إن التوصل إلى وعي ودراية كافية بمدى الأهمية الاقتصادية لقطاع السياحة يتطلب معرفة جيدة بالمعنى الذي يتضمنه مفهوم السياحة وما يكتنفه هذا المفهوم من أبعاد، حيث تتعدد تعريفات السياحة في أدبيات الاقتصاد. فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمكن تعريف السياحة بأنها "النشاط الاقتصادي الذي يعمل على انتقال الأفراد من مكان إلى آخر لفترة من الزمن لا تقل عن 24 ساعة ولا تصل إلى الإقامة الدائمة". وهناك مفهوم آخر للسياحة من منظور تسويقي، ومفاده أن "السياحة هي العملية التي يتم بموجبها تحقيق الإشباع والاستمتاع لدى السائح؛ بمعنى أن يتم تحقيق المتعة المعنوية والرضا التام له، ورغبته في الاستقرار والشعور بالراحة والابتعاد عن التوتر، وتحقيق أي أهداف أخرى جاء من أجل تحقيقها".
ولكننا نميل للتعريف الأول لأنه عام ومقبول بالنسبة للسائح. كما أنه ينطبق على كل من السائح المحلي والسائح الأجنبي بغض النظر عن طبيعة الزيارة التي يقوم بها كل منهما. وهناك بُعد ثانٍ لتعريف السياحة ويتعلق بالنشاط السياحي والذي يهدف إلى تحقيق الأهداف التي جاء من أجلها السائح مثل التمتع بالراحة والاستجمام والابتعاد أو التخفيف من التوتر والقلق، بالإضافة إلى تحقيق الأهداف العملية أو الأساسية لغرضه من القيام بالسياحة. والنشاط السياحي هنا يشمل كافة أنواع الأنشطة والعمليات التي تعتبر من المهام الرئيسية للجهة المعنية بالقطاع السياحي في البلاد وتقوم بتنفيذها الوحدات والمنشآت الاقتصادية ابتداءً من وكالات السفر والسياحة وشركات الطيران والنقل والشركات السياحية والبنوك والفنادق والشقق المفروشة والمطاعم ومراكز التسوق والمنتزهات والمنتجعات وغيرها من الجهات التي سيتعامل معها السائح منذ بدء تفكيره في الرحلة أو الزيارة وحتى عودته منها.
أسس تصنيف السياحة
وهذا يقودنا لتسليط الضوء على بعد آخر للسياحة وهو ما يتعلق بالدوافع الأساسية التي تجعل السائح يفكر بالسياحة، وبمعنى آخر الأنواع المختلفة للسياحة. ولقد كانت هناك محاولات عديدة لتصنيف أنواع السياحة وفقاً لأسس عديدة من أهمها:
= الأساس الأول: ويكون وفقاً للآتي:
@ السياحة لغرض الترفيه مثل قضاء الإجازات والعطلات الموسمية.
@ السياحة لغرض زيارة المتاحف والمعالم الأثرية والأماكن التاريخية.
@ السياحة لغرض ممارسة أنواع الرياضة وتجديد الحيوية.
@ السياحة لغرض الصحة والعلاج.
@ السياحة لغرض التعليم والتدريب.
@ السياحة لغرض حضور مهرجانات التسوق.
@ السياحة لغرض حضور مباريات الدورات الرياضية.
@ السياحة لغرض حضور المناسبات الثقافية مثل المؤتمرات والندوات ومعارض الكتاب.
= الأساس الثاني: ويعتمد على عدد الأفراد الذين يقومون بالسياحة. ويتضمن هذا الأساس الأنواع التالية من السياحة وفقاً لتحقيق أي من أغراض السياحة:
@ السياحة الفردية، وهي التي يقوم بها الأفراد.
@ السياحة العائلية، وهي التي يقوم بها الأزواج إما بمفردهما أو بصحبة أبنائهما أو أقربائهما.
@ السياحة الجماعية، وهي التي يقوم بها مجموعات قد تنتمي إلى جمعيات أو نوادي أو وفود من خلال الشركات السياحية.
= الأساس الثالث: ويكون وفقاً للفئة العمرية للأفراد الذين يقومون بالسياحة. ويتضمن هذا الأساس الأنواع التالية من السياحة:
@ سياحة فئة الصغار، وترتبط بالأطفال حيث يكتسبون من خلالها مجموعة مهارات وسلوكيات ومعارف لازمة لنضوجهم، وتأخذ شكل معسكرات صيفية أو رحلات التعرف على الطبيعة وزيارة المدن أو الأماكن التاريخية، وعادة ما تقوم بها المدارس.
@ سياحة فئة الشباب، وتمتاز هذه النوعية من السياحة بالبحث عن الإثارة والحياة الاجتماعية المتجددة وتكوين الصداقات، وعادة تقوم بها الجامعات من خلال الشركات السياحية.
@ سياحة فئة الناضجين، وتتميز بكونها سياحة الاسترخاء من عناء العمل والإرهاق طوال العام، وهي تركز على الاستمتاع بالشواطئ الدافئة أو هدوء الصحاري أو حياة الأرياف والتعرف على التقاليد القديمة.
@ سياحة فئة المتقاعدين، وهي على نوعين أحدهما يقدم عليه أفراد هذه الشريحة فور تقاعدهم. وهو يتميز بالبحث عن الاستجمام والراحة والهدوء ولذلك يتم اختيار الأماكن التي تبعد عن المدن المزدحمة والحياة الصاخبة والأجواء التي تذكر السائح بالاكتئاب ومتاعبه. وثانيهما يتميز بزيارة الأماكن التي كان يحلم بها السائح طيلة حياته ولكنه لم يكن لديه الوقت الكافي للقيام بها قبل تقاعده، وهذه الفئة من السياح غالباً ما تتكون من الزوج والزوجة والأبناء.
= الأساس الرابع: ويكون وفقاً للمدة الزمنية التي تستغرقها السياحة، ويتضمن هذا الأساس الأنواع التالية من السياحة:
@ السياحة لفترة قصيرة، وعادة تكون لأيام محددة مسبقاً ويقضيها السائح وفق إطار معين ومنظم مثل مهرجانات السياحة والتسوق، ومناسبات الأعياد، وحضور المؤتمرات أو المشاركة فيها.
@ السياحة الموسمية، وعادة ترتبط بموسم سياحي معين لا تتم في غيره، مثل السياحة خلال موسم الصيف للاستمتاع بالشواطئ الدافئة، أو خلال موسم الشتاء للتزلج على الجليد.
@ السياحة العابرة، وعادة يقوم بها السائح فجأة ودون تخطيط مسبق وبشكل عابر مثل السماح لركاب الترانزيت للقيام برحلة سياحية أثناء عبورهم لدولة ما.
= الأساس الخامس: ويكون وفقاً للنطاق الجغرافي للسياحة، ويتضمن هذا الأساس الأنواع التالية من السياحة:
@ السياحة الساحلية، وتشمل الاستمتاع بالشواطئ الرملية والمياه الدافئة وممارسة الرياضة إما على الشاطئ أو التزلج على الماء أو الرحلات البحرية القصيرة.
@ السياحة التاريخية، وتشمل زيارة المدن أو الأماكن التي تتواجد فيها المواقع الأثرية.
@ السياحة الجبلية، وتشمل زيارة مواقع الجبال المرتفعة والاستمتاع إما بممارسة تسلق الجبال أو ركوب التيليفريك والتأمل بمشاهدة المناظر الطبيعية.
@ السياحة الصحراوية، وتشمل الزيارة للصحراء والواحات والاستمتاع بركوب الجمال أو الخيول.
@ السياحة الريفية، وتشمل زيارة القرى والأرياف للتعرف عن كثب على العادات والتقاليد وأسلوب الحياة فيها.
= الأساس السادس: ويكون وفقاً لكون السائح خارجياً أو مواطناً أو مقيماً، ويتضمن هذا الأساس الأنواع التالية من السياحة:
@ السياحة الموجهة للسياح الأجانب وتشمل جميع سياح العالم باستثناء مواطني الدولة سواءً كانوا مقيمين في الداخل أو يعملون في الخارج. ويركز هذا النوع على عناصر الجذب السياحي التي جاء من أجلها السائح سواءً المواقع الأثرية والتاريخية أو الترفيهية أو التسويقية أو أماكن الراحة والاستجمام.
@ السياحة الموجهة للمواطنين غير المقيمين، مثل السعوديين الذين يعملون في الخارج لفترة طويلة. وهذا النوع يرتكز على إشباع رغبتهم بزيارة بيت الله الحرام لأداء مناسك العمرة وزيارة الحرم النبوي الشريف أو لزيارة بعض المعالم السياحية الداخلية.
@ السياحة الموجهة للمواطنين والمقيمين الذين يعملون في الداخل. وهذا النوع يعتبر من أهم أنواع السياحة لأنه يتعلق بمدى القدرة على جذب المواطن والمقيم إلى الاستمتاع بمقومات السياحة الداخلية. وعادة ما يتطلع السياح في هذا التصنيف إلى قضاء الموسم السياحي في مدن أو مواقع غير التي يقيمون فيها طوال العام.
= الأساس السابع: ويكون وفقاً لجنسية السائح، ويتضمن هذا الأساس الأنواع التالية من السياحة:
@ السائحين القادمين من الدول الخليجية والعربية والإسلامية. وهذا النوع يركز على زيارة الأراضي المقدسة والأماكن الترفيهية والتسويقية وغالباً ما يصطحبون عائلاتهم.
@ السائحين الأجانب، وهدف هذا النوع من السائحين يرتكز على أحد أو بعض البنود التي وردت ضمن الأساس الأول وفقاً للغرض من السياحة.
الأهمية الاقتصادية للسياحة
أما بالنسبة للأهمية الاقتصادية لقطاع السياحة، فيمكن رصدها من خلال الأرقام التي يعلنها المجلس العالمي للسفر والسياحة. ففي عام 2000م، على سبيل المثال، كانت الأرقام التي رصدها المجلس كالتالي:
@ أن عدد الزيارات السياحية الدولية وصل إلى 698 مليون زيارة.
@ أن الإنفاق السياحي الدولي بلغ 500 مليار دولار أمريكي.
@ أن قطاع السياحة وظَّف نحو 192 مليون شخص على مستوى العالم، كان منهم 72 مليون في صناعة السياحة نفسها، والباقي في الصناعات المساندة والمكملة لها.
@ أن عائدات قطاع السياحة شكلت حوالي ثلث قيمة قطاعات الخدمات في التجارة الخارجية.
@ أن قطاع السياحة شكل تقريباً 13% من الناتج الإجمالي العالمي مما يجعله أكبر صناعة في العالم.
@ أن التوقعات المستقبلية لعام 2010م تشير إلى أن الإنفاق السياحي الدولي سيصل إلى حوالي 3،9 تريليون دولار أمريكي، وأن الاستثمارات في قطاع السياحة قد تصل إلى ما قيمته 4،1 تريليون دولار أمريكي.
أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية فإنه انطلاقاً من وعي وإدراك الجهات المعنية والمختصة في الدولة لمدى الأهمية الاقتصادية لقطاع السياحة، فقد تم بذل الجهود الحثيثة في السنوات القليلة الماضية منذ عام 1419ه (1999م) وحتى الآن لتطوير وتنمية هذا القطاع. وقد كان من ثمار هذه الجهود أنه نتج عنها العديد من القرارات التي تندرج تحت جهود تطوير وإصلاح هيكل الاقتصاد الوطني. من ذلك إدخال بعض التغيرات على النظام الاقتصادي القائم وتحويله إلى نظام أكثر كفاءة وفعالية وذلك بالتحول التدريجي من اقتصاد تقع معظم أعباءه على عاتق الدولة إلى اقتصاد السوق الذي يشارك القطاع الخاص بجزء كبير منه وذلك من خلال تخفيف دور الدولة في العملية الإنتاجية وتكليف القطاع الخاص بالقيام بدور أكبر في شتى المجالات الاقتصادية. وهذا بالفعل الذي قد تم ولا يزال يتم إنجازه في الاقتصاد السعودي. ولقد كان أحد أهم تلك القرارات هو قرار مجلس الوزراء إنشاء "الهيئة العليا للسياحة" بتاريخ 12-1-1421ه الموافق 16-4-2000م. وبالرغم من أن الهيئة تم تكوينها في فترة قصيرة إلا أنها تأسست بعد دراسة مستفيضة لجوانب متعددة ومختلفة تتعلق بالنشاط السياحي. وخير دليل على ذلك أن المملكة العربية السعودية ومنذ تأسيس الهيئة العليا للسياحة لم تنجح في مجال قطاع السياحة فحسب، بل قطعت شوطاً كبيراً على مستوى التقىيم الدولي للنشاط السياحي. والسبب يكمن في توفر مقومات ثرية في المملكة العربية السعودية للنهوض بقطاع السياحة تضاهي فيه كثير من دول العالم التي تعتبر السياحة فيها مورداً اقتصادياً رئيسياً.
ولعل أهم المقومات السياحية بالمملكة العربية السعودية هي:
@ أن المملكة العربية السعودية تتمتع بنعمة الاستقرار على الصعيدين السياسي والأمني.
@ تشهد المملكة العربية السعودية نمواً وتطوراً اقتصادياً وحضارياً لا مثيل له بين العديد من الدول النامية.
@ أن مساحة المملكة العربية السعودية شاسعة وتشكل حوالي ثلاثة أربع شبه الجزيرة العربية، وهي بذلك تعتبر شبه قارة (إذا صح التعبير)، مما يجعلها متنوعة الطقس ومختلفة التضاريس.
@ تحتضن أراضي المملكة العربية السعودية الحرمين الشريفين وهما أطهر بقاع الأرض، هذا بالإضافة إلى مواقع تاريخية لآثار حضارات عربية قديمة وإسلامية.
@ تتميز المملكة العربية السعودية بوجود سواحل بحرية قلَّ أن يكون لها نظير في العالم من حيث دفء درجة حرارة المياه، وتنوع أجناس وألوان الكائنات البحرية والشعاب المرجانية، وهذا مما يجعل السواحل البحرية في المملكة العربية السعودية من أفضل بقاع العالم لممارسة الرياضات البحرية المتنوعة من سباحة وتزلج وغوص وإبحار وصيد.
@ وجود معالم سياحية تتميز بجمال التكوينات الطبيعية وباعتدال الطقس فيها على مدار السنة.
@ توفر أنواع الإقامة والسكن المختلفة التي تتناسب مع ميزانية كافة الشرائح السياحية مثل الفنادق بفئات نجومها المختلفة والشقق المفروشة في معظم مناطق الجذب السياحي.
@ وجود نظام مصرفي متطور يؤدي خدمات على أرقى المستويات ولديه اتصالات وعلاقات مباشرة مع جميع المصارف في العالم أو غير مباشرة عن طريق مصارف أخرى، وهذا يسهم إلى حد كبير في توفير الراحة لدى السياح بالنسبة لاحتياجاتهم المالية.
@ وجود شبكة اتصالات حديثة تمكن السياح من التواصل مع ذويهم في بلدانهم.
@ وجود الخطوط الجوية العربية السعودية التي يعتبر أسطول طائراتها أكبر أسطول في المنطقة العربية، وترتبط برحلات طيران مباشرة مع كبرى المدن في العالم، كما أنها تربط مدن المملكة العربية السعودية بعضها ببعض برحلات يومية مباشرة، مما يسهل وصول وانتقال ومغادرة السياح من مدينة إلى أخرى.
@ وجود العديد من الخدمات الترفيهية في مناطق مختلفة من المملكة العربية السعودية مثل المنتزهات العائلية، وملاهي الأطفال، والمنتجعات الساحلية والجبلية.
@ انتشار المراكز التجارية الحديثة التي يجد فيها السائح كافة أصناف السلع والمنتجات لأفضل الماركات المحلية والعالمية.
@ توفر المرافق الطبية المجهزة بأحدث التقنيات ويشرف عليها أطباء مختصون وتقدم خدمات طبية على مستوى عالٍ من الكفاءة. ومن وجهة نظر "مفهوم التسويق"، فإن هذه المقومات، التي تتميز بها المملكة العربية السعودية، تغطي وتلبي معظم الاحتياجات والرغبات المختلفة للسياح الذين يستهلكون خدمات القطاع السياحي.
وكان من أبرز ثمار هذه الجهود هي المنافع الاقتصادية التي ترتبت على حركة التنشيط السياحي في المملكة العربية السعودية. ونوضح هنا بعضاً من أهم هذه المنافع الاقتصادية، حسب ما توصلت إليها نتائج بعض الدراسات، ومن ذلك مثلاً:
@ تشير نتائج الدراسات التي قامت بها الهيئة العليا للسياحة عام 2000م أن من قاموا برحلات داخلية بلغ عددهم أكثر من 14 مليون نسمة، منهم حوالي 4،6 مليون معتمر و3 ملاىين زائر للأهل والأقارب.
@ كما تشير نتائج الدراسة نفسها إلى أن متوسط ما ينفقه السائح في الداخل في اليوم الواحد يقدر بحوالي 217 ريالاً سعودياً.
@ وبالنسبة للسياح القادمين من الخارج، فتشير إحصائيات منظمة السياحة العالمية إلى أن عدد السياح القادمين إلى المملكة العربية السعودية خلال ثمانية سنوات، من 1992-1999م، قد ازداد من 6،2 إلى 8،4 مليون سائح.
@ ولكن بالرغم من ذلك، فالأمر الملاحظ أن معدل النمو السنوي لتعداد السياح القادمين من خارج المملكة العربية السعودية قد تناقص من 3،23% إلى 4%.
@ وتشير نفس الإحصائيات، خلال ذات الفترة، إلى أن عوائد السياحة في المملكة العربية السعودية قد ازدادت من 8،3 إلى 1،6 مليار ريال سعودي.
@ غير أنه يلاحظ أيضاً في الإحصائيات لنفس الفترة استمرار انخفاض حصة المملكة العربية السعودية من عوائد السياحة، مقارنة بحصص دول منطقة الشرق الأوسط، حيث سجلت نسبة انخفاض من 68،20% إلى 9،16%.
@ كما تشير إحصائيات الهيئة العليا للسياحة إلى أن متوسط إنفاق السائح القادم من الخارج في اليوم قد بلغ 448 ريالاً سعودياً، وأن متوسط الإنفاق يختلف باختلاف الغرض من الزيارة.
@ وفي المقابل تشير بعض المصادر لعام 2000م إلى أن السعودىين قاموا بما يزيد عن 4،4 مليون رحلة سياحية إلى خارج المملكة العربية السعودية، وقد بلغ متوسط إنفاقهم لليلة الواحدة 504 ريال سعودي.
@ وتشير نفس المصادر إلى أن حجم الإنفاق على السياحة الخارجية (السياحة السلبية) قد تجاوز 54 مليار ريال سعودي في عام 2000م، بينما بلغ حجم الإنفاق في العام نفسه على السياحة الداخلية (السياحة الإيجابية) في المملكة العربية السعودية 75،6 مليار ريال سعودي.
@ إن هذه الأرقام تشير إلى وجود عجز في ميزان المدفوعات السياحية يقدر بحوالي 25،47 مليار ريال سعودي.
@ أنه وبموجب الاعتماد على هذه الأرقام فإن العجز في ميزان المدفوعات السياحي يشكل نحو 36% من إجمالي عجز المملكة العربية السعودية.
@ إن معدل مساهمة قطاع السياحة في المملكة العربية السعودية إلى الناتج المحلي الإجمالي يتراوح ما بين 5% إلى 7% وهذا يعتبر أقل من نصف المعدل العالمي والذي يبلغ حوالي 13%.
وهكذا يتضح أن البنود الأربعة الأخيرة تعتبر نتائج غير إيجابية وتعبر عن إخفاق في حركة التنشيط السياحي، وعلى وجه التحديد على الصعيد الخارجي، بالرغم من كل ما يقوم به المعنيون في الهيئة العليا للسياحة، وبالرغم من أهمية المقومات السياحية والمرافق المتوفرة في المملكة العربية السعودية. ونعتقد أن هذه النتائج غير مشجعة، وربما يعود ذلك إلى كون أن المملكة العربية السعودية تعتبر في بداية تطوير قطاعها السياحي.
مقترحات للنهوض بالسياحة
لابد من الإشادة بالجهود التي يبذلها كافة منسوبي الهيئة العليا للسياحة والنجاح الذي حققوه بالنسبة لحركة التنشيط السياحي على الصعيد الداخلي للسياحة. وهذا النجاح يعتبر سابقة بالنسبة لدولة ما زالت في المراحل الأولى لتطوير قطاعها السياحي. وبالرغم من التدهور الذي كان ولا يزال يشهده قطاع السياحة تقريباً في معظم أنحاء العالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، إلا أنه لم تحدث أي مشكلة تذكر بالنسبة للصعيد الداخلي من السياحة. وهذا بحد ذاته يعتبر إنجازاً جيداً مقارنة بأي من الدول الرائدة في مجال السياحة. من هذا المنطلق، سنقدم هنا مجموعة من المقترحات التي نرى أنه فيما لو تم تبنيها أو بعض منها أو إدخال بعض التعديلات عليها، قد تسهم إلى حد كبير في النهوض بحركة التنشيط السياحي على المستوى الخارجي وأيضاً تعزيز السياحة على الصعيد الداخلي.
إن الهيئة العليا للسياحة، حرصاً منها على مواكبة التطورات التي تحدث في القطاع السياحي على المستوى الإقليمي والدولي، قامت بدراسة وإعداد خطة وطنية شاملة وطموحة لتنمية السياحة المستدامة في المملكة العربية السعودية. و"التنمية المستدامة" هو مصطلح اقتصادي يتم تطبيقه على قطاعات اقتصادية مختلفة. إن المقصود بالتنمية المستدامة هو تنمية القطاع الاقتصادي، مع الأخذ في الحسبان، المحافظة على معدل ثابت لاستخدام الموارد الناضبة والمتجددة والمحافظة على رأس المال الطبيعي للبلاد. ويتطلب ذلك عدم استخدام الموارد المتجددة بمعدلات تفوق إمكانيات تجددها. كما أنه في حالة استخدام الموارد الناضبة فإنه يجب تعويض الأجيال المقبلة بنوع من رأس المال لضمان حد أدنى منه يضمن تواصل مسيرة القطاع الاقتصادي عبر الأجيال. وبالنسبة لقطاع السياحة، يتلخص مفهوم التنمية المستدامة بالتركيز على تنمية القطاع السياحي بحيث لا يؤدي إلى استنزاف الموارد بدرجة تفوق إمكانات القطاع. كما يجب ألا يكون لها آثار سلبية على القطاع نفسه أو على غيره من القطاعات الأخرى وبحيث تمكن القطاع السياحي من تعزيز نموه على مدى الأجيال القادمة.
ويمكن تحديد مجموعة المقترحات التي يجب أن تكون من ضمن اهتمامات كل من الدولة والقطاع الخاص على النحو التالي:
= أولاً: زيادة دور القطاع الخاص زيادة كبيرة، حيث أن القطاع الخاص يمثل محور عملية تنمية السياحة المستدامة في المملكة العربية السعودية لما يتمتع به من كفاءة إدارية، وخبرة استثمارية، وقدرة تنافسية تؤدي إلى توفير السلع والخدمات السياحية بأسعار منافسة، إضافة إلى ما يمتلكه من رأس مال حيث ارتفعت نسبة تكوين رأس المال الخاص إلى إجمالي تكوين رأس المال من 9،53% عام 1989م إلى 64% عام 1999م. وبالتالي فإن دور القطاع الخاص في تطوير صناعة السياحة وتنويع مصادر الدخل القومي يعد مكملاً للدور الحكومي. وبالرغم من وجود الإمكانيات والمقومات السياحية والفرص الاستثمارية المتاحة في قطاع السياحة، إلا أن نسبة رأس المال المستثمر في قطاع السياحة إلى إجمالي الاستثمار الخاص تبلغ 1،7% فقط. هذه نسبة متواضعة جداً مقارنة بما تحققه غالبية الدول التي تهتم بالقطاع السياحي. ولكن وبما أنه تقع على القطاع الخاص مسؤولية توفير البنية الفوقية لقطاع السياحة، فإن دوره في تنفيذ خطة التنمية المستدامة لقطاع السياحة يتطلب إدراك مفهوم التنمية المستدامة من جميع وحدات القطاع الخاص ذات العلاقة بصناعة السياحة والإسهام الفاعل في تنفيذ خطة تنمية السياحة المستدامة في المملكة العربية السعودية. ويتحقق ذلك من خلال التركيز على البنود التالية:
@ تضمين مفاهيم التنمية السياحية المستدامة في أهداف الإدارة وتوضيح الآثار الإيجابية على الربحية وإنجاز العمل.
@ زيادة القدرة التنافسية للمنشآت السياحية وزيادة الإنتاجية وذلك من خلال العمل على تطوير منتجات سياحية منافسة وملائمة لتنمية السياحة المستدامة.
@ الاعتماد على العمالة الوطنية في تطوير قطاع السياحة لضمان مشاركة المواطنين بشكل أوسع في تنمية القطاع، ومن ثم في تفاعلهم مع خطة تنمية السياحة المستدامة.
@ توزيع الاستثمارات السياحية بشكل يسهم في تنمية المناطق المختلفة، والاستفادة من الإمكانات والمقومات السياحية التي حبا الله بها المملكة العربية السعودية، ومراعاة عدم التركيز على المدن الرئيسية فقط لما قد يمثله ذلك من ضغط على البنية التحتية.
= ثانياً: توسيع دور الدولة في دعم السياحة، حيث يتمثل دور الدولة في مساندة الهيئة العليا للسياحة في إعداد خطة تنمية السياحة المستديمة، ضمن منظومة التخطيط الاقتصادي الوطني، وكذلك توفير البنية التحتية اللازمة لتفعيل صناعة السياحة. ومن ضمن المسؤوليات التي تندرج تحت مهام الدولة:
@ دور كل من وزارة الخارجية والشركات السياحية في جمع المعلومات الصحيحة والدقيقة عن أهمية المقومات السياحية والمرافق المتاحة في المملكة العربية السعودية، وذلك من خلال التعاون مع الهيئة العليا للسياحة، ونشرها بأسلوب شيق مدعم بالصور وطبعها في كتيبات وتوزيعها عبر قنصليات وسفارات المملكة العربية السعودية في جميع أنحاء العالم.
@ نظراً لأن المواسم السياحية، في كثير من المناطق، تشهد نقصاً أو عدم توفر كميات كافية لبعض السلع والمنتجات الاستهلاكية فإن دور الجهات المعنية في وزارة التجارة والصناعة هو التأكد من توافرها وأنها تغطي الطلب المتزايد.
@ تعاني المواسم السياحية في بعض الدول من ظاهرة التضخم، لذا يجب توخي الحذر من ظهور آفة التضخم التي عادة ما تكون مصاحبة لوفرة السيولة النقدية نتيجة للاستغلال الأمثل لعناصر الإنتاج، وعليه سيكون من مهام دور الجهات المالية المعنية مراقبة حركة أسعار السلع والخدمات لمختلف القطاعات المساندة للسياحة.
@ خلال المواسم السياحية قد يحدث أحياناً شح أو انقطاع أو خلل في خدمات المرافق الحيوية مثل الكهرباء والمياه ووسائل الاتصالات والمواصلات، لذا لابد أن تتأكد الجهات المختصة المعنية بهذه الخدمات من توفرها وأنها تعمل بكفاءة عالية.
@ الموسم السياحي في بعض دول العالم يعاني من ازدحام المرور، فعلى الجهات المعنية أن تتخذ الإجراءات الاحتياطية الكفيلة لفك الازدحام كأن تقوم بربط أحياء المدن بالكباري المعلقة.
@ الموسم السياحي فى بعض الدول النامية قد يجلب معه بعض الأمراض الوبائية، فعلى المسؤولين في الجهات الصحية التأكد من أن السياح القادمين غير مصابين بأي أمراض وبائية، وأيضاً التأكد من وجود العدد الكافي من المستشفيات والمستوصفات بكافة مستلزماتها من أطباء وتجهيزات وإمكانيات، وتوفر الأدوية، وغيرها من خدمات الرعاية الصحية.
@ الموسم السياحي في بعض دول العالم يعاني من ارتفاع معدل الجريمة مثل السرقات والغش، فعلى الجهات الأمنية توخي الحذر الشديد للحد من حدوث مثل هذه الجرائم كأن تقوم بزيادة عدد رجال الشرطة والمرور وتكليفهم بتولي مهامهم باستخدام سيارات الجيب وأيضاً الدراجات النارية وانتشارهم في معظم شوارع وأحياء المدن والمناطق السياحية.
@ إن موسم السياحة في بعض من الدول يتسم بتهريب المخدرات، فعلى الجهات الأمنية في المطارات توخي الحذر الشديد بهذا الخصوص واتخاذ الإجراءات الصارمة ضد من يحوزها ويحاول تهريبها. إن تبني خطة أمنية مثل هذه كفيلة ببث الشعور بالأمن والاطمئنان لدى المواطنين والمقيمين والمتنقلين والسياح.
والشيء المؤمل هو أنه متى تم تبني مثل هذه المقترحات ووضعها حيز التنفيذ، سيتمكن المسؤولون في الهيئة العليا للسياحة بالتعاون مع المسؤولين في الجهات المعنية في القطاعين العام والخاص، من تحقيق النجاح على الصعيدين الداخلي والخارجي للسياحة، وسينتج عن ذلك إضافة مورد جديد للاقتصاد الوطني قد يسهم بنسب في الناتج القومي تكون أعلى من مساهمات القطاعات الاقتصادية الأخرى، مما سينعكس إيجابياً على رفاه المواطن السعودي.
