الذئاب آكلة الإنسان
عادةً ما تظهر الذئاب على أنها جبانة بحضور البشر، غير أن طريقة تفاعلها مع الناس غالباً ما تعتمد على تجاربها السابقة مع الأخيرة عوضاً عن غريزتها.[71][157] عندما تحظى الذئاب بالمساحة الكافية من المسكن، وبعدد كاف من الطرائد، وعندما يقوم البشر بصيدها بين الحين والأخر، فإنها تميل إلى تفادي الاحتكاك معهم إلى درجة أنها تتخلى عن فريستها عندما تشعر بدنو إنسان منها.[74] إلا أنه على الرغم من ذلك، تمّ توثيق العديد من الحالات التي هاجمت فيها الذئاب أشخاصاً أو تصرفت بعدائية تجاههم، كما عندما يقوم أناساً باستفزازها، أو عند اعتيادها عليهم، أو عند إصابتها بداء الكلب، خلطها بين البشر وكائنات أخرى، تعليمها الصيد للجراء، تهجنها مع الكلاب، وعند النقص الموسمي في مخزون الطرائد،[38][158] أما الهجوم غير المستفز من قبل ذئاب غير مكلبة فيندر وقوعها. كانت أغلبية هجومات الذئاب على البشر تقع تاريخياً خلال الفترة الممتدة بين شهريّ يونيو ويوليو، وتستهدف الأطفال والنساء،[38][72][159] وتقع هذه الهجومات في أماكن وخلال أزمنة متفاوتة، مما يدل على أن افتراس الإنسان ليس شائعاً عند الذئاب ولا يُمثل تصرفاً طبيعيّاً لها، بل هو عبارة عن سلوك يطوره ذئب منفرد أو قطيع معين ويعتاد عليه، ولا يزول إلا بقتل الحيوان.[160] عند مقارنة الذئاب بغيرها من الثدييات التي يُعرف عنها قتل الإنسان، فإنه يتبين أن قيامها بهذا الفعل قليل، مما يدل أنه على الرغم من كونها حيوانات خطيرة، فإنها لا تزال المفترسات الأقل تهديداً واحتمالاً بأن تفترس البشر.[38][160] كانت هجومات الذئاب ظاهرة منتشرة بشكل متقطع في أوروبا خلال العهود السابقة للقرن العشرين، فقد أظهرت الوثائق التاريخية أنه في الفترة الممتدة بين عاميّ 1580 و1830، قتل 3,069 شخصاً على يد الذئاب في فرنسا وحدها، وكان 1,857 شخص منهم قد قتلوا من قبل ذئاب غير مصابة بداء الكلب.[161] ومن أبرز القصص عن الذئاب القاتلة، قص وحش جيفودان، على الرغم من أن الحيوان المتهم بضلعوه في هذه الأحداث لا يزال غير معروف إن كان ذئباً بالفعل أم كائناً أخر شبيه به.[38] تفيد حاليّاً العديد من الوثائق بوقوع أحداث تضمنت افتراس الذئاب للإنسان في آسيا، ومن هذه الأحداث ما تفيد به ثلاثة ولايات هندية عن وقوع عدد من الهجومات، التي وثقها علماء أحياء مخضرمون، من قبل ذئاب غير مكلبة خلال العقود الأخيرة.[38][73] ففي مدينة هزاريباغ بولاية بيهار على سبيل المثال، أصيب 100 طفل بجروح وقُتل 122 منهم في الفترة الممتدة بين عاميّ 1980 إلى 1986.[73] وفي روسيا أيضاً تفيد الكثير من الوثائق بوقوع عدد من الهجومات، وبشكل خاص قبل الثورة البلشفية، وبعد الحرب العالمية الثانية؛ ففي الفترة الممتدة بين عاميّ 1840 و1861، وقع 273 هجوماً من قبل ذئاب غير مكلبة في مختلف أنحاء روسيا، أدت إلى وفاة 169 طفلاً و 7 أشخاص بالغين،[162] وكذلك كان الحال في الفترة الممتدة بين عاميّ 1944 و1950، عندما قُتل 22 طفلاً ومراهقاً تتراوح أعمارهم بين 3 و 17 سنة، في كيان كيروف أوبلاست الاتحادي.[163] أما في أمريكا الشمالية، فإن نسبة اعتداءات الذئاب على الإنسان تعتبر أقل من تلك الخاصة بأوروبا وآسيا. كان هناك حملة أعلامية منتشرة في الكثير من أنحاء الولايات المتحدة، تهدف إلى حشد التأييد لمسألة ترعاها الولاية، ألا وهي وضع جائزة على رأس كل ذئب، وقد أدت هذه الحملة إلى خلق حافز اقتصادي جعل الناس يُبالغون في وصف الأخطار التي قد يتعرضون لها من قبل تلك الحيوانات؛ وقد أدى هذا بالتالي إلى بروز ادعاءات كاذبة أو مبالغ فيها عن هجومات قامت بها ذئاب.[6] إلا أنه ورد أيضاً بعض من التقارير التي تفيد بوقوع اعتداءات في أمريكا الشمالية، وذلك بسبب تعدي البشر بشكل مستمر على مسكن هذه الحيوانات. قام عالم الأحياء المتقاعد "مارك مكناي" بتجميع 80 وثيقة تفيد بوقوع لقاءات بين الناس والذئاب في ألاسكا وكندا، حيث قامت الذئاب بالاقتراب من البشر أو الهجوم عليهم، وتبين أن 39 حالة عدائية كانت قد وقعت من قبل ذئاب سليمة لا تشكو من أي علة صحية، وأن 29 حالة أخرى كانت عبارة عن اقتراب الذئاب من البشر دون أن تُظهر أي خوف ودون أن تتصرف بعدائية.[164]
افتراس الماشية والحيوانات المنزلية
ميل حدة افتراس الذئاب للماشية أن تزيد في شهريّ سبتمبر وأكتوبر، أي في الفترة التي تبدأ فيها الإناث بتعليم جرائها الصيد. عادةً ما تُهاجم الذئاب الماشية وهي ترعى، كما لا يُعد اقتحامها للأراضي المسيجة والحظائر أمراً غير مألوف.[8] تُعتبر الخراف أكثر ضحايا الذئاب شيوعاً في أوروبا، وفي الهند يحل الماعز بدلاً منها، وفي منغوليا الأحصنة، وفي أمريكا الشمالية البقر والدجاج الرومي المستأنس.[10] غالباً ما تتجاهل الذئاب حجم أو سن الطريدة متوسطة الحجم كالخراف والماعز.[165] يقول الرئيس الأمريكي السابق "ثيودور روزفلت" أن ذئاب السهول الجنوبية الصغيرة كات نادراً ما تُهاجم الأبقار أو الثيران مكتملة النمو، وكانت تفضل الحيوانات الصغيرة أو المريضة منها، وعلى العكس من هذا، كانت ذئاب جبال الروكي الشمالية الضخمة قادرة على الفتك بالثيران البالغة بمفردها.[166] تشمل الجروح التي تلحقها الذئاب بالمواشي: كسوراً في الجمجمة، فصلاً للعمود الفقري، نزعاً للأحشاء، وتمزيقاً هائلاً في اللحم. تلجأ الذئاب أيضاً إلى قتل الخراف عن طريق عضها في حلقها تماماً كما تفعل القيوطات، ويُمكن تمييز طرائد القيوط عن طرائد الذئب، بأن الأخير يُمزق الأنسجة التحتية والخلفية بشكل أكبر. غالباً ما ترتكب الذئاب قتلاً فائضاً في المواقع التي يحبس فيها البشر مواشيهم،[165] فقد قام أحد هذه الحيوانات، الذي أطلق عليه اسم "ذئب أكويلا" (بالإنكليزية: Aquila Wolf)، في أريزونا، بقتل 65 خروفاً خلال ليلة واحدة، و 40 رأساً أخر في ليلة أخرى.[81] وفي بعض الأحيان ينجو البعض من المواشي من هكذا مذبحة، لكنها تكون قد تعرضت لتشويه بالغ، الأمر الذي يُسوّغ أحياناً اللجوء إلى القتل الرحيم.[81] قد يظهر لدى المواشي التي تعرضت لمواجهة مع الذئاب بعض المشاكل السلوكية، فقد قيل أن بعضها كان يهرع خارقاً السياج الشائك بمجرد سماعه لعواء الذئاب، أو يرفض الخروج إلى المرعى، مما يتسبب بفقدانه للكثير من وزنه،[8] كما أن هكذا مواش قد تصبح أكثر عدائية تجاه مربيها من البشر وكلاب الرعيان.[41] يصعب توثيق قتل الذئاب لإحدى رؤوس الماشية في معظم الأحيان، إذ أنها تقتات على كامل الحيوان بحال كان حجمه يُماثل أو يقل عن حجم العجل.[81] وفي بعض الحالات، لا تتأثر الماشية سلباً بمجرد هجوم الذئاب عليها؛ بل يكفيها الضغط النفسي الذي تتعرض له عند معرفتها بكونها مراقبة من قبل الذئاب حتى يحصل لها مكروه، حيث يجهض البعض منها، يكتسب الوزن بصعوبة، وتتراجع جودة لحمه.[41] قام الإنسان بتطوير العديد من الأساليب الأقل فتكاً أو غير الفتّاكة على الإطلاق، خلال العقد الأخير، لحماية الماشية من الذئاب، ومن هذه الأساليب: استخدام الرصاص المطاطي وحيوانات الحراسة،[167] كذلك فقد تبين أن التسجيل الصوتي لعواء الذئاب كان فعّالاً في إبعادها في حالة واحدة على الأقل.[25]
يختلف مدى افتراس الذئاب للماشية باختلاف المنطقة الجغرافية التي تقطنها؛ فهو يتراوح من كونه ضئيلاً، إلى كونه مؤثراً بشكل كبير على الاقتصاد المحلي. تُشكل خسارة الماشية لصالح الذئاب في أمريكا الشمالية نسبةً صغيرةً من إجمالي الخسائر، ففي الولايات المتحدة، يُلاحظ أن قتل الذئاب للمواشي ليس بجسامة نفوق الأخيرة لأسباب ناجمة عن تصرف الإنسان أو مفترسات أخرى.[168] وعلى الرغم من أن افتراس الذئاب للماشية لا يُشكل مشكلة كبيرة بالنسبة لقطاع الزراعة وتربية الحيوانات في أمريكا الشمالية، فإنه يُعتبر أمراً كارثيّاً بالنسبة لبعض المربين الذين يرعون ماشيتهم في المناطق ذات الكثافة العالية من الذئاب.[169] يتبين من الإحصاءات التي أجرتها ولاية مونتانا لمعرفة عدد ضحايا الذئاب من المواشي بدءاً من عام 1987، أن 1,200 خروفاً وبقرة قتلت منذ ذاك الحين حتى الآن، ولا يُعتبر هذا الرقم كبيراً على الإطلاق، إذ أن 8,300 رأساً من البقر و 13,000 رأساً من الخراف نفقت لأسباب طبيعية في منطقة يلوستون الكبرى، في الفترة الممتدة من ذات التاريخ حتى اليوم. يقول الخبراء في مركز الذئاب الدولي (بالإنكليزية: International Wolf Center)، الواقع في ولاية مينيسوتا:
   ذئب رمادي	إذا أخذنا مسألة قتل المواشي بعين الاعتبار، نلاحظ أنه في عام 1986 كان عدد الذئاب يتراوح بين 1,300 و 1,400 ذئب، وكان يُقدّر وجود حوالي 232,000 رأس من البقر، و 16,000 رأس من الخراف في إقليم الذئاب بمينيسوتا. وخلال تلك السنة، قامت الأخيرة بقتل 26 بقرة، أي ما نسبته 0.01% من إجمالي الأبقار الموجودة، و 13 خروفاً، أي ما يُشكل قرابة 0.08% من مجموع الرؤوس. وكذلك كان الحال عام 1996، فكان هناك حوالي 68,000 كلب مستأنس يعيش ضمن نطاق منطقة الذئاب، وقُتل منها 10 كلاب فقط، أي ما نسبته 0.00015% من إجمالي الكلاب الموجودة.	   ذئب رمادي
—نهب الذئاب، مركز الذئاب الدولي، تلقين العالم دروساً عن الذئاب.[170]
يُضاف إلى ذلك ما لاحظه صانع الأفلام "جيم داتشر"، الذي قام بتربية قطيع أسير من الذئاب، حيث تبين له أن الأخيرة تكون مترددة للغاية في الاقتيات على نوع من اللحوم لم تراه من قبل أو ترى ذئباً أخر يقتات عليه، الأمر الذي يُفسر ندرة افتراسها للماشية، إلا بحال كانت يائسة وتُعاني من الجوع بشدة
يختلف الواقع سابق الذكر بشكل كلّي في أوراسيا. ففي اليونان على سبيل المثال، بلغت حصيلة ضحايا الذئاب من المواشي في الفترة الممتدة بين أبريل من عام 1989 ويونيو من عام 1991، 21000 رأساً من الخراف الماعز، و 2729 من البقر. وفي سنة 1998 بلغت الحصيلة 5894 رأساً من الخراف والماعز و 880 رأساً من البقر وبضعة أحصنة.[91] أظهرت دراسة حول نسبة المواشي التي تسقط ضحية للمفترسات في التبت، أن الذئاب هي أكثر الضواري اقتياتاً على الحيوانات المستأنسة، حيث أن 60% من الماشية يخسرها الرعاة لصالح قطعان الذئاب، يليها نمور الثلج بنسبة 38%، ثم الأوشاق الأوراسية بنسبة 2%. تبين أن الماعز يُشكل أكثر الطرائد المستأنسة المُفترسة شيوعاً، حيث كانت نسبة ما تقتله الذئاب منها تساوي 32%، يليها الخراف بنسبة 30%، القطاس بنسبة 15%، ثم الأحصنة بنسبة 13%، على الرغم من أن الأخيرة هي أكثر المواشي انتشاراً في التبت إلى جانب الماعز.[172] أفادت بعض الوثائق من كازاخستان عام 1987، أن الذئاب فتكت بما يزيد عن 150,000 رأس من الماشية في ذلك العام، و 200,000 أخرى في العام التالي.[8]
تعتبر الكلاب مصدراً رئيسيّاً لغذاء الذئاب في بعض المناطق، ففي كرواتيا مثلاً، تفيد التقارير أن الكلاب تُصاد وتُقتل بشكل أكثر من الخراف، وكذلك في روسيا، حيث يظهر أن الذئاب تحد من جمهرة الكلاب الوحشية على الدوام. وفي ولاية ويسكنسن بالولايات المتحدة، تدفع الحكومة تعويضاً أكبر لأصحاب الكلاب المقتولة مما تدفعه لأصحاب المواشي.[10] تفيد بعض الوثائق أن أزواجاً من الذئاب تقوم بافتراس الكلاب عن طريق قيام أحدها باستدراج الكلب إلى الآجام الكثيفة حيث يكمن له الذئب الأخر،[8] وفي بعض الحالات، أظهرت الذئاب عدم خوف غير معهود من البشر والمباني عند مهاجمتها للكلاب، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى ضربها ضرباً شديداً، أو قتلها.[173] يستخدم الرعاة كلاباً خاصة لحماية مواشيهم من الذئاب في الحقول، على أن وظيفة الكلاب الأساسية تتمثل في إخافة الذئاب فقط وليس قتالها،[174] ومن أبرز السلالات الضخمة التي يستخدمها الرعاة غالباً: كلاب الراعي الأناضولي وكلاب الأكباش وغيرها.
