ليست بطون الكتب وحدها التي تمتلئ بسير العظماء والشرفاء؛ فظهر الأرض يحمل الكثير منهم، يعيشون بيننا، وربما لا نشعر بهم لتواضعهم، أو لأننا ـ ياللأسف ـ تعودنا ألا ندرك قيمة الأشياء إلا بعد أن ترحل عنا أو نرحل عنها!
وُلد ألفريد نوبل يوم 21 من أكتوبر عام 1833 في مدينة "أستوكهولم" عاصمة السويد، وكان أبوه "عمانوئيل نوبل" مهندسًا مدنيًّا مختصًا بإنشاء الطرق والكباري، كما كان مبتكرًا ومخترعًا، خاصة فيما يمس طرق تدمير الصخور. وعلى العكس من مسار الأحداث بعد ذلك كان ألفريد مصدر تعاسة لأسرته، فقد أفلس الأب في نفس العام الذي وُلد فيه ابنه ألفريد، كما التهمت النار مسكن العائلة؛ وهو ما دفع الأب إلى السفر وحده إلى فنلندا عام 1837م بحثًا عن فرصة أفضل للحياة، ثم ارتحل سريعًا إلى "بطرسبرج" عاصمة روسيا القيصرية القريبة جغرافيًّا من أستوكهولم، وأنشأ في مدينة بطرسبرج ورشة ميكانيكية، وما لبث أن عقد صفقات مع الجيش الروسي فتحسنت أحواله المادية وأرسل لعائلته عام 1842م لتلحق به في بطرسبرج. حق لنا أن نفخر ونزهو؛ لأننا عشنا في زمن ظهر فيه أبطال أعادوا لنا أزماناً جميلة قهرت فيها قوى الحق ضجيج الباطل وأرهقته.. أبطال أرونا أياماً ناصعات تتوالد وتتنفس ونحن نشاهدها على مدار الساعة عبر منافذها الكثيرة. حق لنا أن نفخر ونرفع رؤوسنا عالياً، لأننا عشنا في زمن ظهرت فيه نساء تمثلن الصبر والجهاد ضد العدو الغاصب، كـ"أمية جحا" وغيرها الكثيرات من نساء فلسطين، وفتيات فلسطين.
البداية
ولدت "أمية جحا" بمدينة "غزة" في  2/2/1972م، وتخرجت في  قسم الرياضيات بجامعة الأزهر عام 1995م بتقدير امتياز، وكانت  الأولى على الجامعة. عملت معلمة للرياضيات لمدة ثلاث سنوات ثم استقالت عام 1999م لتتفرغ للعمل الفني في مجال رسوم الكاريكاتير، حيث فازت بالمرتبة الأولى على محافظات فلسطين  في مسابقة الإبداع النسوي التي أقامتها وزارة الثقافة الفلسطينية في مارس 1999م، شاركت في العديد من المعارض المحلية.
كانت متزوجة من الشهيد القائد الميداني بكتائب "عزّ الدِّين القسَّام" الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية حماس "رامي سعد" الذي اغتالته يد الغدر في يوم الخميس 1/5/2003، خلال التصدي لاجتياح قوات الاحتلال الإسرائيلي لحي "الشجاعية" شرق مدينة غزة.
فها هي تُوصي علي بن عيسى بن ماهان قائد ابنها الأمين.. وكانت الوصية وصية امرأة حكيمة.. نجيبة الرأي.. وها هو ابن ماهان.. يقف عند باب هذه السيدة.. مستمعاً لنُصْحها.. فقالت له - رحمها الله ـ : (يا عليّ إنّ أمير الـمؤمنين وإنْ كان ولدي، وإليه انتهت شفقتي، فإني على عبد الله - أي الـمأمون - منعطفة مشفقة؛ لـما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنـما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغارَّه على ما في يده، والكريم يأكل لحمه، ويميقه غيره، فاعرف لعبد الله حقّ ولادته وأخوَّته، ولا تجبهه بالكلام، فإنَّك لست له بنظير، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا توهنه بقيد ولا غلّ، ولا تمنع عنه جارية ولا خادماً، ولا تعنِّف عليه في السَّير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، وخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه)! ثم دفعت إليه بقيد من فضَّة.. وقالت له: إن صار إليك فقيِّده بهذا القَيْد. فقال لها : سأفعل مثلما أمرتِ. فتأمل همَّة هذه الـمصُونة.. لم يثْنها حبّ الولد عن قول الحق.. والإنصاف في القول والفعل! هكذا يكون السُّؤدد والشَّرف! ولكن رياح الأحداث انقلبت، فانهزم ابن ماهان وقُتل، وحاصر الـمأمون بغداد، ثم كان بعدها قتل الأمين.. ابن تلك السيدة زبيدة بنت جعفر.. فقدت تلك السيدة وحيدها.. وفلذة كبدها.. ودخل قلبها ما يدخل قلب كلّ أمّ! وحزنت.. وكيف لا تحزن؟! وابنها الأمين كان عظيم النَّفس.. شهماً.. فريداً في طرازه! حُزْنان لزما قلب هذه السيدة؛ فَقْد الولد.. وفَقْد الشَّهامة! ولكن زبيدة - رحمها الله - وهي العاقلة.. اللَّبيبة.. دفعت حرّ الـمصيبة بصبر الحُرَّة.. الـمُوقنة بالخَـلَف.. الرَّاجية للثواب الباقي.. فلم تجزع جزع الضَّعيف.. بل أبدت من الصبر والـجَلَد ما حيَّر الألباب! فـها هو الـمأمـون يدخل عليـها بعد دخوله بغداد.. وهو يظن أن الحزن قد هدَّها بعد مقتل ابنها.. ولكنها قالت له بجنان ثابت: (أهنيك بخلافة قد هنأت نفسي بها عنك، قبل أن أراك! كانت بداية أمية الحقيقية  منذ العام 1948م عندما رُحل أهلها رغماً عنهم من بلدة "المحرقة"، التي تبعد حوالي 13 كيلومترا عن مدينة غزة؛ وقد حولها الاحتلال إلى  مستوطنة تدعى "تيقوما". صفحات من حياته لقد كان الألباني نموذجاً فريداً في سعة الصدر ولين الجانب، إن ناقشه مناقش أفسح له من طبعه ومد له من حبله، لا يتضجر إن تضجر الخصم، ولا يثور لثوران المناقش، فيجد المناظر نفسه أمام جبل لا يؤثر فيه النطح، ولا يهزه الضجيج! فتنخفض نيران المناقش، ويذهب سخطه، فكأنما جمر صببت عليه ماءً؛ فسكن وذهبت ناره! تأثرت أمية مثلما تأثر باقي أطفال فلسطين وشبابها بالتهجير ورحلة العذاب التي عاناها الفلسطينيون، وانعكس هذا التأثر على رسوماتها، حيث عُرفت من خلال رسوماتها بالمفتاح المصاحب لأعمالها، فكما كان ناجي العلي معروفا بين الجمهور بشخصية "حنظلة" في رسوماته عُرفت أمية بـ "المفتاح"، ما جعلها هدفاً لبعض المتطرفين اليهود الذين استحدثوا منذ بداية الانتفاضة موقعاً على شبكة الإنترنت في إطار حملة التحريض ضد المصورين الصحافيين الفلسطينيين، وتضمن الموقع قائمة سوداء بأسماء مصورين فلسطينيين في دعوة مفتوحة لقتلهم بسبب تغطيتهم للأحداث الجارية ولانتهاكات جيش الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، وقد تلقت أكثر من 216 رسالة تهديد بالقتل وتفجير منزلها في غزة من قبل منظمات أمريكية ويهودية متطرفة.
المرأة الفلسطينية جبارة
أهم ما يميز نساء فلسطين ـ وأمية منهن ـ هو الهمة العالية والمعنويات المرتفعة دائماً، المتعالية على كل المحن والأحداث، فهن جميعاً في شغل دائم لترتيب أمور الحياة التي يضربها إعصار الاحتلال من وقت لآخر، ولا تجد منهن من تجيد ندب الحظ أو الشكوى، إنهن يقهرن الدموع في المآقي، ولا نظن أنهن يفعلن هذا وهن بمعزل عن  الإيمان بموعود رب السموات والأرض، وإلا فما تفسير تميزهن عن باقي النساء في هذا العالم الفسيح؟!
حرصت أمية على مكافحة المحتل وإيلامه أسوة بإخوانها المجاهدين من الرجال.. اقتحمت فن الكاريكاتير وأجادت فيه وتفوقت على الكثيرين من ممارسيه، وقد تميز فنها ببساطته وجماله وعمق دلالته، هذا إضافة إلى ما في فن الكاريكاتير من ميزات لا توجد في فن غيره كسرعة وصوله للجميع؛ فهو لا يحتاج إلى لغات أو ألسن، يفهمه كل ذي عينين أينما كان، وأينما كان لسانه أو جنسه.
ولأن أمية وعت أهمية ما أقدمت عليه من اتخاذ الكاريكاتير سلاحاً كالمدفع والرشاش فهي تقول في أحد اللقاءات الصحفية التي أجريت معها: "إن المرأة هي صاحبة القرار؛ فحين أقدمت بموهبتي لم يسخر مني أحد.. كان يضع في فمه, هو كذلك, غليوناً أبيض كبيراً على شكل رأس شيخ هرم. كان معظم الحاضرين يدخنون الغليون. حتى الفتاة ذات الرأس الصغير التي تجلس أمامي, كانت تضع أمامها غليوناً صغيراً. الحقيقة أنني لم أفهم شغفهم جميعاً بهذه الآفة إلا في وقت لاحق, أي عندما أخذتني أنا كذلك - أنا الذي أكره الدخان والذي كنت أسمع والدي يقول إن الدخان لو كان موجوداً في عهد الرسول (صلى الله عليه وسلم) لمنع تجارته واستعماله, عندما أخذتني أنا أيضاً - الرغبة في تدخين الغليون, تماماً مثلما يفعل الأستاذ ذو الرأس الأبيض الكبير. تساءلت: هل سأصبح مثل هؤلاء? عيون هائمة في عالم مجهول, وأجسام ضامرة, وأفواه مشدودة لا تعرف الابتسامة إلا إذا وجد صاحبها في نظرات الآخرين الاعتراف بأنه فاقهم في تحليل, أو بزّهم بفكرة, أو سبقهم إلى استنتاج. بل رحبوا بي وبقدراتي، وبت فخراً للجميع؛ فالمرأة هي التي يجب أن تفرض نفسها وموهبتها، لا أن تنتظر الآخرين. لقد عملت في صحيفة القدس، وكانت قد أعلنت عن حاجتها لرسام، فتقدم العديد من الرسامين من داخل فلسطين ومن خارجها، ورغم أنني فتاة قاموا باختياري، وذلك بناء على كفاءتي وموهبتي في الرسم، وليس لكوني فتاة أو شاباً، وبالتالي يجب المبادرة دائما والتأكيد على قدراتنا.
فالمرأة الفلسطينية جبارة، ولولا قوتها ونضالها ما وصل شعبنا الفلسطيني لذلك، فهي رمز للعطاء والفداء؛ هي أم الشهيد والجريح والمعتقل. فالمرأة الفلسطينية من خلال رسوماتي هي المرأة الصابرة الأسيرة والمقدامة، ورغم حياتها الصعبة فإنها قوية، وتقف جانب الرجل الفلسطيني حتى يكتمل الحلم بالعودة".
أفراح مسروقة
لحظات الفرح والسعادة في حياة الفلسطينيين لحظات مسروقة ومختلسة من دوامة الصراع والمطاردات وملاحقات الصهيونيين الذين لا ترتاحون إلا على أصوات قعقعة المدافع وروائح الموت!
لم تدم الزيجة المباركة السعيدة بين رامي وأمية أكثر من عامين فقط، رزقا خلالها بطفلة أسمياها "نور".
كانت الأيام الأولى على رحيل الشهيد "رامي سعد" ثقيلة ثقيلة على قلب أمية الملقبة بـ "أم المهدي"، فقد كان رامي يمثل لها الشيء الكثير.. فهو المنظم لحياتها، وكان يتمنى أن يضع كافة أعمالها الفنية رسومات الكاريكاتير على اسطوانات (C.D) خوفاً من ضياعها أو تعرض المنزل لقصف صهيوني غادر.
لكن أمية  كانت تحس بأن سعادتهما وحياتهما الزوجية لن تطول، وكانت تشعر بأن شيئا ما سيحدث معها وقالت إنه قبل شهر من استشهاد رامي كانت تشعر بالضيق وكانت تطلب منه أن يعرفها على المزيد من الناس،  وقالت في حوار معها: "كنت أعلم أنني سأفجع بزوجي "رامي".. لكن هذا قدر الله، الدموع ستكون أكثر في القريب العاجل، لكنني راضية بما كتبه الله لي، ولي الفخر بأنني زوجة شهيد في الدنيا وإن شاء الله زوجته في الآخرة".
أمية ترثي "رامي"
وبعد أن رزق رامي  الشهادة التي طالما تمناها وطمح إليها، سالت عبرات أمية بهذه الكلمات التي تقطر حباً وحناناً، ورضاً بقضاء الله تعالى وأملاً في موعوده، في حزن رصين يحوطه الشعور بالانتصار والأمل في لقاء الحبيب في اليوم الآخر فقالت:
سألني: لماذا تبكي المقل؟!
قلت له: رامي حبيبي قد قتل
أجابني:
وهل يُبكَى البطل؟
عاش ما عاش
وانتهى به الأجل
ليست الرصاصة
من أنهت حياته
بل هو للرصاصة من قتل
قلت: لقد كان لي
البسمة والأمل
قال: وهكذا هو سيبقى ويظل
إنه يرقبك
في البيت
في الشارع
في العمل
ويحضن نوراً ويداعبها
بلا ملل
ويطبع على جبينها
ووجنتيها القبل
قلت له: وأنّى لك أن تعرف؟
ومن أنت الذي علا
صوته وسط السكوت؟
قال: أنا رامي يا أمية
أنا رامي يا أمية
ألم اقل لك:
إن الشهيد حي لا يموت!
