذي كان يقول لي (العربية يا أبي, لا تنسها فهي قلبك وينبوع وجودك وأساس دينك), وأخي الأكبر (ماجد) الذي كان يحدّثني دائما في بلاغة الشعر العربي ودقة معانيه ويفاضل بين معاني هذه القصيدة وموسيقى تلك. ومن جهة أخرى, كانت هناك الموجة أو موضة أواسط الستينيات التي كانت تحبب اللغة الأجنبية, والفرنسية خاصة, إلى قلوب الناس. وقامت الثورة ليزداد نجم هيكل لمعانا، فاقترب من جمال عبد الناصر ليصبح بعد فترة المتحدث الرسمي باسم حركة الضباط الأحرار، وليكون أحد صناع تاريخ مصر بعد ثورة يوليو، وصاحب البصمة الواضحة في تاريخ مصر، وفي تاريخ الصحافة المصرية والعربية، والذي أعطى صحيفة الأهرام شكلها الحالي لتصبح أكبر المؤسسات الصحفية في العالم العربي.
وفي الأهرام كان مجد هيكل وكان مقاله المعنون له بـ "بصراحة" الذي كانت الجماهير العربية تنتظره صباح الجمعة على أحر من الجمر، وفي سبيل البقاء على رأس الأهرام رفض هيكل الوزارة لأكثر من مرة، حتى اضطر لقبول وزارة الإرشاد (الثقافة والإعلام) قبيل وفاة عبد الناصر، وحين اشتُرط ألا يجمع بينها وبين الأهرام تركها غير آسف عليها بمجرد وفاة عبد الناصر، ورفض بعد ذلك أي منصب مهما كان كبيرا طالما سيبعده عن الأهرام.
وبعد وفاة ناصر وانتقال السلطة إلى السادات الذي سانده هيكل للتغلب على من أسماهم بمراكز القوى، رغم أن هيكل في النصف الثاني من السبعينيات كان خارج دوائر النفوذ؛ حيث أبعد بقرار رئاسي من الأهرام، فإنه لم ينته صحفيا كما توقع كثيرون وقتها، بل زادت نجوميته مخترقا الحواجز والقيود التي فرضتها عليه القيادة السياسية، ليصبح واحدا من أهم 11 صحفيا في العالم، تترجم كتبه إلى 31 لغة.
لقد قيل إن هيكل سيعتزل، وقيل إنه يناور، وقيل إنه لم يعد لديه ما يقوله، وأيا ما كان الأمر وأيا ما كانت صورة هيكل في نظر المتشيعين له أو المتربصين به، فإن هيكل -رغم أخطائه- حالة صحفية يصعب تكرارها.
مع عبد الناصر.. ثنائية التابع والمتبوع!
أيمن شرف
في 23 سبتمبر 2003 يبلغ هيكل 80 عاما بحصيلة غزيرة من المقالات يصعب حصرها وبعدد كبير من الكتب السياسية المتنوعة في معالجاتها ما بين التأريخ والتحليل السياسي والتوثيق للأحداث والشخصيات، معظمها تقريبا يتعلق بالفترة ما بين أوائل الخمسينيات وأوائل الثمانينيات التي كان فيها هيكل قريبا من عبد الناصر والسادات من بعده وتوفرت له فيها معلومات ووثائق وصلات وعلاقات أتاحت له معينا من مادة للكتابة عنها وتحليلها وقراءتها وإعادة قراءتها في ضوء مستجدات من المعلومات. عكف عليها هيكل بدأب شديد واكتنز منها ما اكتنز لنفسه وحجب منها ما حجب انتظارا للحظة مواتية، وغلفها بأسلوبه الأدبي الرشيق وانتقالاته السلسلة ليحفر اسمه في عقول كثيرين من قرائه، وبعد خروجه من السلطة (أي خروجه من الأهرام ومن رفقة العمل مع السادات كلية أواخر 1974) ظل هيكل حريصا على إنعاش خزين معلوماته بالجديد من الوثائق في الخارج وتحديدا ما يفرج عنه من أرشيف الأجهزة الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وبالجديد من الكتب والمقالات التي تنشر في الخارج وتتعلق بموضوعات اهتمامه عن مصر والمنطقة العربية.
ناصر.. القيد الذي حرص هيكل ألا يكسره
وإذا كان هيكل قد أطل بوجه الناقد على الأحوال السياسية في الداخل والمحلل لأحوال الخارج وخاصة أمريكا وإسرائيل والعرب خلال السنوات الثلاثين الأخيرة تقريبا فإن الملمح العام للصورة الذهنية عنه ظل علاقته الخاصة بعبد الناصر وارتباط اسمه بالرجل وهي العلاقة التي حرص هيكل لزمن طويل على ألا يفسدها بنقد أو بمراجعة لتاريخ عبد الناصر وقراراته من النوع الذي قد يؤدي لإسقاط ظلاله على الصورة المضيئة لعبد الناصر ولهيكل بالتبعية، وظل هيكل إما مدافعا عن كل الأخطاء أو متجنبا الحديث عنها إيثارا لسلامة صورته، وإذا كان الأمر ليس على هذا النحو فهل يا ترى كان هيكل أو ما زال مؤمنا ومخلصا لمجمل الأفكار التي تبناها عبد الناصر؟ فوقَّعت على ظهر الرّقعة: (نحن أولى بهذه الـمكْرُمة من الفيض، فأردد إليه حظّه وسلِّم إليه الرجل)! وهكذا بكلمتين من قلمها.. سمحت نفس هذه الكريمة بمائتي ألف درهم! فلله درُّك أيتها الـماجدة! وهل الكرم إلاَّ هذا؟! تلك أريحية امرأة شربت من معين الـمكارم.. وغُذِيَتْ بلِبان الفضائل! وأي عجب في ذلك؟! أليست هي المنفقة في ستين يوماً أربعة وخمسين ألف ألف دينار؟! ولـما رفع إليها وكيلها حساب النفقة مستعظماً لها؛ أنَّبته تأنيب اللَّبيبة.. وزجرته زجر الـمرأة الحصيفة.. فقالت له : ثواب الله بغير حساب! فلله درُّك أم جعفر! سليلة الأماجد.. وحفيدة الأشاوش من بني العباس! كرمٌ لم يعرفه إلاَّ السُّمَحاء.. ولم تَـجُـدْ به إلاَّ نفوس الكُرَماء.. وكانت هذه النَّجيبة إذا حجَّت .. أنعشت الـملهُوف.. وجبرت الضَّعيف.. وجادت بالنَّفيس والطريف.. فكانت لحجاج بيت الله سحاباً دافقاً.. وربيعاً نافعاً.. لا تزال تعطي الجزيل منذ خروجها من بغداد.. إلى وصولها بيت الله الحرام! وما تقطع مرحلة إلاَّ وتأمر بحفر بئر.. أو بناء الـمرافق للقاصدين بيت الله الحرام.. ولـما رأت - رحمها الله - ما يعانيه أهل مكة وحجاج بيت الله الحرام من قلة الـمياه.. وما سر الاقتراب بينهما طوال تلك الفترة منذ الثورة في 1952 وحتى الوفاة في 1970؟ ولماذا لم يفترقا أو تحدث بينهما قطيعة ثم خصومة لدودة كما حدث بين هيكل والسادات في منتصف السبعينيات؟
محاولة الإجابة تحتاج إلى تساؤل أساسي هو: هل كان لدى هيكل في بداياته أو قبل تعارفه بعبد الناصر أفكار أو اهتداءات عامة تجعل الرجلين متقاربين إلى الدرجة التي بدت بعد ذلك؟ الحقيقة أن كتابات هيكل المنشورة قبل يوليو 1952 لم تكن تظهر على الإطلاق أن لصاحبها توجها سياسيا محددا أو رؤية فكرية معينة، بل إنها كانت في غالبها بعيدة عن الشأن السياسي المحلي المباشر، ولم يكن هيكل معروفا ككاتب سياسي (منغمس في الشأن الداخلي بمفهوم ذلك الزمان) مثلما كان حال الآخرين، وحتى ما ذكره عن تعارفه مع عبد الناصر قبل الثورة وحوارات دارت بينهما لم تكن تكشف عن حوار بين عقلين ورؤيتين متقاربتين أو متباعدتين، وإنما كان موضوعها مجرد تحليل لمواقف الأطراف الفاعلة في الحياة السياسية (الإنجليز والقصر والوفد).
بداية مجهولة لعلاقة ناصر بهيكل
(هذا على الرغم من أن قصة التعارف التي ذكرها هيكل عقب حرب 1948 كلها محل شك بناء على أكثر من شهادة، من بينها شهادة جلال ندا أحد الضباط الأحرار الذين شاركوا في حرب 1948 وعمل في جريدة الأخبار بعد إصابته فيها تحت رئاسة مصطفى أمين وتعرف إلى هيكل وقتها والذي قال -والعهدة عليه- إنه كان وهيكل في منزل محمد نجيب في 18 يوليو 1952 وحضر عبد الناصر وعبد الحكيم عامر ويوسف صديق وانتحى بهم نجيب في إحدى الغرف، وسأل هيكل رفيقه الضابط السابق جلال ندا: مَنْ يكون هؤلاء؟ فأجابه. وبعد أن خرج الثلاثة من الغرفة عرف ندا كلا من عبد الناصر وهيكل ببعضهما البعض؛ وذلك ينفي كل ما جاء على لسان هيكل في مقاله بالأهرام 11 فبراير 1971 عن حوارات وتعارف بعد حرب 1948 وأن ناصر زاره في مكتبه في الأخبار قبل الثورة طلبا لنسخة من كتابه "إيران فوق بركان"... كان السود يعانون العديد من مظاهر الاضطهاد والاحتقار، خاصة فيما يلقونه من شركة خطوط أتوبيسات المدينة التي اشتهرت بإهانة عملائها من الزنوج، حيث كانت تخصص لهم المقاعد الخلفية في حين لا تسمح لغير البيض بالمقاعد الأمامية، وعليه كان من حق السائق أن يأمر الركاب الزنوج بترك مقاعدهم لنظرائهم البيض، وكان الأمر لا يخلو من السخرية من هؤلاء "النسانيس السوداء"! إلى آخره من روايته التي اعتبرها ندا في مقال منشور في الأخبار محض اختلاق وادعاء).
كان القوصي قد تعلم التصوير التليفزيوني على يد مصرف عام 1957 الذي كان يعمل لمحطات أجنبية عديدة -وكان التصوير التليفزيوني مقتصرا على المصورين الأجانب في ذلك الوقت- وبدأ القوصي العمل في التليفزيون وهو لا يزال في أخبار اليوم، عندما تعاقد مع محطة تليفزيون لندنية تجارية هي "Independent Television News"، وكان يتقاضى منها 100 إسترليني في الشهر، هذا بالإضافة لعمله لدى العديد من المحطات الأجنبية ووكالات الأنباء. وقدم القوصي استقالته من أخبار اليوم بعدما وصله خطاب من مدير عام مؤسسة أخبار اليوم يطالبه بالتفرغ لأخبار اليوم مقابل علاوة 10 جنيهات، فوجدها القوصي صفقة خاسرة: أن يترك محطة التليفزيون اللندنية التي يتقاضى منها 100 جنيه إسترليني مقابل 60 جنيها مصريا، وحتى لا يخسر العمل في كل هذه الأماكن التي كان يجمع بينها في ذات الوقت. مصور الرؤساء وكأن القوصي كان -كحظه دائما- على موعد مع النجاح؛ فقد استدعاه سعد لبيب في التليفزيون، وطلب منه العمل معه في التليفزيون المصري، وبالفعل دخل القوصي التليفزيون منذ افتتاحه في يوليو 1960، وفي التليفزيون بدأ نجم القوصي يصعد بسرعة؛ فقد ارتبط القوصي بالرئيس الراحل عبد الناصر، وكان مصوره التليفزيوني الذي رافقه في كل رحلاته، وزاول العمل بالتليفزيون إلى جانب العمل في الوكالات التي كانت مصدر دخله الرئيسي، وفي 1975 ترك التليفزيون للتفرغ لوكالة الأخبار التليفزيونية "ديزني نيوز" بعدما عرضت عليه الوكالة مرتبا مغريا جدا وطلبت منه التفرغ، فطلب إجازة بدون مرتب من التليفزيون. وكانت حادثة اغتيال السادات نقطة التحول في حياته بصورتيه اللتين دخل بهما زمرة المصورين العالميين بعدما نشرت هذه الصور في معظم الجرائد والمجلات العالمية، وتناقلتها شاشات التليفزيون ووكالات الأنباء وذاع صيته، وبعد هذه الحادثة فضل القوصي التفرغ للعمل لوكالات الأنباء الفرنسية جاما وسيجما كمصور فوتوغرافي، وفي 1983 أحيل للمعاش ليعود هاويا كما بدأ حياته مع عشيقته الكاميرا. صداقة الكاميرا ويحكي لنا الفنان بعضا من المواقف الطريفة التي جمعته بأصدقاء المهنة الواحدة؛ فيقول: كنت في القصر الجمهوري لتغطية زيارة وزير إسرائيلي، فطلب مني زكريا عزمي رئيس ديوان رئيس الجمهورية تصوير الضيف لعدم وصول مصور الرئاسة "فاروق إبراهيم"، وقبلت، ولكن فاروق حضر في اللحظة الأخيرة فحمدت الله، وبالفعل أنهيت التصوير أنا وفاروق، ولكنه اكتشف عدم وجود فيلم في الكاميرا الخاصة به، فطلب مني أن أعيره فيلمي الذي التقطته، وفي اليوم التالي ظهرت صوري في كل الصحف تحت اسم "فاروق إبراهيم"، ولم أحزن؛ لأنني أعلم أنه سوف يحفظ لي معروفي، وحدث بالفعل. ويستطرد:" كان لنا زميل إسكندراني (من الإسكندرية) كان يغطي مباراة لفريق الاتحاد السكندري في القاهرة، وبمجرد إحراز فريقه هدفا رمى بالكاميرا وأخذ يصفق، وبعد انتهاء المباراة طلب مني صور الأهداف فأعطيتها له". والقوصي في صوره فنان أصيل يرى بعينه الثاقبة ما يخفى على كثيرين، وهو يتحاور بذكاء مع عدسته؛ يديرها في كل اتجاه ليقتفي بها أثر الحدث سعيا للانفراد؛ ففي أحد الأيام طلب منه الصحفي الكبير مصطفى أمين تصوير الملكة زين زوجة الملك طلال وأم الملك حسين ملك الأردن في المطار، وكانت قادمة في زيارة سرية لزوجها في مستشفى بهمان للأمراض النفسية في المعادي، وكان التصوير ممنوعا، وفي المطار استطاع أن يلتقط لها صورتين نادرتين، لكن حرس المطار أوقفه وأخذ منه الفيلم، لكنه عاد مطمئنا لجريدته بعدما أحرز سبقا صحفيا؛ لأنه قام بتغيير الفيلم قبل أن يلقي حرس المطار القبض عليه، وفي اليوم التالي تصدرت صورة الملكة الصفحة الأولى. والقوصي حتى الآن -وبالرغم من إتمامه الثمانين في أول ديسمبر الجاري- يمتلك تركيزا عاليا وذهنا حاضرا، وكانت آخر انفراداته في يوليو 2003 وهي صورة لـباب زويلة وهو مغلق نشرت بجريدة الأهالي. وقد تأثر القوصي بأرشاك مصرف الذي كان أباه الروحي في عالم التصوير الفوتوغرافي ومعلمه فن التصوير التليفزيوني، ومحمد يوسف أستاذه في أخبار اليوم. وعشق القوصي الفنان التصوير أيا كان نوعه وأيا كان مكانه؛ فكان يسعى للتعلم والاحترافية في عمله، كما أنشأ الجمعية المصرية للتصوير الفوتوغرافي لتكون مدرسة تجمع كل محبي التصوير، وتولى رئاستها أكثر من 5 مرات، وهو حاليا مستشار بها. ومن الطريف أيضا أن هيكل كتب في "روزاليوسف" 17 فبراير 1944 وفي 11 مايو 1944 مقالين بعنوان "إنه الفاروق" و"في يوم عيدك يا مولاي" لم يجد الكاتب عادل حمودة -أحد حواري هيكل- ما يعتذر به عنها في كتابه "هيكل-الحياة.. الحرب.. أبعاد مأساوية إنَّ ما تركه برغوثي, الشاعر والناقد والمفكر والأستاذ الجامعي, سيبقى مادة حوار وجدل وإثارة عقليّة, حين تقوم مؤسسة عربية ما بنشر, وإعادة نشر, كتاباته النقدية والإبداعية. فإلى جانب محاضراته وكتاباته النقدية ومحاوراته مع طلبته وزملائه, أغنى برغوثي مكتبة فلسطين بعدد من الكتب, نذكر منها الدراستين النقديتين (أزمة الشعر المحلي) (سقوط الجدار السابع). ورواية واحدة هي (الضفة الثالثة لنهر الأردن). وله في الشعر مجموعات عدة, هي (الرؤيا) 1989, (ليلى وتوبة) 1992, و(توجد ألفاظ أوحش من هذه) 1998, و(مرايا سائلة) 2000, إضافة إلى نص (حجر الورد), وله كتابان في الـ (سيرة) لم يشهد الأدب العربي مثيلا لهما, في اعتقادي, وهما (الضوء الأزرق) الذي يحتاج إلى وقفة متأنية, و(سأكون بين اللوز), وهذا الأخير كان آخر كتاباته, وربما أجملها, وقد نشر جزأين منه في مجلة (الكرمل) (التي يرأس تحريرها الشاعر محمود درويش), وقد كتبه برغوثي بعد اكتشاف إصابته بالسرطان, ولموضوع الاكتشاف هذا قصة ذات بعد مأساوي تستحق التوقف عندما أكتب عن النص. لقد جمعني بالراحل لقاء وحيد, لقاء مفاجئ بلا أيّ ترتيب أو مقدمات. الحب" سوى القول "وعندما نقرأ المقالين لا يجوز أن نحاسب صاحبهما بأثر رجعي" وكتب هيكل أيضا في مجلة اسمها "الجيل" عدة مقالات أخرى قبل الثورة كان عنوانها "هيا بنا إلى القصر الملكي" وربما تكفي العناوين للتدليل على المحتوى الذي لا يتعدى رسم صورة وردية لحسن أخلاق الملك والأمراء والأميرات من أبناء الأسرة المالكة وعهدها بما يوحي بأن هيكل لم يكن أبدا مختلفا معه! ووفقا لتقرير رسمي موقع باسم حكمدار مصر بتاريخ 16 فبراير 1948 بناء على طلب إدارة المطبوعات للتحري عن متقدم بطلب انضمام لنقابة الصحفيين اعتبر محمد حسنين هيكل الذي يزاول مهنة التحرير بدار أخبار اليوم منذ ثلاث سنوات تقريبا حسن السير والسلوك وليس له لون سياسي.
هيكل لم يكن ثوريا بل مغامرا
الحقيقة أن هيكل سعى للاقتراب من السلطة الجديدة ممثلة في شخصين أساسين هما عبد الناصر ومحمد نجيب ووفق مع الأول ولم يوفق مع الثاني، فحسب خطاب مرسل من محمد نجيب إلى إحسان عبد القدوس رئيس تحرير ورئيس مجلس إدارة أخبار اليوم عام 1972 ردا على ما اعتبره قدحا من هيكل في شخصه حين أشار إليه في مقال بالأهرام بتعبير "أشباح الماضي" قال نجيب إن نقد هيكل له لا يستند لأسباب سياسية، وإنما لأسباب شخصية فقد ذهب هيكل إلى بيته عدة مرات يطلب حوارا صحفيا وتركه نجيب مع الحرس ورفض مقابلته بناء على نصيحة من المخابرات الحربية "بعدم الجلوس مع شخص يتعامل مع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية ولأنه كان يتقاضى مقابل إعلانات من عبود باشا في صحيفة آخر ساعة وأخبار اليوم". وكذلك ذهب هيكل وألح على باب عبد الناصر فينقل محسن عبد الخالق أحد أعضاء تنظيم الضباط الأحرار عن عبد الناصر في بدايات الثورة قوله: "كان يجلس في المكتب الملحق بمكتبي صباحا وظهرا ومساء وضايقني هذا الإلحاح وذات يوم اتجهت إليه مباشرة وسألته ماذا تريد؟ فأجاب: مجرد حديث معك" ووافق عبد الناصر وبعد دردشة وحوار انصرف هيكل، وفي المساء عاد إلى مكتب عبد الناصر يستأذنه في أن يقرأ الحوار بعد أن كتبه، وكان تعليق عبد الناصر لمحسن عبد الخالق بعد ذلك "هيكل استطاع أن يقرأ -حتى- أفكاري التي كنت أتمنى أن أبوح بها".
وما فعله هيكل في الحالتين يتسق تماما مع شخصه وطموحه وذكائه (ولا يتسق بالضرورة مع أفكاره فلم يكن هيكل في ذلك ثوريا أو مفكرا، وإنما صحفيا مغامرا صاحب قلم رشيق لا أكثر) ولا يتسق مع آخرين رفضوا أداء هذا الدور دور "صحفي السلطة" من نجوم الصحافة في ذلك العهد الذين كانوا يتعاملون تعامل الند وكانت لديهم أفكارهم ومواقفهم التي يختلفون فيها مع عبد الناصر والنظام الجديد، وكانوا مستعدين أيضا لدفع ثمن الخلاف سواء كان تهميشا أو إغلاقا أو رفتا أو حتى سجنا، بينما لم يكن هيكل كذلك، وربما أن تلك السمة إلى جانب موهبته في التعبير عن عبد الناصر حتى إنه قال: إن"هيكل ساكن في رأسي" كانت مفتاح العلاقة فيما كان آخرون من الكتاب والصحفيين البارزين يتصادمون معه.
هيكل وعبد الناصر توأم ملتصق
وعلى الرغم من أن الفترة بين 1952 و1970 كانت حافلة بالأحداث والمجريات التي تحتمل الخلاف حتى بين توأم ملتصق لهما نفس مشارب المعارف والأفكار ما لم يكن أحدهما تابعا والآخر متبوعا.. من منا يذكر موقفا اختلف فيه هيكل مع عبد الناصر اختلافا مبدئيا أو جذريا -بعيدا عن مقال كتبه هيكل هنا أو هناك أثار زوبعة أو مشكلة في بلد عربي مثل مقاليه بخصوص السودان عقب انقلاب عبود، وبخصوص الجزائر عقب انقلاب بومدين واللذين يوحيان ربما أن عبد الناصر لم يكن يتدخل فيما يكتبه ما دام لا يختلف أو يتصادم معه وأن هيكل يتحرك في كتابته في إطار هامش يستشعره عن بعد وقد يخونه التقدير ذات مرة، ولكنه يضبط نفسه وفق رؤية الرئيس في معظم الأحوال.. المرة الوحيدة التي بدا فيها هيكل مختلفا مع عبد الناصر اعترف هيكل أن موقفه كان شخصيا لرغبته في استكمال مشروعه لتطوير الأهرام عندما تعارض ذلك مع فكرة مشروع ناصر لتأميم الصحافة وتوصل معه هيكل إلى حل وسط. وليس مطلوبا أن يستل هيكل مسدسا ليصوبه إلى رأس صاحبه ما لم يوافقه رأيه، ولكن لا يحق له أن يقول إنه دافع ضد تأميم الصحافة حرصا على المهنة بكل ما يملك، فهو لم يكن يملك شجاعة الرفض الكامل أو حتى الحجة الوجيهة التي يقنع بها عبد الناصر (كما قال هو فعلا إن منطق ناصر كان يغلبه).
ويبدو أننا نطلب شيئا مستحيلا لو ظللنا نفترض أن هيكل كان من أهل المواقف الذين يستميتون دفاعا عنها.. هل تذكرين إذا ما الحظ حالفنا إليك أهتف يا (سلوى) فنتفق؟ أم تذكرين ولحن الروح يطربنا إذ نفرش الرمل في الشاطئ ونعتنق وتغرب الشمس تطوي في ملاءتها سَّرين أشفق أن يغشيهما الشفق وكم سهرنا وعين النجم تحرسنا إذ نلتقي كالرؤى حينا ونفترق والليل يكتم في ظلمائه شبحاً يأوي إلى شبح ضاقت به الطرق يا ليل كم لك في الأطواء من عجب يا ليل حالك حالي أمرنا نسق عود على بدء ويتغنى شاعرنا بانتماء الجزائر إلى الإسلام والعروبة، فتحت رايتهما تصدت كتائب جيش التحرير للمستعمر مستلهمة مبادئها وأهدافها وسلوكها من الأصول الإسلامية وروح الشريعة، جاعلة من الجهاد في سبيل إعادة البلاد إلى نهج العروبة والإسلام مبدأ مقدسا آمن به رجالها إيمانا لا يتزعزع. وقد بلغ من التزام المجاهدين بقدسية التضحية والفداء التي نص عليها الكتاب والسنة تنفيذ بعضهم ـ في حالات نادرة ـ حكم الإعدام في أبناء وآباء وأخوة ثبتت في حقهم جريمة العمالة والخيانة العظمى. ومن ثم كان للدين الإسلامي الحنيف الباع الطويل في شحذ الهمم والتفاف الشعب حول قادة الفاتح من نوفمبر بعد أن مهد العلماء المسلمون الجزائريون للثورة بنشر العقيدة وبث الوعي بمقاصدها، وعلى رأسهم الشيخان "عبدالحميد بن باديس" و"محمد البشير الإبراهيمي" اللذان استوعبا جوهر الدين الحق، وحاربا البدع والضلالات التي أشاعها التخلف والاستعمار، وعرفت باسم "الطرقية"، كما قاوما النزعة "الإقليمية" المعادية للعروبة والتي غرسها الفرنسيون، وبشرا بالجانب الإنساني للإسلام، ونشرا التعليم باللغة العربية التي استخدم الاستعمار كل الوسائل للقضاء عليها وطمس الشخصية الجزائرية. فها هو ذا النظام يصطدم مع التيارين الإسلامي والشيوعي ويرتكب خطيئة الحبس والتعذيب (بعد أن غيب ديموقراطية لم يكن راضيا عنها نتيجة لفساد الأحزاب والحياة السياسية عموما وربما كان لديه الحق في ذلك، لكنه لم يحل محلها تنظيما سياسيا حقيقيا وصراعا سياسيا حيويا وتقاسما للسلطات وفصلا كاملا بينها -ولم ينتبه إلا بعد وقع الهزيمة المريرة في 1967 إلى "ضرورة تحرير الناس من الخوف" على كل المستويات.. ها هو ذا النظام يعتقل ويعذب ولا يتحدث هيكل، وليته صمت وإنما سطر مجموعة من المقالات حولها بعد ذلك كتابا عن أزمة المثقفين يدينهم فيها، ويبرر موقف السلطة ويبرر حظوة أهل الثقة على حساب أهل الخبرة.
مع السادات.. ربيع الرضا وخريف الغضب!
درس في المدرسة المباركية، ثم مدرسة عثمان عبد اللطيف العثمان وإخوانه خلال الفترة من 1927 – 1933، وتعلم اللغة الإنجليزية بمدرسة هاشم البدر حتى نهاية عام 1938، وبعد تخرجه عمل فى المملكة العربية السعودية عام 1938 بوظيفة كاتب دوام، ثم تزوج عام 1941، وعاد إلى الكويت عام 1942 ليعمل بالأعمال الحرة لمدة سنة واحدة. أيمن شرف
يوم وفاة عبد الناصر (28 سبتمبر 1970) لم يكن هيكل في حاجة إلى أن يذهب للسادات كما ذهب قبل ثمانية عشر عاما إلى مكتب عبد الناصر، يطلب حوارا وتعارفا وعرضا بتقديم خدماته كصحفي؛ فقد كان الرجلان (السادات وهيكل) على قدم المساواة مع آخرين في منزل عبد الناصر المسجى جسدا بلا روح.
في تلك اللحظات الحرجة بدا للجميع أنهم في حاجة شديدة لعبورها معا، وعندما أعلن هيكل رغبته في الاستقالة انفجر سامي شرف مدير مكتب عبد الناصر ووزير شئون رئاسة الجمهورية بحميمية قائلا لهيكل: "إما أن نبقى جميعا أو نخرج جميعا"، ولا يخلو ذلك الموقف من دلالة مهمة؛ فقد أصبح سامي شرف فيما بعد ضمن من سموا "جماعة مايو" أو "مراكز القوى" طرفا في خصومة مع السادات وهيكل، واتهم الأخير بأنه تعدى فور اعتقاله وبموافقة السادات على وثائق خاصة لا يعرف أحد عنها شيئا سواه والراحل ناصر.
علاقة بدأت بالتملق وانتهت بالإهانة
وعلى الرغم من أن موقف هيكل تجاه الطرفين المتصارعين على السلطة (السادات من جانب، وجماعة مايو من جانب آخر) ظل غامضا حتى إبريل 1971 كان طبيعيا أن يكتب هيكل في 21 و28 مايو و26 نوفمبر من العام نفسه بعد ما أسماه "السادات ثورة التصحيح"، وهي مقالات تشيد بالسادات على نحو مدهش لمن سبق أن قرأ كتاب "خريف الغضب" لهيكل، ثم استعاد تلك المقالات التي جاء فيها "كان السادات هائلا في هذه الساعة الحاسمة من التاريخ بأكثر مما يستطيع أن يتصور أحد.. كانت قراراته مزيجا مدهشا من الهدوء والحسم.. هذه المرحلة هي التي ستجعل من أنور السادات -بإذن الله- قائدا تاريخيا لشعبه وأمته؛ لأن القيادة التاريخية مرتبة أعلى بكثير من الرئاسة مهما كان وصفها".
فلماذا تحولت الصداقة التي استمرت حتى خروج هيكل في 1975 من الأهرام ومن دوره كفاعل في الحياة السياسية في مصر إلى خصومة لدودة؟ ولماذا بلغ حنق السادات من هيكل منتهاه في سبتمبر 1981؛ فشن هجوما عنيفا على هيكل (لا رائحة فيه للصداقة القديمة) أمام كاميرات التليفزيون، واتهمه خلاله بخمسة اتهامات: أنه ملحد وأنه اعترف (للسادات) بذلك، وأنه صديق للملوك والرؤساء في العالم العربي وخارجه وهذا يجعل منه مركز قوة، وأنه كون ثروة من عائد كتبه التي هاجم فيها مصر، وأنه أعطى للعالم صورة مشوهة عنها، وأنه كان يرتب مع فؤاد سراج الدين لإصدار جريدة تنطق بلسان الوفد؟
ظلال من الشك حول علاقة هيكل والسادات
وإحقاقا للحق يبدو موقف السادات من هيكل أقرب للتشويه بل والتجريح منه إلى الأحكام الموضوعية؛ فاتهاماته له مردود عليها ببساطة بالسؤال التالي: لماذا أبقى عليه قريبا منه جدا لمدة خمس سنوات كاملة؟!
والأمر نفسه فعله هيكل أيضا حين سعى لقتل السادات ميتا، وتدنى في انتقاده له -والأمثلة كثيرة في كتابه "خريف الغضب"- إلى حد إرجاع تصرفات السادات إلى سوء أصيل في تركيبته النفسية، واستند هيكل إلى أن إحساس السادات بلون بشرته الأسود (ولنلاحظ استخدام هيكل لتعبير "الأسود" وليس "الأسمر" أو "الداكن" أو حتى "المائل للسمرة"، وهو من العارفين تماما بالفروق الإيحائية بين المترادفات ووقعها في الأذن والنفس) كان سببا في ميله للحصول على عطف الناس وفهمهم واستعداده لتقديم أي شيء في سبيل الحصول على قبولهم ورضاهم، ووصل الأمر بهيكل إلى حد الإيحاء بأن السادات تلقى شيكا بمبلغ 35 ألف دولار من لاجئ سياسي عربي إلى مصر هو الشيخ المبارك الصباح، وعلم به عبد الناصر، وأودع في ملفات الرئاسة والمخابرات.
والحقيقة أن تحليل هيكل لشخصية السادات وعرضه لدوره في الحياة السياسية ما قبل الثورة وحتى وفاته في أكتوبر 1981 يبدو معيبا علميا إلى حد بعيد، وفيه من التعسف ما يؤكد انحرافه عن الموضوعية، وأن دافعه تجاوز انتقاد خلافات سياسية إلى النيل والانتقام من شخص السادات. فهيكل لا يجيب مثلا على سؤال: كيف لا يعترض على قرار عبد لناصر -حسب روايته هو- تعيين شخص مرتشٍ (السادات) في منصب نائب الرئيس قبل سفره إلى المغرب في ديسمبر 1969؟ بل وكيف يدعم وبقوة صعوده إلى موقع الرئيس فيما بعد ويشارك في تثبيته رئيسا؟!
هيكل يفسر غموض علاقته بالسادات
ولقد ظلت رواية هيكل لأسباب القطيعة مع السادات إلى وقت قريب -وربما إلى الآن- هي الأكثر رواجا، وهو أرجعها إلى خلاف حول عدة نقاط هي:
أولا- الطريقة التي عالج بها مظاهرات الطلبة أواخر 1971؛ إذ كان يرى أن العنف ليس وسيلة الحوار مع الشباب (ويبدو ذلك متناقضا مع موقف هيكل الذي كاد أن يكون تبريرا لموقف عبد الناصر من الشيوعيين والإسلاميين في الستينيات حين كتب ما أسماه أزمة المثقفين).
ثانيا- معالجة السادات لموضوع الفتنة الطائفية؛ حيث كان يرى السادات تفجير المشكلة، وكان يرى هيكل ضرورة علاجها بحذر لأسبابها وعوارضها وجذورها (وربما كان هيكل محقا في ذلك).
ثالثا- مسألة الوحدة مع ليبيا، وكان يناصرها هيكل بقوة ويراها مختلفة عن تجربة الوحدة مع سوريا بسبب عنصر الاتصال الجغرافي والسكاني إلى جانب تكامل ثروة ليبيا السائلة، وتكاملها مع الإمكانيات البشرية والطاقة الإنتاجية المصرية (وربما أن قراءة الآراء المنشورة حديثا لهيكل عن الزعيم الليبي تشي بأن إدارة علاقة بمستوى الوحدة السياسية في ظل قيادة القذافي -كما يصوره هيكل- قد ترقى إلى نوع من الألعاب الطفولية).
رابعا- طريقة السادات في إجراء اتصالات خفية مع أمريكا عن طريق قناة اتصال خاصة، واعتذار هيكل عن إجراء مفاوضات سرية مع كيسنجر على أساس أن الموقف التفاوضي وقتها لم يكن قويا في تقديره، وأن هدف التفاوض ليس واضحا أمامه (وهذه مسألة خلافية شارك آخرون هيكل في موقفه منها، وإن كان وجه الاختلاف على طبيعة الشخص الذي اختاره السادات ليكون قناة اتصال).
خامسا- قرار السادات نقل ثمانين صحفيا بينهم أحمد بهاء الدين ويوسف إدريس ولويس عوض ومكرم محمد أحمد وآخرون، واعتذر هيكل عن تنفيذ القرار فيما يتعلق بصحفيي وكتاب الأهرام، ووضع استقالته أمام الرئيس السادات (وهو موقف يحسب لهيكل لا عليه، ولكن هل كان ذلك موقف هيكل عند التنكيل بكثير من الصحفيين والكتاب رفتا ثم سجنا وتعذيبا أيام عبد الناصر؟ وهل الفارق بين الموقف وعدم الموقف هو إحساس هيكل أنه يدافع عن آخر معاقله "الأهرام" التي كانت مشروعه ومفتاح سلطته وتأثيره، ولظنه أنه يمكنه مواجهة السادات؟).
الرحلة، في الخطوات الأولى، انطلقت من اللاذقية إلى سهل أرسوز قرب أنطاكية، مروراً باسكندرونة، ثم اللاذقية من جديد، وبيروت، ودمشق، وبعد ذلك تزوجت، وتشردت مع عائلتي لظروف قاهرة، عبر أوربا وصولاً إلى الصين، حيث أقمت خمس سنوات، وكان هذا هو المنفى الاضطراري الثالث، وقد دام، هذه المرة، طويلاً، حتى قارب العشرة من الأعوام، لم أكتب فيها حرفاً واحداً، وبذلك ضاع استواء رجولتي بين الثلاثين والأربعين من عمري، سدى، فالنبتة قلّما تعيش إلا في تربتها! هناك استثناءات كثيرة طبعاً، لكن غربتي، وهي مهنتي الشاقة، تختلف جداً، بسبب ما ترتّب عليّ من كدح لإعالة أسرتي، التي كان نصفها معي، والنصف الآخر في اللاذقية. لقد تزوجت مريم دميان سمعان، أصلها من بلدة السويدية، مصب نهر العاصي قرب أنطاكية، وكانت مقيمة في اللاذقية عندما التقيتها وتعارفنا بعد هجرة العائلة من اللواء العربي السليب، إنها إنسانة طيبة، شعبية، لم تتجاوز دراستها الصفوف الابتدائية، أي أنها مثلي من ناحية التحصيل العلمي، لكنها بذكائها الفطري، تفهّمت ظروفي كمناضل سياسي ضد الانتداب الفرنسي قبل الزواج، كما تفهمت ظروفي بعد الزواج ككاتب، فوفّرت لي، في الحالتين، جوّاً أسرياً سعيداً، قوامه نكران الذات إلى حد التضحية، في سبيل إنشاء الأسرة، ومشاطرتي آلام الغربة، وتوفير الهدوء والصفاء اللازمين لي ككاتب، وإني مدين لها بنجاحي، وهذه مناسبة أتحدث فيها لأول مرة عن هذه الإنسانة الرائعة، التي كانت معي على الدهر، لا مع الدهر علي، وهذه مأثرة المرأة الرائعة دائماً، التي تتحلى بصفات نبيلة، ومنها الصبر، والتدبير، والخلق الكريم، حتى أجد نفسي عاجزاً عن الكلام الذي يفيها حقها، بسبب أنها تفانت، ولاتزال، لإسعادي، وللسهر على الأسرة في غيابي وحضوري. إننا، هي وأنا، نقترب من نصف قرن من الزواج الناجح، والفضل في نجاحه يعود إليها حصراً، لأنها تتيح لي حرية اكتساب التجارب من جهة، والمناخ الملائم للكتابة عن هذه التجارب من جهة أخرى. رزقنا خمسة أولاد، بينهم صبيان، هما سليم، توفي في الخمسينيات، في ظروف النضال والحرمان والشقاء، والآخر سعد، أصغر أولادي، وهو ممثل ناجح جداً الآن، شارك في بطولة المسلسل التلفزيوني (نهاية رجل شجاع) المأخوذة عن رواية لي بهذا الاسم، فأبدى مقدرة غير عادية، في أدار دور (مفيد الوحش) عندما كان صغيراً، وهذا المسلسل لقي إعجاباً مثيراً، وبث إلى كل أنحاء العالم، كما شارك بدور البطولة (شاهين) في المسلسل التلفزيوني المهم (الجوارح) وكلا المسلسلين من إخراج نجدت إسماعيل أنزور، هذا الإنسان الموهوب إلى درجة الإبهار. لدينا ثلاث بنات: سلوى (طبيبة)، سوسن (مخدرة وتحمل شهادة الأدب الفرنسي)، وأمل (مهندسة مدنية) وقد تزوجن، ولم يتبعنني على طريق جهنم: طريق الأدب! شكاوى الناس بداياتي الأدبية الأولى كانت متواضعة جداً، فقد أخذت، منذ تركت المدرسة الابتدائية (هذه التي تعلمت فيها فكّ الحرف كما يقولون) بكتابة الرسائل للجيران، وكتابة العرائض للحكومة، كنت لسان الحي إلى ذويه، وسفيره المعتمد لدى الدوائر، أقدم لها، بدلاً من أوراق الاعتماد، عرائض تتضمن شكاوى المدينة ومطالبها، هنا كنت صدامياً ومنذ يفاعتي: إننا جياع، عاطلون عن العمل، مرضى، أميّون، فماذا يريد أمثالنا؟ العمل، الخبز، المدرسة، المستشفى، رحيل الانتداب الفرنسي، مطالبة الحكومة، في فجر الاستقلال، أن تفي بوعودها المقطوعة لأمثالنا. سادسا- (والذي جاء في هذا السياق متأخرا ليس نتيجة الترتيب حسب الأهمية، وإنما حسب التسلسل الزمني للخلافات) الإدارة السياسية لحرب أكتوبر، وكان هيكل يرى نتائج الحرب تضيع واحدة بعد الأخرى، وراح يكتب رأيه بشكل لا لبس فيه في مجموعة مقالات جُمعت بعد ذلك في كتاب "عند مفترق الطرق"، وبعدها كتب تحت عنوان "أسلوب التفاوض المصري" أواخر ديسمبر 1973 مما أثار حفيظة السادات عليه (ويبدو هيكل محقا تماما فيما ذهب إليه ومعه آخرون عارضوا ورفضوا، ومنهم من خرج من الصف. فالسادات كان مستعدا للذهاب بعيدا من أجل حل يعيد الأرض).
السادات رفض أن يكون هيكل صانع قرار
أما رواية السادات للخلاف فلا يتوفر منها الكثير بحكم أنه كان رئيس الدولة، ومن الصعب أن يكتب قصة خلافه مع هيكل وما جاء منها -على لسان هيكل أيضا- "أنه لم يعد صحفيا بل أصبح سياسيا، وعليه أن يترك الصحافة إلى السياسة، وليس من حقه كصحفي أن يناقش القرار السياسي؛ فتلك مسئولية الرئاسة".
ويمكن صياغة رواية السادات على نحو أقرب إلى المنطق بأنه كان يعرف أن هيكل كان يريد من جهاز الدولة دور الصحفي المؤثر كلية في الساحة الإعلامية من خلال موقعه في الأهرام، وهي من أقوى الساحات، إضافة إلى قرب شديد من هرم السلطة يؤثر من خلاله في مجريات الأحداث السياسية دون أن يحاسبه أحد.
والثابت إذن أن خلاقات في الرأي حدثت بين الرجلين، ولو كان هيكل قد قيم الموقف على أساس أنه رئيس تحرير "في السلطة"، وما دام قد اختلف معها فيمكنه أن يخرج منها بهدوء، وأن يمارس الكتابة ناقدا إياها مثلما فعل بعد ذلك بمقالاته في الصحف العربية والأجنبية والكتب في الفترة من 1975 وحتى وفاة السادات. ولو كان هذا الموقف قد حدث في عهد الناصر ما استطاع هيكل أن يبقى في الصحيفة الرسمية الأولى كاتبا معارضا، ولكنه ظن أن السادات ربما لا يستطيع إزاحته أو قد لا يجرؤ عليها، أو قد يتراجع ويرضخ لآرائه؛ لذلك أصر على أن يخوض المعركة للنهاية دون أن يترك المكان.
عمل من 83-1991 في بنك التنمية الإسلامي بجدة كخبير اقتصادي، مما مكنه من الإلمام بالعربية، وفي عام 1991 حصل على درجة أستاذ مساعد في الاقتصاد الدولي. سوابق سياسية أم هبوط بالمظلة؟ لم يهبط جول لرئاسة الوزارة بالمظلة.. لكنه رجل ذو تاريخ سياسي حافل.. ففي مرحلة مبكرة من شبابه انضم لمجموعة أطلق عليها "نادي فكر الشرق الكبير"، كما كان عضوا في "اتحاد الطلاب الأتراك"، وانتخب عضوا برلمانيا لحزب الرفاه عن محافظة قيصري 1991،  ثم مسؤول العلاقات الدولية بحزب الرفاه 1993، ومن 1995- 2001 كان عضوا في لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان التركي. وهذه النظرة تقريبا كانت دافعا -بين دوافع أخرى وطنية أو غير وطنية- وراء قبول من كانوا في السلطة لحظة وفاة عبد الناصر (والذين كانوا حريصين على تأمين أنفسهم بقوة ما؛ سواء الجيش أو الداخلية أو التنظيم السياسي أو الأهرام) تولي السادات منصب الرئيس بافتراض أنه شخص ضعيف الجانب؛ مما يضمن لهم فرصة الاستمرار إلى جواره أو إزاحته عندما تحين الفرصة مثلما حاولت جماعة مايو وفشلت، فيما حاول هيكل فرض آرائه على السادات ولم يكن لينجح.
هيكل.. تراجيديا الفرعون والكاهن
صلاح عيسى
لا بد أن مؤرخي الأجيال القادمة سيحتارون طويلا إذا ما عَنَّ لأحدهم أن يقيم الأدوار التي لعبها "محمد حسنين هيكل" على مسرح الصحافة والسياسة المصرية والعربية.. إذ المؤكد أنهم سيضلون الطريق إلى "هيكل" بين جبال من التفاصيل وتلال من الأكاذيب، ومتاهات من أدوات المكياج.
ومشكلة البحث عن "هيكل" أن فصل الذروة في عمره، كان مضيئا بشكل يعمي عن الرؤية.. ففي تلك السنوات الثماني عشرة التي انتهت في 28 سبتمبر 1970 - كان هيكل ملء السمع والبصر، لا يغادر الخشبة، ولا تخطئه أعين المتفرجين.. لا تكف تليفونات مكتبه عن الرنين، ولا تخلو غرفة سكرتيرته الشهيرة "نوال المحلاوي" من الزائرين: ملوك ورؤساء جمهوريات وساسة ووزراء ومناضلين وسفراء وكتاب ومفكرين وطالبي حاجات ينتظر بعضهم بالساعات، بلا ملل ولا شكوى بل ويمتنعون باختيارهم عن التدخين؛ لأنه يضايق "نوال المحلاوي".
كان باختصار تحت كل أضواء الدنيا، كما يليق برجل كان يوصف -آنذاك- بأنه أقوى رجل في مصر بل في الشرق الأوسط. ولعل الوهج الزائد عن الحد، الذي كان يشع منه وحوله، في تلك السنوات العجيبة - هو الذي جعل أكثر الفصول إضاءة في عمره، أكثرها غموضا وأحفلها بالظلال ومناطق العتمة.
ألتقط غصن شجرة يابس وأرميه في البركة الصغيرة لقصر Torup لترسم دوائر مائية سرعان ما تتلاشى, ولا أثر كأن كل ما لا يُكتب لا يكون له أثر أتأمل أفكاري معكوسة على صفحة البحيرة الساكنة, ترى كم من الأمم والشعوب والفنون والآداب والمثقفين مروا على سطح بحيرة الحياة ولم يتركوا غير دوائر مائية زائلة. كم من الكتاب اندثروا دون أن نسمع بهم, ربما لأنهم لم يتركوا لنا أثرا أو سطرا في كتاب.. وليتهم بدلا من أن يظلوا منفوشين بغصونهم اليابسة أخذوا نصيحة لوركا على محمل الجد وهو يقول: (أيها الحطاب أقطع ظلي, أنقذني من عذاب أني بلا ثمر). إنهم في يباسهم الدائم سيبقون أبدا - رغم تعالي أصوات هسيسهم في الريح - مجرد أحطاب. وكما وصفهم غليفيك: (يتركون لنا قصائد كثيرة ولم يجدوا الشعر بعد). إذ ليس كل من يكتب أو يترك شيئا يبقى, وليس كل نقش خالدا. فقد تسهم عوامل الطبيعة والتعرية نفسها وتقلبات الحياة والحضارات والأذواق والمدارس الفنية أحيانا في ضياع الكثير من الآثار, غير أن لسلطة الإبداع أثرها على الزمن والطبيعة والحياة والإنسان حين تنتقل من الحجر أو الورقة إلى الروح والفكر والأنفاس, وهذا ما يحفظ للمبدع بقاءه إلى الأبد سواء تغيرت الحضارات من الحجر إلى الإلكترون أو من الإلكترون إلى الحجر أو دارت الطبيعة دوراتها المتعاقبة. وإذ أتذكر مقولة سارتر: إن الإبداع مشروط بالحرية, وخيبة أدونيس من أن الكتاب العربي يقرأ خارج لغته, أسرح بنظري بعيدا في الغابة فلا أرى سياجا أو حارسا أو شرطيا أو قطعة تشير إلى (ممنوع) أو أخرى تشير إلى (حقل ألغام) كما في بلادي. كواليس هيكل
وليست أصول صنعة التاريخ هي وحدها التي ستفرض على هؤلاء المؤرخين المساكين العودة إلى الفصل التمهيدي الذي سبق دخول "هيكل" إلى خشبة المسرح في 23 يوليو 1952 وهو فصل استغرق عشر سنوات بدأت في عام 1942، كان "هيكل" خلالها مجرد صحفي بين صحفيين استهل حياته الصحفية وهو في التاسعة عشرة محررا عسكريا في "الإجبشيان جازيت"، ثم انتقل منها بعد عامين ليعمل في آخر ساعة. وبعد عامين آخرين وفي عام 1946 يشتري أولاد أمين - التوأمان "علي" و"مصطفى" المجلة من أستاذهم محمد التابعي فينتقل الثلاثة التابعي وآخر تلامذته هيكل والمجلة إلى دار أخبار اليوم وهناك يستقر هيكل صحفيا بين صحفيين لا هو أشهرهم ولا هو أخملهم، لكنه كان بالقطع أذكاهم!
تلك عودة لا مفر منها للماضي سيقود المؤرخين إليها فضلا عن أصول الصنعة الأمل في العثور على قبس من نور يضيء عتامة أحداث سنوات الذروة، وهو أمل لا بد أن يقود هؤلاء المؤرخين التعساء إلى فصل الختام الذي انطفأت بعده أضواء المسرح، وأنوار الصالة ولم يبق سوى تصفيق بعض المتفرجين، وصفير الآخرين وصمت الأغلبية التي عودتها المحن أن تداوي بالنسيان كل الجراح!
صداقة الكاهن مع الفرعون الشجيع
ومن سوء حظ هؤلاء المؤرخين أن حظ هيكل قد دفعه إلى المسرح ليلعب البطولتين الأولى والثانية، في مسرحية واحدة، تنتمي لزمن واحد فكان "الجان بريمييه" في الصحافة "وصديق الشجيع" في السياسة.
حتى وهو على سرير "المستشفى العسكري" في "الهدا" في مرضه الأخير!. وتبدأ معنا رحل الفراق لهذا الإمام.. وهو بالطائف إذا أحس بإجهاد المرض، ورفض- رحمه الله- السفر إلى الخارج للعلاج، وحزن- رحمه الله- لعدم تمكنه من حج عام 1419هـ، إذ إن الأطباء نصحوه أن صحته لا تسمح له بذلك، وحزن الكثير لعدم رؤيته بينهم في حج ذلك العام.. فلقد كان لوجوده- رحمه الله- بين المسلمين بهاءً يزاد على بهاء تلك الأيام المباركة؛ التي يتوافد فيها العباد لحج بيت الله الحرام.. ولكن بعد الحج أصر- رحمه الله- على الذهاب إلى مكة، فمكث فيها عشرة أيام، بدأت معه وعكة المرض، فنقل إلى "مستشفى الهدا العسكري" بالطائف، ومكث به أياماً.. ثم خرج ليواصل مشواره الطاهر! بعد خروجه من المستشفى مساء الثلاثاء، لم يسكن إلى الراحة! بل عقد مجلسه بمنزله يوم الأربعاء، وباشر لقاءه مع المراجعين، وتابع المعاملات والفتاوى، ولم يلاحظ عليه أي تغير في ذاكرته واستيعابه؛ وكانت تلك الجلسة هي الجلسة الأخيرة؛ التي جلس فيها كعادته في مجلسه العامر.. يوجه بكلمات نصحه الغالية.. ويستقبل الفتاوى عبر الهاتف!. ثم صلى بعدها صلاة العشاء مع أسرته، وتحدث معهم في مجلس أسري يزينه سماحته رحمه الله تعالى.. وفي تمام الساعة الثانية عشر ليلاً شعر ببعض الآلام في القلب، وضيق في التنفس، وفي الثالثة صباحاً اشتدت به الوعكة؛ فنقل إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف؛ ليفارق بعدها الحياة. أتوقف عند أساتذتي الكبار الذين ساهموا, عن قصد أو غير قصد, في تكوين شخصية ذلك الفتى المقبل على الدنيا باندفاع الشباب وهو لا يدري بعد ماذا تخبئ له الأيام. من هؤلاء شارل مالك ووليد الخالدي وفايز صايغ, الأول يقطع قاعة الصف ذهاباً وإياباً, يعالج الفلسفة الأخلاقية, يناقش انعكاساتها على الشئون السياسية والاجتماعية, يطرح معضلة العقل إزاء سلّم القيم, يسألنا, لا يُرضيه الجواب فيروح يفنّد تفاصيل المسألة المطروحة وكأنه يرسم خريطة التشابك الفكري وظلالها النقدية المتشعّبة. والثاني يناقش العلاقات الدولية من الصين إلى البرازيل ومن كندا إلى أستراليا وبوصلته الدائمة فلسطين, فإذا ما وصل بكلامه إلى أرضه المقدسة غصّ العلم بحرقة الكبرياء الجريح وانتفضت الموضوعية تحتضن الوطن بعقلانية تشبه حرارة العاطفة, وبعاطفة تشاهد نفسها أمام مرآة التحليل السياسي الصارم. والثالث يقارن أنظمة الحكم في العالم ويحاول أن يقيسها بمقياس إنساني ديمقراطي فيتوقف عند خيبات أمل متراكمة من الشرق والغرب عظُم شأنها كلما توقفت أمام ظلم سياسي فاضح أو إساءة تاريخية أليمة. شهدت السنوات الجامعية تجارب عاطفية متعددة أبرزها قصة حب عصف بي واستمر يكبّل مني القلب والعقل لفترة غير قصيرة. كانت طويلة شقراء تتهادى في مشيتها وتتغاوى في كلامها حتى أسرتني بعد أن تسرّبت إلى ثنايا حواسي والأحلام. تكررت المواعيد, وتكاثرت الوعود والآمال وطالت ساعات السهر وما يرافقها من حلاوة اللقاء. بعد التخرج انصرف كل منا في طريقه إلى مواجهة الحياة. وما إن أسدل الستار على المسرحية، حتى اختلف الناس على الزمن ذاته. فقال الكارهون وطالبو الدم شائنين: هذا زمن الرعب النقي والقهر المصفى، وقال الوالهون غراما: بل زمن العظمة التي لم تلد ولم تولد.. وفي ضجيج المناظرة ضاعت أصوات خافتة، اغتصب أصحابها نصف ابتسامة.. وذرفوا الدمع من عين واحدة، وقالوا:
- إنه زمن عبد الناصر، آخر الفراعنة الأفذاذ، ذلك الذي كان عظيم المجد والأخطاء، وليس "هيكل" سوى كاهن تعس الحظ، مات فرعونه قبل الأوان، وتركه وحيدا بين جدران المعبد، وقد انفض المرنمون وهرب المصلون، وتغير اتجاه طوابير الذين جاءوا يوفون بالنذور، ولم يبق سوى الكاهن الأعظم يطلق البخور، ويتلو التعاويذ، وينشر الوثائق، ويعد أسانيد الدفاع.. فسبحان الذي بيده الملك، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير!
وهكذا يتعقد الطريق إلى هيكل وتكثر فخاخه، وتتداخل الحدود بين معالمه وعوالمه.. مع أن هيكل كظاهرة تاريخية، ليس أكثر من تنويع على ثنائية مصرية شهيرة وكثيرة التكرار - هي ثنائية الفرعون والكاهن فهكذا كان حظنا، أو هكذا كانت عبقرية المكان الذي نحتله على خريطة الدنيا أن يحكمنا دائما فرعون قد يأتي فيملؤها عدلا ونورا أو يأتي فيملؤها ظلما وجورا لكنه في كل الأحوال معبود بقوة القهر أو قوة الحب أو قوة النهر الذي فرض علينا دائما أن نخضع لقوة مركزية جبارة، تحفظ الاستقرار وتنظم تدفق المياه في ملايين من قنوات الري التي تخرج منه، حتى لا يجتاحنا الفيضان أو يقتلنا الجفاف، لذلك كان منطقيا ألا يستغني الفرعون عن كاهن يعطي الروح لقوة القهر وقوة الحب، ويبشر ويفسر ويزين ويدافع ويهاجم ويحشد المصلين في بهو المعبد.
وهكذا كان عبد الله النديم كاهن أحمد عرابي وترجمانه إلى قلوب الناس وكان بسيطا كزعيمه، ومخلصا وسيئ الحظ مثله!
وكان عباس العقاد هو الكاتب الجبار للزعيم الجبار سعد زغلول يدافع عنه، ويشن الغارات على أعدائه، ويطلق نيران قلمه الجبار عليهم فتتناثر جثثهم على صفحات الصحف.
وكان محمد التابعي هو صحفي مصطفى النحاس حارب إلى جواره بالمانشيت والخبر والمقال القصير والتعليق الساخر!وكان هيكل كما قال هو نفسه آخر تلامذة محمد التابعي.
الحديث يقول: "يسروا ولا تعسروا"، فضحك الشيخ فقال: إذن يا أخي، لماذا لا تعمل به؟!. المعركة مع سلطة.. الثقافة المهيمنة وسأله سائل في مداخلة تليفونية عندما استضافه ماهر عبد الله في برنامج الشريعة والحياة عن رغبته الدائمة في التيسير واستخدامه للمنطق والرأي للتعبير عن الدين واستنكر منطقه قائلا: "كأن هذا الدين ما فيه تشدد وإنما كله رخص!" هيكل في مدرسة التابعي
وخلال السنوات التي قضاها مع التابعي ثم مع أولاد أمين كان يراقب بذكائه المشع قوانين لعبة الفرعون والكاهن يدرسها عن قرب، ويحللها بعمق ويحفظها ظهرا عن قلب، وكان محمد التابعي قد لقن تلامذته أن الصحفي يمكن أن يكون صاحب جلالة حقيقية، وملكا يملك ويحكم دون أن يغادر مقعد رئيس التحرير؛ لأن الصحافة صاحبة جلالة فعلية، فطالما أن الفرعون لا يستغني عن الكاهن، ولا يعيش دونه، فمن واجب الصحفي أن يرتقي بمهمته ومهنته من مجرد نشر الأخبار إلى المشاركة في صنعها، ومن حقه أن يكون طرفا في تخليق الحدث، الذي ستقع على عاتقه مهمة تزيينه أمام الناس، أو تفسيره لهم، وذلك ما كان يفعله التابعي المعجباني، المفتون بذاته، الذي يعرف قيمة وتأثير وسحر كهانته، فكان يشارك في تشكيل الوزارات وفي حل الأزمات وفي تدبير الانقلابات.
وحين انتقل هيكل إلى أخبار اليوم وعرف صاحبيها علي ومصطفى أمين وجد نفسه قريبا إلى الجيل السابق عليه من تلامذة "التابعي"، وعاين عن قرب عالم الكهانة. وعرف صورة منها في فتوتها.. فقد كان "أولاد أمين" هم نجوم ذلك الزمن. كان علي ومصطفى أمين يمرحان في أبهاء القصر الملكي، ويصادقان الحاشية، ويتصلان بالوزراء. ويستقبلان السفراء والزعماء، ويعرفان أسرار المفاوضات ويحملان الرسائل بين أبطال المسرحية ويطلعان على ما يجري في غرف النوم وما يدور بين الفراعين من صراع على اللحم والدم والعواطف ويطلقان البخور بين أعمدة الهيكل.
وربما يُدهش كثيرون لأن هذا الفصل التمهيدي من عمره قد انتهى، وهو مجرد عضو منتسب في نادي الكهانة، فانتصرت ثورة يوليو وهو لا يعرف من فراعين "العهد البائد" سوى اثنين أو ثلاثة من فراعين الدرجة الثانية، كان بينهم "علي الشمسي باشا" و"نجيب الهلالي باشا" لعله تعفف العاجز المغلوب على أمره، ففي تلك السنوات كان المعبد مزدحما بديناصورات الكهان: أولاد أمين وأولاد أبو الفتح وفارس نمر وفكري أباظة وكريم ثابت، وكان الصراع محتدما بين ديناصورات الفراعين: الملك فاروق والسفير البريطاني ومصطفى النحاس وأحزاب الأقلية.
ولأن "هيكل لم يكن يوما أحمق فإنه لم يقتحم الحلبة، ليصارع على مرتبة الكاهن الأعظم ربما لأنه أدرك بواقعية أنه يكاد يخلو من كل الأسلحة التي تؤهله لخوض الحرب فهو لم يولد كأولاد أمين في بيت سعد زغلول، ولم يتعلم في جامعة جورج تاون وجامعة شيفلد كما تعلما، ولم تحمله الملكة الوالدة و"تهشكه"، وهو شرف ناله التوأمان وهما رضيعان ولم ينله هيكل فكل مؤهلاته أنه ابن أسرة مستورة، تنتمي للشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى، وكل شهاداته هو دبلوم التجارة المتوسطة ودبلوم في القانون والإعلان، حصل عليه بالمراسلة، من أحد المعاهد الأجنبية، ودرس سنتين بقسم الدراسات الاقتصادية بمدارس الليسيه الفرنسية، ولعله لم يقتحم الحلبة أيامها ليحصل على مكانة الكاهن الأعظم؛ لأنه أدرك أن عرش الفرعون الأعظم خالٍ، وكان معنى ذلك أن الصراع الذي يدور على موقع الكاهن الأعظم هو مجرد حماقة أما معناه الأعمق طبقا لقوانين التاريخ المصري فهو أن قمر الزمن قد أوشك أن يدخل في المحاق وقد كان.
هيكل يتربع على عرش الكهانة
هوى قمر الزمن الماضي ليطمره المحاق، وزحف الفراعين الشائخون يتوكئون على عكاكيزهم وفي معيتهم زحف شيوخ وشباب الكاهن وقبلة الكل معبد الفرعون الجديد، في ذلك المبنى الذي ما يزال إلى الآن يحمل اسم مجلس قيادة الثورة، وشعار الجميع مات الملك عاش الضباط الأحرار، وبينهم كان هيكل أصغرهم سنا، وأكثرهم ذكاء وطموحا وأبعدهم عن شبهات هؤلاء الضباط الشبان الخشنة الوجوه والملابس والكلمات؛ ولأنه كان مجرد عضو منتسب في نادي كهان الزمن المنهار، فإن الشبهات التي أحاطت بدار أخبار اليوم مركز الكهانة الرئيسي للفرعون المخلوع لم تلحقه مع أنه كان أحد كواكبها اللامعين، وفي اليوم الثاني للثورة، كان كبيرا الكهنة مصطفى وعلي أمين يعتقلان بسبب وشاية لم يتثبت منها أحد، وكان هيكل يذهب في صحبة الأستاذ التابعي ليتوسط للإفراج عنهما، ومع أن المياه قد عادت إلى مجاريها، وساد الوئام بين الفراعنة الجدد وبين أخبار اليوم وكهانها، إلا أن الشبهات التي أحاطت بالكاهنين الكبيرين كانت مؤشرا على أن فراعنة الزمن القادم، ينظرون بريبة إلى كهنة الزمن المنهار.
سبحانك اللهم.. "تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ".
سقطت معظم الحواجز التي كانت تقف بين "هيكل" وبين عرش الكهانة، الذي أصبح الآن - 1952 - خاليا!
كان الفراعين الجدد أولاد عائلات مستورة مثله، ولم يكن أحدهم قد نال شرف "تهشيك" الملكة الوالدة!
وكان الكهنة القدامى قد خرجوا من السباق بعد أن قعد بهم الروماتيزم وقيدتهم الشبهات، فلم يتحركوا من مكانهم على الخشبة!
وكان الزمن القادم يبحث عن كاهنه وشاعره ومغنيه!
أما المنافسون الحقيقيون، فقد كانوا الفرسان الذين شاغبوا على الزمن القديم، وشنوا الغارة ضده، وكان بينهم ثلاثة على الأقل، يعرفون كثيرين من أعضاء مجلس قيادة الثورة معرفة وثيقة إبان سنوات الإعداد لها ويصادقون "عبد الناصر" و"عبد الحكيم عامر" و"صلاح سالم" والآخرين. لمع من بينهم، في العامين السابقين على الثورة "إحسان عبد القدوس"، صاحب معركة "الأسلحة الفاسدة"، و"أحمد أبو الفتح" بطل معركة قوانين تقييد حرية الصحافة، و"حلمي سلام" صاحب الحملة على فساد إدارة الجيش.
وكان الزيات أثناء دراسته بالجامعة، يعمل مدرسًا بالمدارس الأهلية، وفي ذات الوقت يدرس اللغة الفرنسية التي أعانته كثيرًا في دراسته الجامعية حتى تمكن من نيل إجازة الليسانس سنة (1331هـ= 1912م). التقى الزيات وهو يعمل بالتدريس في المدرسة الإعدادية الثانوية في سنة (1333هـ= 1914م) بعدد من زملائه، كانوا بعد ذلك قادة الفكر والرأي في مصر، مثل: العقاد، والمازني، وأحمد زكي، ومحمد فريد أبو حديد، وقد أتيح له في هذه المدرسة أن يسهم في العمل الوطني ومقاومة المحتل الغاصب، فكان يكتب المنشورات السرية التي كانت تصدرها الجمعية التنفيذية للطلبة في أثناء ثورة 1919م، وكانت تلك المدارس من طلائع المدارس التي أشعلت الثورة وقادت المظاهرات. وظل الزيات يعمل بالمدارس الأهلية حتى اختارته الجامعة الأمريكية بالقاهرة رئيسًا للقسم العربي بها في سنة ( 1341 هـ= 1922م)، وفي أثناء ذلك التحق بكلية الحقوق الفرنسية، وكانت الدراسة بها ليلاً، ومدتها ثلاث سنوات، أمضى منها سنتين في مصر، وقضى الثالثة في فرنسا حيث حصل على ليسانس الحقوق من جامعة باريس في سنة (1344هـ= 1925). وظل بالجامعة الأمريكية حتى اختير أستاذًا في دار المعلمين العالية ببغداد (1348 هـ= 1929م) ومكث هناك ثلاث سنوات، حفلت بالعمل الجاد، والاختلاط بالأدباء والشعراء العراقيين، وإلقاء المحاضرات. ذلك سباق لم يكن لهيكل مكان فيه، فقد قامت الثورة وتقارير القلم المخصص تقول عنه إنه "بلا لون سياسي". ومع أنه قد عمل في "الإجبشيان جازيت" ذات الصلة التاريخية بدار المندوب السامي البريطاني، وفي "آخر ساعة" المجلة الوفدية المتشددة، ثم في "أخبار اليوم" جريدة القصر، فإنه دخل هذه الصحف كلها وخرج منها وقد حافظ على "نقائه السياسي" فظل بلا "لون"!
والغريب أن هذا السباق انتهى فجأة، بعد عامين فقط من قيام الثورة، إذا بهيكل الذي لم يشغب على العهد القديم، ولم يصنف بين الثائرين عليه، يفوز بمنصب الكاهن الأعظم، أما "أحمد أبو الفتح" فقد أغلقت جريدته "المصري" وهاجر ليعيش في المنفى عشرين عاما، وتحطمت ذراع وضلوع "إحسان عبد القدوس" إبان تلقيه لدروس في الكهانة في إحدى زنازين السجن الحربي. وكان "حلمي سلام" يلهث هناك في آخر الطابور، حتى جاء اليوم الذي قادته فيه الرغبة في الانتصار على "هيكل" إلى حماقة سارت بذكرها الركبان!
أستدير إلى قبر حميد الزيدي, وضرغام هاشم, وعبد الصاحب البرقعاوي, ومحمد عباس الدراجي, وعزيز السيد جاسم, ومحمد حسن الطريحي, وحاكم محمد حسين, حسن مطلك.. وقائمة الذبح والأنين تطول.. وأراني, في تلك الأيام المنقبضة هناك, وحيدا ومنكمشا (في العراءِ المسجّى على وجههِ), أقلّب مرتجفا, (بريد القنابل), وأعجب كيف (خرجتُ من الحرب سهوا) .............. كيف تسنى لي أنا أبن الكوفة الغافية بظمئها الطويل على ضفاف الفرات أن أخرج من مخاوفي وأصرخ - ذات يوم من عام 1993 على مسرح الرشيد في بغداد - على لسان عبود, بطل مسرحيتي (الذي ظل في هذيانه يقظا): (شققني عطشي في بلاد المياه).. ثم أنسلُّ بين الجمهور المحتشد تاركا زفراتي الأخيرة: (وداعا بلاد المجاعات والنفط) قبل أن أغادر القاعة أو الوطن بشهور قليلة. كأني أستعيد حكاية عود الفارابي الذي أضحك الملك وحاشيته وأبكاهم ثم أنامهم جميعا وانسل من البلاط.. هل يملك الشعر هذه القدرة الساحرة, على تنويم رقيبه أيضا? ................. في بواكيري الأولى عام 1976 سأذوق لوعة الفصل من الدراسة بسبب قصيدة كتبتها وتناقلها الطلاب, ويموت أبي - المعلول بالسل والديون والطيبة - على سريره في مستشفى الكوفة, متأثرا بالحادثة.. لأذوق بعدها مرارة التشرد والخوف والحرمان.. وفي عام 1979 سأذوق مرارة الفقد, بعد إعدام صديقي المدهش علي الرماحي بسبب قصائده التي تناقلتها ألسنة المنابر والناس.. في تلك السنة -1954- أثبت الفراعين الجدد أنهم "أولاد آمون" حقا، فإنهم يفضلون هؤلاء الذين بلا لون؛ لأنهم سيخلقون لونهم الخاص من ناحية، ولأنهم - وهذا هو الأهم - لا يريدون شغبا يفسد عليهم الاستقرار الذي يريدونه، لصنع مصر التي يريدون!
الدرس الخامس في "الثبات على المبدأ" وعقب قيام الباكستان قام المودودي بجهد كبير لمواجهة النظريات الغربية التي يتم ترويجها في البلاد، وإثارة التغريبيين لشبهة صلاحية الإسلام كنظام للدولة العصرية.. ومع إصراره على الدعوة بأن تكون القوانين في الباكستان نابعة من الشريعة، وأن تلغى القوانين المخالفة فقد ضاقت السلطات بذلك؛ وهو ما أدى إلى القبض عليه في أكتوبر 1948، وسُجن لمدة عشرين شهرًا أنجز خلالها كتابه الشهير "الربا" وكتاب "مسألة ملكية الأرض في الإسلام"، كما أكمل المجلد الأول من تفسيره للقرآن الكريم "تفهيم القرآن"، وذلك رغم اعتلال كليته ومرضه. مرحلة الوهج في حياة هيكل
وهكذا بدأت سنوات المجد التي كان وهج هيكل خلالها يكاد يعمي الأبصار، واحتل الفتى الريفي القادم من "باسوس" أقرب مكان إلى القمة.. وتخلق لأول مرة، وبشكل يكاد يكون مثاليا، حلم محمد التابعي في أن يصبح الصحفي صاحب جلالة حقيقية.. فقد قرأت شعري في جميع العواصم العربية, وعدت بالشعر من خلال ذلك إلى أوله في الرحيل. وأسأل نفسي: هل وجه الذات هو وجه القصيدة? وأجيب: لا ونعم. يوما عن يوم, يتكشف لي أنّ للكلمات أسراراً وأسفاراً قد تتقاطع مع أسرار وأسفار الذات في حياتها ووقائعها أو تتباعد عنها. فليس بالضروري أن يكون وجه القصيدة هو عينه وجه الحقيقة. أعني أن سرد الذات في علاقتها الحية والعملية بحياتها, قد يختلف عن سرد القصيدة, وقليلاً ما تكون القصيدة وصفاً شعرياً للحياة, فالقصيدة ما هي إلا وصف شعري لذاتها, وهنا مسألة لا بد من التوقف عندها بشيء من التفصيل. إنه من الثابت أن تفاصيل الحياة ووقائعها إنما تحصل في أطر تاريخية واجتماعية محددة من الزمان والمكان لكن القصيدة تأتي بخلاف ذلك في الأغلب, ففي وجه موضوعية الحياة في (السيرة), تنهض العوامل الإيحائية في القصيدة, ولعله في القصيدة (بخلاف التاريخ) غالباً ما تخون النتائج أسبابها. ففي أشدّ حالات الصفاء الطبيعي والاجتماعي (حالات السلم الاجتماعي في لبنان ماقبل 1974) كانت النفس مضطربة وكتبت تفاصيل حرب مقبلة وكأنها ماضية, وفي أشد حالات الحرب اشتعالاً وأزمات, كتبت قصائد الجد واللطف والتصوف... كما في ديوان (أميرال الطيور). يضاف إلى ذلك أنّ اللغة, وهي جسد القصيدة, فإنها تختلف عن جسد السيرة الحياتية, من حيث كونها قابلة للتأويل وحمّالة أوجه. إن الأقنعة المستعملة في النص الشعري تجعل منه نصا يكاد يكون قائما بذاته. فجلس "هيكل" - آخر تلامذته - على مقعد بجوار عرش الفرعون الذي جاء من قرية "بني مر" ليملأها عدلا ونورا بعدما ملئت ظلما وجورا!
لم يحصل "هيكل" على كرسي الكهانة بالصدفة، بل تطبيقا لقوانين التاريخ.. البحث عن جمهرة النسب وقرأت أنساب الأشراف للبلاذري إصدار المعهد الألماني في بيروت, فوقعت في القسم الثالث الذي حقّقه د.عبدالعزيز الدوري على حاشية له في الكتاب يذكر جمهرة النسب لابن الكلبيّ,فسافرت إلى عمّان وبوساطة د.حسين عطوان قابلت د.الدوري في جامعة عمّان, وسألته عن حاشيته وذكره جمهرة النسب, فكان جوابه لي: أنا أقصد مشجرات كاسكل التي طبعتها في هولاند مكتبة لايدن. وأخرج لي كتابا ضخما كله مشجرات مع مقدمة صغيرة باللغة الإنجليزية, وبوساطة د.عدنان بخيت رئيس قسم التراث في جامعة عمّان صوّر لي الكتاب مشكوراً في الجامعة, فأخذته وعدت أدراجي إلى دمشق. فكيف لي بقراءته وأنا لا أجيد اللغة الإنجليزية, فذهبت إلى ترجمان محلّف وترجم لي المقدمة. فإذا بالمقدمة يذكر كاسكل أن هذا المخطوط (جمهرة النسب لابن الكلبي) عمل فيه المستشرق الإيطالي ليفي دلافيدا ثلاثين عاما وأخفق في إصداره, وكان يتمنى ألا يموت إلا ويرى كتاب الجمهرة محققا مطبوعا, وأوصى أولاده إذا أدركته المنيّة أن يرسلوا أوراقه التي عملها في الجمهرة إلى كل من أراد العمل في الجمهرة, وهكذا كان فأرسل أولاده كلّ أوراقه إلى المستشرق كاسكل فعمل للكتاب مشجرات ولم يصدر الكتاب. ولأن عبد الناصر لم يكن فرعونا تافها فإن كاهنه كان مقتدرا وذكيا وموهوبا بالفطرة، ورث كل علوم الكهانة من عصر "مينا" فلم يبدد ما ورثه، بل أضاف إليه وطوره، وعصرنه.. إنه محمد رشاد القوصي المصور العالمي الشامل الذي نقلت عنه كل وكالات الأنباء صورتيه الملونتين لحادثة اغتيال السادات، سوف يحيرك صدقه وإيمانه المطلق بأن التوفيق والحظ حالفاه كثيرا، خاصة في ذلك اليوم الذي غير تاريخه الصحفي، وساقه للعالمية بعدما ظن أنه لم يلتقط أي صورة لحادثة الاغتيال، وأرسل صور العرض العسكري لوكالة الأنباء التي كان يعمل لديها؛ ليفاجأ بجواب تهنئة يخبره بأن له صورتين لحادثة الاغتيال التقطتهما يداه المحترفة في غياب عقله. مصور منذ الصغر بدأ محمد القوصي التصوير وهو في العاشرة من عمره عندما كان في منزل جده لأمه الشيخ محمود القوصي رئيس المحكمة العليا الشرعية في منطقة الحلمية الجديدة بالقاهرة، وكان يستعير كاميرا التصوير الخاصة بخاله أو أبيه، وكان يستخدمها لتصوير عائلته أو إخوته الذين يكبرهم ليلتقط لهم الصور أعلى سطح منزلهم أو في حديقة جامع الرفاعي الذي يقع بالقرب من منزله، وكان يشتري الفيلم بثلاثة قروش ويطبعه بأربعة قروش من مصروفه الخاص، وكان يطبع أفلامه عند المصورين الأرمن في ميدان العتبة وشارع عبد العزيز، وكان يراقبهم ويعجب بعملهم. وقد ارتبط القوصي بالتصوير منذ طفولته، وفي المدرسة الثانوية انضم إلى جماعة التصوير التي أنشاها مدرس التربية الفنية بمدرسته، والتي كانت أولى خطواته لاحتراف التصوير، وقد تتلمذ فيها أيضا اللواء عبد الفتاح رياض، وهو أول مؤلف لكتاب في التصوير الفوتوغرافي في مصر وهو كتاب "آلة التصوير"، ولكن القوصي حرص على أن تكون دراسته فنية، بينما انضم زميله في الجماعة عبد الفتاح رياض لكلية البوليس، وفي بداية حياته التقط صورة جميلة للملك فاروق وهو يضع الورد على قبر والده الملك فؤاد بمسجد الرفاعي بعدما تسلل من حرسه وهرب من الرقابة المشددة عليه. الصدفة مدخله لعالم الصحافة عقب تخرجه في الجامعة عمل القوصي مدرسا بمدرسة ملحقة بدار للأيتام في منطقة العباسية واستمر بها سنتين، ثم انتقل إلى مدرسة الدرب الأحمر الابتدائية في منطقة باب الخلق القديمة بالقاهرة. وفي عام 1946 نشرت له أول صورة صحفية وكانت لوزير المعارف الإيراني ووزير المعارف المصري، وكانا في زيارة لقبر الملك فؤاد بالقرب من منزله، وعندما رأى الشاب رشاد الموكب توجه إليه والتقط لهما صورتين وطبعهما في معمله المتواضع بمنزله، ثم توجه بهما إلى جريدة الأهرام وعرضهما على المسئول آنذاك "نجيب كنعان" وسلمه الصورتين بعد أن كتب عليهما "تصوير القوصي"، ونشرت إحداهما في اليوم التالي لتكون أول اتصال له بعالم الصحافة. وبعدها بعامين عرض عليه الشيخ حسن البنا الذي كان يسكن نفس شارعه العمل معه في جريدة "الإخوان المسلمين" التي كان يعتزم إصدارها، فقبل القوصي عرضه على أن يعمل بها بعد الظهر، وبالفعل استمر القوصي مصورا للإخوان حتى اغتيال حسن البنا وإغلاق الجريدة، ولكنه سرعان ما استأنف عمله كمصور صحفي بعدما طلبه صديقه "أرشاك مصرف" وهو مصور أجنبي مشهور للعمل بجريدة "الزمان" و"جورنال دي إيجيبت" اللتين تصدران عن مؤسسة صحفية واحدة، ويملكهما "إدجار جلاد" أحد رجال الملك، وذلك مقابل 25 جنيها، بينما كان يتقاضى من التدريس 10 جنيهات فقدم استقالته من المدرسة فورا. أول مصور عسكري كان القوصي ينتظر مجده في حرب 1948؛ فحين اندلعت الحرب انتدب القوصي بأمر من رئيس الوزراء النقراشي باشا ووزير الحربية محمد حيدر؛ للعمل على الجبهة بعد رفض كل المصورين الأجانب الذين كانوا يحتكرون مجال التصوير آنذاك، وكان القوصي هو أول مصور عسكري عربي يذهب إلى الحرب ممثلا لوزارة الدفاع التي كانت تتولى توزيع الصور على الجرائد والوكالات؛ لتنشر صوره في كل أنحاء العالم، وكان معه مصور مصري واحد هو حسن مراد من جريدة "مصر الناطقة"، وعاد القوصي من الجبهة بعد الهدنة المصرية إلى جريدته "جورنال دي إيجيبت" بعدما تألق نجمه وعلا صيته، وارتفع راتبه المصري كذلك إلى 40 جنيها، واستمر بها حتى مارس 1952 عندما فوجئ بقرار إنهاء خدمته ومعه شيك بـ 500 جنيه دون سبب يذكر!! ولكن رشاد المصور اللامع لم يحزن لهذا القرار لثقته الكبيرة في إمكاناته وقدراته التي ستفرض نفسها في أي مكان، وبالفعل ترك جريدته التي تبعد حوالي 100 متر عن أخبار اليوم، ودخل لصديقه الصحفي والشاعر الموهوب كامل الشناوي بأخبار اليوم، وأطلعه على خطاب إنهاء خدمته، وطلب منه العمل لديه؛ فتحدث الشناوي إلى رئيس التحرير مصطفى أمين بشأنه فوافق عليه لشهرته، وطلب منه الرجوع لمحمد يوسف رئيس قسم التصوير في أخبار اليوم، ويستعيد القوصي ذكرياته قائلا: "عندما دخلت ليوسف وجدت عنده رجلا لا أعرفه، ودون أن يكلمني يوسف أعطاني كاميرا وفلاش وأفلاما، وطلب مني الخروج مع هذا الرجل -وكان محمد الليثي- وفي اليوم التالي كانت صوري تتصدر الصفحة الأولى لأخبار اليوم". ولا بد أن الذي ساعده على الإتقان إحساسه الصادق أن كهانته كانت - في الأغلب الأعم - تدافع عن قضايا معظمها حق وعدل، وسوف يمضي زمن أطول مما يقدر أكثرنا تفاؤلا، قبل أن تتكرر ثنائية "الفرعون" و"الكاهن"، بهذا المستوى الرفيع، ذلك أن "هيكل" لم يمارس دوره بمنطق الكهنة المأجورين، بل بروح العشاق المفتونين، فسخر كل مواهبه في خدمة الفرعون الذي جاء من هناك -حيث الكل في واحد- يصوغ له الخطب والرسائل ويؤلف له كتابا في الفلسفة وميثاقا في العمل الوطني وبيانا في 30 مارس، ويقرأ عليه الكتب وبرقيات وكالات الأنباء ويلخص له الصحف والإذاعات ويسفر بينه وبين ساسة العالم ودبلوماسييه وصحفييه ومناضليه وأفاقيه ويخرج له قراراته الكبرى، بشكل يعجز عنه أكثر المخرجين المسرحيين اقتدارا، ويكتب عنه وله، كل أسبوع "ترانيم يوم الجمعة"، فيزود المريدين بنشيد يترنمون به في هيكل المعبود، وينحت له تلك الكلمات الإسفنجية التي تمتص دموع الكوارث وترفع من لعلعة زغاريد الانتصار، فهو الذي سمى كارثة الانفصال "نكسة"، وهو الذي أطلق الاسم ذاته على هزيمة يونيو 1967، وهو صاحب التعبير الشهير الذي نشر على لسان المشير "عبد الحكيم عامر" قبل الكارثة بأيام: نحن نملك أكبر قوة ضاربة ورادعة في الشرق الأوسط.
العاشقان.. عبد الناصر وهيكل
ويقبل الليل، فلا ينام "هيكل" بل يظل قابعا بجوار التليفون الأبيض الذي يصل بينهما، فإذا رن جرسه الموسيقي.. بدأت مساورة الليل بين الاثنين.. وتواصلت الساعات، كما يفعل الرومانسيون من العشاق.
ولعل "هيكل" هو الوحيد ممن كانوا حول عبد الناصر، الذي ظل نجمه يعلو في اطراد ولعله الوحيد الذي نجا من آثار المعارك الدموية التي كانت تدور في كواليس القصور وبين مراكز القوى ومديري المكاتب، مع أن كل الذين كانوا حول عبد الناصر، كانوا يحسدون هيكل على مكانته لديه ويكرهونه لذلك، ويرفضون بدرجة من التعالي، فكرة أن يكون هذا الصحفي المدني، أكثر قربا لعبد الناصر منهم! وكان ما يرفضونه، هو أحد أسباب تمسك عبد الناصر بهيكل، إذ كان أقرب ما يكون لوجه مدني لثورة 23 يوليو، أمام الذين لا يستريحون -أو لا يثقون- في الانقلابات العسكرية.. ثم إنه كان نافذة أرحب على العقلية المدنية التي تفتقدها الأجهزة الحساسة المعاونة لعبد الناصر، وبهذه العقلية المدنية، وبقربه من عبد الناصر استطاع "هيكل" أن يوقف كثيرا من المهازل أو المظالم والكوارث، واستطاع -وهذا هو الأهم- أن يثبت أن المجتمع المدني المصري ما زال قادرا على أن يقود بحكمة، ويدير برشد لذلك خاض ببسالة معركة تجديد "شباب الأهرام" فلم ينجح خلال فترة رئاسته لتحريرها "1957 - 1974" في وقف خسارتها فحسب، بل نقلها إلى الربح ثم الازدهار، ورفع توزيعها من مائة ألف نسخة عام 1958 إلى 420 ألف نسخة عام 1974.
ولا غرابة - والأمر كذلك - في أن يكون يوسف إدريس الذي كتب (العسكري الأسود) (1961) لمهاجمة المعتقلات الناصرية وأتبعها بقصص من مثل (مسحوق الهمس) و(العملية الكبرى) وغيرهما من القصص التي تتحدث عن المعتقلات الناصرية كما تحدث عن نتائج تسلط القيادة أو سقطاتها, أقول: لا غرابة في أن يكون يوسف إدريس الذي هاجم عبدالناصر أعنف الهجوم بقصصه الرمزية هو نفسه يوسف إدريس الذي يكتب في (الأهرام) بعد رحيل عبدالناصر, مناجيا الزعيم الخالد بقوله: (يا أبانا الذي في الأرض - يا صدرنا الحنون الكبير), ويتابع النبرة نفسها قائلا: (أصبحت الدنيا لأول مرة بلا عبدالناصر, ونحن لم نتعود أبدا أن نتنفس هواء لا يتنفسه هو, ولا أن ننام إلا ونحن نحس أنه هناك في كوبري القبة, ولا أن نستقبل الصباح إلا على صورة له وابتسامة). في أعمالي الأدبية (30 رواية حتى الآن) شخصيات كثيرة جداً: هناك عالم متكامل من مخلوقات متنوعة متباينة، على أرضية واقعية، تمتزج معها الرومانتيكية وتتبلور في تصرّفاتها والأقوال، (روائي واقعي رومانتيكي)، هذا هو عنوان دراسة الدكتورة نجاح العطار، التي نُشرت في (الطريق) و (المعرفة) ومجلات أدبية أخرى، ذلك أن الواقعية، كما ترى الناقدة الدكتورة العطار، تتسع وتستوعب، كل المدارس الأدبية. الأهرام سفينة نوح
في تلك السنوات جعل "هيكل" من "الأهرام" أشبه بسفينة نوح، وحشد فيها ألمع ما في الوطن من عقول ومواهب وكفاءات وآراء، وأضفى على العاملين بها بعض حصانته، ومنحهم -على مسئوليته- جانبا من الترخيص الممنوح له، فعبروا بشيء من الحرية، وفي أحوال ليست كثيرة عن آرائهم، حتى تحولت إلى مركز عصري للكهانة يزدحم بالعلماء والأدباء والمفكرين والفنانين وأصحاب المذاهب ومن كل صنف زوجين اثنين.
لكنها رغم كل ذلك، ظلت -كسفينة نوح- جزيرة صغيرة تائهة بين أمواج عالية كالجبال تحاصرها من كل الجهات.
"هيكل" لم يكن يستطيع - في ظل موازين القوى التي كانت تحيط به - أن يفعل أكثر مما فعل، ولعله أيضا لم يكن يريد!
ولحسن الحظ, كان نجيب محفوظ سمحا - كعادته الدائمة - في استجابته إلى انفعالية يوسف إدريس, فانتهى الأمر بسلام, وسرعان ما هدأ يوسف إدريس, وتقبل ما حدث في النهاية بروح صافية, لم تتعكر كثيرا بمشاعر الغيرة الإنسانية رغم عنفها الذي زاد عن حده. وكنت أعرف حدة شعور يوسف إدريس بذاته وسرعة انفعاله وسهولة انفجاره نتيجة علاقتي به وتجاربي معه. والواقع أن "هيكل" لم يكن يوما من هؤلاء الشباب الطائشين الذين يتوهمون أن الواقع يمكن أن تغيره مظاهرة، أو تعيد تشكيلة خلية ثورية، وكان هذا أحد أسباب بقائه بلا لون سياسي حتى قامت الثورة، مع أن اللعب بالبالونات السياسية الملونة، كان الموضة السائدة في مصر الأربعينيات... وبين جيله من الصحفيين والكتاب... وكانت المجلة ذات ثقافة أدبية خاصة، تعتمد على وصل الشرق بالغرب، وربط القديم بالحديث، وبعث الروح الإسلامية، والدعوة إلى وحدة الأمة، وإحياء التراث، ومحاربة الخرافات، والعناية بالأسلوب الرائق والكلمة الأنيقة، والجملة البليغة. وقد نجحت الرسالة في فترة صدورها، فيما أعلنت عنه من أهداف وغايات، فكانت سفيرًا للكلمة الطيبة في العالم العربي، الذي تنافس أدباؤه وكُتّابه في الكتابة لها، وصار أمل كل كاتب أن يرى مقالة له ممهورة باسمه على صفحاتها، فإذا ما نُشرت له مقالة أو بحث صار كمن أجازته الجامعة بشهادة مرموقة؛ فقد أصبح من كُتّاب الرسالة. وأفسحت المجلة صفحاتها لأعلام الفكر والثقافة والأدب من أمثال العقاد، وأحمد أمين، ومحمد فريد أبو حديد، وأحمد زكي، ومصطفي عبد الرازق، ومصطفى صادق الرافعي الذي أظلت المجلة مقالته الخالدة التي جُمعت وصارت "وحي القلم". وربت الرسالة جيلا من الكتاب والشعراء في مصر والعالم العربي، فتخرج فيها: محمود محمد شاكر، ومحمد عبد الله عنان، وعلي الطنطاوي، ومحمود حسن إسماعيل، وأبو القاسم الشابي، وغيرهم، وظلت المجلة تؤدي رسالتها حتى احتجبت في (29 من جمادى الآخرة 1372هـ= 15 من فبراير 1953م). الزيات أديبًا يعد الزيات صاحب مدرسة في الكتابة، وأحد أربعة عُرف كل منهم بأسلوبه المتميز وطريقته الخاصة في الصياغة والتعبير، والثلاثة الآخرون هم: مصطفى صادق الرافعي، وطه حسين، والعقاد، ويوازن أحد الباحثين بينه وبين العقاد وطه حسين، فيقول: "والزيات أقوى الثلاثة أسلوبًا، وأوضحهم بيانًا، وأوجزهم مقالة، وأنقاهم لفظًا، يُعْنى بالكلمة المهندسة، والجملة المزدوجة، وعند الكثرة الكاثرة هو أكتب كتاب عصرنا". وعالج الزيات في أدبه كثيرًا من الموضوعات السياسية والاجتماعية، فهاجم الإقطاع في مصر، ونقد الحكام والوزراء، وربط بين الدين والتضامن الاجتماعي، وحارب المجالس الوطنية المزيّفة، وقاوم المحتل، وعبّأ الشعب لمقاومته، ورسم سبل الخلاص منه.. يقول الزيات: "إن اللغة التي يفهمها طغام الاستعمار جعل الله حروفها من حديد، وكلماتها من نار، فدعوا الشعب يا أولياء أمره يعبّر للعدو عن غضبه بهذه اللغة، وإياكم أن تقيموا السدود في وجه السيل، أو تضعوا القيود في رِجل الأسد، أو تلقوا الماء في فم البركان، فإن غضب الشعوب كغضب الطبيعة، إذا هاج لا يُقْدَع، وإذا وقع لا يُدْفَع، لقد حَمَلنا حتى فدحنا الحمل، وصبرنا حتى مللنا الصبر، والصبر في بعض الأحيان عبادة كصبر أيوب، ولكنه في بعضها الآخر بلادة كصبر الحمار". وقد أخرج الزيات للمكتبة العربية عددًا من الكتب، أقدمها: كتابه "تاريخ الأدب العربي"، وصدر سنة (1335 هـ= 1916م)، ثم أصدر "في أصول الأدب" سنة (1352هـ= 1934م)، و"دفاع عن البلاعة" سنة (1364 هـ= 1945م) وهو كتاب في النقد الأسلوبي، قصره الزيات على بيان السمات المثلى للأسلوب العربي. إذ كان من ذلك النوع الذي يؤمن أن التأثير في القمة أضمن وأسهل وأكثر إدراكا للهدف، من الاعتماد على تلك الكتل من الجماهير غير الواعية، التي لا تعرف ما تريد، والتي صعب الاطمئنان إليها، أما وقد جلس على مقعد الكاهن الأعظم، وأصبح أقرب ما يكون إلى التأثير في هذه القمة، فقد اكتفى بذلك. وبعد أن مات عبد الناصر قال "هيكل": إن العلاقة بينهما كانت علاقة حوار مستمر، لكنه لم يقل إن دائرة الحوار الكهربائية كانت مغلقة عليهما.. ولعلهما كانا الوحيدين اللذين يتحاوران في ذلك الزمن البعيد المجيد!
الكاهن بعد موت فرعونه
وقد خرج فيما بعد بنظرية تقول إن عبد الناصر لم يكن في حاجة إلى حزب يعتمد عليه، وينظم جيوش المريدين الذين تدفقوا بعشرات الملايين إلى حضرته، إذ كان لديه هذا الحزب ممثلا في أجهزة إعلامه القوية التي كانت تقوم بما يقوم به الحزب، وتلك قمة كهانة هيكل، فالشعوب في رأيه خلقت لتسمع وتقرأ، لا لتتكلم أو تكتب، والكاهن هو "حزب" الزعيم أو هو "شعب" الفرعون.. أما عبارات ومصطلحات.. مثل "الشعب المعلم" و"الشعب القائد" و"إرادة شعبنا" -وهي بالنسبة له أمر لا يرد- التي صاغها "هيكل" وألقاها عبد الناصر فلم تكن سوى دليل على تفوق "هيكل" في كتابة الإنشاء!
وهكذا تحولت العلاقة بين الفرعون والكاهن إلى صداقة عميقة، واندماج فعلي، وكانت الكهانة المقتدرة قد صنعت من الانتصارات التي توالت في سنوات المد، أساطير أحاطت رأس الفرعون بأكاليل الأزهار، وفي نهاية ذلك الزمن الذي بدا وكأن الفرعون قد دمج نفسه في الكاهن، وأن الاثنين قد دمجا الوطن فيهما، وأن الذي جاء من هناك حيث الكل في واحد، قد انتهى إلى هناك، حيث الكل -أيضا- في واحد! هكـذا كانت البداية دخل طفل في العاشرة من عمره على سكرتير جمعية التاريخ الطبيعي ببومباي B.N.H.S وفى يده عصفور دوري صغير Sparrowبرقعة صفراء على رقبته.. يسأل عن نوع هذا العصفور. هذا الطفل كان "سليم علي"، وكان د. ملرد Millard هو سكرتير جمعية (BNHS) Bombay natural history society الإنجليزي الجنسية، والذي لفت نظره حرص الفتى الصغير على معرفة نوع الطائر الذي اصطاده في رحلة مع خاله. وكانت النكسة تزحف -كالقدر- بخطى حثيثة لتهدم المعبد على رءوس الجميع.
وجاء اليوم الذي مات فيه عبد الناصر قبل الأوان:
خلا المعبد من الفرعون القوي القادر المعبود، انفض سامر المريدين وصمتت أصوات المرنمين، وبقي الكاهن وحيدا تحيط به عواصف من كراهية كل الذين أحفظتهم مكانته من الفرعون الراحل. وفي ذكرى الأربعين لوفاة الفرعون -وهي تقليد فرعوني- كتب "هيكل" مقاله الشهير "عبد الناصر ليس أسطورة" الذي حكم فيه بأن الزعيم الخالد - هكذا كان "عبد الناصر" يسمى رسميا أيامها - كان واحدا من البشر، وليس أسطورة وأنه لم يترك معبدًا ولم يعين للمعبد كهنة.
وكان المقال واحدا من ذرى كهانة "هيكل" المقتدرة أراد أن يضرب به ثلاثة عصافير بحجر واحد، فينزع من مجموعة "علي صبري" فضلا كانت قد نسبته لنفسها بزعمها أنها تضم تلاميذ عبد الناصر ومريديه والأمناء على رسالته، ويرضي السادات الذي كان هذا الزعيم في جانب منه، يستهدف التقليل من مكانته، وأخيرا فإن المقال ينكر حق الكهانة على غيره ليحتفظ به لنفسه!
وأدمن الكهانة
والواقع أن "هيكل كان قد أدمن الكهانة، لذلك راهن على أنور السادات رغم أنه كان أكثر الناس علما بأن المسافة شاسعة بين الفرعون والمتفرعن. ولم يكن أمامه مفر من أن يفعل ذلك، فقد كانت عواصف الكراهية التي يحركها علي صبري وجماعته، توشك أن تقتلعه، أما السادات الذي كان طوال عهد عبد الناصر كامنا بين أعواد الذرة، كأولاد الليل يتفرج على صراع السلطة، فلم يكن بينهما ما يدعوه للخوف منه!
وكانت كهانة "هيكل" المدربة، هي التي اقترحت على "السادات" أن يختار قضية الحريات العامة والشخصية، والاعتقالات الكيفية وغير القانونية، والفصل عن غير الطريق التأديبي، والتصنت على التليفونات ـ موضوعا للصراع مع "علي صري" ومجموعته الذي تفجر في 15 مايو 1971، بينما كان "السادات" يريد أن يعلن السبب الحقيقي للصراع، وهو سعي المجموعة لمشاركته في السلطة، ورفضها لاستئثاره بها منفردا وتحفظها وشكها في محاولاته للتقرب مع أمريكا.
وهكذا أنقذت كهانة "هيكل" المحترفة "السادات" من حماقته التي كانت كفيلة بأن يتصدى الناس له، ويرفضوه، واختار له هدفا وشعارا، قربه - في بداية عهده - من قلوبهم.. وكشف عن أنه كان يعلم طوال الوقت أن مشكلة نظام "عبد الناصر" مع الملايين الذين أحبوه ومنحوه ثقتهم كانت هي الحريات الديمقراطية!
وفيما بعد أنقذ "هيكل" السادات من مطب آخر، إذ كان هو الذي أشار عليه، بعد أن فشلت الجولة الأولى من مباحثات الاشتباك الثاني في مارس 1975، بأن يفتح قناة السويس للملاحة البحرية، وأن يختار يوم 5 يونيو موعدا لذلك الافتتاح، ليمحو عار هزيمة 1967، ويحول يومها من يوم للحداد العام إلى عيد لفتح القناة رغم علمه بأن إغلاق القناة كان آخر أوراق الضغط التي كان السادات يملكها بعد أن تبددت الثمار السياسية لنصر أكتوبر بسبب اندفاعه الأحمق لجني أي ثمار!
وفي المرتين أثبت "هيكل" أن احتراف الكهانة يمكن أن يحولها إلى هدف في ذاتها وأن الكاهن قد يبدأ مبشرا بقضية.. وينتهي إلى ممارسة الكهانة في خدمة أي هدف.. إذ كان أول من يعلم أن "السادات" هو آخر إنسان في العالم، يمكن أن يكون صورة من "عبد الناصر".
مصارعة السادات
لكن "هيكل" لم يهنأ طويلا بالقرب من السادات، فقد كان الرجل الذي ظل منزويا ومجهولا وبلا مكانة طوال عهد عبد الناصر، يريد أن يثأر لسنوات الإهمال المتعمد، التي كان فيها "هيكل" أقوى منه نفوذا وأعلى منه مكانة، بل كان يلجأ إليه أحيانا ليحل له مشاكله.. وكان يطمح أن يكون آخر الفراعنة، ولذلك أراد كهنة لم يرتبطوا في وجدان الناس بأحد سواه وخاصة بـ "عبد الناصر".
ورفض "هيكل" بعناد كل محاولات السادات لتطويعه، أو مساواته بغيره من الكتاب والصحفيين، أو نقله من مركز كهانته في "الأهرام" إلى حيث يصبح وزيرا من الوزراء، أو نائبا لرئيسهم، أو مستشارا للرئيس فقد كان يدرك بذكائه وخبرته، أن تلك كلها مناصب أقل أهمية وتأثيرا لذلك طالب بما سماه في روايته لما دار بينه وبين السادات حول هذا الموضوع بـ"مكان ومكانة الصديق" أي بمنصب الكاهن الأعظم، ذلك الدور الذي عشقه وأتقنه وبرع فيه، وحفر بسببه اسمه على أحجار التاريخ.
وجاء رفض السادات لشروط "هيكل" ليفض الاشتباك بين الرجلين. فانتقل "هيكل" خطوة بعد خطوة إلى صف المعارضين للسادات.
وترك في ذمة التاريخ سؤالين:
الأول: هل كان "هيكل" سيدافع عن توجهات "السادات" السياسية لو أنه أشركه معه في إخراجها، واحتفظ له بمكان ومكانة الصديق، أي بمنصب كبير كهان الهيكل؟!
والاحتمال الأرجح أنه كان سيفعل!
والثاني هو: هل كان مصير السادات سيختلف عن المصير الذي انتهى إليه بالفعل، لو أنه احتفظ بهيكل كاهنا لمعبده؟!
والإجابة بالقطع نعم!
وجرت في النهر مياه كثيرة:
في 3 سبتمبر 1981... وجد "هيكل" نفسه سجينا في إحدى زنازين سجن الاستقبال بمنطقة سجون طره الواقعة جنوب العاصمة المصرية!
حدث الذي لم يكن أحد يتخيله أو يتوقعه.. ووجد "هيكل" إلى جواره، في الزنزانة بعض الذين نازعهم ونازعوه سدانة المعبد، ممن كانوا يسمون آنذاك بـ"مراكز القوى".
وفي 28 سبتمبر 1981، اعتذر "هيكل" عن الحديث في احتفال كنا -على سبيل التحديث- قد قررنا إقامته في ذكرى وفاة "عبد الناصر" واختفى في زنزانته، وقال لي أحد الذين يشاركونه سكناها من زملائنا المعتقلين: إنه أخفى وجهه تحت غطائه واندفع في بكاء حار!
وفي 6 أكتوبر 1981 سمعنا خبر مقتل السادات... ورغم المشاعر المتعددة التي ناوشتنا بعد سماعه، فقد كان "هيكل" هو الوحيد الذي أغلق عليه باب زنزانته، واندفع مرة أخرى في بكاء عنيف!
وكان صوت جميل يأتي من بعيد، يتلو قول الله عز وجل: "قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير".
