ما يجعل علم الاقتصاد شيقاً وصعباً في آن واحد، هو العلاقات المتداخلة بين العوامل والمتغيرات والعناصر التي يتعامل معها. فهو علم متعدد الأبعاد والجوانب بحيث لا يستطيع المحلل أو الباحث الاقتصادي أن ينظر إلى عامل واحد فقط ويعزله عن بقية العوامل لمعرفة تأثيره وحده ويكون في الوقت ذاته مطمئناً على نتائجه، وخاصة في عالم اليوم الذي أصبحت فيه العوامل المتغيرة أكثر من العوامل الثابتة، بل كادت أن تنعدم فيه العوامل الثابتة تماماً، حتى أصبح الافتراض المعهود في النظرية الاقتصادية "إذا بقيت الأشياء الأخرى على حالها"، أي ثابتة، يستدرك فوراً بالجملة التالية "ولكن الأشياء الأخرى لا تبقى دائماً على حالها". وكمثال على ذلك، لا يمكن الحديث عن أسعار الذهب الأصفر بمعزل عن الحديث عن تأثيره وتأثره بأسعار الذهب الأسود (أي البترول) مع الفارق الكبير بينهما في جميع النواحي، بما في ذلك الشكل والمظهر والمنظر والديمومة. كما لا يمكن الحديث عن أسعار أيِّ منهما بدون الحديث عن أسعار العملات.
فبالإضافة إلى كونه زينة تتحلى به النساء منذ أقدم العصور، فقد كان الذهب ذات يوم هو العملة السائدة في جميع أنحاء المعمورة حتى تم استخدام العملات الورقية كبديل له في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي. وقد اشتركت مع الذهب عدة معادن أخرى كعملات، خاصة تلك التي لا تصدأ، كالنحاس والنيكل والفضة، ولكنه بالطبع كان ولا يزال أغلاها ثمناً وبفارق كبير جداً. وعندما احتار الاقتصاديون في أسعاره المرتفعة بالرغم من أنه أقل منفعة من غيره من المعادن بالنسبة لحياة الإنسان؛ فسروا ذلك بأنه قد اكتسب قيمة ذاتية لدى كل الناس وعلى مر العصور. وإن فقد الذهب وظيفته كعملة متداولة، إلا أنه أصبح هو الغطاء المطلوب لكل عملات العالم وبنسبة 100%. ثم انخفضت هذه الأهمية للذهب كغطاء للعملات تدريجياً حتى وصلت إلى 20%. ثم تنازلت عنه معظم دول العالم في أوائل حقبة السبعينات من القرن العشرين المنصرم. وأصبح الذهب بعد ذلك "زينة وخزينة" كما يصفه عامة الناس، إذ ظل يُحتفظ به كاستثمار بدلاً عن الاحتفاظ بالأوراق المالية أو الودائع البنكية بمختلف أنواعها. كما أصبح يُستخدم في المضاربات، يباع عندما ترتفع أسعاره ويُشترى عندما تنخفض أسعاره. وعندما يزداد التضخم المالي يصبح الاحتفاظ بالذهب بدلاً من الأوراق المالية وسيلة لتخفيف آثار التضخم. ففي حالة التضخم المالي يستثمر الناس في الأصول الثابتة كالأرض والذهب.
أما البترول فهو وقود الحضارة البشرية المعاصرة الذي تمركزت حوله اختراعاتها واكتشافاتها وابتكاراتها ويسر وصول البشرية إلى المستوى التقني الرفيع الذي تعيشه الآن. وقد سمي بالذهب الأسود لأنه أصبح مصدر الثروة والدخل (كما كان الذهب الأصفر ولا يزال) للعديد من دول العالم خاصة تلك التي تصدر كميات كبيرة منه.
وبما أنهما مصدران للثروة، فقد نشأت بينهما علاقة وثيقة وإن كانت عكسية. فمن الملاحظ، بصفة عامة، أنه كلما ارتفعت أسعار البترول انخفضت أسعار الذهب والعكس أيضاً صحيح، بالرغم من أنهما ليستا سلعتين مكملتين لبعضهما وليستا بديلتين، وإنما هما سلعتان مستقلتان عن بعضهما تماماً. والعلاقات بين أسعار السلع تتحدد عادة على أساس إما لأنهما بديلتين، حيث يزداد الطلب على إحداهما عندما يرتفع سعر الأخرى والعكس أيضاً صحيح. وإما لأنهما مكملتين لبعضهما، فيزداد الطلب على إحداهما عندما يزداد على الأخرى. أما إذا كانتا مستقلتين عن بعضهما، فمن المتوقع ألا تكون هنالك علاقة بينهما. فلماذا إذن تحدث هذه العلاقة العكسية بين الذهب الأصفر والذهب الأسود في أرض الواقع؟ هنالك العديد من النظريات التي طرحت لتفسير ذلك، ولكن أكثرها قبولاً هي أنه عندما ترتفع أسعار البترول، كما حدث في منتصف حقبة السبعينات من القرن العشرين المنصرم مثلاً، تنخفض أسعار الذهب لأن الدول الصناعية المستوردة للبترول، وهي تمتلك احتياطي كبير من الذهب، تبيع جزءاً منه لكي تتمكن من شراء ما تحتاجه من البترول فيزداد العرض من الذهب مما يقلل سعره. وعندما تنخفض أسعار البترول، كما حدث في منتصف حقبة الثمانينات، تصبح تلك الدول في موقف يمكنها من شراء الذهب لزيادة احتياطيها منه مما يزيد الطلب عليه، وبالتالي ترتفع أسعاره. ولكن، لماذا إنخفضت أسعار الذهب في أواخر التسعينات من القرن العشرين المنصرم، بالرغم من إنخفاض أسعار البترول خلال تلك الفترة؟ والإجابة هي أن العديد من الدول، ومن أهمها بريطانيا، صاحبة أكبر احتياطي من الذهب، قررت أن تبيع نصف احتياطيها منه حماية لقيمة الجنيه الاسترليني؛ الذي لم تعد صادرات بريطانيا الأخرى قادرة على حمايته بالقدر الكافي وذلك للمنافسة الحادة التي تواجهها صادراتها في الأسواق العالمية من السلع اليابانية والكورية والصينية الأرخص ثمناً. وحتى سلع الدول الأوروبية الأخرى والسلع الأمريكية أصبحت منافسة للسلع البريطانية. كما أعلنت دول أوروبية أخرى كسويسرا، التي تمتلك قدراً كبيراً من الذهب أيضاً، بيع جزء كبير من احتياطيها. وكذلك قرر صندوق النقد الدولي أن يبيع 10% مما لديه من الذهب لتمويل البرامج التي يعتزم تنفيذها لتخفيض ديون الدول النامية. وكل ذلك زاد من عرض الذهب بدرجة كبيرة مما قلل أسعاره في وقت كانت فيه أسعار البترول تنخفض أيضاً. وهذا دائماً شأن توقعات النظريات الاقتصادية التي لا تتحقق ما لم تستوف شروطاً كثيرة من أهمها ثبات العوامل المؤثرة الأخرى التي ما إن يتغير أحدها حتى نشاهد ما قد يبدو أنه عكس توقعات النظرية الاقتصادية في كثير من الحالات. ففي هذه الحالة إزداد عرض الذهب الأصفر ليس لأن أسعار الذهب الأسود قد ارتفعت، ولكن لعوامل أخرى منها حماية العملة الوطنية كما في حالة بريطانيا، وتخفيض ديون الدول الفقيرة كما في حالة صندوق النقد الدولي.
ومن قراءة سريعة للتطورات الاقتصادية منذ بداية القرن الواحد والعشرين، يثار التساؤل حول العلاقة العكسية بين أسعار الذهب الأصفر والذهب الأسود، إلا أن ذلك التساؤل لا يعني تجاهل تأثرهما وتأثيرهما، كلٍ على حدة أو معاً، على أسعار العملات. فالدول ذات الاحتياطي الكبير من الذهب ستحافظ على أسعار عملاتها أكثر من الدول التي ليس لديها احتياطي أو أن احتياطيها قليل كما هو الحال بالنسبة لأغلب الدول النامية وخاصة الدول الأقل نمواً، وهي التي كانت الأكثر تأثراً بارتفاع أسعار البترول خلال حقبة السبعينات من القرن العشرين لأنها اضطرت لزيادة طبع عملاتها بدون إنتاج مكافئ لكي تشتري كميات البترول نفسها التي اعتادت على شرائها قبل ارتفاع أسعاره، مما أدى، مع عوامل أخرى، إلى انخفاض قيمة عملات هذه الدول كثيراً، فازداد فيها التضخم المالي بدرجة لم تعد تطيقها. كما أدى هذا الوضع إلى عجز هذه الدول عن دفع ديونها السابقة مما حرمها من الحصول على قروض جديدة، فازدادت الأحوال الاقتصادية فيها تدهوراً على تدهورها. أما الدول التي لديها احتياطي كبير من الذهب فهي تلجأ إلى بيعه عندما ترتفع أسعار البترول بدلاً من أن تعرِّض عملاتها الوطنية للانخفاض مما يلقي بظلاله على مجمل الاقتصاد الوطني.
إن العلاقات المتداخلة والمتشابكة بين أسعار كل من السلعتين الذهب الأصفر والذهب الأسود فيما بينهما من جانب، وفيما بين كل منهما وأسعار العملات من جانب آخر، تكاد لا تنفصم أبداً. وإن حدث أن أي من ذلك لم يتحقق، فسوف يكون السبب أن عوامل أخرى قد حدثت أدت إلى تغىير اتجاه العلاقات بين هاتين السلعتين، كما هو الحال عندما قررت بريطانيا وغيرها من الدول صاحبة الاحتياطي الكبير من الذهب، بالإضافة إلى صندوق النقد الدولي، بيع جزء كبير مما لديها منه فانخفضت أسعاره في وقت كانت فيه أسعار البترول تنخفض أيضاً. إلا أنه مع توجه أسعار البترول نحو الارتفاع بعد أن شهدت انخفاضاً ملموساً قبل سنوات، يبرز التساؤل؛ هل يحتمل أن تتجه أسعار الذهب نحو الانخفاض أم ستظل تتجه نحو الارتفاع كما هو حاصل الآن؟ سؤال قد تصعب الإجابة عليه في ظل الظروف والمعطيات الراهنة.
@ أستاذ الاقتصاد بجامعة الملك سعود - الرياض.
