مقدونيا أثناء غياب الإسكندر[عدل]
كان الإسكندر قد وكّل أنتيپاتر، وهو أحد قادته الخبيرين ومن السياسيين المحنكين، أمر مقدونيا، قبل أن يُغادر إلى آسيا.[63] استمرت جميع مدن اليونان هادئة طيلة فترة غياب الإسكندر، ولم تتحرك فيها أي ثورة، خوفًا من أن يُصيبها ما أصاب طيبة من الخراب والدمار.[63] وحدها إسپرطة شكّلت استثناءً، فقد دعا ملكها أجيس الثالث، سنة 331 ق.م، دعا رجاله وأبناء مدينته إلى الانتفاض على مقدونيا والتحرر من استعمارها، فكانت عاقبة ثورته أن هزمه أنتيپاتر وقتله خلال معركة في ميگالوپولي خلال السنة التالية.[63] أرسل الأخير إلى الإسكندر في آسيا يُخبره عن ثورة الإسپرطيين وعمّا إذا كان يرغب بإنزال العقاب بهم، فرد الإسكندر بأنه لن يُعاقب أحدًا، وإنه يغفر لهم ما فعلوه.[115] كذلك ظهرت بعض الحساسية بين أنتيپاتر وأوليمپياس والدة الإسكندر، فكثيرًا ما كانا يختلفان بالرأي، وكان كل منهما يُرسل إلى الإسكندر بين الحين والآخر يشتكي من تصرفات الثاني.[116] بالإجمال، يمكن القول أن بلاد الإغريق بما فيها اليونان ومقدونيا تمتعتا بفترة من السلام والازدهار خلال غيبة الإسكندر،[117] خاصةً وأنه كان يُرسل إليها مبالغ طائلة من المال الذي جمعه في فتوحاته، الأمر الذي حفّز اقتصادها على النمو، وزاد من نسبة النشاط التجاري في مختلف أنحاء الإمبراطورية.[118] على الرغم من ذلك، أخذت البلاد تنضب من الرجال، بسبب حاجة الإسكندر الدائمة إلى الجنود، وأمره بإرسال المزيد منهم على الدوام، سواء ليُجنّدهم في الجيش أو ليوطنهم في المدائن التي أسسها وهدف إلى جعلها مدنًا هلينية نموذجية مختلطة الأعراق. وكان من شأن الهجرة المتزايدة للرجال أن ضعفت المقدرة العسكرية لمقدونيا خلال السنوات التي عقبت وفاة الإسكندر، فوقعت لقمةً سائغة بأيدي الرومان.[13]
الحملة الهندية[عدل]
غزو شبه القارة الهندية[عدل]
Crystal Clear app kdict.png طالع أيضًا: معركة هيداسپس

كتائب الجيش المقدوني تهاجم مركز الجيش الهندي في معركة هيداسپس.
بعد موت سپنتامنش، تزوّج الإسكندر بأميرة باخترية تُدعى رخسانة ليقوّي العلاقات مع حكّام أقاليمه الجدد، ثمّ حوّل أنظاره إلى شبه القارة الهندية لفتحها، فأرسل إلى زعماء القبائل في إقليم «گندهارة» (قندهار)، الواقع في شمال باكستان حاليًا، يأمرهم بالمثول أمامه والاعتراف بسلطانه على بلادهم. استجاب صاحب مقاطعة «تکسیلا»، المدعو «أومفيس»، والذي كانت مملكته تمتد من نهر السند إلى نهر جهلم، إلى أمر الإسكندر، لكن شيوخ بعض قبائل التلال، المنتمين لعشيرة الكمبوجة تحديدًا، رفضوا ذلك رفضًا قاطعًا.[119] فما كان من الإسكندر إلا أن حمل على تلك القبائل في شتاء سنة 327/326 ق.م، واتجه لقتال كل منها في عقر دارها: بوادي كنار، ووادي پنجكرا، ووادي سوات وبونیر.[120] تميّزت معارك الإسكندر مع هذه القبائل بالضراوة الشديدة، فعندما لقي قبيلة «الأسپاسيوا»، لم يهزمهم إلا بعد أن أصيب بنبلة في كتفه، وعندما اتجه لمواجهة قبيلة «الأساكينوا»، وجد أنهم تحصنوا في بضعة مواقع، في مساگا وأورا وأورنوس،[119] فاضطر إلى ضرب الحصار عليهم، وبعد أيام قليلة من القتال العنيف، جُرح خلالها الإسكندر جرحًا بالغًا في كاحله، تمكن المقدونيون من اقتحام حصن مساگا ودمّروه تدميرًا. يقول المؤرخ الروماني «كوينتس كورتيوس روفوس»: «لم يكتف الإسكندر بذبح جمهرة مساگا كاملةً، بل أقدم على هدم كل أبنيتها وجعلها غبارًا منثورًا».[121] تعرّض المحاربون المتحصنون بأورا لمذبحة شبيهة بتلك التي وقعت لإخوانهم في مساگا، وعندما وصلت الأخبار إلى من بقي من الأساكينوا، هرب العديد منهم إلى حصن أورنوس، لكن ذلك لم يفيدهم شيئًا، إذ تبعهم الإسكندر وجيشه، وقد عقد العزم على فتح هذا الحصن نظرًا لموقعه الاستراتيجي وأهميته في حماية طرق المواصلات، وبعد أربعة أيام دموية، سقط هذا الموقع في يده.[119]

الإسكندر والراجا پور خلال معركة هيداسپس الملحمية. بريشة شارل لبرون.
بعد النصر في أورنوس، سار الإسكندر بجيشه وعبروا نهر السند ليواجهوا الراجا «پور»، سيد مملكة پوراڤة، الواقعة حاليًا في إقليم البنجاب، في معركة ملحمية - سميت معركة هيداسبس - أُضرجت خلالها الأرض بالدماء، وذلك في سنة 326 ق.م.[122] كانت تلك المعركة أقسى معارك الإسكندر على الإطلاق، فقد خسر فيها كثيرًا من الجنود، وقاومه الراجا الهندي بما أوتي من قوة، ودافع عن بلاده دفاع الأبطال أمام تقدم الفاتح المقدوني، لكن خبرة الإسكندر العسكرية كان لها القول الفصل في تحديد المنتصر، كما أن قادته وعساكره المخضرمين ما كان لهم أن يُهزموا بسهولة، فتمكنوا من الجيش الهندي وهزموه هزيمة منكرة. أُعجب الإسكندر بشجاعة وإقدام الراجا پور، وبسالته في الدفاع عن أرضه، فاتخذه حليفًا، وأبقاه حاكمًا على الأراضي التي شكلت مملكته، وأضاف له عليها أقسام أخرى لم تكن تابعة له، وبهذا ضمن تحكمه بتلك المنطقة البعيدة أشد البعد عن اليونان، فلو كان قد أقام عليها حاكمًا أجنبيًا، ما كان باستطاعته أن يردها إلى حوزته بسهولة فيما لو قامت فيها ثورة عليه.[123] أسس الإسكندر مدينتين متقابلتين على ضفتيّ نهر جهلم، سمّى إحداها «بوسيفلا» تيمنًا بجواده الذي نفق قرابة هذا الوقت،[124] والأخرى «نيقية» أي «النصر»، الوقعة حاليًا بالقرب من بلدة «مونغ» في باكستان.[125]
تمرّد الجند[عدل]

جنود الإسكندر يتوسلونه للرجوع إلى الوطن. بريشة أنطونيو تيمپستا الفلورنسي، 1608.
كانت إمبراطورية الناندا المگادهيّة تقع شرق مملكة الراجا پور، بالقرب من نهر الگنج، كما وقعت إمبراطورية الگنگريداي البنغالية شرق هذه الأخيرة، ولمّا كانت هذه الدول تُشكل تحديًا وهدفًا جديدًا مغريًا للإسكندر، وبسبب خوف جنوده من مجابهة الجيوش الجرّارة لتلك الإمبراطوريات، خاصة بعد أن أرهقتهم سنوات الحرب والترحال الطويلة، أعلنوا العصيان بالقرب من نهر بياس في شمال الهند، ورفضوا التقدم شرقًا. وبهذا أصبح هذا النهر يُشكل أقصى امتداد شرقي بلغته فتوحات الإسكندر.[126] يقول پلوتارخ في كتاباته:
«أما بالنسبة للمقدونيين، فقد أضعفتهم المواجهة مع پور، فقللت من شجاعتهم، وخففت من عزيمتهم ورغبتهم في التقدم شرقًا داخل الهند. وبعد أن بذلوا النفس والنفيس في ردّ عدو حشد لهم عشرين ألفًا من المشاة وألفا فارس، عارضوا الإسكندر ووقفوا بوجهه بعناد عندما قرر اجتياز نهر الگنج، الذي زُعم أن عرضه يصل إلى اثنين وثلاثين فرلنغ، وعمقه إلى مائة قامة، وبعد أن علموا ما ينتظرهم على الضفة المقابلة من جحافل رجال مدججين بالسلاح، ومعهم خيول وفيلة، فقد قيل لهم أن ملوك الهنود قد جمعوا ثمانين ألفًا من الفرسان، ومائتا ألف من المشاة، وثمانية آلاف عربة، وستة آلاف فيل، تمهيدًا لذبحهم أجمعين.[127]»
حاول الإسكندر إقناع جنوده بالتقدم شرقًا لفترة قصيرة بعد، لكنه لم يُفلح، وتدخل أحد قادته، وهو كوينوس، وتوسله أن يعدل عن رأيه ويعود أدراجه، قائلاً: «لقد تاق الرجال لرؤية أبائهم وأمهاتهم، وزوجاتهم وأولادهم، وأرضهم وأوطانهم». فاقتنع الإسكندر بكلامه، وبلّغ جنوده أن يستعدوا للعودة إلى بلادهم. سار الجيش على طول نهر السند، وفي طريقهم فتحوا أراضي قبيلة المُل، الواقعة في مدينة مُلتان حاليًا، وغيرها من أراضي بعض القبائل الهندية الأخرى.[128] أرسل الإسكندر القسم الأعظم من جيشه إلى إقليم كرمان جنوب فارس بقيادة صديقه كراتيرس، وكلّف نيارخوس قيادة أسطول لاستكشاف ومسح شواطئ الخليج العربي، وتابع هو مسيرته مع ما بقي من الجنود إلى بابل، فاختار أقصر الطرق على الرغم من أنها أصعبها، وهي صحراء ميديا الممتدة عبر بلوشستان ومكران، بجنوب باكستان وإيران حاليًا.[129] وصل الإسكندر إلى مدينة سوسة سنة 324 ق.م، وكان قد خسر كثيرًا من الرجال بفعل قيظ الصحراء.