المخرجة الفلسطينية "مي المصري" في مجمل أعمالها تحاول أن ترسم ابتسامة حانية على شفاه طفل فلسطيني بائس شوهت ملامحه بشاعة الاحتلال وظلمه ورعونته، ووسط أطلال المنازل الفلسطينية التي تهدمت على يد الصهاينة في نابلس، والناصرة، والقدس، ورام اللـه، وغزة تتعثر خطواتها وفريق عملها في جثث الشهداء وتحاول جاهدة أن تصعد فوق الجبل تحمل بعض المعاناة في قلبها، فوق كتفها تحمل الكاميرا تحاول أن تختلس بعض مظاهر الدمار الذي أحدثته الجرافات من أجل استكمال أفلام "أطفال جبل النار"، "أحلام المنفى"، أطفال شاتيلا، وفي كل هذه الأفلام كانت المخرجة تحاول أن تركز على الذاكرة الشفوية التي تتوارث عبـر الأجيال الفلسطينية في المنفى وعملية إعادة بناء الرواية الصورة.
وعن أفلامها والصعاب التي واجهتها لتخرج إلى النور كان هذا الحوار:
طفولتك في فلسطين شهدت أبشع المذابح الإسرائيلية فإلى أي مدى أثرت هذه الفترة في فكرك ووعيك السياسي بالقضية الفلسطينية؟
.. ولدت في عمان سنة 1959 لأب فلسطيني من نابلس وأم أميركية من تكساس وترعرعت في السنوات الأولى من حياتي بين عمان ونابلس وفي منتصف الستينات انتقلت وعائلتي إلى بيروت حيث كان يعمل والدي بحكم الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة سنة 1967 وجدنا أنفسنا كآلاف الفلسطينيين منفيين خارج وطننا. درست وكبـرت في بيروت وقد حملت دائماً الإحساس بالغربة، فقد تعرضت للاقتلاع منذ زمن مبكر وجاءت إقامتنا قرب مخيم شاتيلا للاجئين في بيروت وما زلت أتذكر منزلنا وهو يهتز كل مرة قصف فيها الطيران الإسرائيلي المخيم. هكذا نشأت ولدي إحساس عميق بالظلم دفعني إلى طرح العديد من الأسئلة من أنا؟ ولماذا تراني لا أعيش في وطني؟
الحقيقة أن الإحساس المزدوج بالانتماء والغربة هما من التناقض بحيث أصبحا جزءاً من هويتي، خلال أيام دراستي الثانوية في بيروت أواسط السبعينات تأثرت بجو الانفتاح الثقافي السائد حينذاك وبالصعود السياسي الذي ترافق مع نمو المقاومة الفلسطينية في لبنان، ومنذ سن الرابعة عشرة كنت ناشطة في الحركة الطلابية والعمل التطوعي في المخيمات الفلسطينية والأحياء الشعبية وقد أثرت هذه الفترة على تكوين شخصيتي وبلورة فكري السياسي وفي أواخر عام 1976 سافرت إلى سان فرانسيسكو لدراسة السينما، وهناك اكتشفت أبجدية اللغة السينمائية وتعرفت على التجارب السينمائية المختلفة في العالم، كما كانت لي لقاءات مع طلاب من جنسيات وثقافات مختلفة، عدت إلى بيروت بعد التخرج من الجامعة سنة 1981.
أفلامك ترتكز على الطفل الفلسطيني كبطل ودائماً تعكسين على ملامحه البـريئة بشاعة اليتم والحرمان وقسوة الاحتلال؟
حين صورت فيلم "أطفال جبل النار" عام 1990 كان الدافع شخصياً جداً، فأنا إبنة نابلس ومن خلال هذا الفيلم كنت أستعيد مدينتي وذاكرتي صورت الحي الذي أمضيت فيه طفولتي، زواريبه وأناسه، أطفاله، كان ذلك في أوج الانتفاضة الأولى وكان الطفل الفلسطيني قلب ونبض هذه الانتفاضة، استمرت تجربتي مع الأطفال في أفلام "أطفال شاتيلا"، "وأحلام المنفى" التي تتحدث عن حياة أطفال فلسطين وأحلامهم، في كل فيلم من هذا الأفلام كنت أحاول أن أركز عل الذاكرة الشفوية التي تتوارث عبـر الأجيال الفلسطينية في المنفى وعملية إعادة بناء الرواية الصورة، الحلم لدى كل جيل جديد، وغصت عميقاً في العلاقة التي تربط بين الذاكرة والمخيلة والهوية لدى الجيل الفلسطيني الذي ورث 50 عاماً من التهجير والحصار والمجازر. الشخصيات التي أختارها في أفلامي تشبهني، تتحدث بلساني وأعيش أحلامي ومخاوفي عبـرها، الأطفال ليسوا ضحايا سلبيين محايدين، أندهش أمام قدرة هؤلاء الأطفال على تجاوز الصعاب التي تملأ حياتهم اليومية من خلال الخيال والحلم واللعب، أحب عفويتهم وطرافتهم وقدرتهم على الإبداع فهي لغة تخاطب عالمي الخيالي وتفتح أفاقاً جديدة في رحلتي السينمائية ومن هنا كان الطفل بطل روايتي ذلك الإنسان الصغير الذي يحمل بين ضلوعه كل المعاناة وليس جزءاً منها، بعضهم فقد الأم والأب، وبعضهم الأخ والأخت، وبعضهم العم أو الخال، البعض رأى بعينه دماء ذويه تنساب على أسفلت الطريق المرصوف بالأسمنت الأخرس الذي إذا نطق بكى قبل أن يحكي الكثير والكثير من الهموم، هموم وطن بأكمله يعيش نار الاحتلال.
كيف كان وقع أفلامك على الجماهير الأوروبية؟
..عرض فيلم أحلام المنفى في العديد من المهرجانات العالمية وتجولت مع الفيلم في بعض المدن العربية والأوروبية والأميركية واليابانية وسعدت بمستوى النقاشات التي أجريتها مع الجمهور الذي تفاعل بشكل رائع مع الفيلم، الذي ترك أثراً عميقاً في نفوس مشاهديه فقد رغب بعضهم بالتواصل مع شخصيات الفيلم والبعض الآخر رغب أن يقوم بعمل ما للتعبير عن تضامنه والشعب الأوروبي أيضاً يشعر بمأساتنا، وفي فلسطين العديد من ناشطي السلام الأوروبيين ينضمون إلى لجنة التضامن الدولي ويقومون بمساعدة الفلسطينيين على تحمل آلام الاحتلال وقسوته، ولا ننسى ناشطة السلام الأميركية (راتشيل صوريا كوري) تلك الفتاة التي كانت تبلغ من العمر (23سنة) حيث راحت ضحية الاحتلال الإسرائيلي عندما حاولت منع جرافة إسرائيلية من هدم منزل أحد الفلسطينيين فما كان من قائد الجرافة إلا أن دهسها تحت عجلات الجرافة فلفظت أنفاسها الأخيرة على أرض فلسطين المحتلة من قبل الصهاينة.
في بداية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين أعدم اليهود عدداً كبيراً من المفكرين والمثقفين الفلسطينيين والآن من وجهة نظري أجد أن المفكر الفلسطيني الذي يحيا بعيداً عن أرض فلسطين قد أعدم نفسه بنفيه عنها لماذا تعيش مي المصري خارج حدود بلدها فلسطين؟
أربعمائة صفحة تمحورت حول (الإضافة) غير الموجودة أصلاً في اللغة الروسية. ومن طريف ما ذكره لنا في هذا المجال أنه عثر على سبع كلمات مضافة, خلال عمله في أطروحته. ..أنا ترعرعت خارج وطني كمئات من الفلسطينيين وذلك بسبب الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين سنة 1948 و 1967. *  هناك حق بالتساؤل بين الكتاب إذا ما كان العمل الأدبي واقعياً، وهو أيضاً السؤال الأول الذي يسأله غير الكتاب. هل مثل هذا السؤال يزعجك؟ إنني أفهم السؤال وأحياناً أسأله بنفسي عندما أقرأ. هل الرواية تحتوي على سيرة ذاتية في داخلها، أحياناً أنا نفسي أتساءل. والواقع أن أغلبية الشعب الفلسطيني يعيش منفياً خارج وطنه وقد سمحت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بعودة عدد قليل من الفلسطينيين بعد اتفاق أوسلو لكنها لم تسمح بعودة الأكثرية. وفلسطين تعيش بداخلي أينما كنت، باستطاعتي أن أعبـر عن معاناة اللاجئين الفلسطينيين في مخيمات لبنان كما أستطيع أن أعبـر عن حياة ابن نابلس أو غزة أو الناصرة، إنهم جميعاً جزء من حياتي، أعتقد أن تجربة المنفى وهبتني الكثير من الرؤية الإنسانية العالمية التي تتجاوز المحلية وتحاكي الحقيقة الإنسانية أينما وجدت.
كل أفلامك صورت في فلسطين، صفي لنا الصعوبات والاحتكاكات التي لاقيتها من الإسرائيليين وكيف كانوا يسمحون لك بالتصوير ومتابعة عملك؟
..صورت ثلاثة أفلام في فلسطين وفي كل مرة كانت عملية التصوير شاقة وخطيرة, الحصار داخل المدن والدبابات في كل زاروب، كل شيء متوقع، كل شيء متاح، عندما كنت أصور الأطفال في فيلم "أطفال جبل النار" في مدينتي نابلس خلال الانتفاضة الأولى سنة 1990 احتجزنا الجيش الإسرائيلي عدة مرات وكانوا يعاملوننا بشكل سيئ للغاية، كنا نخبئ الأفلام خوفاً من أن تصادر، أضطررنا أن نصور الجزء الأكبـر من الفيلم بشكل سري. كنا نرصد الحدث من النوافذ، من حولنا المقبـرة والبيوت التي تهدمت، لقد نجحنا بإنجاز الفيلم بفضل تضامن أهل المدينة الرائع، فقد احتضنونا وفتحوا لنا بيوتهم وقدموا شتى أنواع المساعدة لي ولفريق التصوير مما أتاح لنا التنقل والإقامة في المدينة رغم الحصار ومنع التجوال وبعد عشر سنوات عدت لأصور "أحلام المنفى" فوجدت أن الظروف أصبحت أصعب. أثناء التصوير كان جنود الاحتلال يطلقون علينا الرصاص وقد أصابوني بـرصاصة مطاطية في قدمي وأصبح كل من يحمل آلة تصوير هدفاً لنيران جنود الاحتلال واستشهد عدد من المصورين، لقد دفعتنا هذه الصعوبات إلى ابتكار العديد من الوسائل الإبداعية البديلة للتمكن من الاستمرار والتحايل على الظروف الصعبة، وتعلمت أن أتعامل مع أصعب الظروف وأن أكون يقظة باستمرار لكل التفاصيل المحيطة بي.
اخترت من قبل المركز المصري للسينما رئيساً للجنة تحكيم الدورة السادسة لمهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة ماذا استفادت مي المصري كمخرجة فلسطينية من هذا الدور؟
.. اختياري رئيس لجنة التحكيم في مهرجان الإسماعيلية أعطاني دفعاً معنوياً وإنسانياً كبيراً، لقد سعدت كثيراً بالتقدير والاحترام الذي لمسته من قبل المسؤولين في المركز القومي للسينما في مصر ومن قبل منظمي المهرجان، وشعرت بتواصل جميل مع الجمهور والنقاد والسينمائيين في مصر، لقد أحسست بالمسؤولية، ولم تكن تجربة سهلة لكنها كانت غنية جداً على المستوى الإنساني والمهني.
ما طموحاتك المستقبلية في مجال الإخراج وهل تتفق خططك مع خطط زوجك المخرج جان شمعون؟
.. أتمنى أن أصور فيلماً كاملاً عن الأراضي المحتلة يتناول القضية الفلسطينية في تفاصيلها الأكثر عمقاً، عموماً هناك أفكار كثيرة في رأسي أريد تحقيقها وأدعو اللـه أن يوفقني فيها ولا أريد ذكرها حتى لا تحترق، بالنسبة لزوجي جان شمعون عملنا معاً في أكثر من عمل وعملت أنا مع فريق آخر في بعض الأحيان كما عمل هو الآخر مع فريق آخر ولكل منا نجاحاته وإنجازاته في عالم الإخراج، ولكن سيكون أجمل بكل تأكيد إذا عملنا معاً في كل الأعمال.
