قالت لنا المعلمة: أريد منكن أن ترسمن مدينتكن.
أخرجنا الأقلام والألوان ودفاتر الرسم، وبدأنا.
ماذا سأرسم؟ أولاً الأشجار. أي أشجار؟ لم أر هنا سوى النخيل، وأشجار أخرى قصيرة يابسة. النخيل جميل، سأرسم الكثير منها. وأرسم الكثير منها، بأطوال مختلفة على الورقة.
وماذا أرسم أيضاً؟ في خلفية اللوحة سأرسم البيوت. رسمتُ أشكالاً مستطيلة ومربعة. هل أرسم الأبواب؟ ولكن للبيوت أسوار عالية تحجب أبوابها. تركت الأبواب ورسمت بدلاً عنها أسواراً. والنوافذ؟ في بيتنا نوافذ كثيرة، لكنني لم أرهم يوماً يفتحون أي واحدة منها، إذن، لا فائدة من النوافذ، لن أرسمها.
الناس، أين أرسم الناس؟ هذا هو الشارع. شوارعنا لا أحد يسير فيها، فقط السيارات. إذن سأرسم سيارات كثيرة. رسمتُ سيارات مختلفة، رسمت داخل السيارة العالية رجلاً بشارب، يرتدي غطاء رأس. الشبان يحرصون على استقامة غطاء الرأس وعدم تعرضه للتجعد. رسمت غطاء رأسه مستقيماً جداً. رسمته بالمسطرة.
والنساء؟ ليس هناك نساء يمشين في الشوارع هنا. سأرسم واحدة تهم بركوب أحد السيارات. صديقات أختي يستخدمن الكثير من الماكياج، سأرسم للفتاة كحلاً وألون خديها وشفتيها بالأحمر. وشعرها بأي لون؟ سأجعله أصفر أو برتقالي. نعم. ملابسها سوداء فقط، لا يظهر شيء من ملابسها الملونة.
الأرصفة. رمادية رمادية بلا نهاية.
هذه هي المدينة.
حين انتهيتُ، رفعت إصبعي وترقبت مجيء المعلمة كي تمدح لوحتي، أصغيت برهبة إلى صوت كعب حذائها يقترب مني، حتى رأيتها أمامي.
رفعتْ لوحتي بين يديها، أعلم أنها تحدق فيها. أشعر بالخجل، لا أستطيع أن أرفع وجهي إليها. ببطء وحذر أرفع عيني. وإذا الورق يلوح وجهي بعنف، قذفت دفتر رسمي على الدرج أمامي. شعرت بشيء يخنقني، وبرغبة لأن انفجر بالبكاء.. لماذا؟
أخذت تشير إلى اللوحة بإصبعها، ما هذه اللوحة البشعة؟ ألا تعرفين سوى اللون الرمادي؟ أين الأشجار ؟ ألم تري أبداً شجرة في حياتك ؟ وهذه المربعات هل تسمينها بيوتاً؟ أين الأبواب والنوافذ؟ كيف سيدخل ويخرج منها الناس؟ هل هم أشباح كي يخرجوا ويدخلوا بدون أبواب؟ أليس في منزلكم شبابيك؟ والناس؟ أين الناس؟ رجل واحد في السيارة، وما هذه القبعة العجيبة على رأسه؟ وفتاة واحدة فقط، ملابسها سوداء ؟ أليس لديك ألوان أخرى في علبتك كي تستخدمينها ؟ أم أن اللون الأحمر نفد وأنت تلونين وجهها بهذه البقع الكبيرة ؟ وهذا الشعر الأصفر ؟ ما لون شعرك أنتِ؟ أليس أسودا؟
سحبتْ الدفتر من أمامي، أمسكتْ الورقة ومزقتْها، وقالت: أعيدي الرسم مرة أخرى.
شعرت بأشياء كثيرة تتجمع في حلقي، تتصاعد وتتضخم، أغشية كثيرة تغلف عيني، أفركهما وأمسح الدمع، فيعود.
أمسكت القلم وأخذت أرسم خطوطاً، كانت الخطوط مرتعشة، نظرت إلى وجه المعلمة بسرعة، وأخفضت نظري. كم تمنيت لو آخذ نظارتها، وأحطمها. تمنيت لو أمسك منديلاً وأمسح به البقعة الحمراء من على شفتيها، ثم ألوث وجهها كله به. تمنيت أن آخذ مقصاً وأجز شعرها المصبوغ، لن أترك لها سوى جذوره السوداء.
بقيت أدافع تلك الأشياء المتجمعة في حلقي، تتضخم وتؤلمني، وأدفعها. حتى دق الجرس وخرجنا.
كانت ساحة المدرسة رمادية، لون الإسفلت. وكانت هناك شجيرات باهتة صغيرة. حين خرجت من سور المدرسة تطلعت إلى الشوارع والبيوت، رأيت سيارات كثيرة ولم أر أحداً يمشي، رأيت البيوت ولم أر أبوابها، أعلم تماماً أن لها أبواباً يدخل الناس منها ويخرجون، ولكن أسواراً عالية تحيط المنازل.
لماذا مزقت لوحتي إذن؟ كم أتمنى أن أكسر نظارتها فلا تعود ترى.
