كان حلما من أحلام التخيُّل العلمي أن يتمكن فاقدو البصر من استعادة الرؤية بوسائل صناعية, وها هو التقدم العلمي يمزج ما بين التكنولوجيا العالية وعلوم الحياة, ليقول لنا إن تحقيق الحلم القديم.. ممكن!
حتى لو كنت ترتدي نظارات طبية, فإن عينيك تعملان بمستوى جيد بدرجة تسمح بالتعرف على الحروف الصغيرة في هذه الصفحة. ويبلغ ارتفاع النص في أغلب شاشات الكمبيوتر 3 ملم, وعرضه 2 ملم. وعند قراءتك لجملة واحدة على شاشة الكمبيوتر, تكون في الغالب غير واع بآلاف القطع من المعلومات البصرية التي تقوم عيناك بتجميعها في كل ثانية. وفي الشبكية وحدها, هناك ملايين من الخلايا تعمل الآن كمستقبلات ضوئية تستجيب للضوء, بصورة مشابهة للطريقة التي تعمل بها آلة التصوير على تثبيت الصورة على الفيلم.
والشبكية عبارة عن طبقة رقيقة من النسيج العصبي تبطن الجدار الخلفي داخل العين. وتعمل بعض هذه الخلايا على استقبال الضوء, بينما تقوم أخرى بترجمة البيانات وإرسال إشارات إلى الدماغ عبر العصب البصري, وهذه جزء من العملية التي تمكننا من الرؤية. في الشبكية التالفة أو غير الفاعلة, تتوقف المستقبلات الضوئية عن العمل مما يسبب العمى. وتشير بعض التقديرات إلى أن هناك نحو عشرة ملايين شخص في جميع أنحاء العالم من المصابين بأمراض في الشبكية أدت لفقدانهم البصر. وحتى وقت قريب, لم يكن لدى اولئك المصابين بالعمى نتيجة لأمراض الشبكية سوى قليل من الأمل في استعادة بصرهم, لكن التطورات التكنولوجية قد تمكنهم قريبا من استعادة نعمة البصر. وقد نجحت مجموعات عديدة من الباحثين حتى الآن في تطوير رقائق مكروية يمكنها صنع (رؤية صناعية).
تلقت أبحاث الرؤية الصناعية الحالية دفعة قوية في العام 1988, عندما أوضح الدكتور مارك هومايون, من جامعة كاليفورنيا الجنوبية في لوس أنجلوس, أنه من الممكن جعل شخص مصاب بالعمى يرى الضوء عن طريق استثارة العقد العصبية في الشبكية بواسطة تيار كهربائي. وأثبتت هذه التجربة أن الأعصاب خلف الشبكية كانت لا تزال فاعلة حتى ولو أصيبت الشبكية ذاتها بالتنكس. وبناء على هذه المعلومات, بدأ الباحثون العمل على صنع جهاز يمكنه ترجمة الصور والدفعات يمكنها استعادة البصر.
واليوم, أوشك هذا الجهاز على أن يصبح في متناول أيدي الملايين من البشر الذين فقدوا بصرهم نتيجة لأمراض الشبكية.وقد تمت زراعة أحد النماذج التجريبية لهذه الرقائق في شبكية عدد من المرضى المكفوفين. والفكرة العامة في جميع نماذج الشبكية الصناعية واحدة, وتتمثل فيما يلي:
- صغيرة بالقدر الكافي لزرعها داخل العين.
- مزودة بمصدر مستمر للطاقة.
- متوافقة بيولوجيا مع نسيج العين المحيط بها.
أنماط البحث في مجال الرؤية الصناعية
يتمثل المأتى فوق الشبكي epiretinal approach في تغطية سطح الشبكية بعدد كبير من الأقطاب الكهربية, والتي يمكن لكل منها تنبيه الخلايا العصبية العقدية المستنبطة لها, وتتلقى الأقطاب الكهربية إشاراتها من المستقبلات الضوئية مباشرة, والتي بدورها تمرر معلوماتها إلى طبقات من أنواع الخلايا الأخرى - وهي الخلايا ثنائية القطب, وعديمة الاستطالات, والأفقية - والتي تقوم بعد ذلك بمعالجتها ونقلها إلى العقد العصبية. وفي الرقائق فوق الشبكية, وعلى العكس من ذلك, ليست هناك معالجة مسبقة, لكن هذه الخطوة بالغة الأهمية بالنسبة لعملية الإبصار. فخلايا العقد العصبية تستخدم هذه الشبكة من الطبقات الخلوية لمقارنة الإشارات الواردة من المستقبلات الضوئية القريبة ولا تمرر سوى البيانات المتعلقة بالتغيرات الكبيرة, مثل إطار على باحة من الشدة الثابتة أو حركته عبر مجال الرؤية, بينما يتم تجاهل المعلومات الأقل أهمية. وبذلك, فالإشارات التي تمررها خلايا العقد العصبية تكون نصف معالجة فقط. وفي البدلة التي لا تقوم بتنفيذ هذه المعالجة, يفقد الدماغ مصدرا للمعلومات المفيدة, مما قد ينتج عنه إشارات متضاربة, إذا قامت الرقاقة - على سبيل المثال - بتنبيه مباشر لعقدة عصبية لا تُقدح عادة إلا عندما تكتشف إطارا, لكنها تقوم أيضا بتنبيه الخلايا المجاورة لها بطريقة تدل على وجود منطقة من السطوع الباهر.
ولذلك, فمما يثير العجب أن مريض الدكتور هيومان يمكنه رؤية 16 نقطة من الضوء في منظومة من رباعيات (أربعة في أربعة), حسب مواقع الأقطاب الكهربية على شبكيته. غير أن النهر لم يكن طيباً طوال الوقت, كان يقسو, فيفيض ليغرق الحرث والزرع, ويقسو, كرَّةً أخرى, فيغيض, وتغيض معه الحياة... وكان الرجال يواجهون غضب النهر متفرقين, فلم يلبثوا أن أدركوا حاجتهم للتعاون, كما تبينوا احتياجهم للعمل وفق خطة مدروسة, وأن تكون لهم (قيادة) تنظم العمل, فعرفت البشرية (الحكومة), والدولة المركزية, والنظام الطبقي المتماسك, الذي يعتلي (الفرعون) قمته, يليه الكهنة, ثم الفنانون والمهنيون, ثم الفلاحون, وينتهي بالعبيد. لقد جادت الأرض بخيراتها, وعمَّت الوفرة. لم تعد ثمة حاجة - إذن - لكل الأفراد, كما كان الحال في زمن التقاط الثمار, فكان الاستغناء عن العمالة الزائدة, تماماً كما حدث مع (الانقلاب الصناعي), في القرن الثامن عشر الميلادي.. فتوجه الزائدون عن حاجة أعمال الزراعة إلى أعمال أخرى, فظهرت مهن حرفية وتجارية جديدة, ساعدت على زيادة انتعاش أحوال الحضارة الوليدة. ويتحسن الميز Resolution قليلا إذا قام المريض بتحريك رأسه لمسح المجال البصري بكامله, لكن هيومايون يعترف بأن الرؤية عالية الميز وشبه الطبيعية مازالت حلما بعيد المنال.
وهناك تقنية أخرى, وهي المأتى تحت الشبكي subretinal approach تبدو مبشرة أكثر من سابقتها. وفيها تثبت الرقاقة المزروعة خلف الشبكية وتقوم بتنبيه الخلايا ثنائية القطب. ونظرا لقربها من خلايا العقد العصبية, تمتلك هذه الرقائق إمكان استعادة بعض قدرة المعالجة لدى تلك الأجزاء التي لا تزال تعمل من الشبكية.
وتبدو الطعوم واعدة بصورة خاصة لأنها تدع بقية أجزاء العين تعمل بصورة طبيعية, أي أن العدسة ستقوم بتبئير الصورة مباشرة على الصمامات الثنائية الضوئية الموجودة على الرقاقة, والتي تحوّل الضوء إلى طاقة كهربائية. لكن هذا مصحوب بصعوبة أخرى, فالأقطاب الكهربية يجب أن تفصل بينها مسافة كبيرة بالقدر الكافي لعدم تداخل الإشارات بينها, ونتيجة ذلك, فليس من الممكن حتى الآن عنونة كل من الخلايا الثنائية القطب المنفردة, وبالتالي يتم تنبيه عدد كبير من الخلايا في الوقت نفسه ويُفقد المَيز.
ولا يتوقع الباحثون أن تقدم هذه الوسيلة للمكفوفين أكثر من تزويدهم ببعض الوعي المبدئي بالبيئة المحيطة بهم, وستكون حدة إبصارهم على الدوام أقل بكثير من الرؤية الطبيعية, كما ستكون مشوهة قليلة.
وعلى أي حال, تدعي شركة Optobionics الأمريكية أنها طورت الرقائق تحت الشبكية لأبعاد غير مسبوقة, فالرقائق التي تنتجها الشركة يصل طولها إلى 2.5 ملم وسمكها أقل من قطر الشعرة, وتحتوي على 5000 صمام ثنائي ضوئي, وبالتالي يمكنها - نظريا - أن توفر ميزا يزيد بثلاثة أضعاف  عن النماذج السابقة لها, وربما كان ذلك كافيا لأن ترى انعكاس صورتك في المرآة.
وتشير النتائج المبدئية لعدم وجود أي مضاعفات بعد عملية زراعة رقيقة السيليكون التي تمت زراعتها, والتي تسمى الشبكية السيليكونية الصناعية, التي تم تصنيعها بواسطة الشركة.
وبعد عملية زرع رقيقة السيليكون تحت الشبكية المصابة, تقوم آلاف الخلايا الضوئية بها والمتصلة بقضيب إلكتروني, بتحويل الضوء المنعكس من على الصور إلى نبضات, وهذه النبضات تقوم باستثارة الخلايا السليمة المتبقية بالشبكية التي تحول هذه النبضات إلى إشارات مرئية, كما يحدث أثناء عملية الرؤية الطبيعية, ثم يتم نقل هذه الإشارات إلى المخ عبر العصب البصري.
وقد تمت تجربة هذه الرقائق على الحيوانات التي تم تدمير شبكياتها, فوجد أن هذه الحيوانات قد استجابت مجدداً للضوء, وهذه التجارب تعد تجارب أولية, ولا يمكن الحكم على هذه التجربة في الإنسان قبل أن تلتئم جروح هؤلاء الذين أجريت لهم عملية زرع الشبكية الصناعية.
ويتوقع أن تحل الشبكية الجديدة محل المستقبلات الضوئية المصابة بالشبكية وهي المسئولة عن عملية الإبصار, حيث تقوم هذه المستقبلات بتحويل الضوء إلى إشارات كهربائية داخل الشبكية التي يستقبلها المخ عن طريق العصب البصري, حيث يتم ترجمتها إلى صور وأشكال, وغالباً ما يحدث تلف في هذه المستقبلات في الأشخاص المصابين بالتهاب الشبكية, وهو مرض يعاني منه حوالي 30 مليون شخص في العالم, وليس من المتوقع أن تساعد الشبكية الصناعية في علاج هؤلاء المصابين بفقدان البصر لأسباب أخرى غير أمراض الشبكية مثل مرض السكر أو المياه الزرقاء.
وتقوم فكرة عملية الزرع على وضع رقيقة السيليكون في الجزء الجانبي من الشبكية, وتتم عملية الزرع بواسطة الجراحة المجهرية, حيث تبدأ بعمل ثلاث فتحات صغيرة في الجزء الأبيض من العين, وهي فتحات لا تزيد في قطرها عن قطر الإبرة, ويتم شفط السائل الزجاجي للعين عن طريق هذه الفتحات ويحل محله محلول ملحي, ثم يتم عمل فتحة مثل رأس الدبوس في الشبكية, وعن طريقها يتم حقن سائل خاص لكي يرفع قليلاً جزءاً من الغشاء بعيداً عن مؤخرة العين, مما يؤدي إلى عمل جيب صغير في الفراغ أسفل الشبكية, والذي يتم فيه زرع الشبكية الصناعية, وبعد هذا تتم إعادة الشبكية لوضعها الطبيعي عن طريق حقن هواء داخل الشبكية كي تغطي تماماً الشريحة, وفي خلال يوم أو يومين يتم امتصاص فقاعات الهواء عن طريق السائل الزجاجي للعين.
لكنه من غير الواضح حتى الآن مدى نجاح رقائق الشركة عند زرعها في مرضى حقيقيين, ففي شهر مايو 2002, أعلنت الشركة أن تلك الرقائق لها آثار جانبية غير متوقعة وغير معتادة, فبدلا من الاكتفاء بتنبيه مجموعات الخلايا القريبة من كل من الأقطاب الكهربية, كان المرضى يستشعرون تحسنا في الإبصار في مناطق من الشبكية بعيدة عن مدى عمل الرقاقة المزروعة, فكانت الأجزاء التالفة من شبكياتهم تعمل مجددا بصورة مفاجئة, حتى في الأماكن البعيدة عن تغطية الرقاقة المزروعة. وعندما سُئل عن السبب, أجاب رئيس الشركة بأن التيار الذي تولده الرقاقة ينشط المستقبلات الضوئية في مناطق واسعة من الشبكية بعيدا عن متناول الرقاقة المزروعة. وبينما يجادل البعض بأن ذلك لن يؤهل الرقاقة المزروعة لأن تكون جهازا تعويضيا, حيث إن المرضى لا يستخدمونها بصورة مباشرة لكي يبصروا, إلا أن ذلك سيكون تأثيرا مدهشا حقا.
من الشبكية إلى القشرة المخية
ربما كانت أنجح جهود الرؤية الصناعية - من حيث ما يراه المريض بالفعل - هي تلك المتعلقة بتنبيه القشرة المخية مباشرة, فالبدلات البصرية يجب ألا تستهدف مرضى الشبكية وحدهم, ولكن أيضا لأولئك الذين تعرضوا لرضح في العين أو العصب البصري. فإذا أريد لجهاز صناعي أن يساعد أكبر عدد من المكفوفين, فعليه أن يتخطى العين إلى القشرة البصرية في الدماغ, حيث يقوم بعض الباحثين بزرع أقطاب كهربية فيها, وبعدها تتلقى القشرة إرسالا يشبه الفيديو عبر سلك موصل بآلة التصوير المثبتة في نظارة المريض. ويقوم الباحثون بتحسين تلك الإشارات عن طريق ضبط الإشارات الواصلة إلى الأقطاب الكهربية بينما يقوم المرضى بوصف ما (يرونه). لكن بعد 30 سنة من التجارب في هذا المجال, لم تزد حدة إبصار المرضى المعالجين بهذه الطريقة على نحو 100 بيكسل, بينما تبلغ حدة الإبصار الطبيعية مليون بيكسل على الأقل! فبرغم أن الأقطاب الكهربية المستخدمة في هذه التقنية تقوم بتنبيه مئات, إن لم يكن آلاف, العصبونات في الوقت نفسه. ولكن للحصول على رؤية طبيعية, سيحتاج الأمر لزيادة هائلة في عدد الأقطاب الكهربية المستخدمة بحيث يمكن التغلب على تداخل الإشارات بينها.
ويعتقد كوابينا بوهين من جامعة بنسلفانيا, أن المشكلة في البدلات الحالية أنها غير مبنية على أي فهم حقيقي للكيفية التي تعمل بها الشبكية الطبيعية. فالشبكية لا تقوم فقط بنقل الإشارات العصبية إلى الدماغ, بل تقوم بكمّ هائل من عمليات المعالجة المسبقة. وبدلا من معالجة الشبكية فقط على أنها سطح مكتشف للضوء, يقول بوهين إن عليك التفكير بها كجزء من الدماغ, وحتى نعلم الكيفية التي (تفكر) بها الشبكية, فلن نتمكن من صناعة بدلات جيدة حقا.
ولذلك, فقد أمضى بوهين السنوات القليلة الماضية في محاولة سبر غور الحسابات البالغة التعقيد التي تتم في الشبكية السليمة. ولإدراك كم المعالجة الذي تقوم به الشبكية, علينا أن نضع في اعتبارنا أن الشبكية البشرية الواحدة تحتوي على نحو 130 مليون مستقبلة ضوئية, لكن هناك نحو مليون سبيل عصبي فقط في العصب البصري. وبالتالي, لا يمكن للعين أن تحشر كل المعلومات التي تتلقاها في هذا الأنبوب الضيق. لذلك, تقوم الشبكية بغربلة وتفسير المعلومات, وترسل فقط تلك المعلومات المهمة.
ويعمل بوهين حاليا على تطوير جهيزة من السليكون تحاول محاكاة وظائف جميع هذه الطبقات الخلوية المكونة للشبكية, وبالتالي تحتوي على طبقات متعددة من (الخلايا) المختلفة والمتصلة فيما بينها, والمحفورة على شريحة من السيليكون. وتقوم رقاقته باكتشاف الضوء, ومن ثم تحوّله إلى إشارة عصبية شبيهة بتلك التي تنقلها الشبكية السليمة إلى العصب البصري. إن معالجة هذا الكم الهائل في جهيزة ليس عملا سهلا على الإطلاق, فرقائق السليكون تستخدم نحو 100,000 ضعف المكونات والتوصيلات التي يحتاج إليها الجهاز العصبي البشري للقيام بالحسابات نفسها, وذلك لأنها تجري المهام الحسابية واحدة تلو الأخرى, وليس العديد منها في الوقت نفسه كما يفعل الدماغ. وهناك مشكلة أخرى وهي أن رقاقة تقوم بهذا الكم الهائل من الحسابات لابد أن تولد كمية من الحرارة تؤذي الأنسجة الحساسة للجهاز العصبي البشري. لكن بوهين نجح في إيجاد طريقة لمعالجة الآلاف من الإشارات على التوازي عن طريق جعل الترانزستورات المنفردة تعمل مثل المشابك العصبية, فالترانزستورات تعمل عادة مفاتيح بسيطة, أي طريقة رقمية للفتح والإغلاق تكون دوائر ثنائية بسيطة. وتقوم ترانزستورات بوهين بإصدار إشارات نظيرية analog ليست مجرد فتح أو إغلاق, لكنها يمكن أن تكون أقوى وأضعف أيضا. وهذا يحل مشكلة الحرارة, لأنه مع الإشارات النظيرية المعدلة, تقل الحاجة للترانزستورات إلى جزء واحد من ألف جزء كانت ستدعو الحاجة إليه في الأسلوب التقليدي لنقل الإشاراتلكن بوهين لا يستطيع زرع جهيزته في الوقت الحاضر, لأن الرقاقة في شكلها الحالي مازالت غير قادرة على مجاراة مُيز الشبكية البشرية, فبعدد من المستقبلات الضوئية يبلغ 6000 تقريبا, تغذي نحو 1500 خلية عقدية, هناك حاجة لتقليص حجم مكوناتها بنسبة 1:10000 لمجاراة إمكانات الشبكية الحقيقية.
زراعة الخلايا الجنينية
أدى زرع أنسجة العين الجنينية إلى تحسين الرؤية لدى عدد من المرضى المصابين بأمراض تنكسية في العين. وبرغم أنه من السابق لأوانه معرفة ما إن كان هذا التحسن حقيقيا ومستديما في الوقت نفسه, فإن قوة النتائج التي أعلنت أخيرا دفعت بالسلطات الصحية في الولايات المتحدة إلى التصريح بإجراء المزيد من هذه الجراحات في المستقبل القريب. وتتحدث مريضة خضعت لهذه العملية - وعمرها 63 سنة - عن أنها قبل العملية التي أجريت على عينها اليسرى قبل سنة, لم تكن قادرة على رؤية أي شيء تقريبا بهذه العين, لكنها الآن (تستطيع تمييز أعين وأفواه الأشخاص الذين يجلسون مقابلها في الغرفة نفسها). ومثلها مثل بقية المرضى الذين تضمنتهم التجربة, كانت هذه المريضة تعاني مرحلة متقدمة من التهاب الشبكية الصباغي, وهو مرض وراثي يتسبب في حدوث تنكس في الشبكية, ويصيب واحدا من بين كل 3500 نسمة في البلدان الغربية.
ويتمثل النجاح الحقيقي لهذه التجربة في إمكان توفير علاج لأمراض شائعة مثل التنكس البقعي المرتبط بالسن, والذي يتسبب في نصف حالات العمى في بريطانيا على سبيل المثال. وهي مشكلة كبيرة تتفاقم دوما, ويبدو أنها بدأت تصيب الأشخاص الأصغر سنا في الآونة الأخيرة.
وعلى مدى العقود القليلة الماضية, أجريت محاولات عدة لعلاج ضعف البصر الشديد بزرع أنواع مختلفة من خلايا الشبكية, لكن هذه الطعوم كثيرا ما كان الجسم يلفظها أو أنها تفشل في تحسين الرؤية لدى المرضى الذين تمت زراعتها فيهم.
ويعتقد الباحثون في معهد دوهني للعيون بمدينة لوس أنجلوس الأمريكية - وهو أحد المراكز الرئيسية المشاركة في (مشروع الشبكية الصناعية) الذي تموله وزارة الطاقة الأمريكية - بأنه من الممكن تخطي هذه العقبات بزرع طبقة مزدوجة من الخلايا التي يتم الحصول عليها من شبكيات أجنة تعرضت للإجهاض في مرحلة مبكرة من الحمل.
ولتنفيذ هذه الطريقة, يقوم الجراحون بزرع ملليمترين مربعين من الأنسجة, ومنها الطبقة الداعمة من الخلايا الظهارية, وكذلك الطبقة العلوية المؤلفة من المخاريط والنبابيت المستشعرة للضوء, وذلك خلف الشبكية المعتلة. وتتمثل الفكرة في أن الخلايا الظهارية, والتي تغذي وتدعم الخلايا المستشعرة للضوء, ستساعد في وقف تقدم المرض, بينما تقوم خلايا الشبكية باستبدال الخلايا التي تم فقدانها بالفعل. ومن المهم استخدام طبقات سليمة من الخلايا, للمحافظة على الاتصالات الموجودة بين الخلايا المستشعرة للضوء, كما أن الخلايا الجنينية يتم تحملها بصورة أفضل من قبل الجهاز المناعي للجسم, وبالتالي لا يحتاج المرضى لتناول الأدوية الكابتة للمناعة, والتي تستخدم بجرعات عالية في عمليات زراعة الأعضاء التقلدية.
وفي التجارب التي أجريت على الفئران, لم تكتف الخلايا المزروعة بالبقاء على قيد الحياة, بل وأنشأت اتصالات مع الخلايا المتبقية في الشبكية. وقد اتضحت هذه النتائج - بطبيعة الحال - بتشريح هذه الفئران, أما في البشر فالمقياس الوحيد المتاح لتقييم النجاح هو التقارير الشخصانية للمرضى أنفسهم, وهو ما لا يعتد به كثيرا في عالم العلم.
وللتأكد من نجاح واستمرار عمل هذه الخلايا المزروعة, يتوجب على الباحثين الاستمرار في المراقبة الدقيقة لأولئك المرضى, كما يأمل الجراحون في تجربة العلاج الجديد على مرضى بدرجات أقل شدة من التهاب الشبكية الصباغي, إذ إنهم يرون أن الزرع سيكون أكثر فائدة إذا طبق في مرحلة مبكرة من المرض.
