أفنت "إنديرا غاندي" حياتها
جهاداً ونضالاً؛ حتى حفرت لنفسها اسماً بارزاً بين أعلام الهند، لكنها ـ للأسف ـ لم يكن جهادها ونضالها في سبيل قضايا بلادها ليشفع لها عند الله يوم الحساب؛ إذ ليس بعد الكفر ذنب {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء..}.
عاشت "إنديرا غاندي" أول رئيسة وزراء للهند الحياة السياسية بكل تقلباتها، فكانت على رأس السلطة تحكم واحدة من أكبر دول العالم تارة، وحبيسة جدران السجون والمعتقلات بعد هزيمة حزبها وانتقام قادة المعارضة منها تارة أخرى. وفي احتفالية فريق العمل بمناجم الفوسفات بهذا الإنجاز، كانت الإشادة بتفوق الشاب زغلول النجار ودوره في هذا النجاح، وعرفه رئيس اتحاد العمال في كلمته قائلاً "عندنا شخصية جيدة تجمع العمال على قلب رجل واحد…"، ولكنه بدلاً من أن يلقى التكريم اللائق كشاب وطني نابغ في مهنته، "فصل" من وظيفته.. لنفس الأسباب السياسية الفكرية.. وهكذا.. لم يثبت الدكتور زغلول في وظيفة من أي من هذه الوظائف فترات طويلة.. وإنما الثبات كله كان في قلبه المتعلق بالإيمان المضحي في سبيل فكرته.. والتحق الدكتور زغلول بمناجم الذهب بالبرامية.. حتى لاحت له الفرصة للالتحاق بجامعة عين شمس معيدًا بقسم الجيولوجيا بشرط عدم تلاحمه مع الطلاب أو التقصير في أي من محاضراته.. وظلت وفية لمبدأ القضاء على الامتيازات الخاصة، وإعلاء قيمة الانتماء للدولة فوق الانتماء الطائفي إلى أن سقطت صريعة رصاصات غادرة من بعض السيخ المتعصبين داخل حرسها الشخصي، انتقاما لاقتحام الجيش معبداً مقدساً لهم؛ لتلقى المصير نفسه الذي لقيه "المهاتما غاندي" من قبل.
ولدت "إنديرا بريادار شيني نهرو" في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني 1917م بمدينة "الله آباد" في عائلة لها باع طويل بالعمل السياسي، حيث كان جدها ووالدها من رموز العمل الوطني، ومثّلا مع "المهاتما غاندي" ثالوثاً أسماه الهنود "الثالوث المقدس" كان له فضل كبير في مساعي الهند للحصول على استقلالها من بريطانيا. وشغل والدها "جواهر لال نهرو" منصب أول رئيس وزراء للهند عقب استقلالها عام 1947م.
درست إنديرا في معهد "سانتينيكيتان" الذي أسسه الشاعر الهندي الكبير "طاغور" وأكملت دراستها في العلوم السياسية بسويسرا، ثم في كلية سومر وجامعة إكسفورد ببريطانيا، وهناك تزوجت عام 1942م "فيروز غاندي" ـ أحد ناشطي الحركة الوطنية الهندية ـ ورزقت منه بولدين هما: سنجاي وراجيف.
تأثرت إنديرا بالزعيم الهندي المهاتما غاندي، وبخاصة فيما يتعلق بالعمل على الخلاص من الاستعمار البريطاني، والاعتماد على النفس في سد احتياجات الشعب والحفاظ على وحدة الهند، ورفض الاقتتال الطائفي. ومن شدة تأثرها بغاندي باتت تنسب إليه، وأصبح يطلق عليها: إنديرا غاندي، ولبست الرداء الهندي المصنوع يدويا من القطن، ولم تبال بسخرية أقرانها الصغار في مراحل التعليم الأولى.
وأثر في إنديرا أيضا أفكار والدها وجهوده السياسية، فكانت شخصيتها مزيجا من روحانية النساك وواقعية رجال الدولة.
وكانت إنديرا من أكثر الكارهين للتعصب الديني والطائفي، حتى إنها سقطت صريعة بسبب وفائها لهذا المبدأ، كما سيأتي عند الحديث عن اغتيالها.
سوف يكون من الصعب الوقوف على محطات راسخة في ظاهر حياة سرديّة لايفصل الليل عن النهار فيها سوى حجاب مستور. فالأيام من البعيد, تتشابه كموج البحر, ومع ذلك, فثمة مركب ما, مائل, ويتقدم, في مقدمته رجل يمسك بمجدافين, ويحمل معه عائلة وعلماً واسماً ودواوين, والذي يراه من بعيد, يقول إنه يتقدم, والحقيقة أنّ الماء يتقدم به, واتجاهات الرياح أيضاً. وقد كرست إنديرا معظم حياتها لوحدة الهند الوطنية وإخراجها من التقاليد البالية والانقسامات الاجتماعية المولدة للعنف، كما عرفت كيف تحافظ على استقلال الهند في عالم يتميز بهيمنة الكبار على كل تفاصيل العلاقات الدولية، فقد كانت حليفا صعبا للسوفيات، وخصما عنيدا للأميركان، وعدوا لدودا لباكستان، ولكنها في الوقت نفسه عرفت كيف تتمسك بحركة عدم الانحياز، وتقيم علاقات حميمة مع العالم العربي، وترفض باستمرار ومبدئية الاعتراف بإسرائيل.
اشتغلت إنديرا بالعمل السياسي منذ وقت مبكر من حياتها، وتمرست على تقلبات الحياة السياسية، ففي عام 1942م (أي في العام الذي تزوجت فيه) اعتقلت هي وزوجها بتهمتي التخريب ومناهضة السياسة الاستعمارية فقضى الاثنان في السجن 13 شهراً.
بعد تولي والدها رئاسة الوزراء أصبحت إنديرا المساعد الرئيسي له، وكانت بمثابة مديرة لمكتبه، وصحبته في معظم رحلاته الداخلية والخارجية، وخاصة الرحلات التاريخية إلى الصين والاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة.
وحاولت احتواء بذور الفتنة الطائفية بين الهندوس والمسلمين، وبذلت جهدها لمنع انفصال باكستان عن الهند، لكن الرغبة في الانفصال كانت أقوى منها.
انتخبت في عام 1959م بعد وفاة زوجها رئيسة لحزب المؤتمر لمدة عام واحد، وعلى الرغم من قصر تلك المدة فإن جهودها أسفرت عن تطهير الحزب من قياداته البيروقراطية وإدخال دماء جديدة إلى صفوفه، ونجحت في إضعاف الحزب الشيوعي الهندي في أهم حصونه داخل ولاية "كيرلا"، وذلك بفوزحزب المؤتمر هناك عام 1957م.
كلفت إنديرا الإشراف على إستراتيجية الدفاع الوطني عام 1962م عندما تصاعدت حدة الخلافات من جديد بين الهند وباكستان على كشمير.
قالها د. الباز وهو يحكي قصة هجرته؛ ففي ديسمبر من عام 1966م وبعد سنة من المعاناة، قرَّر أن يسافر سرًّا إلى أمريكا؛ خوفًا من الظروف السياسية الشائكة التي كانت في مصر آنذاك. وهناك بدأ في رحلة شاقة للبحث عن عمل، ونظرًا لوصوله بعد بدء العام الدراسي، فلم تقبله أي جامعة من الجامعات؛ فأخذ يبعث طلبات التحاق إلى الشركات جاوزت المائة في عددها، إلى أن بعثت له "ناسا" التي كانت تطلب جيولوجيين متخصصين في القمر الموافقة وسط دهشة د. فاروق. والعجيب أنه لم يكن يعلم شيئًا عن جيولوجيا القمر، ودخل ناسا وهو لا يعلم أنه سيكون له فيها شأن. وقد وفَّقه الله إلى أحد المؤتمرات الجيولوجية والتي تحدَّث فيها علماء القمر عن فوَّهاته ومنخفضاته وجباله. لم يفهم شيئًا، وهو ما قيل طيلة ثلاثة أيام متواصلة، وحينما سأل أحد الجالسين عن كتاب يجمع هذه التضاريس، أجابه قائلاً: "لا حاجة لنا إلى أي كتاب فنحن نعرف كل شيء عنه".. حرَّكته الإجابة إلى البحث والمعرفة، ودخل المكتبة التي ضجَّت بالصور القمرية التي يعلوها التراب، وعكف على دراسة 4322 صورة طيلة ثلاثة أشهر كاملة، وتوصل إلى معلومات متميزة. قفزة التحول اكتشف د. الباز أن هناك ما يقرب من 16 مكانًا يصلح للهبوط فوق القمر، وفي المؤتمر الثاني الذي حضره. كان د. الباز على المنصَّة يعرض ما توصَّل إليه وسط تساؤل الحاضرين عن ماهيته، حتى إن العالِم الذي قال له من قبل نحن نعرف كل شيء عن القمر قام وقال: "اكتشفت الآن أننا كنا لا نعرف شيئًا عن القمر". مثلت إنديرا بلادها في منظمتي اليونسكو واليونيسيف في باريس عام 1964م لكنها سرعان ما استدعيت إلى الهند مرة أخرى بسبب تدهور الحالة الصحية لوالدها ومارست مهام رئاسة الوزراء بالوكالة.
طلب رئيس الوزراء الجديد "لال بهادور شاستري" الذي خلف نهرو عام 1946م من إنديرا تولي حقيبة وزارة الخارجية لكنها رفضت مفضلة وزارة الإعلام، وزادت من نشاطها في مجلس ممثلي الولايات الهندية الذي يعتبر المركز الحقيقي للسلطة في البلاد، وكان من أهم إنجازاتها في وزارة الإعلام تمكين المعارضة من عرض وجهات نظرهم في الإذاعة والتلفزيون.
جاءت الوفاة المفاجئة لرئيس وزراء الهند "شاستري" في يناير/ كانون الثاني 1966م في العاصمة الأوزبكية "طشقند" أثناء حضوره مؤتمراً للنزاع على كشمير برعاية الاتحاد السوفياتي، لتمهد الطريق أمام تولي إنديرا رئاسة الوزراء، واختيرت إنديرا غاندي لتولي منصب رئيس الوزراء، وفيعام 1967م قرر الحزب إعادة ترشيحها.
اندلعت صراعات داخلية بين بعض رموز حزب المؤتمر بغية الفوز بمنصب رئيس الوزراء، وقد أدت هذه الصراعات إلى انقسام الحزب إلى قسمين: حزب المؤتمر o أي التنظيم(organization)  وحزب المؤتمر r أي الحاكم (ruling) بقيادة إنديرا، واستطاعت إنديرا الصمود أمام هذه العاصفة الجديدة بتحالفها مع التيارات اليسارية داخل البرلمان، واستمر هذا الوضع مدة عام.
رفض البرلمان الهندي إدخال تعديل على الدستور يسمح بإلغاء الامتيازات والنفقات التي تدفعها الحكومة للأمراء، وقد تجاوزات إنديرا هذا الرفض فاستصدرت مرسوما رئاسيا يسمح بإصدار مثل هذا القانون، وعندما أعلنت المحكمة الدستورية العليا عدم دستورية هذا القانون، رفعت المعارضة شعار "اطردوا إنديرا" فردت عليهم بشعار "اطردوا الفقر" مما أكسبها تأييد الجماهير الشعبية التي صوتت بكثافة لمرشحي حزب المؤتمر (جناح إنديرا)، ونجح مؤيدوها بـ350 نائبا من أصل 515 مما سمح لها بتنفيذ العديد من الإصلاحات الاجتماعية والدستورية والاقتصادية التي كانت تخطط لها لتحديث الهند.
كانت إنديرا غاندي تعتبر علاقتها بالاتحاد السوفياتي علاقة استراتيجية تكللت في 9 أغسطس/ آب 1971 بتوقيع معاهدة للصداقة والتعاون تمهيدا للدخول في الحرب الثالثة مع باكستان التي كانت تربطها بالولايات المتحدة علاقات مميزة.
قادت إنديرا الهند في حربها مع باكستان عام 1971 وذلك بعد أن أعطت أوامرها إلى الجيش الهندي بدخول باكستان الشرقية لدعم الانفصاليين هناك، وقد حقق الجيش الهندي انتصارا كبيرا على نظيره الباكستاني وكان من أهم نتائج هذه الحرب انفصال باكستان الشرقية عن الغربية وإنشاء كيان سياسي جديد موال للهند هو بنغلاديش. وقد رفع هذا الانتصار شعبية إنديرا وجعلها من زعماء الهند التاريخيين.
ضرب الجفاف مساحات شاسعة من الهند، قلت على أثره المحاصيل الزراعية وارتفعت أسعار المواد الأولية، وعلى رأسها النفط ودخلت البلاد في حالة من التضخم والفساد المالي والإداري، ساعد على بروز أصوات المعارضة بقوة، وهو الأمر الذي حدا برئيسة الوزراء إنديرا غاندي إلى إعلانحالة الطوارئ في 26 يونيو/ حزيران 1975م مبررة ذلك بضرورة تنفيذ برنامج طموح من الإصلاحات الجذرية. وبموجب حالة الطوارئ، هذا زجت حكومة إنديرا بأبرز زعماء المعارضة البرلمانية في السجن، وفرضت الرقابة على الصحف وعلقت الحريات الدستورية. ونتيجة لكل ذلك كان من الطبيعيأن تتهاوى شعبيتها ويخسر حزبها في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول 1977م أمام تكتل المعارضة "جناتا بارتي" وتخسر هي نفسها مقعدها في البرلمان.
عادت إنديرا إلى السلطة مرة أخرى مستغلة سلسلة من الأخطاء السياسية ارتكبها تكتل المعارضة، منها:
ـ قرار وزير الداخلية باعتقالها مدة يوم واحد قبل أن تصدر المحكمة قرارها بالإفراج عنها.
ـ رفض البرلمان الهندي دخولها إلى قاعة البرلمان رغم نجاحها في إحدى الدوائر الانتخابية، وتصويته على طردها، ثم اعتقالها لمدة أسبوع كامل من 19 - 26/12/1978م مما منحها تعاطفاً شعبياً كبيراً.
كما أخذت أساعد والدتي على تحرير مجلّتها (دنيا الأحداث) أولى المجلات العربية آنذاك المتخصصة باهتمامات الفتيان والفتيات في العالم العربي. كذلك بدأت بتدريس مادة الأدب العربي لصفوف البكالوريا في الإنترناشيونال كولدج في بيروت. وجدت نفسي بين نشر الأدب وتدريسه أقرب إلى عالم الكتاب والنص الإبداعي والنقدي مني إلى أي عالم آخر, وذلك في طبيعة التعاطي اليومي مع الكلمة واكتشافي التدريجي لفعلها الموجع والمغري في آن. بعد فترة أدركت أن التعليم الثانوي لا يستهويني إذ أفضِّل التعامل مع شباب بلغوا النضج الجامعي فبدأت أدرّس مادة الفلسفة العربية وتاريخ الفكر العربي المعاصر في الجامعة الأمريكية في بيروت. ازدياد الانقسامات والصراعات داخل تكتل المعارضة الحاكم، ثم انفراط عقد التكتل بأكمله.
حل البرلمان الهندي بعد أن دخلت البلاد في حالة من الفوضى السياسية.
وصدر له هذا العام عن دار المستقبل العربي بالقاهرة كتاب زلزلة في العولمة وسعي نحو العالمية . أحمد صدقي الدجاني مثقف فلسطيني، متميز في مجاله، كغيره من المثقفين الفلسطينيين، الذين برزوا في الخارج، وهو مثقف كان يترك دائما مع الذين يقابلهم حضوره الهادئ والرزين، ولغته الشفافة وكلماته المنتقاة. أذكر أن أول مرة استمعت فيها للراحل كانت محاضرة ألقاها في جمعية للتربية في القاهرة، لم يكن الحضور كبيرا، لكنه كان جميلا ودافئا، كان ذلك في عام 1988، واستمعت إليه مرة ثانية في عام 2000 في لندن، وقلت له إن اسمه ارتبط بذهني بكتاب الحركة السنوسية الذي قرأته منذ زمن بعيد، وهو الكتاب الذي شكل كثيرا من ذاكرتي عن هذه الحركة، ومؤسسها محمد بن علي السنوسي. برحيل الدجاني هذا العام يكتمل موكب الراحلين الفلسطينيين من المبدعين، فقبله رحل الناقد الكبير إحسان عباس الذي دفن في عمان، والشاعر محمد القيسي المدفون في عمان أيضا، والناقد الكبير إدوارد سعيد الذي توفي في نيويورك ونثر رماده في لبنان. وكنت مشغوعاً برصد تحولات الفصول والطبيعة وهي تبدل جلدها, وتتقلب مع الأيام تقلّب الإنسان على درجات العمر, فمفاصل الفصول كانت مدعاة حزن وتأمل وتفعل بي فعل البحار ببحار وحيد على مركب في اللجج البعيدة. في الشتاء, أتلصص من وراء النافذة على المطر العظيم الهادر كاسح الحقول, فحل الفضاء النازل على الأرض, وربما تقطّع المطر على الزجاج وكَرَجَتْ حباته كدموع حقيقية, وأنا, مثل السنجاب, أربض وراء الزجاج, والمطر ينقر في قاع النفس نقراته الرتيبة التي لا تزال حتى اليوم, تنقر هكذا: طق طق طق... وأعجب ما حملته من تلك الطبيعة الجبلية القاسية, شغفي بل هوسي بأن أمشي ضد العاصفة حين تهب في الأعالي. أغافل أهلي حين تبدأ الرياح بالهبوب, والمطر ينسف البراري والحقول, والعاصفة تتحرك وتحدث أصواتها الوحشية بين الأشجار, ما يشبه سيمفونية القوة التي كتبها فاجنر, وتتسلل بين القصف والغزار, فأخرج إلى البريّة, أخرج إلى العاصفة, وأمشي وحدي في الحقول مبتهجا بما لا يمكن وصفه من الأصوات والمشاهد, ومن كان يراني على هذه الحال, كان يقول هو ممسوس بالمطر والرياح. ولم يكن ذلك بالنسبة إليّ سوى نداء العاصفة. من هنا, على الأرجح, أتى عنف اللغة التي كتبتُ بها قصائدي في مجموعتي الأولى الصادرة عن دار الآداب العام 1975 بعنوان (قصائد مهرّبة إلى حبيبتي آسيا) وربما كان المقطع الأوّل من قصيدة (ارتعاشات اللحظة الأخيرة) (كتابة 1972) يشير الى هذا العنف: تهبّ الريح من فلواتي الجرداء, تقلع من منابتها جذور الرعشة الأولى وتلقيها على فلوات صدرك برعما من دم أنا: لا الري يرويني, ولا نهر فيسقيني, وبي ظمأ, وما لي فم حملت الجرح والإعصار في كبدي حضنت العشب والأطفال وحين رجعت من ترحالي الأبدي غسلت الجرح في نيل من الكبريت والأوحال من هنا تأتي اللغة غير المدجّنة التي كتبت بها قصائد دواويني الأولى, فظهرت مثل أحصنة وحشية بلا أعنّة ولا ساحة. وهي خرائب الجسد عينه, عليها ينزف شيء ما من الدم الأول, فأرفعه كجرح يشخب من نافورة, يشخب للنسور الجائعة والبلابل في الأمطار, والأطفال المذبوحين على عتبات النهر, وموسيقى الأفلاك المختلطة والفوضى الكونية, وأشقّ ضريح النار بحنجرتي, فأنا أحسّ هكذا بروحي مأسورة في آبار عميقة, وبالشعر, رغبت في إطلاقها. ولو شئت اليوم أن أعيد ترتيب تلك الأيام, لأشرت إلى المكان الأول: المنزل البدائي الموصول بالوعر, هذا الصحن الطبيعي بعنفه وجماله, ما زال يحفر في كتابتي حزوزا لا تندمل. في وسط الدار, ساحة وبعض أشجار التين والعنب. وكانت تربط إلى جانب التينة, حمارة كانت صديقتي في أيام الصغر, كما كان يربط البقر في إحدى غرف المنزل, وننام معاً نحن والأبقار والقطط, ولا يفصل بيننا سوى مصطبة ومعلف, وكانت القطة صديقتي وتنام معي في الفراش وتتمسح بي كبنت. وكانت إنديرا غاندي قد استعدت لذلك، فجاءت نتائج الانتخابات في يناير/ كانون الثاني 1980م لتكرس انتصارها وانتصار حزبها وابنها سنجاي الذي انتخب هو الآخر بأغلبية ملموسة.
كان سنجاي من القلائل الذين شجعوا إنديرا على الاستمرار في الحياة السياسية الهندية عند هزيمتها عام 1977م وساعدها في تجديد قيادات الحزب عام 1978م وأصبح أحد أمناء العامين، وتمكن بهذه الصفة من إقصاء معظم الوزراء والحزبيين المتورطين في ارتكاب تجاوزات، ولم يتردد في شق الحزب عام 1978م، وتشكيل حزب جديد عرف باسم حزب المؤتمر (إ) نسبة إلى إنديرا. ولكنه لم يقدر له أن يتمتع بثمرات انتصاره إذ لقي حتفه في حادث طائرة شراعية بعد شهر من عودة والدته إلى الحكم، تاركاً المجال مفتوحا أمام خلافة والدته، وذلك قبل أن تقنع هذه الأخيرة ابنها الأكبر راجيف بالانخراط في معترك السياسة تمهيدا لخلافتها.
احتج بعض زعماء السيخ المتشددين على بعض سياسات إنديرا، واعتصموا في أحد معابدهم المقدسة (معبد الشمس) وطالبوا باستقالتها، ولما امتنعوا عن الاستجابة لمناشدتها بفض الاعتصام وعدم إثارة الرأي العام أو النعرات الطائفية أعطت أوامرها للجيش باقتحام المعبد والقضاء على المعتصمين، وعلى رأسهم "سانت بيندرانوال" مما أثار حفيظة بقية السيخ. في هذه الأثناء رفضت إنديرا تغيير حرسها الشخصي المكون من الضباط السيخ، معتبرة أنه يجب أن لا يؤخذ الأبرياء بجريرة المذنبين على حد وصفها، لكنها لم تكن موفقة في هذا الرأي، فقد تغلب التعصب الطائفي على الواجب القومي، فسقطت إنديرا صريعة برصاصات قاتلة أطلقها عليها حرسها الشخصي صبيحة يوم 31 أكتوبر/ تشرين الأول 1984م فودعت الحياة السياسية عن عمر يناهز 67 عاماً.
