عرفنا محمد الأسعد شاعرا مع عدة مجموعات شعرية وناقدا أصدر حتى الآن ثلاثة كتب نقدية، وفجأة وجدناه ينتقل إلى الرواية. ما الذي حدث؟ وما الذي دفع إلى هذه النقلة؟
- في الفن لايحدث الانتقال فجأة، لأن المبدأ الفني الأساس واحد. أعني أن كل الفنون تشترك في أساسيات أوسمات عامة، وهي إمكان قائم في حياة أي فنان في هذا العالم. ولهذا نجد الشعر على سبيل المثال موجودا في القصيدة والرواية والفن التشكيلي، وأيضا في الفن المعماري .
هذه المبادئ الاساسية المشتركة يمكن تلخيصها بالقول إن الفن تجربة على وجه العموم، يجرب فيها الفنان علاقته بالعالم طبيعة وبشرا وعلاقته بالماضي والحاضر. وفي كل هذا يجرب البحث عن معناه . تختلف الوسائط، فهنا الكلمة بالنسبة للقصيدة والرواية والمسرحية، وهناك الألوان والخطوط بالنسبة للفن التشكيلي، ولديك نمط البناء بالنسبة للعمارة والصوت بالنسبة للموسيقى. ما يجمع بين كل هذا هو تكوين بنية دالة ، وقد تمتزج في هذا التكوين عناصر متعددة وفق أفق الشاعر أو الفنان بالأحرى: خبرته البصرية والصوتية وذاكرته وقراءاته وأحداث حياته اليومية وطموحاته. في هذا يشبه الأمر لوحة مزج الألوان التي يستخدمها الرسام؛ هناك من الفنانيين من يستخدم مجموعة الألوان كاملة، ومنهم من لا يستطيع .
أن تستخدم لوحة ألوانك كاملة فمعنى هذا أن تمازج بين ماهو لغوي وماهو تشكيلي وما هو صوتي .. إلى آخر ما هنالك من ألوان. إذن بمزج الألوان أو المجاورة بينها تتكون بنية العمل الفني، فنسميها شعرا أحيانا ونسميها رواية أو مسرحية في أحيان أخرى. كل هذا ليس مهما؛ المهم أن يصل الفنان إلى استكشاف أعماق تجربته.
* ولكنك بالمناسبة خريج اقتصاد ومع ذلك تكتب الشعر والنقد وتترجم ثم تكتب الرواية! كيف حدث هذا وكل أعمالك لاعلاقة لها بالاقتصاد وحساباته ولا حتى بعملك كصحفي؟
- أنا درست الاقتصاد والتجارة أكاديميا، وكذلك الأدب العربي والفنون الجميلة أيضا. أنا أحمل عدة شهادات .هذا بالنسبة للدراسة، ولكن الدراسة مهما كان نوعها جانب ، وما تفعله أنت بحياتك جانب آخر. لا تتوقف إمكانياتك ولا النهم للمعرفة على نوع الدراسة الأكاديمية. قد يدرس الإنسان موضوعا ويصل فيه إلى أعلى الدرجات الأكاديمية، ولكن قد لايكون لهذا الموضوع صلة بوجدانه ومشاعره، أعني حياته الداخلية. الحياة الداخلية تتجاوز الدراسة وسنوات التعليم. نحن مثلا ندرس خلال حياتنا المدرسية الرياضيات والهندسة والأدب والجغرافية والتاريخ وما إلى ذلك، إلا أن هذه الحقول المعرفية توفر لنا إمكانية الانطلاق في الاتجاه الذي نحب.
بعد أن أنهيت دراستي الجامعية وضعتها جانبا، وبدأت دراستي الحقيقية، أعني تكوين ذاتي واكتشاف قدراتي أو استكمال اكتشافها. لذا لا أرى تناقضا بين كونك درست عوالم الاقتصاد أو السياسة أو التاريخ وبين كونك تكتب نثرا أو شعرا جميلا. هذا من ناحية، من ناحية أخرى أرى كل جوانب الحياة الإنسانية بما فيها الجانب الاقتصادي والسياسي والأدبي والفني تجد وحدتها الكلية فيك كإنسان . أنت لست كائنا اقتصاديا فحسب ولا أديبا بحتا ولا موسيقارا بحتا، أنت كل هذا وأكثر منه . أي أنك كل هذه الحقول المعرفية ونتاج تفاعلها. كلما تعمق الإنسان الفنان ووسع حقل معارفه وتجاربه، كلما اكتسب قدرات أوسع على شحذ أداته  الخاصة.
* مازالت لديك سبعة أعمال تحت الطبع ، شعرية ونقدية وروائية، وأعمال مترجمة . هل هذه حصيلة سنواتك الأخيرة أم مما تراكم عبر سنوات طويلة ؟
- كل هذه الأعمال نتاج السنوات العشر الماضية . في تلك السنوات داهمتني ظروف غزو الكويت وألقت بي  في متاهة طويلة أبحث فيها عن لقمة العيش أولا ، وعن جواز السفر الذي يمكنني من الحركة ثانيا ، وعن مكان أستقر فيه ثالثا . هل مررت بتجربة إنسان معلق في الهواء لايجد موطئ قدم على سطح الكرة الأرضية الشاسع ؟هكذا عشت بضع سنوات . ولكنني خلال تلك السنوات قرأت وكتبت وترجمت متنقلا بين البلدان الغربية بلا قرار . صحيح أنني وجدت خلال كل هذه السنوات زاوية هنا أو هناك ، إلا إنني لم أجد وقتا للعناية بالنشر . بعض كتبي كتب منذ عشر سنوات وظل على الرف أو الحقيبة وبعضها ضاع إثر ترحيل مفاجئ وبعضها أعادته دار نشر من دون أن تفتح صفحاته (الكل يريدك أن تكتب في سياقه). معركة النشر قاسية أمام الخارجين على السياق .
فقط بعد عشر سنوات ، وجدت نوعا من الاستقرار النسبي. الاستقرار النسبي ضروري لكي يبدأ الانسان باستعادة نفسه والبدء بمشاريع الكتابة والنشر .
* أهتماماتك متعددة. أين تجد نفسك؟ في الشعر أم الرواية أم النقد أم الصحافة ؟ المحير أنك معني بالآثار والتاريخ أيضا !
- حقيقة الأمر هي أنني لا أستطيع تحديد أين أجد نفسي. أنا كل هذا الذي ذكرت وربما أكثر . شيء لا أستطيع توقعه الآن وقد ينبثق انبثاقا، فلدي ميول فلسفية وروحية لم أجد وقتا حتى الآن لأستكشافها . انها تشغلني أيضا. ما أعرفه هو أنني حين أترجم كتابا جميلا أستمتع به . وأستمتع بكتابة قصيدة جميلة بالقدر نفسه . إنني استمتع بأي عمل أقوم به لأن دافعي الأساس منزه عن أي غرض. أنا لا أبحث عن مكاسب وشهرة من وراء القراءة والكتابة (والرسم أحيانا). وحتى حين ترجمت ما ترجمت من كتب ودراسات ، لم تكن نيتي بيعها لأحد أو كانت بتكليف من أحد. ترجمت لأنني أحببت هذه الأعمال وأحببت أن يقرأها أصدقائي ممن لا يجيدون اللغات الأجنبية .
بالنسبة للرواية ، أجد أن الرواية والأعمال الأبداعية بعامة استنقاذ للحظاتنا الضائعة وأيامنا الجميلة . وأعتقد أن أول حافز دفعني إلى عالم الرواية كان محاولة إعطاء الناس الذين أحببتهم في طفولتي وصباي حقهم من الوجود . هم أناس مجهولون لايذكرهم التاريخ ولا تتحدث عنهم الكتب ولا يذكرهم أحد . يعيشون مثلما النبات ؛ يكافحون ويتناسلون ويموتون ، فتموت معهم ملايين الممكنات والرغبات والأحلام . ووجدتني أفكر أنني مسؤول عن رواية حكاياتهم ومخاوفهم وعذابهم وأفراحهم ، وأنني مطالب بإحيائهم .
* في رواية " نص اللاجئ " شبهت تهجيرك من الكرمل في فلسطين بخروجك من الكويت خلال الغزو العراقي لها، هل تود التذكير بجوهرية علاقة الإنسان بالأرض ؟ بالتماثل بين الاقتلاعين؟
- هي ليست قضية أرض بالدرجة الأولى بقدر ما هي قضية إنسان . الإنسان ذاكرة . والذاكرة مجمل تاريخه . حين أفكر بوجودي ، أفكر بالأمس واليوم وأحمل وعدا بالغد . ولذا لا تناقض بين الأزمان ؛ الإنسان مجمع أزمان . ولا نستطيع تملك تجربتنا كبشر ، وأبعاد وجودنا أيضا ، إن لم نتملك الماضي والحاضر . للذاكرة دور كبير في الفن ، ولذا ليس غريبا أن صيغة السرد الروائي الأثيرة لدى الناس هي ما يجيئ هكذا: "كان" و "يحكى أن" و "كان ياما كان". وهنا أود أن ألاحظ أمرا طريفا ارتكبه الروائي "سليمان رشدي" حين ترجم إلى الإنجليزية عبارة "كان ياما كان" فجاءت "كان ولم يكن" بسبب افتقاره لإحساس صاحب اللغة الأصلي بمفردات لغته، فحسب أن "ما" نافية بينما هي جزء من كلمة "ياما" التي تعني في لساننا الاندهاش والتعجب أمام كثرة أو غرابة أمر من الأمور. أقول هذا لأن صيغة الماضي في الفن الروائي لا تعني انعدام الحدوث أو نفي الحضور، بل هي محاولة لربط الإنسان الحاضر بهذا الزمن الذي حدث ويحدث ، وكأن الرواية تربطك بجذورك ومنشئك وبدايتك . تفترض الرواية مستمعين ، وكل نص يفترض مستمعين ، وبحديثها عن الماضي تحاول إحياء ما اعتقد أنه دراما الوجود الأولى. في كل الحكايات ، الأسطورية والواقعية على حد سواء ، تركيز على استعادة لحظة الخلق الأولى . وما احتفالات رأس السنة الجديدة وأعياد الربيع إلا صدى لهذا التوق البدئي الأصيل . إنها طقوس لاستعادة الحدث البدئي . وحين يعيد الراوية أو المنشد تمثيل تجربة الخلق يقوم بدعوة الإنسان إلى المشاركة فيها وإلى التجدد . أن الرواية هي ما يعيد للإنسان وجوده الضائع .
* في روايتك الأخيرة "حدائق العاشق" لفت نظري العنوان . الحدائق ... ما الذي تود قوله بهذا العنوان ؟
- للحديقة مضمون رمزي في كل الثقافات سواء كانت عربية أو غير عربية . بالطبع يمكن الحديث عن الحديقة بوصفها  "جنة ". في اللغة العربية الجنة معنى من معاني الحديقة. ونجد ذكرى الحدائق الأولى في الكثير من التقاليد الدينية والأسطورية. ما يقف وراء كل هذا هو حكاية البداية التي أشرت إليها ؛ بداية الإنسان في الجنة أي الحديقة . وأعتقد أنني حين اخترت هذا العنوان كان في ذهني اللاواعي هذا الترابط بين الجنة وبداية الإنسان . ولهذا تجد في الرواية ترددا بين لحظات الخلق ومعاناة ما بعد الخلق ، ثم الرغبة بالعودة إلى الحالة الأولى، أي حالة البراءة ، حيث لا تثقل المفاهيم الذهنية على الأشياء أو تقف خارجها نقيضا فينقسم الإنسان إلى روح وجسد ، وفكر ومادة. هذه البراءة مرموز لها ، وبالتواتر ، برغبة العاشق في التحول إلى حجر . أي ان تتطابق وسيلة الوجود مع غايته. وكأن العاشق هنا يود العودة إلى الرحم الأول الذي جاء منه .
* هذا بالنسبة للحدائق ، فماذا عن العاشق ؟ من هو ؟
- الرواية ليست رواية شخص واحد ، بل هي رواية عشرات الشخصيات والمدن والأمكنة والأزمنة . هناك عشاق وعاشقات وذاكرات مدن وصحارى وتاريخ وديانات. هي جماع رؤية من منظور ألوان طيف . وحتى على صعيد السرد لا يمكن تناولها كرواية ذات وحدة تقليدية . أولا هى منقسمة على عدة أسفار. أحد أسفارها يشبه دفتر يوميات، وآخر تجد فيه سبع قصص قصيرة مستقلة . الحدائق هنا هي موضع التشديد الدلالي (السيمانتيكي) لا العاشق الفرد .
* وجدتك تستخدم أسماء حقيقية . غسان وأناهيد اسمان لأبنك وبنتك، وهما من الأسماء التاريخية أيضا . لماذا هذا الأستخدام ؟
- لاأدري ما سبب ولعي بالأسماء الحقيقية . في رواياتي نفور من استخدام الأسماء المستعارة وحب لاستخدام الأسماء الحقيقية التي يحملها الناس في حياتهم . أليس لذيذا وممتعا ونوعا من الفن أن نسمي الأشياء بأسمائها الحقيقية ؟ أن نشبر إلى شجرة الصنوبر بوصفها صنوبرة ، وإلى غسان بوصفه غسانا كما هو بالفعل ؟ أنا أحب تسمية الأشياء بأسمائها وأبتعد عن إخفائها . أود أن يحضر الشيء بذاته والإنسان بذاته . من جانب آخر، حين اخترت هذين الاسمين كان في ذهني الابتعاد عن التسميات المألوفة (كأنني أمارس فعلا فنيا) ومنح المألوف غرابة من نوع ما . أعتقد ان اسم "أناهيد" جاءني من قراءاتي ولفتت نظري إليه عدة جوانب ؛ إنه حاضر في عدة ثقافات ، فهو في الأرمنية  "أناهيت" وفي الفارسية "ناهيت" وكذلك في الأوردية ، وهو أناهيد في العربية . وفي أساطير الجاهلية العربية ، أناهيد امرأة جميلة رفعها الإله نجمة في السماء لامعة (تسمى "نجمة الصباح" الآن) وهي كوكب الزهرة , و"فينوس" عند الغربيين . والأناهيد هي المرتفعات في لغة بعض القبائل العربية لأن الجذر "نهد" يعني الارتفاع والعلو في لغتنا . هذه الجوانب أعطت الاسم ثقلا أسطوريا وتاريخيا ملموسا، بالإضافة إلى ثرائه الإيقاعي . أما اسم غسان فهو يذكر بجد غساسنة الشام ويدل على رحابة الوجود العربي الذي يتنكر له صغار المستشرقين . معنى هذا أنني استكشف فرادة الاسم أو ألتقط تفرده أو أمنحه هذه الفرادة حين ألاحظ ارتباطاته . وهذه تقنية فنية . نحن لا نكون فنانين حين نتحدث عن الأشياء بعموميتها ، بل حين نكشف عن خصوصيتها . إنني أحكم على الأشياء والقصص والقصائد بمقدار ما تحمل من فرادة  من ناحية المبدأ .
* حدثني عن تجربة السجن في قبرص . أعرف أنك تعرضت للاعتقال والإبعاد هناك ، ليس لكونك سياسيا بل لكونك إنسانا ، ولنقل فلسطينيا . كيف تتذكر هذه التجربة ؟ ولماذا كان السجن ؟ هل بسبب الافتقار إلى هوية ؟
- السبب ببساطة هو موقفي المعارض من توجهات المهيمنين على منظمة التحرير الفلسطينية منذ وقت مبكر ، أي منذ بدأوا بالبحث عن وظائف لهم في إطار المشروع الإسرائيلي المسمى "الإدارة الذاتية" ، والذي سيسمى فيما بعد "اتفاقات أوسلو". منذ البداية كان واضحا الثمن : محو فلسطين من الذاكرة ، والاكتفاء بإدارة غيتو لسجناء حرب حريتهم الوحيدة هي حرية طبخ وجباتهم الغذائية وإقامة احتفالات فولكلورية. ولهذا كانوا بحاجة لفرقة طبول كاملة فيها الكاتب والشاعر والصحفي والأكاديمي لتضليل شعب وتدجينه . كان مطلوبا تدمير أي انتفاضة فلسطينية وأي حرية فكرية فلسطينية , من ثم اخماد كل صوت .
في قبرص ، وكنت قادما من الكويت بسبب الغزو العراقي ، بدأت الكتابة في صحيفة "صوت الكويت" وكتبت عن جرائم الاحتلال وعن المساندة الخبيثة لهذا الغزو من قبل قيادة منظمة التحرير وغايتها ؛ تقويض الوجود الفلسطيني في الكويت. كانت ساحة الكويت الفلسطينية من الساحات التي لم تستطع هذه القيادة تدجينها أو خداعها ، فعملت بموقفها ذاك على تقويض الوجود الفلسطيني هناك . وما زلت أعتقد أن تشتيت القاعدة الفلسطينية هناك ساهم إلى حد كبير في وصول هذه القيادة إلى تحقيق الهدف الذي سعت إليه منذ السبعينات ، وهو الانخراط الكامل في المشروع الاحتلالي الإسرائيلي الجاهز منذ العام 1967 تحت اسم "مشروع ايجال آلون للتسوية ".
كان موقفي ، ككاتب وشاعر امتلك حضورا على الساحة الثقافية، مبعث قلق لمن سميتهم "دجاج أقفاص العلف" في قبرص ، ولدافعي راتب الخمسمائة دولار الذي كان نصيب كل واحد من هؤلاء "المثقفين" الداجنين . وكان إخماد أي صوت فلسطيني ضروريا لتمضي عربات هؤلاء مطمئنة إلى مراعيها . فبدأوا بالتشويه الشخصي وأشاعوا في كل مكان أنني "عميل" خليجي أعطيت ملايين الدولارات وجئت إلى قبرص لشراء الصحافة والصحفيين ، وطلبوا باتصالات هاتفية ورسائل من الصحفيين والمثقفين مقاطعتي (اعترف بهذا نوري الجراح في مقالة له نشرتها "الحياة" اللندنية حين كنت سجينا في تموز 1992) . ولم يكتفوا بهذا ، بل ثابروا على تحريض السلطات القبرصية على إبعادي عن الجزيرة وإرسالي إلى مكان أكون فيه في متناولهم (وهي أمنية قديمة عبر عنها شاعرهم محمود درويش أمامي ذات يوم) . كان منطلق تحريضهم "حرصهم على التعاون الأمني الثنائي" . وعلمت فيما بعد أن هذا التعاون كان ثلاثيا تحتل فيه إسرائيل واسطة العقد .
ما لفت نظري في هذه التجربة وما زال يدهشني هو أنني امتلكت طيلة هذه المعاناة قدرا كبيرا من القوة الداخلية ، وبها واصلت القراءة والكتابة والترجمة وقضاء ساعات من التأمل ساهمت في نموي الفكري . كنت أعيش السجن والإبعاد والترحال من بلد إلى آخر في ظل حياة داخلية تمدني بأسباب الاستقرار والسلام . من المحتمل أن حاجاتي البسيطة هي مصدر القوة . حاجاتي لا تتجاوز القليل للأكل والمشرب والملبس وتعليم الأبناء . ليس لدي تطلع نحو شهرة ولا مجد من أي نوع كان ، ولا أسعى إلى مهرجانات ومنصات باذخة .
* ولكن أليس مهينا أو مؤلما أن يسجن شاعر وكاتب؟
- كانت فرصة جميلة للتعرف على العالم من داخل السجن . وأعتقد أنها غريبة إلى حد ما . المهين والمؤلم لا يكون كذلك إلا لمن لا يعرف نفسه ، وأنا كنت أعرف جيدا لماذا سجنت ، ولماذا طاردني دجاج العلف وأولياء أمورهم . نحن معتادون على رؤية العالم من الخارج ونحن في غمار الأقنعة ، ولكن العيش مع سجناء من مختلف البلدان والرغبات والأحلام والجرائم أيضا يمنحك منظورا يكشف غرابة المألوف . إنها تجربة اكتشاف العالم مجددا . في السجن لم يحزنني شيء خاص بي بقدر ما أحزنتني مصائر هؤلاء المنسيين . كانوا نماذج لملايين المنسيين والضائعين في هذا العالم . صادفتني حكايات عجيبة وصادقة لأن لا أحد هناك يأمل بالعودة . كأنني التقيت بالحياة عارية بلا ألفاظ ولا أقنعة .
* ألم تغيرك هذه التجربة ؟
- أضافت لي . ازداد إصراري على أن الانسان يجب أن يكون صادقا في أي مكان يكون فيه . وتحت أي ظرف مهما كانت الخسائر . ومن تخلى عن المطامح لا يملك شيئا يخسره .
* بعد فلسطين كان المنفى الأول ، وبعد خروجك من الكويت بسبب الغزو العراقي انتقلت إلى المنافي الغربية الجديدة . كيف تصف هذه التجربة ؟ ولماذا تنقلت كثيرا ؟
- لأنني لا أملك جواز سفر معترفا به . ما لدي هو وثيقة سفر فلسطينية . وثيقة مشكوك في هوية حاملها في أي مكان يحل فيه. هذه الوثيقة لا تمنحك إلا إذنا بالمرور لا بالإقامة في أي مكان. بل وحتى المرور يتعذر أحيانا كما حدث معي . وحين تقع هذه الوثيقة بيد  أي ضابط جوازات في أي مطار تتغير ملامحه فجأة ، فإن لم يرسلك إلى مكتب المخابرات المجاور مرفقا بكلمة "مشبوه" سمح لك بالمرور ولكن بعد أن يضع علامة فارقة تتيح للمطار الآخر التعرف عليك بلا التباس : بلا جنسية . أنت شخص بلا جنسية ، أي بلا وطن يحددك ويعرف بك . بلا ورقة تضمن هذا . فإذا كنت لست ممن يملكون هذه الورقة أو حرمت منها لأي سبب من الأسباب أصبحت صفرا ، وستعيش صفرا . هذا إن كانت حياة الأصفار حياة حقا . هذه هي المعضلة الوجودية التي يعانيها اللاجئ الفلسطيني  والتي يتناساها من أعادوه إلى حالة الصفر باتفاقيات استسلامهم في "اوسلو" بعد أن ظل يقاوم طيلة نصف قرن من أجل أن يستعيد هويته ، فإذا بهم من أجل منافعهم البائسة يبدون خشيتهم على أمان إسرائيل الديمغرافي ! وعلى وظائفهم التي منحهم إياها المحتل .
أنا أعرف من أنا وأعرف وطني الذي اختطفته الأمم المتحدة وأعطته لغزاة مجرمين تجمعوا من كل الأقطار . وكل هذا يمنحني القوة الكافية لمواجهة هذا العالم الذي يظل ظالما طالما لم يعترف لي بحق الوجود في وطني .
