الأزمة والانقسام[عدل]
سقطت الإمبراطورية بعد ذلك في فترة من الصعوبات، كان سببها لحد ما تقويض نظام الثيمات والإهمال العسكري. قام نقفور الثاني (حكم بين 963-969) ويوحنا تزيميسكيس وباسيل الثاني بتغيير التقسيمات العسكرية من جيش مدني دفاعي سريع التحرك إلى قوة محترفة جاهزة للحملات العسكرية مجهزة بالمرتزقة. إلا أن المرتزقة كانوا جنودًا مكلفين ومع تراجع تهديدات الغزو في القرن العاشر، تراجعت الحاجة للحفاظ على حاميات كبيرة والتحصينات المكلفة.[86] ترك باسيل الثاني خزينة ممتلئة عند وفاته ولكنه أهمل مسألة الخلافة. لم يكن لدى أي من خلفائه المهارة العسكرية أو السياسية ووقع عبء إدارة الإمبراطورية كليًا على الخدمة المدنية. لم ينجم عن محاولات إعادة إحياء الاقتصاد البيزنطي سوى التضخم وفقدان العملة الذهبية لقيمتها. أصبح الجيش عبئًا ثقيلًا غير ضروري وخطرًا سياسيًا. لذلك جرى صرف القوات المحلية واستبدلت بقوات من المرتزقة في عقود محددة.[87]

ضم البيزنطيين للرها في سوريا (1031) بقيادة جورج مانياكيس، والهجوم العربي المضاد.
في ذات الوقت، واجهت الإمبراطورية عدوًا جديدًا. واجهت المقاطعات في جنوب إيطاليا النورمان الذي قدموا إلى إيطاليا في بدايات القرن الحادي عشر. خلال فترة النزاع بين القسطنطينية وروما التي انتهت بالانقسام بين الشرق والغرب، بدأ النورمان تقدمهم، ببطء ولكن بثبات، في إيطاليا البيزنطية.[88] سقطت ريدجو عاصمة تاغما كالابريا عام 1060 بيد روبرت جيسكارد وتبعتها أوترانتو في 1068. خضعت باري وهي المعقل البيزنطي الرئيسي في بوليا للحصار في أغسطس 1068 وسقطت في أبريل 1071.[89] كما شهد البيزنطيون انهيار سيطرتهم على مدن الساحل الدلماسي لصالح بيتر كريشيمير الرابع من كرواتيا (حكم 1058-1074/1075) في 1069.[90]
إلا أن أكبر الكوارث التي أصابت الإمبراطورية جرت في آسيا الصغرى. قام السلاجقة الأتراك بأول حملاتهم الاستكشافية عبر الحدود البيزنطية إلى أرمينيا في 1065 وفي 1067. قدمت حالة الطوارئ هذه الدعم للأرستقراطية العسكرية في أناضوليا والتي أمنت في 1068 انتخاب أحدها، رومانوس ديوجينيس، إمبراطورًا. في صيف 1071، شن رومانوس حملة شرقية ضخمة لدفع السلاجقة إلى اشتباك عام مع الجيش البيزنطي. في ملاذكرد، لم يتلق رومانوس هزيمة مفاجئة على يد السلطان ألب أرسلان، وإنما سقط في قبضة الأسر. عامله ألب أرسلان باحترام، ولم يفرض شروطًا ثقيلة على البيزنطيين.[87] إلا أنه وفي القسطنطينية، جرى انقلاب لصالح ميخائيل دوقاس والذي عانى من معارضة نقفور برينيوس ونقفور بوتانياتيس. بحلول 1081، وسع السلاجقة حكمهم عمليًا على كامل الهضبة الأناضولية من أرمينيا شرقًا إلى بيثينيا غربًا وأسسوا عاصمتهم في نيقية، على بعد 90 كيلومترًا من القسطنطينية.[91]
السلالة الكومنينية والصليبيون[عدل]

ألكسيوس الأول مؤسس السلالة الكومنينية.
تعرف الفترة بين عامي 1081-1185 عادة باسم العهد الكومنيني، تيمنًا بالسلالة الكومنينية. حكم الأباطرة الكومنينيون الخمسة (ألكسيوس الأول ويوحنا الثاني ومانويل الأول وألكسيوس الثاني وأندرونيكوس الأول) سوية 104 عامًا، مشرفين على استعادة ثابتة ولكن غير كاملة للوضع العسكري والتوسعي والاقتصادي والسياسي للإمبراطورية البيزنطية.[92] رغم احتلال السلاجقة الأتراك للأناضول وهو قلب الإمبراطورية، فإن أغلب الجهود العسكرية البيزنطية قد وجهت ضد القوى الغربية وبالأخص النورمان.[92] لعبت الإمبراطورية تحت حكم الكومنينيين دورًا هامًا في الحروب الصليبية والتي ساهم ألكسيوس الأول في تسهيل مهمتها، كما مارست الإمبراطورية نفوذًا سياسيًا وثقافيًا هائلًا على أوروبا والشرق الأدنى والأراضي المحيطة بالمتوسط في عهدي يوحنا ومانويل. ازداد أيضًا الاتصال بين بيزنطة والغرب "اللاتيني"، بما فيها الدويلات الصليبية بشكل كبير خلال العهد الكومنيني. أصبح البنادقة وغيرهم من التجار الإيطاليين من المقيمين في القسطنطينية والإمبراطورية بأعداد كبيرة (قدر وجود 60,000 لاتيني في القسطنطينية وحدها، التي بلغ تعداد سكانها ثلاثمائة أو أربعمائة ألف شخص)، حيث ساهم وجودهم بالإضافة إلى الأعداد الكبيرة من المرتزقة اللاتين الذين وظفهم مانويل في نشر الفن والأدب والثقافة البيزنطية في الغرب اللاتيني، بينما قاد أيضًا إلى تدفق الأفكار والعادات الغربية إلى الإمبراطورية.[93] أما بخصوص حياة الازدهار والثقافة، فكان العهد الكومنيني أحد الذروات البيزنطية.[94] ظلت القسطنطينية في عهدهم المدينة الرائدة في العالم المسيحي من حيث الحجم والثراء والثقافة.[95] كما تجدد الاهتمام بالفلسفة الإغريقية الكلاسيكية، بالإضافة إلى تزايد الناتج الأدبي باليونانية العامية.[96] احتل الأدب والفن البيزنطيان مكانة بارزة في أوروبا، حيث كان التأثير الثقافي للفن البيزنطي على الغرب خلال هذه الفترة هائلًا وذو أهمية طويلة الأمد.[97]
ألكسيوس الأول والحملة الصليبية الأولى