أنطاكية في ظل الهيمنة البيزنطية[عدل]
بعد سقوط الرها على يد نور الدين زنكي سنة 1144، هاجم الزنكي بجيشه أنطاكية خلال الحملة الصليبية الثانية. فاستولى على الأجزاء الشرقية من الإمارة، وقد قتل حاكمها ريموند دي بواتيه خلال حصار قلعة إنب سنة 1149. فأصبح بلدوين الثالث بشكل تلقائي الوصي على أرملة ريموند كونستانس حتى زواجها من أرناط. وقام أرناط باجتياح جزيرة قبرص البيزنطية عام 1153. إلا أن الإمبراطور مانويل كومنينوس البيزنطي انتقم في 1159 عندما استولى على الإمارة فخضع أرناط له. فأضحت الإمارة تابعة لبيزنطة حتى وفاة مانويل سنة 1180. ويعني هذا الخضوع أنه يجب على الإمارة توفير وحدات قتالية للجيش البيزنطي (قوات من أنطاكية شاركت في الهجوم على السلاجقة في 1176)، كما يجب على تلك الوحدات حماية المدينة من خطر اجتياح نور الدين زنكي وإزالة الإمارة.

إمارة أنطاكية تحت الحماية البيزنطية
أخذ المسلمون أرناط أسيرا في سوريا من الفترة (1160 - 1176)، فأصبحت الوصاية بيد بطريركية أنطاكية اللاتينية فخرج ليجد أن زوجته توفت في عام 1163، تاركة الإمارة لبوهيموند الثالث، فلم يعد أرناط إلى أنطاكية مرة أخرى. وخلال تلك المدة تزوج الإمبراطور مانويل من ابنة كونستانس المسماة ماريا. وقد أسر بوهيموند في السنة 1164 بموقعة حارم، وأصبح نهر العاصي هو الحد الفاصل ما بين انطاكية وحلب. وقد عاد بوهيموند إلى أنطاكية سنة 1165 ليتزوج من إحدى قريبات مانويل؛ وقد كان مقتنعا بتثبيت بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية في المدينة.
ماأن مات الإمبراطور مانويل سنة 1180 حتى انحل التحالف ما بين انطاكية والبيزنطيون. فقد سحبت الحماية البيزنطية من انطاكية فجأة، فقد كانت مدة عشرين سنة كافية لإعاقة نور الدين زنكي من التدخل والتحرش بها. مع ذلك فقد نجت المدينة من أي هجوم من قبل صلاح الدين خلال هجومه على مملكة بيت المقدس سنة 1187، وذلك بمساعدة أساطيل الدويلات الإيطالية. لكن خلال الحملة الصليبية الثالثة لم تساهم إمارة أنطاكية ولا كونتية طرابلس فيها، بالرغم من دفن جثة الملك بربروسا في انطاكية عندما توقف جيشه لفترة قصيرة فيها سنة 1190. وبعد معركة حطين أصبح ابن بوهيموند الثالث -واسمه أيضا بوهيموند- حاكما على كونتية طرابلس. وقد توفي بوهيموند الثالث سنة 1201 م.
أدت وفاة بوهيموند الثالث إلى حدوث انشقاقات وحروب لحكم تلك الإمارة ما بين الأنطاكيين ممثلة ببوهيموند الرابع والأرمن ممثلة بحفيد بوهيموند الثالث واسمه ريموند روبن. وقد تمكن بوهيموند الرابع من الانتصار وحكم المدينة 1207، ومات بوهيموند الرابع سنة 1233 فحكمها ابنه بوهيموند الخامس، ولم تكن لتلك الإمارة دورا يذكر خلال الحملات الصليبية الخامسة أو السادسة حيث استمات فريدريك الثاني لإستعادة بيت المقدس، ولا حتى الحملة الصليبية السابعة بقيادة لويس التاسع.
سقوط الإمارة[عدل]

عملة نقدية لإمارة أنطاكية، 1112-1119, القديس جورج على جواد.
تزوج بوهيموند السادس سيبيلا بنت هيتوم الأول سنة 1254 وهي أميرة أرمنية، منهيا الصراع القوى ما بين الدولتين، على الرغم من أن أرمينيا هي الطرف القوي، وأن انطاكية كانت بالأساس إمارة خاضعة لها. وخلال الصراع الدائر ما بين المماليك والمغول انزلق كلا الطرفين في هذا الصراع. ففي سنة 1260 خضع بوهيموند السادس وتحت تأثير والد زوجته هيتوم الأول للمغول وقائدهم هولاكو، جاعلا إمارة انطاكية تابعة لإمبراطورية المغول[7]. وقد حارب كليهما بجانب المغول عند غزوهما للشام، وأخذا مدينة حلب وبعدها دمشق[8]. لكن بعدما هزم المغول في معركة عين جالوت، بدأ الظاهر بيبرس بالانتقام من أنطاكية التي دعمت المغول في حروبهم مع المسلمين. فوقف بجيشه أمام اسوارها يوم 14 مايو 1268.
الهجوم على انطاكية[عدل]
قسم بيبرس جيش إلى ثلاث فرق، أرسل فرقة منهم إلى السويدية -وهو ميناء انطاكية- كي يقطع الاتصال بين انطاكيا والبحر، وأرسل الأخرى إلى طرق الشام في جبال طوروس كي يمنع وصول امدادات الأرمن لانطاكيا، وقاد هو الجيش الثالث وطوق به انطاكيا. وكان بوهيموند السادس وقتها موجودا في طرابلس، وتولى حماية المدينة " سيمون مانسل ". وخرج مانسل بجيشه لمحاربة بيبرس لكنه وقع في الاسر[9].

رسم تخيلي لأسوار أنطاكية خلال القرن الثاني عشر
في اليوم التالي هجم بيبرس على اسوار انطاكيا ولكنه لم يتمكن من فعل شيء، وكذلك لم يصل بالتفاوض مع المحاصرين بنتيجة، وظل الوضع على حاله حتى شن بيبرس هجومه الشامل يوم 18 مايو وتمكن جنوده من عمل ثغرة في السور، فدخلت قواته المدينة وقامت معركة كبيرة حيث أمر بيبرس بقفل أبواب المدينة حتى يمنع خروج أي شخص من المدينة. لكن الآلاف اسعفهم الحظ واستطاعوا اللجوء إلى قلعة المدينة الموجودة بأعلى الجبل، فبعثوا يطلبون الأمان فأمنوا، وصعد السلطان إليهم ومعه الحبال، واستطاع أسر أعداد ضخمة منهم، وفرقهم على الأمراء[10].
ثم أمر السلطان بجمع الغنائم لتقسم، فأحضر الناس الأموال والمصاغ والذهب والفضة حتى صارت تلا. وقسمت بين الناس وطال الوزن فقسمت النقود بالطاسات، وقسمت الغلمان على الناس، فلم يبق غلام إلا وله غلام، وتقاسم النساء والبنات والأطفال. وأبيع الصغير بإثني عشر درهما والجارية بخمسة دراهم. وأقام السلطان يومين وهو يباشر القسمة بنفسه، فما ترك شيئا حتى قسمه[9]. ثم ركب السلطان إلى القلعة فأحرقها، وعم بالحريق انطاكية، فأخذ الناس من حديد أبوابها ورصاص كنائسها مالايوصف كثرة، وأقيمت الأسواق خارج المدينة، وقدم التجار إليها من كل جانب[9].
مابعد السقوط[عدل]
إمارة انطاكية هي أول إمارة كونها الصليبيين في الشرق زمن الحملة الصليبية الأولى، واستمرت 171 سنة، فكان سقوطها ضربة كبيرة للصليبيين ودرس قوي لتحالف انطاكية مع المغول. من يومها لم تقم لأنطاكيا قائمة، فبعدما كانت مركز تجارى وعسكري كبير، أضحت مجرد قلعة في اطراف سوريا. ولم يبق من الإمارة سوى قلعة القصير التي ظل صاحبها محتفظا بها سبع سنوات أخرى لموقفه الودي مع المسلمين[9] ومدينة اللاذقية التي سبق للمغول أن بذلوها هدية لبوهمند، فأضحت بعد سقوط أنطاكية تؤلف جيبا للفرنج، ولم يبق بيد بوهيموند غير كونتية طرابلس، وهاجر قساوسة انطاكيا إلى دمشق واستقرت بها الكنائس اليعقوبية والأرثوذكسية في سوريا. وصار من المستحيل على الداوية ان يحافظوا على قلاعهم بجبال آمانوس، فتخلوا عن بغراس ولاروش دي روسول،
أرسل بيبرس بعد سقوط الإمارة رسالة إلى بوهيموند السادس، واصفا له ما حصل فيها وهنأه على حسن حظه انه لم يكن في انطاكيا وقت الهجوم. ختم بيبرس جوابه لبوهيموند بقوله: "وكتابنا هذا يتضمن البشرى لك بما وهبك الله السلامة، وطول العمر بكونك لم يكن لك في أنطاكية في هذه المدة إقامة، وكونك ما كنت بها فتكون إما قتيلا وإما أسيرا وإما جريحاً وإما كسيراً، وسلامة النفس هي التي يفرح بها الحى إذا شاهد الأموات، ولعل الله ماأخرك إلا لأن تستدرك من الطاعة والخدمة مافات ومالم يسلم أحد يخبرك بما جرى خبرناك، ولما لم يقدر أحد يباشرك بالبشرى بسلامة نفسك، وهلاك ما سواها باشرناك بهذه المفاوضة وبشرناك، لتحقق الأمر على ما جرى، وبعد هذه المكاتبة الا ينبغى لك أن تكذب لنا خبراً، كما أن بعد هذه المخاطبة يجب أن لا تسأل غيرها مخبراً " [11].
بعد سقوط إمارة انطاكية بثلاث وعشرين عاما سقطت عكا فانتهت الإمارات الصليبية بأكملها.