التناسل ودورة الحياة
تتزاوج الذئاب عادةً في الفترة الممتدة بين شهريّ يناير وأبريل—ويُلاحظ أنه كلّما كانت الجمهرة تبعد في موطنها نحو الشمال، كلّما حصل التزاوج في فترة متأخرة.[26] يولد بطن واحد من الجراء غالباً في قطيع الذئاب، إلا بحال تزاوج الذكر المسيطر مع أكثر من أنثى. وخلال موسم التزاوج، تتودد الذئاب إلى بعضها بشكل كبير بانتظار حول ميعاد دورة الأنثى المسيطرة الشهرية، وتزداد نسبة التوتر في القطيع عندئذ، إذ أن كل ذئب بالغ تقوى غريزة التناسل عنده ويشعر برغبة ملحّة للتزاوج. قد يضطر الزوجان المسيطران خلال هذه الفترة أن يمنعا أي زوج أخر من التناسل، الأمر الذي قد ينشأ عنه قتال عنيف في بعض الأحيان.[27] يُلاحظ أن زواج "المحارم" نادراً ما يحصل في مجتمعات الذئاب، على الرغم من أن إحدى الدراسات تفيد بوجود مشاكل وراثية عند ذئاب ساسكاتشوان في كندا،[28] والجزيرة الملكية في ميشيغان بالولايات المتحدة،[29] نتيجة لهذا الأمر الذي يبدو شائعا في تلك الأنحاء. ما إن تبدأ دورة الأنثى المسيطرة النزوية، التي تحصل مرة واحدة في السنة وتستمر ما بين 5 إلى 14 يوماً،[30] حتى تختلي وشريكها لفترة طويلة بعيداً عن باقي أفراد القطيع. يعلم الذكر أن أنثاه تمر بمرحلة الاهتياج عندما يُلاحظ ارتفاع نسبة الفيرومونات في بولها عن طريق الشم، وانتفاخ فرجها. تكون الأنثى غير متقبلة في الأيام القليلة الأولى من دورتها النزوية، وخلال هذه الفترة تطرح بطانة رحمها؛ ولكن ما أن تبدأ بالإباضة مجدداً، حتى تتزاوج مع الذكر.
تدوم فترة الحمل بين 60 و 63 يوماً. يُسمّى صغير الذئب باللغة العربية جرواً أو السمع أو الجرموز.[31] تولد الجراء عمياء، صمّاء، معتمدةً بشكل كلي على والدتها، وتبلغ زنة الواحد منها 0.5 كيلوغرامات (رطلاً واحداً).[26][32] يتراوح عدد الجراء في البطن بين 5 و 6 عادةً، على أن تقريرين من الإتحاد السوفياتي السابق تفيدان بوضع إناث لبطون تحوي 17 جرواً.[9] تقبع الصغار في داخل الجحر حيث ولدت لمدة شهرين، وغالباً ما يقع الجحر على أرض مرتفعة بعض الشيئ بالقرب من مصدر للمياه، ويتألف من حجرة تقع في نهاية نفق تحتأرضي أو يقع على جانب تل، ويمتد لمسافة بضعة أمتار.[33] تبدأ الجراء بالاستقلال شيئاً فشيئاً خلال المدة التي تقضيها تحت الأرض، ومن ثم تبدأ باستكشاف المنطقة الخارجية المحيطة بالجحر، وتجول على بعد ميل منه عندما تبلغ حوالي 5 أسابيع من العمر. يُعد مُعدل نمو الذئاب أبطأ من ذاك الخاص بالقيوط والكلاب البرية الآسيوية.[34] تبدأ الجراء بالاقتيات على اللحم المتقيأ، بعد أن تكون قد أمضت أسبوعين من التغذي على حليب والدتها، الذي يحوي نسبة أقل من الدهون وأكثر من البروتين والأرجينين، عن النسبة التي يحويها حليب الكلاب المستأنسة.[10] بحلول هذا الوقت تكون أسنان الحليب قد برزت كليّاً—وتُفطم الجراء ما أن تبلغ 10 أسابيع. تبقى الأم لوحدها مع صغارها خلال الأسابيع الأولى من حياتها، إلا أن معظم أفراد القطيع تُساهم في نهاية المطاف بتربية الجراء بطريقة أو بأخرى.[26] تُنقل الصغار إلى موقع يُسمّى "بموقع لقاء" بعد أن تبلغ شهرين من العمر، حيث يمكنها أن تبقى بأمان ريثما يذهب معظم الأفراد البالغين للصيد، ويبقى إلى جانبها ذئب بالغ أو اثنين للحفاظ عليها. وبعد بضعة أسابيع يُسمح للجراء بأن تنضم لباقي القطيع في الصيد إن كانت قادرةً على ذلك، وتحصل على المراكز الأولى عند أي ذبيحة، بغض النظر عن مرتبتها الاجتماعية في القطيع. يؤدي سماح الأفراد البالغة للصغار بالتقاتل فيما بينها للحصول على امتيازات عند الطريدة، كموقع الاقتيات الأفضل والأجزاء الأكثر تغذية وعصارة من غيرها، إلى توليد مراتب اجتماعية ثانوية بينها، الأمر الذي يسمح لها بالتمرن على أداء إيماءات الهيمنة والخضوع التي ستحتاج إليها للبقاء في القطيع مستقبلاً.[26] تبقى الجراء مجرّد مشاهدة متقدة خلال الصيد إلى أن تبلغ حوالي 8 شهور، أي الفترة التي تصل فيها إلى الحجم المناسب الذي يسمح لها بالمشاركة بالصيد بفعالية.
تصل الجراء لمرحلة النضوج الجنسي بعد سنتين أو ثلاثة من ولادتها، وفي هذه الفترة يُجبر الكثير منها على هجر قطيعة الأمومي والبحث عن زوج ومنطقة خاصة به.[26][35] غالباً ما تعيش الذئاب التي تصل لمرحلة البلوغ ما بين 6 إلى 10 سنين في البرية، أما في الأسر فيمكن أن يصل أمد حياتها لضعف المدة المذكورة.[36] يُعتبر إجمالي معدل الحياة عند الذئاب الرمادية منخفض إجمالاً، وذلك بسبب نسبة الوفيات المرتفعة بينها، فالجراء غالباً ما تنفق عندما ينخفض معدل مخزون الغذاء، كما أنها تقع ضحية ضوار أخرى مثل الدببة، الببور، أو الذئاب الأخرى. وتعود الأسباب الرئيسية لنفوق الذئاب البالغة إلى الصيد، القنص الاشرعي، حوادث الاصطدام بالسيارات، والجروح التي تُصاب بها أثناء الصيد. وعلى الرغم من أن الذئاب البالغة قد تُقتل على يد المفترسات الأخرى الأكبر حجماً، إلا أن أبرز أعدائها من غير البشر هي قطعان الذئاب الأخرى المنافسة.
الأمراض
تشمل الأمراض التي تمّ توثيق نقلها من قبل الذئاب: البروسيلا، حمى الأرانب، داء البريميات، الحمى القلاعية، والجمرة الخبيثة. تُعد الذئاب الرمادية حاملةً أساسية لداء الكلب في كل من روسيا، إيران، العراق، أفغانستان، والهند،[37] وعلى الرغم من أن الذئاب لا يتأصل فيها هذا المرض، إلا أنها من الممكن أن تلتقطه من أنواع أخرى. تُصبح الذئاب المصابة بهذا الداء عدائية بشكل استثنائي وتستطيع أن تعض وتصيب عدد من الأشخاص بجروح خلال هجوم واحد. كانت العدوى المنقولة من قبل الذئب إلى الإنسان عن طريق العض مميتة على الدوام قبل أن يتم اكتشاف لقاح لها، فاليوم يُمكن معالجة الجروح التي تسبب بها ذئب مُكلب بسهولة، إلا أن تلك التي تسبب بها هجوم شديد يُمكن أن تؤدي إلى الوفاة حالاً، وكذلك إذا كان العض قد تناول المناطق القريبة من الرأس، فعندئذ ينتشر الداء يشكل سريع للغاية لا يُمكن للعلاج أن يُجاريه. تتركز هجومات الذئاب المُكلبة في الشتاء والربيع، ومع اختزال نسبة هذا المرض في أوروبا وأمريكا الشمالية، فقد انخفضت نسبة التقارير التي تُفيد بوقوع هجمات من قبل ذئاب مُصابة، إلا أن البعض منها ما زال يقع سنويّاً في الشرق الأوسط.[38] تحمل الذئاب أيضاً فيروس الكلاب التاجي، الذي تكثر الإصابة به في موسم الشتاء خصوصاً.[39]
تحمل الذئاب في روسيا ما يزيد عن 50 نوعاً من الطفيليات المؤذية، بما فيها الديدان الشراطية حلقية المحاجم، داء الكيسات المذنبة، والشعرينة الحلزونية.[37] في الفترة الممتدة بين عاميّ 1993 و1994، تمّ فحص 148 جيفة للذئاب بالقرب من مدينة فيربانكس بألاسكا لمعرفة ما إذا كانت مصابة بيرقات الطفليات الأخيرة، فظهر أن 54 ذئباً، أي ما نسبته 36% منها، كان مصاباً. كما ظهر أن نسبة انتشار الشعرينة الحلزونية تتوقف على مدى تقدم الحيوان بالسن.[40] تحمل الذئاب أيضاً أمراضاً خطرة بالنسبة للمواشي المستأنسة، إذ أنه بحال نقل أي منها هذا المرض إلى أنثى من الماشية، فإن نسبة احتمال إجهاضها تتراوح بين 3 و 13 مرة أكثر من الأنثى غير المصابة.[41]
على الرغم من أن الذئاب تحمل عدداً من الأمراض الخطيرة، فإن الجمهرات الضخمة منها لا تُعتبر مهددة بأي انتشار وبائي كما باقي الكلبيات الاجتماعية. وذلك بسبب عادة الذئاب المصابة مغادرة قطيعها، مما يمنع التقاط أي فرد أخر للعدوى.[37]
السلوك 
البنية الاجتماعية
تعيش الذئاب إجمالاً في مجموعة تُسمّى قطيعاً، إلا أنه يُمكن العثور على ذئاب منفردة بالبرية في بعض الأحيان، لكن القطعان تبقى أكثر شيوعاً.[42][43] غالباً ما تكون الذئاب المنفردة أفراد طاعنة في السن تمّ طردها من القطيع، أو يافعة تبحث عن منطقة خاصة بها.[44] تميل قطعان الذئاب في نصف الكرة الشمالي إلى أن تكون أقل تراصاً وتوحيداً من قطعان الكلاب البرية الأفريقية والضباع المرقطة،[45] إلا أنها تبقى أكثر استقراراً من قطعان القيوط.[46] عادةً ما يتألف القطيع من ذكر مسيطر وأنثاه وصغارهما، مما يجعل القطيع عبارة عن "أسرة نواتية".[42][43] يتغير حجم القطيع بمرور الزمن إما بالزيادة أو النقصان، وفق عوامل معينة، بما فيها نوعية المسكن ودرجة سدّه لحاجات الذئاب، شخصية الأفراد المنتمية إليه، ومخزون الطرائد. يحوي القطيع عادةً ما بين ذئبين و 20 ذئباً، وغالباً ما يتكون القطيع النمطي من 8 أفراد.[47] تمّ توثيق وجود قطيع ضخم بشكل استثنائي، وصل عدد أفراده إلى 36 ذئباً، في ألاسكا عام 1967.[48] يُعتبر الذئب الرمادي حيواناً أحادي التزاوج، أي أن الفرد منها يكتفي بشريك واحد طيلة حياته، إلا أنه تمّ توثيق بضعة حالات استثنائية تزاوجت فيها الذئاب مع أكثر من شريك.[49] تبقى الذئاب مع والديها حتى تبلغ سنتين من العمر في العادة. تُساعد صغار العام الفائت أبويها على تربية صغار العام التالي، وتُعد الجراء خاضعة بشكل كلّي لوالديها، وتبقى هكذا حتى بعد بلوغها مرحلة النضج الجنسي. أظهرت الذئاب في الأسر سلوكاً مغايراً لسلوكها البري في بعض الأحيان، إذ أن تلك الخاضعة منها أحياناً ما تتحدى الزوج المسيطر، الأمر الذي قد ينجم عنه قتل الإناث لأمهاتها وقتل الذكور لأبائها.[50] لم يتم توثيق أي حالة مماثلة لهذه في البرية،[51] مما جعل العلماء يفترضون أن هذا الأمر يحصل في الأسر فقط بما أن خيار مغادرة القطيع ليس متاحاً للجراء على الإطلاق،[52] كذلك ليس هناك من حالات موثقة قامت فيها الذئاب الخاضعة بتحدي أبويها على زعامة القطيع.[42][43][49] تقوم معظم الذئاب اليافعة التي تتراوح أعمارها بين سنة و 4 سنوات بمغادرة القطيع للبحث عن حوز جديد حيث تنشئ فيه مع شريك أخر قطيعاً خاصاً بها، أو لتنضم إلى قطيع ذئاب أخر.[49] غالباً ما يقتل أفراد القطيع أي ذئب منهم يتصرف بطريقة غريبة، كالجراء المصابة بالصرع، أو البالغ المصاب بطلق ناري أو المجروح بواسطة شرك.[6] تُعتبر ذئاب الشرق الأوسط وآسيا أقل ميلاً للاختلاط مع أي فرد أخر من بني جنسها لا ينتمي إلى ذات الأسرة النواتية المنتمية إليها، وبهذا فهي تمضي حياتها كأزواج أو كأفراد اجتماعية، كما هو الحال بالنسبة للقيوط وكلاب الدنغ.[53]
تظهر الذئاب في الأدبيات ووسائل الإعلام المرئية على أنها حيوانات تراتبية بشكل كبير، حيث يقبع الزوجان "الرئيسيان" على قمة القطيع، يليهما مجموعة من الأفراد الخاضعة "الثانوية"، ثم "أكباش الفداء" وهي الذئاب القابعة على قاعدة القطيع. هذه الافتراضات مبنية على الأبحاث التي أجريت على قطعان الذئاب الأسيرة المكونة من أفراد غير مرتبطة ببعضها البعض، وبالتالي فلا يُمكن استقراء ذات النتيجة بالنسبة للذئاب البرية.[54] يقول عالم الأحياء المتخصص بدراسة الذئاب، "لوسيان دايفيد مك": "إن إطلاق كلمة رئيسي أو مسيطر على الذئب ليس أكثر ملائمةً من إطلاقها على إنسان رُزق بأولاد أو على أنثى أيل ترعى صغيرها، فكل والد مهما كان نوعه يُعتبر مسيطراً بالنسبة لأطفاله، لذا فإن هذه الكلمة لا تضيف أي معلومة جديدة"، وإن دراسة البنية الاجتماعية للذئاب في الأسر هي "...كمحاولة رسم استدلالات حول ديناميات الأسرة البشرية عن طريق دراسة أسرة تعيش في مخيم للاجئين".[49] يُمكن اعتبار هذه التسمية صحيحة في حالات معينة فقط، كما عندما يتقبل القطيع دخول ذئب مطرود من قطيعه بينهم، أو عند موت الزوجين المتناسلين، الأمر الذي يترك مركزهما مفتوحاً أمام أفراد أجانب، أو عندما يُغادر جميع الأشقاء القطيع الأمومي، ففي هذه الحالات يفقد القطيع شكل الأسرة النواتية، وقد تتصرف الذئاب عندئذ كما تفعل في الأسر.
السلوك المناطقي
الذئاب حيوانات إقليمية أو مناطقية، بمعنى أن القطيع منها يُسيطر على حوز خاص به يحميه من قطعان الذئاب الأخرى. أظهرت الدراسات أن معدل مساحة حوز القطيع العادي يصل إلى 200 كم² (80 ميل مربّع).[55] تتنقل قطعان الذئاب باستمرار بحثاً عن الطرائد، وتغطي قرابة 9% من منطقتها يوميّاً، أي حوالي 25 كيلومتراً في اليوم (15 ميلاً في اليوم). تبلغ مساحة الحوز المركزي للقطيع، الذي تُمضي فيه الأفراد 50% من وقتها، قرابة 35 كم².[56] تكثر الطرائد في المناطق المتاخمة لحدود الحوز، إلا أن الذئاب تتجنب الصيد في تلك الأمكنة، إلا بحال كانت يائسة، تحسباً لإمكانية حصول مواجهة مع قطيع أخر منافس، الأمر الذي قد ينجم عنه عراك شديد من الممكن أن يؤدي لإصابات مميتة.[57] نادراً ما يتقبل قطيع الذئاب المقيم دخول أي ذئب غريب بينهم، وقد أظهرت إحدى الدراسات حول معدل الوفيات عند هذه الحيوانات في ولاية مينيسوتا ومنتزه دينالي الوطني بألاسكا، أن ما بين 14 و 65% من وفيات الذئاب سببها اعتداءات ذئاب أخرى،[58] كما ظهر أن 91% من الذئاب المقتولة عُثر عليها على بعد 3.2 كيلومتر (2.0 ميل) من حدود منطقة القطيع المجاور لها.[59] وتبيّن أيضاً أن غالبية الأفراد التي صُرعت كانت حيوانات مسيطرة، وتبرير ذلك هو أن الأخيرة تكون أكثر إصراراً على مواجهة القطعان المنافسة. وبالنسبة للحالات النادرة التي يتقبل فيها القطيع ذئباً غريباً، فإن هذا الفرد دائماً ما يكون حيواناً يافعاً يتراوح عمره بين سنة و 3 سنين، بينما تكون الغالبية العظمى من الأفراد التي تُقتل حيوانات بالغة.[60]
تقوم الذئاب بتعليم حدود حوزها عن طريق الروائح والعواء. ويُعد العواء الوسيلة الأساسية لإبعاد قطعان الذئاب عن بعضها وإبقاء مسافة آمنة فيما بينها، فهو يُحدد موقع الحوز المركزي، وبالتالي يُمكن للقطيع المنافس أن يعلم مدى قربه من ذلك الحوز. يُنشئ العواء بهذا منطقةً عازلة بين القطعان المختلفة، الأمر الذي يؤدي إلى تفادي الصراعات الإقليمية.[61] أما الذئاب المنفردة، فهي على العكس من القطعان، لا تستجيب للإنذار المتمثل بالعواء، بل تتسلل إلى داخل حوز الذئاب المقيمة.
تشتت القطيع 
تبقى جراء الزوجين المتناسلين في قطيعها الأمومي لفترة مؤقتة من حياتها كذئاب بالغة. وخلال هذه الفترة تلعب عدد من الأدوار المهمة في حياة القطيع، كالمساعدة في الصيد، فرض الانضباط، وتربية الصغار،[62] ويضمن الزوجان المسيطران قيام أبنائهما بهذه المهمات عن طريق كبح غريزة التناسل عندها ومنعها من التزاوج مع أي فرد أخر، وبهذا فإن الجراء تفجر كبتها وطاقتها عن طريق أمور أخرى، وينطبق هذا حتى ولو كان في القطيع ذئاب أخرى غير مرتبطة بالأفراد الرئيسية، إذ أن ما ينطبق عليها ينطبق على الأبناء. تدفع الغريزة الجنسية الكثير من الذئاب "الخاضعة" ليغادر قطيعه بحثاً عن شريك. تُسمى مغادرة الذئاب البالغة حديثاً لقطيعها "بالتشتت"، وهي تقع في أي وقت من السنة، وعادةً ما يقوم بها الأفراد الذين بلغوا مرحلة النضج الجنسي في وقت سابق على حلول موسم التزاوج السالف.[44] تبحث الذئاب المشتتة عن منطقة خاصة بها وشريك، أو عن قطيع أخر، وتُعد هذه العملية خطرة للغاية، إذ أنها من الممكن أن تؤدي لمقتل الذئب المتشرد،[51] وبحال نجح الأخير وعثر على شريك من الجنس الأخر وارتبط به، فإنهما يُشكلان نواة قطيع جديد، فالذئاب المشتتة لا تُشكل قطيعاً جديداً إلا مع فرد من قطيع مختلف عن القطيع الذي ولدت فيه.[27] ما إن يلتقي ذئبان مشردان ببعضهما البعض ويبدآ بالتنقل سويّاً، حتى يأخذا بالبحث عن حوز خاص بهما قبل حلول موسم التزاوج التالي عادةً.[26]
التعليم بالروائح
تقوم الذئاب، كغيرها من الكلبيات، بتعليم أي شيء تستولي عليه—من الحوز إلى الطرائد، برائحتها.[63] والذئاب المتناسلة هي من تقوم بالتعليم أكثر من غيرها، والذكور منها تفعل ذلك أكثر من الإناث. يُعد البول أكثر الوسائل المستعملة عند هذه الحيوانات في تعليم ما تملكته، ويرش الزوجان المسيطران بولهما بعد أن يرفعا إحدى قوائمهما الخلفية، بينما يقوم باقي أفراد القطيع بالتبول عن طريق القرفصاء، ويُرش البول على حدود الحوز وأماكن تخزين الطعام والطرائد التي سبق واصطادها القطيع. يُحدد البول المرتبة الاجتماعية لصاحبه أيضاً، إلا أنه ليس الوسيلة الوحيدة المستعملة من قبل الذئاب، فالتغوط يُعد وسيلة مألوفة كذلك الأمر، وهو يُعتبر بمثابة إنذار مرئي للضواري والذئاب الأخرى.[63] تُساعد علامات البراز أيضاً الذئاب عند التنقل، فتمنعها من عبور ذات المنطقة أغلب الأحيان، كما تسمح لكل ذئب على حدى من معرفة موقع أفراد القطيع بحال كان قد انفصل عنه لبعض الوقت. وأهم وظيفة يؤديها التعليم سواء بالبول أو البراز، هو إعلام قطعان الذئاب المنافسة أن هذه المنطقة مأهولة وأن عليها عبورها بحذر.
للذئاب غدد منتجة للروائح على جميع أنحاء جسدها، بما في ذلك عند قاعدة الذيل، بين الأصابع، وفي عيونها، أعضائها التناسلية، وجلدها.[63] تُميز الفيرومونات المنبعثة من هذه الغدد كل ذئب عن الأخر. يقوم الذئب المسيطر بفرك جسده على جسد ذئب أخر خاضع ليُحدده على أنه من نفس القطيع. قد تقوم الذئاب بخدش الأرض بمخالبها لتُعلمها بفيروموناتها عوضاً عن رشها بالبول.[64]
الحمية 
تقتات الذئاب الرمادية بشكل أساسي على الحافريات متوسطة الحجم أو الضخمة، إلا أنها تبقى حيوانات انتهازية، وسوف تقتات على أي مصدر لحوم متوافر،[65] بما فيه الحيوانات غير الحافرية،[66] الجيفة، والقمامة.[65] لا يُعد أكل بني الجنس أمراً نادراً بين الذئاب، إذ أن بضعة حالات قد تمّ توثيقها في الفترات التي قلّ فيها مخزون الطعام،[67] أو نفق أحد أفراد القطيع،[68] أو عند مقتل إحدى الذئاب المنافسة خلال نزاع مناطقي.لوحظ أن بعض الذئاب في ألاسكا وغربي كندا تقتات على أسماك السلمون عند هجرتها للمياه الداخلية.[69][70] يندر أن تقتات الذئاب على البشر، على الرغم من أن بعضاً من هذه الحالات وقع بالفعل.[38][71][72][73] والذئاب تتجاهل غالباً أي طريدة غير مألوفة لم تشاهد مثيلاً لها طيلة حياتها، وعادةً كلما كان هناك تناقضاً بين ما اعتادت الذئاب على رؤيته وبين الكائن الماثل أمامها، فكلما ازداد ترددها في الاقتراب منه واستكشافه، وهذا هو السبب الذي يمنع هذه الحيوانات من مهاجمة الإنسان في الغالب، إذ أن أغلبية الذئاب لا ترى البشر في حياتها أو تراها بضعة مرات فقط. وينقلب هذا المبدأ رأساً على عقب بحال تصرفت الطريدة الجديدة بجرائة، وأظهرت حزمها على المواجهة أو بينت عدم خوفها. تقوم الذئاب بالاقتراب من الطرائد الجديدة، حتى ولو لم يكن هناك نقصاً في مخزون طرائدها المعتادة، بحال قامت الأخيرة بالاحتكاك بها عدد من المرات، حيث تعمل على ترويض نفسها والتأقلم مع هذه الكائنات.[
تُظهر قطعان الذئاب، التي يزيد عدد أفرادها عن اثنين، تعاوناً استراتيجيّاً قليلاً عند صيد الفرائس الكبيرة، بالمقارنة مع زمرات الأسود.[65] عادةً ما تحاول الذئاب إخفاء نفسها عند الاقتراب من طريدتها، وهي تنتظر غالباً حتى تبدأ الأخيرة بالرعي وتنشغل به حتى تنقض عليها.[9] وبحال وقفت الطريدة في أرضها وجابهت الذئاب، فإن القطيع يقترب منها ويحاول إخافتها، وقد يهجرها بحال استمرت على هذا الموقف ولم تهرب، على أن الوقت الذي تنتظره الذئاب قد يتراوح بين عدة ساعات إلى أيام.[65] عندما تبدأ الفريسة بالركض لتنجو بحياتها، يبدأ قطيع الذئاب بمطاردتها، والذئاب عادةً لا تُطارد فريستها لمسافات طويلة، إذ أنها تتوقف بعد اللحاق بها لمسافة تتراوح بين 10 و 180 كيلومتراً (بين 10 و 200 ياردة)، على الرغم من أنه تم توثيق حالة واحدة طارد فيها أحد الذئاب موظاً لمسافة 36 كيلومتراً (22 ميلاً).[9] تُعتبر إناث الذئب الرمادي أفضل من الذكور في مطاردة الفرائس، وتُعتبر الأخيرة أكثر تأقلماً للإطاحة بالطريدة أرضاً بعد الإمساك بها. تبين أن قطعان الذئاب في الولايات المتحدة المكونة بأكثرها من الإناث تقتات على الطرائد سريعة العدو كالألكة بشكل كبير، بينما لوحظ أن تلك المتخصصة باصطياد البيسون تتكون بمعظمها من الذكور.[75] على الرغم من أن الذئاب تُصوّر على أنها تختار الحيوانات البطيئة، المريضة، أو العاجزة،[35] فإن الدليل على قيامها بذلك ضعيف نسبيّاً، وعوضاً عن ذلك، يظهر بأن هذه الضواري تستهدف الحيوان الأسهل صيده بالنسبة لها، وهذا يشمل القائمة سالفة الذكر ويُضاف إليها الحيوانات الصغيرة والإناث الحوامل.[76] ومع أن الذئاب غالباً ما تصطاد الطرائد الكبيرة في مجموعة، إلا أن هناك بعض الحالات التي استطاع فيها ذئب منفرد من أن يقتل حيواناً ضخماً دون مساعدة قطيعه، وإحدى هذه الحالات قيام أحد الذئاب بقتل 11 موظاً بمفرده خلال فترة من الزمن.[77]
تحاول الذئاب إجمالاً أن تشل حركة الطريدة الضخمة عن طريق عض وتمزيق وركها وعجانها، مما يتسبب بنزيف كبير وفقدان للاتزان. يُمكن لعضة واحدة أن تسبب جرحاً يصل طوله إلى ما بين 10 و 15 سنتيمتراً (ما بين 4 و 6 إنشات)، وبهذا فإن الذئاب تكون قادرة على إخضاع أقوى الأيائل بثلاث عضات على العجان بعد مطاردة تصل إلى مسافة 150 كيلومتراً (160 ياردة). ما أن تضعف الطريدة ولا تعود قادرة على المقاومة، حتى تمسك الذئاب بجانبيها وتُسقطها أرضاً،[9] وفي بعض الأحيان عندما تُمسك الذئاب بطريدة متوسطة الحجم، مثل ضأن الدال، فإنها تلجأ لعض عنقها مما يُثقب قصبتها الهوائية أو حبل الوريد.[78] أما عندما تصطاد الذئاب كلبيات أخرى، كالكلاب المستأنسة، القيوط، أو ذئاب أخرى، فإنها تقتلها عن طريق عضها في ظهرها، عنقها، أو رأسها.[79][80] وعندما يُهاجم الذئب حيواناً مساوياً أو أقل منه وزناً، كالحملان أو الجديان، فإنه يُمسك بها من عنقها، صدرها، رأسها، أو فخذها، ويحملها إلى مكان معزول.[9][73] عندما تنهار الفريسة أمام صيّاديها، تُقدم الذئاب على تمزيق البطن والبدأ بالاقتيات فوراً، حتى وإن كان الحيوان لمّا ينفق بعد.[9] وفي بعض الأحيان، لا تُبقي الذئاب ضغط الهجوم مركزاً على الطريدة، بل إنها تجلس منتظرة حتى تموت الأخيرة جرّاء النزيف الكثيف الذي أحدثته لها.[81] تُهاجم الذئاب إناث الحافريات الحوامل في بعض الأحيان وتفتك بها للاقتيات على أجنتها، وتترك الأم دون أن تمسها.[82] ينفذ الزوجان المتناسلان عادةً أصعب مراحل عملية الصيد. لوحظت الذئاب أحياناً وهي تقوم بالقتل الفائض لطرائدها، وتُعتبر هذه الظاهرة مألوفة عندما تقوم الذئاب بقتل الماشية المستأنسة،[83] أما في البرية فإن هذا يحصل في أواخر الشتاء أو الربيع عادةً، عندما يعوق الثلج الكثيف هروب فرائسها.
تقوم الذئاب بتعزيز مركزها الاجتماعي في القطيع أثناء الاقتيات. فالزوجان المتناسلان هما من يقتات أولاً إجمالاً، حيث يأكلا أفضل أقسام الطريدة وهي القلب، الكبد، والرئتين. وتقوم الذئاب ذات المرتبة المتوسطة بمنع تلك ذات المرتبة الدنيا من الأكل قبل أن ينتهي الزوجان المسيطران.[25] تقتات الذئاب على معدة طريدتها، لكنها لا تمس محتواها بحال كانت الفريسة من آكلات الأعشاب، كذلك فإنها تأكل عضلات قوائمها، وتترك الجلد العظام إلى أن تنتهي من اللحم.[65] وبحال أزعجت الذئاب وهي تقتات، كأن يحاول حيوان مفترس أخر سرقة طريدتها، فإنها تركز عندئذ على مخزون الدهون عوضاً عن الأعضاء الداخلية، وذلك حتى تحصل على أكبر قدر ممكن من الطاقة بحال اضطرت لهجر الطريدة.[85][86] يستطيع الذئب الواحد أن يقتات على ما بين 3.2 و 3.5 كيلوغرامات (ما بين 7 و 8 أرطال) من اللحم في جلسة واحدة، على الرغم من أنها قادرة على الاقتيات على ما بين 13 و 15 كيلوغراماً (ما بين 29 و 33 رطلاً) عندما تكون جائعة بشكل كبير. يحتاج الذئب الواحد إلى 1,500 كيلوغراماً (3,307 أرطال) من اللحم سنويّاً ليستطيع البقاء،[9] على الرغم من أن هذه الحيوانات قادرة على الاستمرار لفترات طويلة بلا قوت، فقد أظهرت إحدى الوثائق الروسية أن ذئباً نجح في الاستمرار لمدة 17 يوماً بدون أي طعام.[6] أظهرت الأبحاث أن بقاء الذئب بلا طعام طيلة أسبوعين لن يُضعف نشاطه العضلي.[9] تشرب الذئاب كمية كبيرة من المياه بعد أن تنتهي من الاقتيات وذلك كي تمنع إصابتها بفشل كلوي حاد،[6] ومعدة الذئاب قادرة على احتواء 7.5 ليترات من الماء.[9] تكمل الذئاب حميتها ببعض أنواع النبات. أظهرت التحاليل التي أجريت على براز هذه الحيوانات أن 75% من العينات التي تمّ التقاطها من منتزه يلوستون الوطني تبين أن حمية الذئاب في الصيف يدخلها مصادر نباتية وبشكل أساسي أعشاب النجيلية.[87] وفي بعض أنحاء الإتحاد السوفياتي السابق، كان هناك تقارير تفيد باقتيات الذئاب على شتلات البطيخ الأحمر في المزارع.[76]
تختلف نتائج الدراسات التي تتناول تأثير الذئاب على جمهرة طرائدها بشكل كبير، إذ أن بعضها يُظهر بأن الذئاب تُخفض عدد طرائدها، بل تُبيد بعض الأنواع منها أحياناً في منطقة معينة، بينما يُفيد بعضها الأخر بأن افتراس الذئاب يحل مكان العوامل الأخرى المسببة للوفاة عند الفرائس في المناطق الخالية من الذئاب.[67][84] لا يُعد وجود الذئاب ضروريّاً لوجود وبقاء الكثير من أنواع الحياة البرية الأخرى.[88]