          لم يكن أحد يدري أن الاتجاه المتزايد للاعتماد على المياه الجوفية كمصدر لمياه الشرب, الذي روّجت له كثيرا في البلدان النامية وكالات الإغاثة الدولية, سيؤدي إلى وباء كوني اسمه التسمّم بالزرنيخ, فقد مات الآلاف, وظهرت على عشرات الآلاف الآخرين من البشر أعراض مثل الطفح الجلدي والسرطان. ويعتقد أن مئات الملايين يتعرّضون الآن لتهديدات خطيرة.
          وجاءت أحدث الأدلة من وادي نهر الجانج في الهند, أحد أكثر الأماكن كثافة بالسكان على كوكبنا, وكان يعتقد أن مستويات الزرنيخ العالية في المياه الجوفية تقتصر على مناطق معينة حول دلتا النهر, وبنجلاديش على وجه الخصوص, لكن دراسة حديثة لخبير بارز بيّنت أن الزرنيخ غزا الوادي كله حتى جبال الهمالايا. وهي منطقة يقطنها نصف مليار شخص.
          وأظهر مسح جديد نشر في عدد أكتوبر الماضي من مجلة كيموسكوب أن الزرنيخ أوسع انتشارا مما كان متخيلا من قبل (راجع الخريطة). ووجد البروفيسور جاك نج, من جامعة كوينزلاند في أستراليا, أن الناس يتعرّضون لتهديدات خطيرة في 17 بلدًا - بما في ذلك الصين, وفيتنام, والأرجنتين والولايات المتحدة, حيث عجزت تجّمعات سكنية كثيرة عن تلبية الشروط الصحيّة التي وضعتها منظمة الصحة العالمية.
          وجاءت هذه الاكتشافات في وقت تفتش فيه بنجلاديش عن سبل لعلاج الآبار الارتوازية المسمّمة, التي يهدد خطرها 50 مليون نسمة فيما أسمته منظمة الصحة العالمية أكبر كارثة تسمّم جماعي في العالم. وقد أعلن في الشهر الماضي أن الحكومة البنجلاديشية أنفقت على عمليات التطهير العاجل للآبار أقل من سبعة ملايين دولار فقط من المنحة البالغة 52 مليون دولار التي قدمها لها البنك الدولي في العام 1998. وقد أمر مسئولو البنك الدولي الحكومة بتقديم بقية المبلغ للقرى المتضررة.
          أما بؤرة القلق الراهنة فهي ولاية بيهار الهندية التي يعيش فيها 83  مليون نسمة في دلتا نهر الجانج. وفي شمالي الهند, يعتمد 80 في المائة من السكان في مياه الشرب على مصادر جوفية, معظمها طلمبات يدوية بسيطة ركبت على آبار ارتوازية خلال الأعوام الثلاثين الماضية لتحل محل قنوات المياه العذبة السطحية الجارية الملوّثة. غير أن معظم هذه الآبار الارتوازية لم تجر عليها اختبارات التلوّث بالزرنيخ.
          وفي العام الماضي, انتاب القلق كونشوار أوجها, وهو معلم مدرسة يعيش بالقرب من النهر, بعد أن توفيت زوجته وأمه بسرطان الكبد وأصيب العديد من أفراد الأسرة بالتهابات جلدية غامضة. فأخذ عينات من مياه البئر الارتوازية التي تستخدمها الأسرة إلى ديبانكار تشاكر أبورتي, مدير الدراسات البيئية في جامعة جادافبوت في كالكوتا, الذي كان أول من اكتشف التسمم الجماعي بالزرنيخ في دلتا الجانج في العام 1995.
          وقد أكد تشاكر أبورتي وجود تركيزات عالية من الزرنيخ في العينة, وكشفت التحقيقات اللاحقة مصرع 18 شابا بأمراض مرتبطة بالزرنيخ في قرية سمريا أوجها باتي في السنوات الخمس الأخيرة وإصابة مئات آخرين بأعراض مبكرة, مثل الالتهابات الجلدية. أما الأصحاء الوحيدون في القرية فكانوا المنتمين إلى طائفة المنبوذين, الذين حرموا بسبب مكانتهم الاجتماعية المتدنية من الشرب من آبار القرية الارتوازية.
          ومنذ ذلك الوقت, اكتشفت مئات الحالات في المنطقة, ومنعت السلطات السكان من الشرب من الكثير من الآبار الارتوازية, وأصبحت عدة مناطق في قرية سمريا أوجها باتي مهجورة الآن.
          وفي الشهر الماضي, أكّد تشاكر أبورتي أن أكثر من نصف المائتي بئر ارتوازية حول سمريا أوجها باتي تحتوي على مستويات زرنيخ أعلى من الحد الأقصى الذي سمحت به الحكومة وهو 50 ميكروجراما في اللتر, وهو أعلى خمس مرات من الحد الذي وضعته منظمة الصحة العالمية. ويقول أبورتي إن هذه المستويات  أعلى حتى من تلك الموجودة في بنجلاديش. لكن لم يتضح حتى الآن الحجم الحقيقي لانتشار الزرنيخ.
          وفي أكتوبر الماضي, أعلن تشاكر أبورتي في مؤتمر صحفي أن مسحا جديدا أجري على ثلاثة آلاف بئر في منطقة واسعة من ولاية بيهار, ووجد أن مستويات الزرنيخ في 14 في المائة من هذه الآبار تتجاوز الحد الذي سمحت به منظمة الصحة العالمية, وأن مستويات الزرنيخ في 12 في المائة منها تتجاوز هذا الحد بعشرين ضعفا. وأظهر 20 في المائة من البالغين الذين تم فحصهم أعراضا مرتبطة بالتسمم بالزرنيخ. وقال شاكر أبورتي: (إن النموذج نفسه الذي شاهدناه في بنجلاديش يتكرر هنا. فهناك بدأنا باكتشاف ثلاث قرى. والآن نعرف أن آلاف القرى ضربها التسمم ويتم اكتشاف قرى أخرى كل يوم. وكانت تحذيراتنا المبكّرة قد قوبلت بالتجاهل. واليوم نحن نحذر من الوضع في ولاية بيهار, ونحن نشعر بأن ما نراه ليس سوى قمة جبل الجليد المغمور).
          وكان أطباء في نيبال قد حذروا في مطلع العام الحالي من أن عشرة ملايين شخص في وادي تيراي, وهو جزء من أعالي وادي نهر الجانج, ربما يشربون مياها ملوثة. وقد ظهرت أعراض التسمم بالزرنيخ على كثيرين منهم. ويقول تشاكر أبورتي إن نصف بليون شخص يعيشون في الوادي يتهددهم الخطر, بدءا من شمالي الهند المكتظ بالسكان وحتى منطقة دلتا النهر في بنجلاديش.
          وفي معظم هذه المناطق, كانت قلة من السكان هي التي تعتمد على الآبار الارتوازية حتى عشرين سنة مضت, عندما بدأت وكالات الإغاثة الدولية في الترويج لها كمصدر لمياه الشرب يمكن الاعتماد عليه عوضا عن قنوات المياه السطحية الملوّثة بالصرف الصحي. لكن الأنهار تأخذ معها الزرنيخ من الجبال وترسبه ببطء في خزانات المياه الجوفية تحت الأنهار الكبرى.
          وتواجه فيتنام أيضا أزمة زرنيخ مشابهة. وقد أظهر مسح أجراه أخيرا مايكل بيرج من المعهد الفيدرالي السويسري لعلوم البيئة في ديوبندورف أن الآبار الارتوازية في منطقة دلتا النهر الأحمر, التي يقطنها 11 مليون نسمة, بما في ذلك العاصمة هانوي, تتضمن مستويات من الزرنيخ تتجاوز الحد الذي وضعته منظمة الصحة العالمية تصل أحيانا إلى ثلاثمائة ضعف. ويقول إن أعراض التسمم بالزرنيخ قد تظهر هناك قريبا مع تراكم السموم في أجساد السكان من الآبار الارتوازية التي بدأ حفرها هناك قبل سبع سنوات.
