الدولة لا تسمح وهم يرونها حرية رأي وعقيدة: متدينون يرفضون إرسال أبنائهم إلى مدارس الحكومة! وفي حين يبلغ عدد الأطفال الذين لا يدرسون في المدارس الحكومية ولا الخاصة في الولايات المتحدة، (لأسباب رفض دينية) حوالي مليوني طفل وشاب، فإن أوروبا حديثة عهد بهذه الظاهرة، ولا تعرف كيف تتعامل معها بما يحقق التوازن المطلوب بين فرض سلطة الدولة التي تنص قوانينها على إلزامية التعليم من ناحية، وبين توفير حرية العقيدة وحرية الرأي، التي تنص عليها الدساتير الأوروبية من الناحية الأخرى. كانت قضية عائلة باور الألمانية محط اهتمام الرأي العام، فقد رأى الأب الذي يعمل ميكانيكي سيارات، وزوجته ربة البيت، أن تأثير المدرسة على ابنتهما الكبرى سلبي للغاية، فقررا قبل عامين عدم إرسال أطفالهما الخمس إلى المدرسة، والاستعاضة عن ذلك بتحويل إحدى الغرف في بيتهم إلى صف دراسي، فيه طاولة للتلاميذ، ولوح للشرح عليه، ووسائل تعليمية ملصقة على الحوائط. يبدأ الدوام فيه من السابعة والنصف صباحًا، وحتى الساعة الواحدة بعد الظهر. تلقت الأسرة الإنذار تلو الآخر من المدرسة، ثم من الدائرة التعليمية، مع التهديد بإحالة الأمر إلى القضاء، بل وبحرمانهما من حضانة أبنائهما، ونقلهم إلى مؤسسات الرعاية الاجتماعية، لكن السيد باور وزوجته لم يأبها بتلك التهديدات، وكانت المفاجأة أن القاضي اقتنع بوجهة نظر الأب، الذي برر منع أطفاله من الذهاب إلى المدارس بالأسباب التالية: ü تدريس نظرية النشوء والارتقاء لعالم الأحياء تشارلز روبرت داروين، التي تتناقض مع المفهوم الديني لنشأة العالم، كما خلقه الله. ü التوسع في تدريس الثقافة الجنسية بصورة مثيرة، بما يشكل حثًا مباشرًا على عدم العفة وصيانة الشرف. ü تلقين الأطفال عدم طاعة الوالدين، وإظهار الانصياع لرغبتهما كمظهر للتخلف والتأخر عن روح الحرية والاستقلالية وقوة الشخصية. ü تعريف الأطفال بالأديان الأخرى، وما يتضمنه ذلك من معتقدات مخالفة لصورة الرب في العقيدة المسيحية. وهي الخاتمة والبداية، فإن كان التحول إلى الدين علامة على البدء بالحضارة فإن الدين اليوم يعود إلى طرح الأسئلة الجوهرية: هل ستكون هذه الألفية ألفية سلام، أم ألفية صراعات بين الأديان؟ خاتمة : الديانة ثقافة سلام وهناك جانب آخر من جوانب الغنى الثقافي، هو الغنى العقائدي، فالديانة في هذا البلد حركت جماهير عديدة، وبرغم الجروح التي حدثت، تبقى صفحات مشرقة وشهادات تكشف عن حب البحث عن الحقيقة، وتكشف وجود قيم خاصة خارج التأثير السياسي، فالإرث الفكري كان دائمًا محط تطهير وتنقية دائمين. ü التأثير السلبي لقرناء السوء من متعاطي المخدرات، والمدخنين، وشاربي الخمر. ضياع هيبة الدولة وخوفًا من فقدان الدولة لهيبتها، وانهيار إلزامية التعليم تدريجيًا، لم تكتف سلطات التعليم باستئناف الحكم أمام محكمة أعلى، بل قررت اتخاذ إجراء حازم تجاه أسر أخرى، كانت تحتمي داخل أحد الأديرة مع أطفالها البالغ عددهم 23 طفلاً، وتتولى تدريسهم بعيدًا عن التعليم الحكومي. وفي خطوة غير مسبوقة أرسلت سلطات التعليم قوات الشرطة لتحاصر الدير، وتأخذ الأطفال عنوة، لتلحقهم بالمدارس القريبة. توجه أولياء الأمور إلى تلك المدارس، واعتصموا في غرف المعلمين، وأخذوا يناقشونهم في أسلوب التدريس، وجعلوا النقاش سبيلهم لتعطيل المعلمين عن العمل، وفعلاً فشل المعلمون في ممارسة عملهم، وقرروا أن يخلوا بين أولياء الأمور وبين أبنائهم. ونظرًا لأن أسر هؤلاء من طائفة تسمى «القبائل الاثنا عشر»، التي ترفض امتلاك شيء انتظارًا لقدوم الساعة، فلم يكن بوسع الدولة أن تحجز على أموالهم، وبقيت الغرامات التي فاقت المليون يورو غير مدفوعة، حيث إن ما يحصلون عليه من دخل يقل عن الحد الأدنى للمعيشة، وبالتالي لا يحق للسلطات اقتطاع شيء منه. أمام القضاء من جديد وفي محاولة جديدة من الأب للتأثير على المحكمة الثانية، كما فعل مع القاضي الأول، طلب مراجعة المناهج التعليمية في الكثير من المواد، للصفوف من الأول الابتدائي، وحتى الصف العاشر، لكن القاضية قررت قصر مراجعة الكتب على مادة الأحياء، وتوصل الخبراء الذين أعدوا تقريرهم عن هذه الكتب إلى وجود بعض الأمثلة عن الثقافة الجنسية تخدش الحياء فعلاً. إلا أن القاضية رأت أن قوانين التعليم في كافة الولايات تسمح بتقديم طلب للإعفاء من إحدى الحصص، علاوة على وجود مبررات أخرى تفرض إلحاقهم بالمدرسة، من أهمها: ü اكتساب الأطفال خبرات اجتماعية من خلال الاحتكاك مع نظرائهم، مثل كيفية حل النزاعات، وتعلم التسامح مع الآخرين الذين يدينون بأديان أخرى، أو يتبنون آراء فكرية مغايرة، علاوة على تعلم التفكير المستقل، والقدرة على اتخاذ القرارت النابعة من القناعات الذاتية. ü تحقيق مبدأ تساوي الفرص، من خلال منح الأطفال الحظوظ نفسها من التعليم، والحصول على الشهادات الدراسية نفسها، وبالتالي الحصول على الوظيفة أو الحرفة التي تتفق مع ميولهم، وليس بسبب عدم حصولهم على الخبرات والمعلومات المطلوبة. أكبر معهد تعليمي في العالم لا يملك صفًا ولا أثاثًا وأصدرت المحكمة في مطلع الشهر الماضي حكمها الرافض لاستمرار تعلم الأطفال في البيت، ولكن الأسرة لم تعبأ بذلك، وتوضح الأم ـ التي لم تحصل إلا على الشهادة المتوسطةـ أنها قادرة على تدريس جميع المواد لأبنائها وبناتها حتى الصف العاشر، أي إلى نهاية فترة التعليم الإلزامي. موضحة أنها تعتمد في تدريسها على المنهاج الذي وضعته (مدرسة فلادلفيا) التي تتبع طائفتها الدينية. ورغم أن هذه المدرسة غير معترف بها من الدولة، فإن مؤسسها ألكسندر بارتي ـ المعلم السابق، والبالغ من العمر 68 عامًا، والذي تولى تدريس أبنائه الأحد عشر بنفسه ـ يعتبرها أكبر معهد تعليمي في العالم، حيث إن لها فروعًا في سلوفينيا، وبلجيكا، والمجر والنمسا وألمانيا، رغم أنها لا تمتلك أي مبان، ولا صفوف لها خارج البيوت. ولكن مهمة هذه المدرسة أنها تختار المناهج المدرسية التي تتفق مع المفاهيم الدينية لهذه الطائفة المتشددة، ويتولى مدرسوها الإشراف على العملية التعليمية، من خلال القيام بزيارات متكررة للصفوف المنزلية، للتعرف على مدى استيفائها للشروط المدرسية، وتعليم الأطفال كيفية الاعتماد على النفس في التعلم. ومن خلال الاختبارات الدورية عن طريق البريد أو الإنترنت، يتولى بارتي وزملاؤه تقييم مستوى الطلاب، وإصدار شهادات في نهاية كل عام، تحدد نتيجة الطالب من النجاح أو الرسوب، أما بالنسبة للمواد الدينية، فيكون تدريسها على يد رجال الدين الموجودين في المنطقة. ويختلف الجو المدرسي في هذه الصفوف المنزلية عن غيرها بعدم ضياع وقت في الانتقال، وتقتصر الرسوم المدرسية على 75 يورو كل عام عن كل طفل، نظير تسجيله في مدرسة فلادلفيا، و30 يورو شهريًا أجرة المعلم الذي يتابع المستوى التعليمي. علاوة على أن اليوم الدراسي يبدأ بقداس للصلاة يستمر نصف ساعة، قبل بدء الدراسة، التي تجمع في الصف ذاته كل الإخوة من مختلف الأعمار، ليساعد بعضهم بعضًا، تحت إشراف الأم، التي يرى بارتي أنها «أقدر الناس على فهم أبنائها، وبناتها، وأقرب الناس إليهم، مما يسهل التعلم في هذا المناخ الأسري المألوف». ويؤكد أن جميع أبنائه كانوا يؤدون اختبارات نهاية العام عن طريق الانتساب في المدارس الحكومية، وبعد انتهاء الصف العاشر، التحقوا بالمدارس الثانوية، «بعد أن اكتسبوا حصانة دينية وأخلاقية، لا تهتز»، وأنهوا دراستهم الثانوية ، قبل الالتحاق بالجامعة. ويشير إلى أنهم لم يتعرضوا لصدمات في صفوفهم كما يتوقع الكثيرون، بل اختارهم زملاؤهم ليكونوا المتحدثين بأسماء صفوفهم. وإذا كان نظام التعليم في الغرب لا يسمح بالدراسة في البيت إلا لمن كان مصابًا بإعاقة بالغة تمنع الانتقال من المدرسة وإليها، فإن أتباع هذه الطوائف المسيحية المتشددة يرون أنه (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق). هل يحتذي المسلمون حذو هؤلاء؟ ورغم أن عدد هؤلاء الطلاب، من أبناء الأسر المسيحية المتشددة، لا يزيد على 300 طفل من الذين فضلوا (مدرسة فلادلفيا)، على المدارس المعترف بها، فإن خبراء التعليم يتخوفون من أن يتخذ البعض أي موافقة لسلطات التعليم على هذا الوضع، سابقة يقاس عليها. فيطالب المسلمون مثلاً بسحب أبنائهم من المدارس الحكومية، في الوقت الذي تبذل فيه سلطات التعليم جهودًا حثيثة لتوفير معلمي تربية إسلامية للأطفال المسلمين، لتراعي احتياجاتهم الدينية بدلاً من انعزالهم عن مجتمعهم الجديد.
